ثم بدأ بعد ذلك بالكتاب بعدما ذكر هذه المقدمة المختصرة التي بيّن فيها أنّه استقاه من كتب مسندة، هي الإحدى عشر وغيرها ممّا أبهمه وقال وغير ذلك، بدأ بكتاب الطهارة، ومعلوم أنّ كتب الأحكام تشتمل على العبادات والمعاملات، والعبادات هي: الصلاة والزكاة والصيام والحج، ولمّا كانت الصلاة لا تصح إلا بالطهارة بالماء عند وجوده، وعند عدمه بالتيمم، فلا بد من الطهارة، فإنّها قُدمت وجُعلت بين يدي الصلاة؛ لأنّها شرط من شروط الصلاة، والشرط يتقدم المشروط، لابد أن يكون الإنسان عندما يريد أن يصلي أن يتوضأ (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) يعني إذا أردتم القيام فاغسلوا وجوهكم، فالإنسان عندما يريد الصلاة يتوضأ، وجاء في الحديث «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حدثًا حتى يتوضأ» فبدأ بالطهارة؛ لأنّها مفتاح الصلاة؛ ولأنّها لا تكون الصلاة إلا بطهارة، سواء كان بالماء، أو بالتيمم عند فقد الماء، وكثير من الأئمة سواء الذين ألّفوا في الأحكام مسندة أو غير مسندة، فإنّهم يبدؤون بالطهارة، أمّا البخاري ومسلم فقد بدؤوا بكتاب الايمان، فذكروا شيء يتعلق بالعقيدة، ثمّ بعد ذلك بدؤوا بالطهارة وغيرها من الأبواب التي تتعلق في العبادات والمعاملات، وأمّا أصحاب السنن فإنّ ثلاثة منهم بدؤوا بكتاب الطهارة، الذين هم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، هؤلاء الثلاثة قالوا كتاب الطهارة، أمّا ابن ماجه فبدأ بأحاديث تتعلق بالعقيدة، وهي أحاديث كثيرة تبلغ مائتان وست وستين حديثا، فيها اتباع السنة وأحاديث أبواب كثيرة تتعلق بالعقيدة، ثم أتى بكتاب الطهارة، وكذلك الذين جاؤوا فيما بعد وألفوا في الأحكام فإنهم يبدؤون بكتاب الطهارة، مثل ما فعل عبدالغني المقدسي في كتابه عمدة الأحكام فإنه بدأ بالطهارة، وكذلك بعده صاحب منتقى الأخبار وهو: عبدالسلام جد شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه بدأ كتابه بكتاب الطهارة، وكذلك ابن دقيق العيد بدأ بكتاب الطهارة، وابن عبدالهادي بدأ بكتاب الطهارة، وابن حجر بدأ بلوغ المرام بكتاب الطهارة وهكذا فبدؤوا بالطهارة، وأول حديث ذكره ابن عبدالهادي هنا هو حديث ماء البحر.
[ ٩ ]
١ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " سَأَلَ رجل رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: إِنَّا نركب الْبَحْر ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء فَإِن توضأنا بِهِ عطشنا، أفنتوضأ من مَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَالنَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ، (وَصَححهُ البُخَارِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان، وَابْن عبد الْبر وَغَيرهم) وَقَالَ الْحَاكِم: (هُوَ أصل صدّر بِهِ مَالك كتاب الْمُوَطَّأ وتداوله فُقَهَاء الْإِسْلَام ﵃ من عصره إِلَى وقتنا هَذَا).
