لما فرغ الحافظ ابن عبدالهادي ﵀ من كتاب الطهارة أتى بعده بكتاب الصلاة، وكتب الفقه وكتب الحديث هي مرتبة على العبادات ثم المعاملات والعبادات هي أركان الإسلام الخمسة التي هي الشهادتين ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج هذه أركان الإسلام ويؤتى بها في أول الكتب وإذا فرغ منها أتي بالمعاملات، والمؤلف ﵀ ذكر كتاب الصلاة بعدما فرغ من كتاب الطهارة وذلك أن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة ولابد من الطهارة فيها لابد من الوضوء إذا كان الماء موجودا وإلا انتقل إلى التيمم فلابد من التطهر للصلاة إما بالوضوء أو بالتيمم فلما كان هذا شرط من شروطها والشرط لابد أن يكون موجودا عند الإتيان بالصلاة قدمت الطهارة لأنها لا تصح الصلاة إلا بطهارة.
[ ١٦٤ ]
١٥٢ - عَن جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ يَقُول: " بَين الرجل وَبَين الشّرك وَالْكفْر ترك الصَّلَاة " رَوَاهُ مُسلم.
أورد في أول هذا الباب هذا الحديث عن جابر بن عبدالله الأنصاري ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: بين المسلم وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة، وهذا يدلنا على عظم شأن الصلاة وعلى أن أمرها خطير وأن الإنسان لا يجوز له ولا يليق به أن يتهاون بها لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو الركن الذي إذا ترك تساهلا فإن صاحبه يكون كافرا بخلاف الأركان الأخرى فإنها إذا تركت تساهلا فإنه لا يكفر صاحبها وإنما يكفر إذا جحدها إذا حصل الجحد لأي ركن من أركان الإسلام فإنه يكفر وأما الصلاة فإنها خصت بأن تركها تهاونا وتكاسلا عنها أنه كفر ولهذا
قال -ﷺ- في هذا الحديث: بين المسلم وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة، والكفر والشرك بينهما عموم وخصوص فالكفر يكون عاما يعني يشمل ما كان دعاء غير الله معه ويشمل ما إذا جحد شيء معلوم من دين الإسلام بالضرورة بأن جحدت الصلاة وجحدت الزكاة أو جحد الحج فإن هذا يكون كفرا ولهذا جاء عن بعض التابعين أنه قال: لم يكن أصحاب رسول الله -ﷺ- يعتبرون شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، يعني تركه تهاونا أما إذا ترك جحودا فهذا بالإجماع أن صاحبه يكفر لأن من أنكر الحج كفر ومن أنكر الزكاة كفر ومن أنكر الصيام كفر لكن الصلاة من أنكرها كفر ومن تهاون بها كفر كما جاء في هذا الحديث: بين المسلم وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة، فالشرك يكون خاصا لأنه عبادة غير الله معه ودعوة غير الله معه وأما الكفر فإنه يشمل الشرك وغيره مما لا يعتبر شركا كجحود وترك ركن من أركان الإسلام فإن هذا يختص بالصلاة هي التي تركها تهاونا يكون كفرا وعلى هذا فالكفر والشرك بينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في أن كل منهما يطلق على ما إذا عبد مع الله غيره وينفرد الكفر بأنه يطلق على ما فيه جحود لأمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة.
[ ١٦٥ ]
١٥٣ - وَعَن بُرَيْدَة بن الْحصيب قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة فَمن تَركهَا فقد كفر " رَوَاهُ أَحْمد، وَابْن مَاجَه، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن حبَان، (وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم، وصححاه. وَقَالَ هبة الله الطَّبَرِيّ: (هُوَ صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم».
ثم ذكر هذا الحديث عن بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» يعني يكون التمييز بين المسلمين والكفار هو الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر وهذا معلوم أنه مثل ما جاء في الحديث الأول أن المقصود به تركها تهاونا وليس المقصود جحودا لأن غيرها كذلك غيرها من الأعمال إذا جُحد أمرٌ معلوم من دين الإسلام بالضرورة فإن جاحده يكون كافرا وعلى هذا فهذان الحديثان الأول والثاني كل منهما يتعلق ببيان كفر تارك الصلاة وأن من تركها تهاونا فإنه يكون كافرا.
