المقصود من ذلك الحدث الأصغر لأن الحدث حدثان حدث أكبر يوجب الغسل وحدث أصغر يوجب الوضوء وما ذكره في هذا الباب هو يتعلق بالحدث الأصغر الذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل.
[ ٩٥ ]
٨٨ - عَن عَطاء بن السَّائِب عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِن الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة إِلَّا أَن الله تَعَالَى أحل فِيهِ النُّطْق فَمن نطق فَلَا ينْطق إِلَّا بِخَير " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرَوَاهُ الحكم فِي سَعَة من حَدِيث سفر الْيَوْم وَسموا بِهِ وَهَذَا لَفظه، وَابْن حبَان، وَالْحَاكِم، (وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: (وَقد رُوِيَ عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَوْقُوفا وَلَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عَطاء)، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: (عَطاء ثِقَة رجل صَالح) وَقَالَ ابْن معِين: (اخْتَلَط: فَمن سمع مِنْهُ قَدِيما فَهُوَ صَحِيح) وَقد رَوَاهُ غير عَطاء عَن طَاوس فرفعه أَيْضا، وَرَوَاهُ عبد الله بن طَاوس وَغَيره من الْأَثْبَات عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس ﵄ مَوْقُوفا وَهُوَ أشبه).
ذكر حديث ابن عباس ﵄ الذي قال فيه النبي -ﷺ- إن الطواف بالبيت صلاة وأنه يباح للإنسان أن يتكلم فيه وأن من تكلم فيه لا يتكلم إلا بحق ومحل وجه إيراد الحديث هنا قوله: «صلاة» لأنه اعتبر أن الطواف بالبيت حكمه حكم الصلاة وكما أن الصلاة لابد فيها من طهارة فكذلك الطواف لابد فيه من طهارة لاسيما وأن في آخره يصلى خلف المقام ركعتان وهما ركعتا الطواف وعلى هذا فإن الإنسان عندما يطوف عليه أن يكون متطهرا وأن يكون متوضئا وأن يكون متطهرا من النجاسات التي تكون عليه وكذلك أيضا يكون على وضوء فهو يكون متطهرا من الخبث ومن الحدث ولهذا فإن الإنسان إذا طاف وهو على غير وضوء فإن طوافه غير صحيح لأنه فقد أو لم يوجد منه الوضوء الذي يكون فيه صحة الطواف ولهذا قال -ﷺ-: «الطواف بالبيت صلاة» يعني أنه مثل الصلاة إلا أن فيه كلام ما أحد يتكلم مع غيره في الصلاة ولكنه في الطواف يتكلم مع غيره ولكنهما يشتركان في أن كل منهما صلاة بمعنى أنه لابد من الوضوء ولهذا من كان يطوف وانتقض وضوؤه فإن عليه أن ينصرف ويتوضأ ثم يبدأ الطواف من جديد.
[ ٩٦ ]
٨٩ - وَرَوَى مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر وَهُوَ ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن فِي الْكتاب الَّذِي كتبه رَسُول الله ﷺ َ لعَمْرو بن حزم: أَن لَا يمس الْقُرْآن إِلَّا طَاهِر "، (وَهَذَا مُرْسل وَقد رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد فِي " الْمَرَاسِيل "، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْن حبَان من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أَبِيه عَن جده وَرَاوِيه عَن الزُّهْرِيّ سُلَيْمَان بن دَاوُد الْخَولَانِيّ، وَقيل: الصَّحِيح أَنه سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك).
وذكر هذا الحديث حديث عمرو بن حزم ﵁ في كتاب الرسول -ﷺ- إليه وقد بعثه إلى اليمن وهو حديث طويل ذكره الحاكم في المستدرك وغيره وفيه: «وأن لا يمس القرآن إلا طاهر» وهذا أورده هنا من أجل أن مس المصحف لابد أن يكون الإنسان فيه على طهارة من الحدث الأصغر يعني أنه متوضئ والإنسان إذا قرأ من حفظه يقرأ ما لم يكن جنبا وأما إذا كان من المصحف فلا يجوز له أن يقرأ إلا وقد توضأ يعني إذا كان الماء موجود وإذا تعذر فإنه يتيمم لأن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الوضوء عند فقدها فالرسول -ﷺ- قال: «لا يمس القرآن إلا طاهر» ومعنى
ذلك أن القراءة من المصحف لا تكون إلا عن طهارة لا يكون إلا عن وضوء وأما قراءة الحفظ عن ظهر قلب فإنه يقرأ ما لم يكن جنبا، وهذا الحديث هو مرسل لأن فيه إرسال ولكنه جاء من طرق متعددة وذكره الشيخ الألباني في إرواء الغليل وذكر له طرق وشواهد وأنه يقوي بعضها بعضا ويكون حجة في بابه بمعنى أن الإنسان ليس له أن يقرأ القرآن من المصحف إلا وهو على طهارة.
