٣٧٧ - وَعَن يزِيد بن الْأسود " أَنه صَلَّى مَعَ رَسُول الله ﷺ َ صَلَاة الصُّبْح [بمنى] وَهُوَ غُلَام شَاب فَلَمَّا صَلَّى رَسُول الله ﷺ َ إِذا هُوَ برجلَيْن لم يصليا، فَدَعَا بهما، فجيء بهما تُرْعَد فرائصهما، فَقَالَ لَهما: مَا منعكما أَن تصليا مَعنا؟ قَالَا قد صلينَا فِي رحالنا. قَالَ: فَلَا تفعلا، إِذا صليتم فِي رحالكُمْ ثمَّ أدركتم الإِمَام لم يصل فَصَليَا مَعَه فَإِنَّهُ لكم نَافِلَة " رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ.
فهذه الأحاديث تتعلق بصلاة الجماعة، وقد مر جملة من الأحاديث في ذلك، وهذا الحديث من أحاديث صلاة الجماعة، وهو أن المفترض يصلي خلف المفترض، والمتنفل يصلي خلف المفترض، والمفترض يصلي خلف المتنفل، وهذا الحديث، حديث يزيد بن الأسود فيه الدليل على صلاة المتنفل خلف المفترض، لأن الرسول -ﷺ- صلى بالناس صلاة الصبح، جاء في بعض الروايات عند أحمد أنه في مسجد الخيف، وذلك في الحج، وجاء في بعض الروايات أنها في منى، فلما صلى وقضى صلاته وانصرف، وإذا رجلان جالسان لم يصليا معه، فدعا بهما، طلب أنهم يأتون إليه، فجاؤوا ترتعد فرائصهما من الخوف، خشية أن يكون حصل لهم شيء خطير، فترتعد فرائصهما، والفرائص: جمع فريصة وهي اللحمة التي بين الكتف والجنب، وتتحرك عندما يصير هناك اضطراب وانزعاج أو تأثر، فقال: «ما لكما لم تصليا؟» قالا: "صلينا في رحالنا" يعني الفرض الذي علينا أديناه في رحالنا، يعني في الخيام في منى، فقال: «لا تفعلا» يعني في المستقبل، «لا تفعلا إذا أتيتما والإمام لم يصل فصليا معه، تكون لكما نافلة»، وهذا يدل على صحة صلاة المتنفل خلف المفترض، بل أيضًا حتى في الصلوات التي لا يتنفل بعدها، مثل صلاة الفجر، لأن صلاة الفجر ما في تنفل بعدها، ومع ذلك في إعادة الجماعة، وكونهم يصلونها جماعة نافلة بعد أن صلوا الفريضة في رحالهما، هذا يدل على جواز ذلك، وعلى أن ذلك سائغ، فالحديث واضح الدلالة على صحة صلاة المتنفل خلف المفترض.
[ ٣٨٥ ]
٣٧٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " أَتَى النَّبِي ﷺ َ رجل أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُول الله [إِنَّه] لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد؟ فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ َ أَن يرخص لَهُ فَيصَلي فِي بَيته فَرخص لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأجب " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه وجوب صلاة الجماعة، حتى الأعمى الذي لا يستطيع أن يأتي بمفرده، فرجل أعمى جاء إلى النبي -ﷺ-، وجاء أنه عبد الله بن أم مكتوم ﵁، وسأله أن يرخص له لأنه لا يجد قائدًا يلائمه، يعني يأتي به إلى المسجد، فالرسول -ﷺ- أَذِنَ له يعني يصلي، ولكنه بعد ما ولّى طلب منه الرجوع، فقال أنه لا أجد لك رخصة، يعني صل مع الجماعة، وذلك لأنه لو ترك الجماعة وصلى في البيت، معناه أنه ما يأتي إلى المسجد، ولا يكون من عمّار المساجد، لأنه إذا كان سيصلي في بيته وأنه مرخص له، معناه أن الأعمى لا يأتي إلى المساجد، فالرسول -ﷺ- أراد أن يأتي إلى المساجد، وأراد أن أهل الأعذار يأتون إلى المساجد، لكن إذا حصل شيء مانع، يعني يمنع كالمرض أو غير ذلك فهذا معذور، وله الأجر في ذلك، كما جاء في الحديث «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم»، إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل في حال صحته وفي حال سفره، يكتب له ذلك، فعلى هذا، فإذا كانت الجماعة واجبة وأنها لازمة حتى لمن كان أعمى، لا يستطيع أن يأتي إلا معه قائد يلائمه، فيدل على أن الصحيح المعافى، الذي أنعم الله عليه بالصحة والعافية أنه يتعين عليه، وأنه إذا لم يرخص لأعمى، فكيف يسوغ وكيف يليق بإنسان أعطاه الله الصحة والعافية، ثم بعد ذلك يتخلف عن صلاة الجماعة فيكون شبيهًا بالمنافقين.