أول حديث ذكره ابن عبد الهادي في كتاب الطهارة هو حديث ماء البحر، وقد سبقه إلى ذلك عدد من العلماء فإنّهم بدؤوا بحديث البحر: السنن الكبرى للبيهقي بدأ بكتاب الطهارة وبدأ بحديث البحر هذا، وكذلك المجد بن تيمية بدأ بحديث ماء البحر في كتابه المنتقى، وكذلك ابن دقيق العيد في كتابه الإلمام بدأ بحديث ماء البحر، وابن عبدالهادي معهم على هذا، وبعده الحافظ ابن حجر بدأ كتابه بلوغ المرام بحديث ماء البحر، فهؤلاء صدّروا كتاب الطهارة بحديث البحر، وذلك لأنّه أكثر المياه (الذي هو البحر)؛ لأنّ المياه إمّا مياه أمطار، أو مياه آبار، وإمّا بحار، وإمّا أنهار، وأكثرها ماء البحر؛ فصدّر به؛ لأنّ الناس يحتاجون إليه، وأنّهم يركبون البحار، وأنّهم ينقلون الماء القليل؛ ليشربوا منه، وكأنّهم يظنون أنّ ماء البحر لمّا كان يختلف عن المياه الأًخرى في رائحته ونُتنِه وشدة مرارته أنّه يختلف عن سائر المياه، فسألوا رسول الله -ﷺ- وأنّهم كانوا يركبون البحر ويحملون معهم القليل من الماء؛ لشربهم، فإن توضأنا منه عطشنا، فقالوا أنتوضأ من ماء البحر، فقال -ﷺ-: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وهذا يدلنا على حرص الصحابة ﵃ على تلقي السنن، وعلى سؤال الرسول -ﷺ- أمور دينهم، وأنهم يسألون عن كل ما يحتاجون إليه، وكل ما تدعوا إليه الحاجة، وكل ما يعرض لهم، فإنّهم يسألون رسول الله -ﷺ-، وهذا يدلنا على حرصهم على تلقي السنة عن النبي -ﷺ-، سواء كانت تحصل منه ابتداء كما يحصل في خُطبِه وغيرها، أو كونه يُحدِّث الناس ابتداء، أو كونه يسألونه ويجيبهم على الشيء الذي يحتاجون إليه، وهنا ذكر سبب هذا الحديث؛ أنّ رجلًا سأل النبي -ﷺ- وقال إنّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا منه عطشنا، يحملونه للشرب فإن استعملوه للطهارة فإنّهم يعطشون، فهل نتوضأ من ماء البحر؟ قال: نعم، قال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ما قال -ﷺ- نعم لأنّهم قالوا أنتوضأ، ما أتى بكلمة نعم، لأنّه لو أجاب بنعم فقط لظن أنّه في حال الضرورة؛ لأنّهم سألوا في حال ضرورة، فلو أجاب بنعم يعني يجوز لكم في حال الضرورة كذا وكذا، لكنّه بيّن -ﷺ- أنّ هذا مطلقًا ضرورة وغير ضرورة، سواء كان في ضرورة أو غير ضرورة وأنّهم يتوضؤون بماء البحر كما يتوضؤون بماء الأنهار وماء الآبار وماء الأمطار والغدران وما إلى ذلك كل ذلك لهم، وأنّه لا فرق بين البحر وغيره، فإذًا أجابهم بجواب ليس مطابقا لسؤالهم بأن يقول نعم؛ لأنّه أراد أن تطيب نفوسهم وأن يطمئنوا إلى أنّهم يتوضؤون منه في جميع أحوالهم، سواء كان معهم ماء حلو أو ليس معهم ماء، المهم أنّه ماء طهو، وأنّه يُتوضأ منه، والطهور يأتي بضم الطاء وبفتحها، فما كان بالفتح فإنه يراد به الماء المستعمل، الماء المستعمل يقال له طَهور، ونفس الاستعمال أن يكون الإنسان يغسل وجهه ويغسل يديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه هذا يقال له طُهور، فإذًا ما كان بالفتح يراد به الشيء المستعمل الماء المستعمل، وما يراد به الضم يراد به نفس الاستعمال، وهناك كلمات مماثلة لهذه الكلمة التي هي الطهور؛ لأنّها في حال فتحها تكون للشيء المستعمل وللمادة المستعملة، وفي حال ضمها نفس الاستعمال، فإن الطَهور بفتح الطاء المقصود به الماء المستعمل، والطُهور المقصود به الاستعمال،