[ ١٦٦ ]
١٥٤ - وَعَن عَلّي بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ يَوْم الْأَحْزَاب: " شغلونا عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر مَلأ الله بُيُوتهم وقبورهم نَارا، ثمَّ صلاهَا بَين العشاءين، بَين الْمغرب وَالْعشَاء " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- أن الرسول -ﷺ- قال يوم الأحزاب: شغلونا أي الكفار كفار قريش الذين جاؤوا للمدينة لغزو الرسول -ﷺ- فيها قال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» والصلاة الوسطى هذا الحديث بين أنها العصر والصلاة الوسطى قيل فيها أقوال متعددة لكن أصحها وأقواها هو أنها العصر لأنه جاء التنصيص عليها في حديث رسول الله -ﷺ- فإذًا لا مجال لأي قول آخر لم يأتي عليه دليل يدل على ذلك وعلى هذا فإن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر التي خصها الله ﷿ بالذكر بعد أن كانت داخلة تحت عموم الصلوات وذلك لأهميتها ولعظيم شأنها فخصها بالذكر دون غيرها وقال إنها الصلاة الوسطى وقال إنهم شغلونا عنها وذلك أنهم ما تمكنوا من أن يأتوا بها لشدة القتال بينهم ولم يفعلها حتى غابت الشمس بعد غروب الشمس صلى العصر قضاء ثم صلى المغرب أداء، صلى العصر قضاء يعني بعد خروج وقتها لأن وقت العصر الاضطراري ينتهي بغروب الشمس وإنما لم يتمكن -ﷺ- من أدائها في وقتها فإنه أداها بعد خروج وقتها ولكنه قدمها أولا لأنها هي المقضية ولأن العصر متقدمة على المغرب فأتى بها قضاء ثم أتى بصلاة المغرب في وقتها أداء وعلى هذا فإن هذا الحديث واضح الدلالة على تعيين الصلاة الوسطى وأنها صلاة العصر وأنها ليست غيرها كما قاله جماعة من أهل العلم منهم من قال إنها الصبح ومنهم من قال إنها غيرها ومنهم من قال إنها مجموع الصلوات الخمس وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن الحافظ أبو عمر ابن عبد البر ﵀ قال بأنها مجموع الصلوات الخمس واستعظم هذا ابن كثير من ابن عبد البر مع سعة علمه واطلاعه فقال: وإنها لإحدى الكبر أن الحافظ ابن عبد البر قال إنها مجموع الصلوات الخمس وهو قول ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر يعني فاستعظم هذا منه وقال: إنها لإحدى الكبر يعني مستعظما هذا الأمر وهذا القول أنه قاله مثل ابن عبد البر المعروف بعلمه وفقهه وكونه جمع بين الرواية والدراية.
[ ١٦٧ ]
١٥٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله: " أَن عمر جَاءَهُ يَوْم الخَنْدَق بعد مَا غربت الشَّمْس فَجعل يسب كفار قُرَيْش وَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا كدت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب! فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: وَالله مَا صليتها، قَالَ فقمنا إِلَى بطحان فَتَوَضَّأ للصَّلَاة وتوضأنا لَهَا فَصَلى الْعَصْر بعد مَا غربت الشَّمْس ثمَّ صَلَّى بعْدهَا الْمغرب " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه أن عمر ﵁ قال للنبي -ﷺ-: ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب قال -ﷺ-: «والله ما صليتها» ثم إنه قام وصلى بعدما غربت الشمس صلى العصر التي هي المقضية ثم صلى المغرب التي هي مؤداة يعني في وقتها، يعني معناه أنه أداها جماعة الأولى مقضية التي هي العصر وكانت في غير وقتها بعد أن غربت الشمس وخرج وقتها وثم أتى بعد ذلك بالصلاة المؤداة التي أديت في وقتها
وهي صلاة المغرب فهو مثل الحديث الذي تقدم الذي فيه قال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا».
[ ١٦٨ ]
١٥٦ - وَعَن أنس بن مَالك قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِذا رقد أحدكُم عَن الصَّلَاة أَو غفل عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿أقِم الصَّلَاة لذكري﴾ " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها» غفل عنها يعني نسيها يعني: «فليصلها إذا ذكرها» عندما يذكر فإنه يبادر ولا يؤخر عن الوقت حتى ولو كان في وقت النهي او تذكر صلاة وهو بعد العصر قبل غروب الشمس وكذلك تذكر بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس فإنه يبادر إلى الإتيان بها ولا يؤخرها عن الوقت الذي ذكرها وإذا كانت الصلوات يعني عدد فإنه يقضيها متوالية إذا كان عدد من الصلاة نام عنهن فإنه يقضيهن في وقت واحد ولا يؤخر صلاة الظهر مع صلاة الظهر وصلاة العصر مع صلاة العصر وصلاة المغرب مع صلاة المغرب وإنما يأتي بها لأن قوله: «فليصلها إذا ذكرها» فسواء كانت واحدة أو أكثر من واحدة فإنه يجب عليه أن يصليها إذا ذكرها سواء كان حصل ذلك بسبب النوم أو بسبب النسيان.
[ ١٦٩ ]
١٥٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " من نسي صَلَاة فوقتها إِذا ذكرهَا ". (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لَا يثبت)
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: «من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها» هذا الحديث في إسناده ضعف وذلك أن في إسناده حفص بن أبي العطاف وهو ضعيف كما قال ذلك الحافظ في التقريب ولكن معناه صحيح والحديث الذي تقدم يشهد له وكذلك الحديث الذي في البخاري الذي قال فيه -ﷺ-: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» فالحديث وإن كان في إسناده ضعف إلا أن متنه مطابق وموافق لما جاء في الأحاديث الصحيحة الثابتة ومنها الحديث الذي قبل هذا.