[ ٣٨٦ ]
٣٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، فَإِذا كبّر فكبّروا وَلَا تكبّروا حَتَّى يكبّر، وَإِذا ركع فاركعوا وَلَا تركعوا حَتَّى يرْكَع، وَإِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده: فَقولُوا: اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد، وَإِذا سجد فاسجدوا، وَلَا تسجدوا حَتَّى يسْجد، وَإِذا صَلَّى قَائِما فصلوا قيَاما، وَإِذا صَلَّى قَاعِدا فصلوا قعُودا أَجْمَعُونَ " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه.
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- الذي فيه أن الإمام جعل ليؤتم به، ومعنى ذلك أنه يتابع، فلا يسابق، ولا يوافق، ولا يتخلف عنه، وإنما يتابع، لأن أحوال المأموم وراء الإمام أربع حالات؛ فهو إما أن يسابقه، بأن يركع قبله، وهذا لا يجوز ولا يصح الصلاة معه، إذا سبقه ولم يرجع إلى الركن، فإنه صلاته غير صحيحة، وكذلك بعدها الموافقة، بأن يكون معه، لا يتقدم ولا يتأخر، وهذا أخف من الأول، وتصح الصلاة معه، وهو مكروه، إلا فيما يتعلق بتكبيرة الإحرام فإنه لا بد أن يكون بعده، لا يكون موافقًا له، ويلي ذلك المتابعة، وهي أنه إذا أتى بالركن الإمامُ، يأتي هذا بعده، دون مسابقة وموافقة ودون تخلف، وإنما بمتابعة، رَكَعَ، فإذا استقر راكعا يركع هذا معه، وإذا قام أو استقر قائمًا يقوم، وإذا سجد فإنه يسجد معه إذا استقر
في الأرض ساجدًا، فالإمام جعل ليؤتم به، وهذا الحديث سبق أن مر في صفة الصلاة برقم (٢٢١)، وهناك متفق عليه، ولكنه بهذا اللفظ الذي أورده هنا ليس في المتفق عليه، ولكنه صحيح، وهو بمعنى الأول، وأن فرض المأموم المتابعة، ولا يسابقه ولا يوافقه ولا يتخلف عنه.
[ ٣٨٧ ]
٣٨٠ - وَعَن الْبَراء: " انهم كَانُوا يصلونَ مَعَ رَسُول الله ﷺ َ فَإِذا ركع ركعوا، وَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع فَقَالَ: سمع الله لمن حَمده، لم نزل قيَاما حَتَّى نرَاهُ قد وضع وَجهه بِالْأَرْضِ، ثمَّ نتبعه " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث وهو بمعنى الذي قبله، وهو أن أصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا يصلون معه، وأنه إذا انتقل من ركن إلى ركن لا ينتقلون حتى ينتهي من الركن، وذلك بأنه كان يكبر ويكبرون، وإذا ركع ركعوا، وإذا قام من الركوع قاموا معه، ثم إنهم يبقون قيامًا إلى أن يسجد ويصل إلى الأرض، ومعنى ذلك أنه انتقل إلى الركن، وبدأ بالركن الذي بعده، فلا يكونوا معه في الهُوِي لأن هذا موافقة، وإنما يكونون بعده، يكونون بعد ما ينتهي من الهُوِي، وأن يستقر وجهه على الأرض، فعند ذلك يتابعه المأمومون.