وكذلك الوَضوء والوُضوء؛ لأنّه بفتح الواو المقصود به الماء المستعمل، وبضمها نفس الاستعمال، وكذلك السَحور والسُحور، السَحور اسم للطعام الذي يؤكل في السحر للصيام، والسُحور هو نفس الأكل عملية الأكل التي هي كون الانسان يأكل في السَحر، وكذلك السَعوط الذي يستسعط في الأنف فهذا يقال له سعوط إذا كان بفتح السين، وسُعوط الذي هو نفس الجذب في الأنف هذا يقال له سُعوط، وكذلك الوَجور الذي هو يوضع في الحلق، فالذي يوضع في الحلق يقال وَجور، ونفس وضعه بالحلق فهذا يقال له وُجور، فهذه كلها كلمات في حال الفتح يراد بها الشيء
المستعمل أو المادة المستعملة، وما كان بالضم يراد به نفس الاستعمال أو عملية الاستعمال، الرسول -ﷺ- لمّا سألوه أنتوضأ من ماء البحر، قال هو «الطهور ماؤه» يعني معناه أنّ ماؤه طهور يُتطهر به وقوله يعني (هو) ليس المقصود به الماء، لأنّ المقصود به الأرضية التي عليها الماء التي يستقر عليها الماء، لأنّه لا يقال أنّ الماء هو الطهور ماؤه، وإنّما البحر هو الطهور ماؤه، المكان الذي فيه الماء، مثل ما يقال ماء البئر المكان الذي هو فيه، أو الغدران التي يكون فيها الماء، والأنهار التي يكون فيها الماء، فإن الضمير في قوله (هو) لا يرجع إلى الماء ولا يقال أنّه المقصود ماء لأنّه يصير ماء غير مستقيم يعني ماؤه هو الطهور ماؤه، وإنّما المقصود المكان الذي فيه الماء، كما يُقال ماء البئر ماء النهر ماء الغدران التي تكون في الفلاة من مياه السيول المتجمعة، ثمّ إنّ الرسول -ﷺ- لمّا رآهم توقفوا وترددوا في طهورية ماء البحر؛ لشدة مرارته ولنتن رائحته، قد يُشكل عليهم وقد يخفى عليهم أيضًا أنّ ميتته مثل ميتة غيره بأنها حرام، فبيّن -ﷺ- أنّها حلال؛ لأنّ ميتة البحر حلال، قال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، قالوا وهذا يدل على أنّ الإنسان إذا رأى أنّ بالسائل حاجة إلى أن يضيف إليه شيء قد يشكل عليه فإنّه يزيد، وهذا يسمونه أسلوب الحكيم، بمعنى أنّه يضيف شيئا يحتاج إليه السائل، ومثله ما لو سأل سؤالًا عامًا ثمّ أُجيب بسؤال خاص باختصار، مثل ما جاء عن الرسول -ﷺ- أنّهم سألوه ما الذي يلبسه المحرم من الثياب، فقال لا يلبس المحرم، سألوه عن ما يُلبس فأجاب بما لا يلبس؛ لأنّ ما لا يلبس قليل، وما عداه هو الذي يلبس، فبدل من كونه أن يجيب يلبس كذا وكذا وكذا من أنواع الملابس، قال لا يلبس كذا ويلبس ما سوى ذلك، فهذا كونه سألوه بما يلبس فأجابهم بما لا يلبس؛ لأنّه تنبيه لهم إلى
أنّ السؤال ينبغي أنّ يكون عن الشيء الذي لا يلبسه؛ لأنّه محصور، بخلاف الذي يلبس؛ فإنّه غير محصور، فهذا يسمى أسلوب الحكيم، فإذًا هذا الحديث الذي معنا هو من هذا القبيل، الرسول -ﷺ- لمّا رأى أشكل عليهم الطهارة من ماء البحر، فأرشدهم إلى أنّهم أيضًا حتى ميتته، والمقصود بميتة البحر يعني الحيوان الذي لا يعيش إلا بالبحر فإن خرج من البحر مات، فإنّ هذا هو المقصود، أمّا لو مات فيه شيء من ما يعيش في البر بأن غرقت فيه ناقة، أو فرس، أو شاة، أو عنز، أو طير من الطيور التي يحل أكلها وماتت به، فإنها حرام؛ لأنّها ليست مما يعيش إلاّ به الذي هو السمك وغيره مما يعيش إلاّ به، فإنّ ممّا يعيش بالبر إذا مات