[ ٩٧ ]
٩٠ - وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " فِي حَدِيث هِرقل " أَن النَّبِي ﷺ َ كتب إِلَيْهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم، وَفِيه (يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ).
ثم ذكر هذا الحديث أو هذه القطعة من حديث هرقل الطويل الذي أورده البخاري في أول صحيحه وهو حديث طويل وفيه أن الكتاب الذي كتب به -ﷺ- إلى هرقل عظيم الروم أنه مشتمل على هذه الآية وهذا يفيد بأن كتابة الآية في كتاب لا يقال إن هذا مثل المصحف يعني أنه لا يقرأ إلا إذا كان على طهارة وأيضا كذلك لا يقال إن هذا مثله في أنه لا يسافر بالقرآن إلى بلاد العدو بلاد الكفار وهذا فيه إرسال خطاب من رسول الله -ﷺ- إلى هرقل عظيم الروم وفيه هذه الآية فدل هذا على أن مثل ذكر آية في كتاب لا يقال إن هذا مثل المصحف وأنه لابد يلمسه على طهارة فإن الورقة التي فيها آية أو كون الإنسان يذكر آية يستدل بها لا يقال أنه قارئ للقرآن ولا يقال أن هذا مثل السفر بالقرآن إلى بلاد الكفار لأن هذا ضمن خطاب وضمن آية وهو مثل لو أن إنسان ذكر آية يستدل بها وهو على جنابة فإن هذا لا يقال أنه قارئ للقرآن لأنه إذا قيل ما الدليل على كذا وكذا قال الدليل كذا وكذا هذا ما يقال له قراءة قرآن وإنما يقال له ذكر استدلال ولكن لا يقال له قراءة فإذًا ما جاء في هذا الحديث حديث هرقل من ذكر هذه الآية هو من هذا القبيل.
[ ٩٨ ]
٩١ - وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يذكر الله عَلَى كل أحيانه " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂: «أن النبي -ﷺ- كان يذكر الله على كل أحيانه» ومعلوم أن هذا في الحدث الأصغر كما عرفنا وإلا فإن الإنسان إذا كان على جنابة لا يقرأ القرآن إلا وقد اغتسل أو تيمم إذا كان الماء غير موجود وذلك لأن الجنابة التخلص منها بيد الإنسان يستطيع أنه يغتسل يستطيع أنه يتيمم إذا كان الماء غير موجود ويقرأ القرآن لكن ذِكر الله ﷿ الذي هو ليس قراءة قرآن فإنه سائغ في جميع أحواله
سواء على جنابة أو غير جنابة وإنما إذا كان جنبا يمنع من قراءة القرآن من حفظه يعني وهو على جنابة لأن عليه أن يغتسل ثم يقرأ من حفظه وعلى هذا فإن قوله: «يذكر الله على كل أحيانه» هذا عام ويستثنى من ذلك ما إذا كان جنبا فإنه لا يقرأ القرآن ويستثنى من ذلك أيضا ما إذا كان في قضاء حاجة فإنه لا يقرأ القرآن ولا يذكر الله ﷿ عند قضاء حاجته، وهذه الأحاديث الأربعة التي أوردها المصنف في هذا الباب هي مطابقة لما في كتاب الإلمام لابن دقيق العيد وقد سبق أن مر في مقدمة ابن عبدالهادي المختصرة قال: ورتبته على ترتيب بعض فقهاء زماننا ليسهل الرجوع إليه، والذي يبدوا أنه يقصد بذلك هذا ابن دقيق العيد في كتابه الإلمام لأن ترتيبه موافق لترتيبه وتبويبه موافق لتبويبه يعني في كتاب الطهارة الإنسان إذا استعرض يجد أن الأبواب مطابقة وفي هذا الباب الذي معنا يعني فيه ذكر هذه الأحاديث الأربعة مرتبة بهذا الترتيب الذي هو موجود في كتاب الإلمام.
[ ٩٩ ]