[ ٣٨٨ ]
٣٨١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: " أَن رَسُول الله ﷺ َ رَأَى فِي أَصْحَابه تأخرا فَقَالَ لَهُم: تقدمُوا فائتموا بِي، وليأتم بكم من بعدكم، وَلَا يزَال قوم يتأخرون حَتَّى يؤخرهم الله ﷿ " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه الائتمام بالإمام، وأنهم يتابعونه، وكان يقول لأصحابه: «تقدموا فائتمّوا بي»، يقوله للذين قريبين منه، الذين هم قريبون منه يقول: «تقدموا فائتموا بي وليأتمّ بكم من بعدكم» يعني معناه أن الصفوف المتأخرة التي لا يرون الإمام يتبعون الصفوف التي أمامهم، ومعنى ذلك أنهم عندما يكبر إنسان يكبر الذين وراءه، وكل من يسمع فإنه يكبر، كل من يسمع فإنه يكبر، وكذلك في جميع أركان الصلاة يأتون بها بعد الإمام، قال: «تقدموا فأتمّوا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» وهذا الجزاء من جنس العمل، لأنهم تأخروا فحصل لهم التأخير من الله ﷿، تأخروا عن الإمام ولم يتابعوه، فيحصل لهم التأخير، كما قال: "تقدموا فائتموا، وليأتم … ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله.
[ ٣٨٩ ]
٣٨٢ - وَعَن زيد بن ثَابت قَالَ: " احتجر رَسُول الله ﷺ َ حجيرة بخصفة أَو حَصِير فَخرج رَسُول الله ﷺ َ يُصَلِّي فِيهَا، قَالَ: فتتبع إِلَيْهِ رجال وَجَاءُوا يصلونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثمَّ جَاءُوا لَيْلَة فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأ رَسُول الله ﷺ َ عَنْهُم، قَالَ: فَلم يخرج إِلَيْهِم، فَرفعُوا أَصْوَاتهم وحصبوا الْبَاب، فَخرج إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ َ مغضبا، فَقَالَ لَهُم: مَا زَالَ بكم صنيعكم حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيكتب عَلَيْكُم، فَعَلَيْكُم بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتكُمْ فَإِن خير صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إِلَّا الْمَكْتُوبَة " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه أن النبي -ﷺ- احتجر حُجَيْرَة من خَصَفَة أو حَصِيْر، يعني من خُوْص النخل، فجعله في قبلته من أجل أن يصلي أمامه، هذا في المسجد عند باب حجرته، فالناس لما شافوه يصلي جاؤوا صلوا معه، في الليلة الأولى قليلون، ثم زادوا ثم زادوا، حتى كثروا، وكان هذا في رمضان كما جاء في صحيح البخاري، والرسول -ﷺ- خشي أن يفرض عليهم قيام رمضان، ولهذا تركه، وكان يحب الشيء أن يفعله ولكنه يتركه خشية أن يفرض، فخشي أن يفرض عليهم قيام رمضان، وأن يوجب عليهم، فالرسول -ﷺ- من شفقته على أمته -ﷺ- وعلى سلامتها من أي شيء يكون فيه تقصير منها، تقصير منها بالفعل، ولما توفي رسول الله -ﷺ-، واستقرت الشريعة، والوحي انقطع، عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس على إمام في صلاة التراويح، لأن الذي كان يخشاه الرسول قد زال بوفاته -ﷺ- لأن الوحي انقطع، فدل هذا على أن صلاة التراويح أنها سنة، وأنها مستحبة، وأن الرسول -ﷺ- تركها خشية أن تفرض، ولما مات -ﷺ- وزال ما كان يُخْشَى، عمر ﵁ جمع الناس على إمام يصلي بهم، وهذا قد جاء -كما قلتُ- في البخاري، وأن الصحابي قال: "وكان ذلك في رمضان".