في البحر فإنّه يعتبر ميته ولا يجوز أكله، فإذًا قوله «الحل ميتته» المقصود بذلك الميتة التي لا تعيش إلاّ في ماء البحر، قال -ﷺ- «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وهذا الحديث أصل عظيم، ولهذا صدّر به كثير من العلماء كتبهم كما ذكرت، وهو حديث صحيح صححه كثير من أهل العلم، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة المغيرة ابن أبي بردة ﵁ في تهذيب التهذيب في ترجمته، بأنّه ذكر عشرة صححوا الحديث وقال وآخرون، فقد صحح هذا الحديث كثيرون من أهل العلم، فهو حديث صحيح، وهو أصل من الأصول، ولهذا صدّر به جماعة من العلماء كتب الطهارة كالذين ذكرتهم، رواية يحيى بن يحيى الليثي المشهورة التي هي مشهورة عند الناس، لم يصدّر بها هذا الحديث، وإنّما يمكن أنّ المقصود بهذا في بعض الموطآت؛ لأن الموطأ رواه عنه جماعه يحيى ابن يحيى الليثي وغيره، لكنّ المشهورة رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، ولم يصدّر الموطأ فيها، بل جاء هذا الحديث الذي هو حديث البحر في الموطأ بعد أحاديث كثيرة في رواية يحيى بن يحيى، لكنّه المقصود من ذلك بعض الموطآت.
[ ١٠ ]
٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: " قيل يَا رَسُول الله أَنَتَوَضَّأُ من بِئْر بضَاعَة، وَهِي بِئْر يُلقى فِيهَا الْحيض وَالنَّتن وَلُحُوم الْكلاب؟ قَالَ: إِن المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء ". رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه). وَفِي لفظ لِأَحْمَد وَأبي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ: " يطْرَح فِيهَا محايض النِّسَاء وَلحم الْكلاب وَعذر النَّاس " (وَفِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اخْتِلَاف، لَكِن صَححهُ أَحْمد) وَرُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَسَهل بن سعد، وَجَابِر.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه سئل عن بئر بضاعة وهي بئرٌ يعني فيها ماءٌ كثير وقال أنها تطرح فيها الحيضُ والأشياء القذرة ومعلوم يعني أنه ليس المقصود أنه سيأتون يطرحون فيها النجاسات ويطرحون فيها الأشياء القذرة لا يفعلون هذا كما ذكر ذلك بعض العلماء قالوا بأنه لا يليق أن يظن بالصحابة أنهم يفعلون هذا الفعل وأنهم يطرحون هذه الأشياء يعني القذرة في هذه البئر وهي الماء التي يتوضأ الناس منها قال إن المقصود أنها كانت في منخفض من الارض وكانت الأشاء القذرة التي تكون في الأسواق والتي يعني تأتي مياه السيول وتسوقها اليها وكذلك أيضًا الرياح تحمل هذه الأشياء لكن لا يُظن أن الصحابة ﵃ وأرضاهم يأتون ويلقون هذه النجاسات ويلقون هذه الأشياء القذرة في هذه البئر يعني لا يليق أن يُظن بالصحابة هذا كما قال ذلك يعني بعض أهل العلم والرسول -ﷺ- لما سئل أنها يقع فيها هذا الشيء قال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء يعني معناه إذا كان الماء كثيرًا فإنه لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه يعني