[ ١٧٠ ]
١٥٨ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: " كنت مَعَ النَّبِي ﷺ َ فِي مسير لَهُ فأدلجنا ليلتنا حَتَّى إِذا كَانَ وَجه الصُّبْح عرّسنا فغلبتنا أَعيننَا حَتَّى بزغت الشَّمْس قَالَ: فَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ منا أَبُو بكر، وَكُنَّا لَا نوقظ نَبِي الله ﷺ َ من مَنَامه إِذا نَام حَتَّى يَسْتَيْقِظ، ثمَّ اسْتَيْقَظَ عمر فَقَامَ عِنْد نَبِي الله ﷺ َ فَجعل يكبر وَيرْفَع صَوته [بِالتَّكْبِيرِ] حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُول الله ﷺ َ فَلَمَّا رفع رَأسه وَرَأَى الشَّمْس قد بزغت قَالَ: ارتحلوا، فَسَار بِنَا حَتَّى إِذا ابْيَضَّتْ الشَّمْس نزل فَصَلى بِنَا الْغَدَاة " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن عمران بن حصين ﵁ أنهم كانوا مع النبي -ﷺ- في مسير يعني في سفر وأنهم أدلجوا يعني في الليل يعني حتى جاء وجه الصبح يعني قرب الصبح أدركهم النوم فنزلوا وعرَّسوا والتعريس هو النزول والنوم في آخر الليل فنزلوا وناموا حتى طلعت الشمس وهم في نومهم فكان أول من استيقظ أبو بكر ﵁ وكانوا لا يوقظون رسول الله -ﷺ- إذا كان نائما لا يوقظونه فكان يعني استيقظ أبو بكر ثم عمر ﵄ وجعل عمر ﵁ يكبر ويذكر الله ﷿ ويرفع صوته لأنهم ليس من عادتهم أنهم يوقظون الرسول -ﷺ- إذا نام ويطلبون منه أن يقوم وإنما كما جاء في هذا الحديث أن عمر ﵁ جعل يكبر ويرفع صوته حتى سمعه الرسول -ﷺ- واستيقظ ثم إنهم ارتحلوا إلى مكان آخر وأدوا الصلاة بأذان وإقامة التي هي صلاة الفجر التي ناموا عنها أداها وإنما لم يكونوا يوقظون رسول الله -ﷺ- إذا كان نائما أولا تأدبا مع الرسول -ﷺ- والأمر الثاني أنه قد يكون يوحى إليه في نومه ورؤيا الأنبياء وحي فقد يكون يوحى إليه فتقطع هذه الرؤيا لأن الرسول -ﷺ- عندما يرى في منامه شيء فإنها تعتبر وحي لأن هذا من أنواع الوحي أن يؤتى له في منامه ويرى رؤيا فأن رؤياه -ﷺ- هي وحي من الله ﷿ فكانوا لا يوقظونه أولا تأدبا معه والأمر الثاني أنه قد يكون يوحى إليه في منامه عن طريق الرؤيا ورؤيا الأنبياء وحي فكانوا لا يفعلون ذلك بأن يباشروه ولكن عمر ﵁ صار يكبر حتى يتنبه الرسول -ﷺ- بالتكبير حتى إذا سمع التكبير فإنه يقوم.
[ ١٧١ ]
١٥٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁: " أَن رَسُول الله ﷺ َ حِين قفل من غَزْوَة خَيْبَر فَسَار لَيْلَة حَتَّى إِذا أدركنا الْكرَى عرَّس - فَذكر حَدِيث النّوم عَن الصَّلَاة، وَفِيه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: تحولوا عَن مَكَانكُمْ الَّذِي أَصَابَتْكُم فِيهِ الْغَفْلَة. قَالَ: فَأمر بِلَالًا فَأذن وَأقَام وَصَلى " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: (وَلم يذكر أحد الْأَذَان فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ إِلَّا الْأَوْزَاعِيّ، وَأَبَان الْعَطَّار عَن معمر)، وَقد ذكر مُسلم الحَدِيث من رِوَايَة يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ فِيهِ: " وَأمر بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاة فَصَلى بهم الصُّبْح " وَلم يذكر الْأَذَان.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ وهو يتعلق بالتعريس يعني في آخر الليل وحصول النوم وأنهم ما استيقظوا إلا بعد طلوع الشمس وأن النبي -ﷺ- أمر بالأذان والإقامة وصليت الصلاة بعد خروج وقتها قضاء وقوله: أدركهم الكرى أو حصل لهم الكرى أي النعاس الذي كان وهم راكبون أصابهم النعاس فنزلوا وعرَّسوا حتى ناموا وحصل أن استمروا في نومهم حتى طلعت الشمس وقاموا وصلوا الصلاة بأذان وإقامة كما جاء ذلك في هذا الحديث وغيره من الأحاديث.
[ ١٧٢ ]