[ ٣٩٠ ]
٣٨٣ - وَعَن جَابر ﵁، قَالَ: " صَلَّى معَاذ لأَصْحَابه الْعشَاء فطول عَلَيْهِم فَانْصَرف رجل منا، فَصَلى، فَأخْبر معَاذ عَنهُ، فَقَالَ: إِنَّه مُنَافِق، فَلَمَّا بلغ ذَلِك الرجل دخل عَلَى رَسُول الله ﷺ َ فَأخْبرهُ مَا قَالَ معَاذ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: أَتُرِيدُ أَن تكون فتانا يَا معَاذ؟ إِذا أممت النَّاس فاقرأ ب ﴿الشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ و﴿سبح اسْم رَبك﴾، و﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ و﴿اللَّيْل إِذا يغشى﴾ " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم أَيْضا: وَفِي لفظ لَهُ: " فانحرف رجل فَسلم ثمَّ صَلَّى وَحده وَانْصَرف ".
ثم ذكر هذا الحديث في قصة معاذ ﵁، وأنه كان يصلي مع النبي -ﷺ- الفرض، ثم يذهب ويصلي بهم تلك الصلاة، هم مفترضون وهو متنفل، لأن صلاة الفرض كانت مع الرسول -ﷺ- وإذًا، فهذه الصلاة التي صلاها بقومه هي نافلة له وفريضة عليهم، فهذا عكس الذي تقدم في أول حديث، وهو المتنفل خلف المفترض، هنا المفترض خلف المتنفل، لأن معاذًا ﵁ صلاته بقومه هي نافلة، وقد صلى بهم العشاء، فطوّل فيهم، طول القراءة، فرجل كان مشغولًا، فشقّ عليه الاستمرار معه والقراءة الطويلة، فقطع صلاته، وصلى وحده، ثم انصرف، فبلغ معاذًا خبره فقال: "إنه منافق"، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله -ﷺ- يشتكي معاذًا، فدعاه الرسول -ﷺ- وقال: «أفَتَّانٌ أنت يا معاذ؟ أفَتَّانٌ أنت يا معاذ؟ إذا صليت بالناس فاقرأ بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية) و(الليل إذا يغشى» يعني معناه: أنه يقرأ بأوساط المفصل في العشاء، لأن المغرب بقصار المفصل، والعشاء من أوساطه، والفجر والظهر والعصر من طواله، فالرسول -ﷺ- دعاه وقال له: «إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء، وإذا صلى وحده [يريد فضيلة الشيخ: وإذا أَمَّ الناس] فليخفف، فإن فيهم الضعيف، والصغير، وذا الحاجة» كما سيأتي.
[ ٣٩١ ]
٣٨٤ - وَعَن عَائِشَة قَالَت: " لما ثقل رَسُول الله ﷺ َ جَاءَ بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ، قَالَت، فَقلت: يَا رَسُول الله! إِن أَبَا بكر رجل أسيف وَإنَّهُ مَتى يقم مقامك لَا يسمع النَّاس فَلَو أمرت عمر؟ فَقَالَ: مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ. قَالَت: [فَقلت لحفصة: قولي لَهُ: إِن أَبَا بكر رجل أسيف، وَإنَّهُ مَتى يقم مقامك لَا يُسمع النَّاس فَلَو أمرت عمر، فَقَالَت لَهُ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إنكن لأنتن صَوَاحِب يُوسُف مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ قَالَت:] فَأمروا أَبَا بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَت: فَلَمَّا دخل فِي الصَّلَاة وجد رَسُول الله ﷺ َ من نَفسه خفَّة فَقَامَ يهادى بَين رجلَيْنِ وَرجلَاهُ تخطان فِي الأَرْض، قَالَت: فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد سمع أَبُو بكر حسه، ذهب يتَأَخَّر، فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ َ: قُم مَكَانك، فجَاء رَسُول الله ﷺ َ حَتَّى جلس عَن يسَار أبي بكر، قَالَت: فَكَانَ رَسُول الله ﷺ َ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسا وَأَبُو بكر قَائِما، يَقْتَدِي أَبُو بكر بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ َ، ويقتدي النَّاس بِصَلَاة أبي بكر " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث أن رسول الله -ﷺ- لما ثقل، اشتد به المرض -ﷺ- فكان يقول: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، يعني معناه هو الذي يؤم الناس، فكانت عائشة ﵂ رأت أن تقدم أبيها ومجيئَه بعد رسول الله -ﷺ- يصلي بالناس، ما يكون الناس مرتاحين لكون الرسول مَرِض، ولكونه جاءهم شخص غيره، فهي ما أرادت أن يكون أبوها هو الذي في النفوس، في نفوس الصحابة شيء من إمامته، لأنه لا يرتاح الناس لأحد يأتي بعد رسول الله -ﷺ- فيشقّ ذلك عليهم ويكونون يتألمون ويتأثرون.