جاء في سنن ابن ماجه حديث عن أبي أمامة ﵁ أن الماء الطهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه فهذا يعني الحديث فيه هذه الزيادة هذا الاستثناء وهذا الاستثناء الذي جاء عند ابن ماجه في إسناده يعني فيه رشدين بن سعد وهو ضعيف يعني لا يعول عليه وإنما يعول على الإجماع لأن معناه مجمعٌ عليه لأن الماء الكثير إذا تغير بنجاسةٍ سواءً بلونه أو طعمه أو ريحه بأن يعني تشم منه رائحة النجاسة وهو كثير أو يعني يرى فيه النجاسة بأن يكون فيه دم يعني أحمر أو غلب عليه الحمرة وكذلك الريح يعني المنتنة يعني طعمه عندما يذاق فإن هذا يعني الحديث ضعيف ولكنه معناه مجمعٌ عليه معناه قد أجمع عليه العلماء وهو أن الماء إذا تغير بنجاسة غيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه نجس سواءً كان كثيرًا أو قليلًا أما إذا كان كثيرًا ووقع فيه نجاسة ولم تُغير لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا فإنه طهور ويستعمل ولكن الماء القليل هو الذي إذا وقع فيه نجاسة تؤثر فيه وإن لم تغيره يعني مثل الكأس يعني الكوب إذا وضع فيه ماء ثم حصل فيه قطرات من البول فإنه يسمى نجس وإن لم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا وإنما يعني الشيء الذي ينجس مطلقا إذا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة وإن كان قليلًا أو كثيرًا وإذا كان كثيرا فإنه لا يتغير ولا ينجس بهذه الأشياء وأما إذا كان قليلًا فإنه تحصل به نجاسة ولو لم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا فالرسول -ﷺ- سئل عن بئر بضاعة وما يحصل فيها والرسول -ﷺ- قال الماء طهور لا ينجسه شيء ومعنى ذلك أن هذه البئر أنها واسعة وأنها يعني كثيرة الماء وأنها غيرت الماء وأن الناس يأخذون منها وتنبع وينبع الماء منها وهو كثير فلا يؤثر فيه أنه يقع فيه نجاسة لم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا أما لو حصل أن الماء الذي وقعت فيه النجاسة تغير لونًا وطعمًا وريح فهذا يحصل فيه نجاسة
بالإجماع لا بالحديث الذي ورد ضعيف كما ذكرت وإنما هو الإجماع هو الحجة الذي يعتمد عليه ومعلومٌ أن الأدلة المتفق عليها ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع فهذا مما حصل فيه يعني تغير الماء الكثير إنما هو دليله الاجماع وليس دليله الحديث الضعيف الذي عند ابن ماجه من رواية رشدين بن سعد الذي هو ضعيف نعم والحديث صحيح إلا الذي استثنى الذي جاء في حديث أبي أمامه عند ذلك فإنه يعني لا يُعوّل على الحديث لأنه ضعيف ولكنه يُعوّل على الاجماع.
[ ١١ ]
٣ - وَعَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ: " سُئِلَ رَسُول الله ﷺ َ عَن المَاء وَمَا ينوبه من الدَّوَابّ وَالسِّبَاع؟ فَقَالَ: إِذا كَانَ المَاء قُلّتين لم يحمل الْخبث " وَفِي لفظ " لم يُنجسهُ شَيْء ". رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغير وَاحِد من الْأَئِمَّة. وَتكلم فِيهِ ابْن عبد الْبر وَغَيره. وَقيل: الصَّوَاب وَقفه، وَقَالَ الْحَاكِم: (هُوَ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ فقد احتجا جَمِيعًا بِجَمِيعِ رُوَاته وَلم يخرجَاهُ، وأظنهما - وَالله أعلم - لم يخرّجاه لخلاف فِيهِ عَلَى أبي أُسَامَة عَن الْوَلِيد بن كثير».
ثم ذكر هذ الحديث عن عبدالله بن عمر ﵄ أن النبي -ﷺ- سئل عن الماء يعني إذا كان في الفلات اذا كان في فلات يعني غدران يعني من السيول بعد السيول وينوبه يعني يأتي إليه السباع دواب يعني تبول فيه وتشرب منه فسئل -ﷺ- عن الغدران التي تبول في البر أو في الفلات وما ينوبها يعني ما يأتي إليها من السباع يعني تنزل فيها أو تبول فيها أو تشرب منها فالرسول -ﷺ- قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أو لم ينجسه شيء والمقصود بالقلتين قيل أنهما جرتان كبيرتان من الفخار يعني تسع لماءٍ كثير وقد قيل أنها يعني تساوي أو مقدار القلتين تساوي بالكيل بالصاع يعني ستة وسبعين صاع يعني هذا قلتين فما كان فوق القلتين فإنه كثير وما كان دونها فإنه قليل وقد عرفنا أن ما كان كثيرًا أو قليلًا وغيرته النجاسة لونًا وطعمًا وريحًا فإن هذا لا يستعمل سواءً كان كثيرًا أو قليلًا لكنه إذا كان قليلًا فإن النجاسة تؤثر فيه وهما دون القلتين وما كان قلتين فما فوق فهو كثير لا تؤثر فيه النجاسة إلا إذا غيرت له لونًا أو طعمًا أو ريحا فالرسول -ﷺ- لما سئل عن مياه الغدران قال قد يكون قليل جدا تؤثر فيه النجاسة يعني لا يستعمل وإذا كان كثيرًا يعني فوق القلتين بهذا المقدار الذي ستة وسبعين صاعًا أو أكثر فإن هذا لا تؤثر فيه النجاسة إلا إذا غيرت له لونا أو طعما أو ريحا كما هو الشأن في الماء الكثير يعني ما يؤثر فيه الماء إذا كان الماء كثيرًا لكن يؤثر إذا غلب على لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة أما إذا لم تغير له طعما ولا لونا ولا ريحًا وهو فوق القلتين فإن هذا يعتبر طهور وإنما تؤثر النجاسة يعني في الماء القليل وإن لم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا والحديث صحيح صححه جماعة من أهل العلم.
[ ١٢ ]
٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجْرِي ثمَّ يغْتَسل فِيهِ ". وَقَالَ مُسلم: " ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه يعني لا يبولن ثم يغتسل يعني أنه لا يحصل منه البول ولا يحصل منه الاغتسال يعني أنه لا يجمع بينهما وكذلك سيأتي أنه لا يبول ولا يغتسل يعني البول على حدا والاغتسال على حدا فالإنسان ليس له أن يبول وليس له أن يغتسل ليس له أن يبول على حدا ولا يغتسل على حدا وهنا يعني ليس له أن يجمع بينهما
بأن يبول ويغتسل فإذًا كل ذلك يعني لا يسوغ في الماء الجاري أي الماء الدائم المستقر الراكد الذي لا ينتقل من مكان إلى مكان فإنه تؤثر فيه النجاسة، وإن لم تؤثر فيه فإنها تقذره لأن الإنسان إذا اغتسل فيه من جنابة وفيه آثار الجماع واختلط به فإنه يقذره على من يستعمله فلهذا الرسول -ﷺ- جاء عنه في هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ متفق عليه وهو أنه لا يبولن في الماء الراكد ولا يغتسل فيه ثم يغتسل فيه من الجنابة يعني يجمع بينهما وسيأتي في بعض الأحاديث ما يدل على أنه لا يجوز البول على حدا ولا الاغتسال على حدا فإذًا لا يجمع بينها ولا يفرق بينها، البول والاغتسال من الجنابة لا يجمع بينهما ولا يفرقان بأن يبول فقط أو يغتسل فقط.