فكانت عائشة ﵂ تقول هذا، ثم قالت لحفصة قولي له، فقال: «إنكن لصواحب يوسف»، يعني معنى ذلك: أنهن يقلن شيئًا وهنّ يردن غيره، وذلك أنها قالت: "أن أباها رجل أسيف"، يعني معناه: أنه بكّاء، وأنه لا يملك نفسه من البكاء، وأنه إذا صلى لا يُسْمِعُ الناس من البكاء، هذا هو الظاهر، ولكن الخفي والباطن الذي تريده أن الناس لا يتأثرون بكونهم صلوا وراء أحد بعد رسول الله -ﷺ-، ويقوم مقام رسول الله -ﷺ-، قال: «إنكن لصواحب يوسف»، ثم إنه دخل في الصلاة أبو بكر، وكان في أولها، فوجد النبيُّ -ﷺ- خِفَّة، يعني أنه خفيف يمكن أنه يذهب، فذهب يهادى بين رجلين حتى جلس بجوار أبي بكر عن يساره، وكان ذلك في أول الصلاة، لم يمض شيء من الصلاة، فكان -ﷺ- يصلي بالناس هو الإمام، وأبو بكر على يمينه يبلغ صلاته، فأبو بكر يسمع صلاة الرسول -ﷺ- وهو صوته خافت، يعني ليس مرتفعًا، ثم يبلغ الناس يرفع صوته، يعني الذي هو أبو بكر، فدل هذا على أن الإمام [لعل الشيخ يريد "المأمومين"] إذا بدؤوا بالصلاة وهم قيام، ثم حصل طارئ أو عذر فإنهم يستمرون، ويستمرون على قيامهم، لأنهم دخلوا في الصلاة مع أبي بكر، ثم إنهم استمروا بعدما جاء الرسول -ﷺ- وتحول من كونه -أبو بكر-، من كونه إمامًا إلى كونه مأمومًا، الرسول -ﷺ- يكبر، وأبو بكر يبلغ تكبيره للناس.
[ ٣٩٢ ]
٣٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " إِذا أمّ أحدكُم النَّاس فليخفف فَإِن فيهم الصَّغِير وَالْكَبِير والضعيف وَالْمَرِيض، فَإِذا صَلَّى وَحده فَليصل كَيفَ شَاءَ " وَفِي لفظ: " وَذَا الْحَاجة " وَفِي آخر: " الضَّعِيف والسقيم " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم. وَلم يقل البُخَارِيّ: " وَالصَّغِير ".
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله -ﷺ- الذي فيه أنه يقول لمن صلى إمامًا أنه يراعي حال المأمومين، فيراعي حال الكبير والضعيف وذا الحاجة، وأما إذا كان وحده فليصل ما شاء، لأنه ليس هناك أحد يتضرر أو يتأذى بتطويله، لأن هذا شيئًا خاص به، فالرسول -ﷺ- أرشد إلى أن الإنسان إذا كان إمامًا أنه يراعي حال المأمومين، فيخفف من أجل من يتضرر بتطويله، وإذا صلى وحده فإنه يطول ما شاء، وهذا منهج قويم، رسمه -ﷺ- للأئمة، وأن الإمام يراعي حال المأمومين، ما يطول ويشقّ على الناس، ولكنه يراعي أحوالهم، فإذا رأى أنهم يتمكنون، وأنه يعرف أنهم لا يشقّ عليهم … وإذا كان يعرف أنه يشقّ عليهم فإنه يخفف ويراعي حال المأمومين.
[ ٣٩٣ ]