[ ١٣ ]
٥ - وَرَوَى مُحَمَّد بن عجلَان قَالَ: سَمِعت أبي يحدث عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم، وَلَا يغْتَسل فِيهِ من الْجَنَابَة " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن الْقطَّان عَنهُ. (وَابْن عجلَان وَأَبوهُ رَوَى لَهما مُسلم)
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه التفريق وأن الانسان ليس له أن يبول وليس له أن يغتسل لأن هناك الجمع الحديث الذي راح فيه الجمع بينهما يبول ويغتسل وهذا ممنوعٌ منه ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه البول على حدا والاغتسال على حدا وانه لا يجوز للإنسان، والإنسان منهيٌ أن يبول وأن يغتسل منهيٌ أن يبول يعني فقط ولا يضيف إليه اغتسال ومنهيٌ أن يغتسل ولا يبول فهذا الحديث السابق يدل على الجمع بينهما وأنه لا يجوز وهنا يدل التفريق أنه لا يجوز والحديث صحيح.
[ ١٤ ]
٦ - وَرَوَى مُسلم من حَدِيث بكير بن الْأَشَج أَن أَبَا السَّائِب مولَى هِشَام بن زهرَة حَدثهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " لَا يغْتَسل أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَهُوَ جنب "، فَقَالَ: كَيفَ يفعل يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قَالَ: يتَنَاوَلهُ تناولًا. (وَأَبُو السَّائِب لَا يعرف اسْمه).
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال لا يغتسل أحدكم بالماء الدائم وهو جنب قالوا يا أبا هريرة كيف يفعل قال يتناول تناولًا يعني ما يغتسل فيه بمعنى أنه ينغمس فيه ويعني يقذره وإنما يتناول يأخذ منه يعني شيئًا ويغتسل برا يعني برا الماء خارج الماء لكن كونه ينغمس فيه أو يكون فيه أو يدخل فيه فهذا هو الذي حصل فيه المنع ولكن عندما يتوضأ وليس معه إناء ليس معه إناء يأخذ فيه ويذهب ويتوضأ فإنه يتناول منه تناولًا يعني يكون على حافة الماء فيتناول منه تناولًا ويغتسل يعني خارج … هذا الماء.
[ ١٥ ]
٧ - وَعَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ: علمي وَالَّذِي يخْطر عَلَى بالي أَن أَبَا الشعْثَاء أَخْبرنِي أَن ابْن عَبَّاس ﵄ أخبرهُ: " أَن رَسُول الله ﷺ َ كَانَ يغْتَسل بِفضل مَيْمُونَة " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه عن ابن عباس ﵄ أن النبي -ﷺ- كان يغتسل بفضل ميمونة وميمونة هي خالة ابن عباس أم المؤمنين ميمونة خالة ابن عباس ﵃ فيقول النبي -ﷺ- كان يغتسل بفضل ميمونة يعني أنها إذا توضأت من إناء واغترفت منه وهي على حدا فإن الذي يبقى يُتوضأ منه ويغتسل منه وقد قال إن الرسول -ﷺ- كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂ يعني الماء الذي بقيَ منها بعد اغتسالها وكانت تغترف اغترافًا منه تغترف منه وبقي في الاناء بقية ماء يغتسل بها فكان -ﷺ- يفعل ذلك وهذا يدل على أن ذلك سائغ وأنه جائز وأن المرأة إذا اغتسلت يعني من إناءٍ بقيَ فيه بقية فإن للرجل أن يغتسل وللمرأة الأخرى أن تغتسل وكذلك العكس يعني يغتسل الرجل بفضل المرأة وفضل المرأة بفضل الرجل كل ذلك سائغٌ ولا بأس به فذكر هذا الحديث الذي في مسلم وقد جاء عن غير مسلم فهو حديث صحيح أن الرسول -ﷺ- كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂ والمقصود من ذلك الفضل كما عرفنا البقية في الإناء الذي كانت تتناول منها للاغتسال فإنه يغتسل في ذلك أما الماء المستعمل لو أن إنسان توضأ في طشت يغسل وجهه في طشت ثم يغسل يديه في الطشت ثم يغسل رجليه في الطشت فتجمع ماءٌ مستعمل هذا يعني أزيل به حدث فلا يزال به حدثٌ آخر ما يأتي أحد يغتسل منه ويتوضأ منه لأن هذا رفع فيه حدث فلا يرفع فيه حدث آخر أما كونه أخذ من الماء بيده وبقيَ منه بقية فإن هذه الفضلة هي التي تستعمل وهذا هو الذي كان يفعله الرسول -ﷺ- في هذا الماء الذي قد أخذت منه ميمونة بيدها وهي جنب وتغترف منه تغتسل فكان -ﷺ- يغتسل بفضلها.
[ ١٦ ]
٨ - وَرُوِيَ عَن سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " اغْتسل بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ فِي جَفْنَة، فجَاء النَّبِي ﷺ َ ليتوضأ مِنْهَا - أَو يغْتَسل - فَقَالَت لَهُ: يَا رَسُول الله إِنِّي كنت جنبا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: إِن المَاء لَا يجنب " رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه، وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، (وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَقَالَ أَحْمد: " أتقيه لحَال " سماك "، لَيْسَ أحد يرويهِ غَيره). وَقد احْتج مُسلم بسماك، وَالْبُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ) وَالله أعلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن ابن عباس ﵄ قال اغتسل بعض أزواج النبي -ﷺ- في جفنة فجاء النبي -ﷺ- ليغتسل منها فقالوا إنها اغتسلت بها فقال إن الماء لا يجنب يعني ما يؤثر فيه الجنب إذا لمسه بيده ما يغير فيه شيئا قال الماء لا تؤثر فيه الجنابة إذا وضع الإنسان يده وهو جنب لا يؤثر فيه وهذا مثل الحديث السابق بمعناه تمامًا لأن جفنة يعني وعاء ثم جاء ليستعمل فقال أنه اغتسل وهو جنب وقد جاء في بعض الروايات عند الدارقطني وعند مسند الإمام أحمد أن المقصود بها ميمونة وعلى هذا فيكون الحديثان يعني هذا الحديث والذي قبله معناهما واحد ويكون أحدهما
متابع للآخر لأن الصحابي واحد وإن كان زوجة أخرى من زوجات الرسول -ﷺ- أو غيرها فإنه يكون شاهدا وعلى هذا فإن هذين الحديثين كل منهما يدل على جواز اغتسال الرجل بفضل وضوء المرأة أو فضل اغتسالها.
[ ١٧ ]
٩ - وَعَن حميد الْحِمْيَرِي قَالَ: لقِيت رجلا صحب النَّبِي ﷺ َ أَربع سِنِين كَمَا صَحبه أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: " نهَى رَسُول الله ﷺ َ أَن تَغْتَسِل الْمَرْأَة بِفضل الرجل أَو يغْتَسل الرجل بِفضل الْمَرْأَة، وليغترفا جَمِيعًا " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه، وَالنَّسَائِيّ، (وَصَححهُ الْحميدِي، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ (رُوَاته ثِقَات). وَالرجل الْمُبْهم: قيل هُوَ الحكم بن عَمْرو، وَقيل: عبد الله بن سرجس، وَقيل: ابْن مُغفل).
ثم ذكر هذا الحديث عن رجل من أصحاب الرسول الله -ﷺ- أنه نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل قال وليغترفا جميعا يعني معناه أنه يكون بينهما إناء هو يأخذ وهي تأخذ أما إذا كان توضأت على حدا ثم جاء بعدها أو العكس فإن هذا هو الذي جاء فيه النهي لكن الأحاديث التي مضت يعني صحيحة وهي دالة على الوضوء من فضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل وأن ذلك سائغ فيكون ما جاء من النهي محمول على كراهة التنزيه وليس على التحريم يعني النهي محمول على التنزيه فلا يكون مؤثرا في الاحاديث التي راحت، الأحاديث التي راحت صحيحة وأنه يجوز أن يغترفا جميعا ويجوز أن يكون كل واحد على حدا ويأتي الثاني بعده.
[ ١٨ ]