الفصل الأول
٢٨١ - عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن- أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة والنور،
_________________
(١) كتاب الطهارة الفصل الأول الحديث الأول عن أبي مالك: قوله: «الطهور» قال الشيخ محيي الدين: جمهور أهل اللغة علي أن الطهور والوضوء يضمان إذا أريد بهما المصدر، ويفتحان إذا أريد بهما اسم ما يتطهر به، كذا عن الأنباري. وذهب الخليل، والأصمعي، وأبو حاتم السجستإني، والأزهري، وجماعة إلي أنه بالفتح في الاسم والمصدر. والطهارة أصلها النظافة والتنزه، وقال: هذا حديث عظيم، وأصل من أصول الإسلام، مشتمل علي مهمات قواعد الدين. وأصل الشطر النصف، قيل: معنى «شطر الإيمان» أن الأجر في الوضوء ينتهي إلي نصف أجر الإيمان، وقيل: إن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء، إلا أن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه عليه في معنى الشطر. وقيل: المراد بالإيمان الصلاة، قال الله تعالي: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ والطهارة شرط في صحتها، فصارت كالشطر، وليس بلازم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًا. ويحتمل أن يقال: الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران، والطهارة انقياد في الظاهر. وقوله: «الحمد لله تملأ الميزان» بيان عظم أجرها، وقد تظاهرت النصوص من القرآن والسنة علي وزن الأعمال. وقوله: «تملآن أو تملأ» ضبطناهما بالتاء المثناة من فوق، فالأول ظاهر، والثاني فيها ضمير الجملة. وقيل: معناه لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السماوات والأرض. وسبب عظم فضلهما اشتمالهما علي تنزيه الله تعالي في «سبحان الله» والتفويض والافتقار إلي الله في «الحمد لله». وقوله: «والصلاة نور» معناه أنها تمنع من المعاصي، وتنهي عن الفحشاء والمنكر، وتهدي للصواب كالنور. وقيل: أريد بالنور الأمر الذي يهتدي به صاحبه يوم القيامة، قال الله تعالي:
[ ٣ / ٧٣٩ ]
والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». رواه مسلم.
_________________
(١) ﴿يسعى نورهم بين أيديهم﴾. وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق، لفراغ القلب فيها، وإقباله علي الله ظاهرًا وباطنًا، وقيل: النور هو السيماء في وجه المصلي من أثر السجود. «والصدقة برهان» معناه يفزع إليها كما يفزع إلي البرهان، فإن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في الجواب. وقيل: يوسم المتصدق بسيماء يعرف بها فيكون برهانًا، فلا يسأل عن المصرف. وقيل: معناه أنها حجة علي إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها؛ لكونه لا يعتقدها، قال الله تعالي: ﴿الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتًا من أنفسهم﴾، والمعنى بـ «الصبر» الصبر علي طاعة الله وعلي اجتناب معصيته، وعلي النائبات والمكاره، أي لا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًا علي الصواب. وقوله: «القرآن حجة» معناه أنه ينتفع إن تلاه وعمل به، وإلا فهو وبال عليه. وقوله: «كل الناس يغدو» معناه كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها من الله تعالي بطاعته فيعتقها، ومنهم من يبيعها من الشيطان والهوى فيهلكها. «شف»: الغدو سير أول النهار، وهو ضد الرواح، وقد غدا يغدو غدوًا مأخوذ من الغدوة- بالضم- وهي ما بين الصبح وطلوع الشمس، والبيع والشرى يطلق أحدهما علي الآخر لارتباط كل منهما بالآخر، ولما كان كل واحد من المتعاقدين من عادته اختيار ما في يد صاحبه علي ما في يده، وإيثاره عليه بالمبادلة معه- وضع لفظ البيع و[الشرى] مكان ترك حالة وكسب أخرى، والمراد هاهنا صرف النفس في الأغراض التي توخاها النفس وتوجهت نحوها، واستعمالها فيها، فإن آثر آخرته علي دنياه، واشتراها بالدنيا- فقد أعتقها، أعني نفسه عن أليم عقابه، وإن آثر دنياه علي آخرته، واشتراها بالآخرة- فقد أوبقها، أي أهلكها، بأن جعلها عرضة لعظيم عذابه. قوله: «فبائع نفسه» خبر، أي هو يشتري نفسه، بدليل قوله: «فمعتقها»، والإعتاق إنما هو يصح من المشتري، وهو محذوف المبتدأ، فإنه يحذف كثيرًا بعد الفاء الجزائية. وقوله: «فمعتقها»، خبر بعد الخبر، ويجوز أن يكون بدل بعض من قوله: «فبائع نفسه».
[ ٣ / ٧٤٠ ]
وفي رواية: «لا إله إلا الله والله أكبر، تملآن ما بين السماء والأرض». لم أجد هذه الرواية في «الصحيحين» ولا في كتاب الحميدي، ولا في «الجامع»؛ ولكن ذكرها الدارمي بدل «سبحان الله والحمد لله». [٢٨١] م
_________________
(١) أقول- وبالله التوفيق-: لعل المعني بالإيمان هاهنا شعبه، كما في قوله صلوات الله عليه: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» والطهور، والحمد لله، وسبحان الله، والصلاة، والصدقة، والصبر، والقرآن أعظم شعبها التي لا تنحصر، وتخصيص ذكرها لبيان فائدتها، وفخامة شأنها. فبدأ بالطهور وجعله شطر الإيمان، أي شعبة منه، ومجازه كمجازه في قوله تعالي: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي نحوه، وأنشد: وأطعن بالقوم شطر الملوك حتى إذا خفق المجدع وتقريره [أي تقدير كون الطهور شعبة من الإيمان] بوجوه: أحدها: أنه صلوات الله عليه جعل نقصان الدين في قوله للنساء: «أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلي! قال: فذلك من نقصان دينها» فكل مانع يمنع المكلف من الطاعة هو موجب نقصان دينه، وما يرفع المانع لا يبعد أن يعد من الدين. وثانيها: أن طهارة الظاهر أمارة لطهارة الباطن؛ لأن الظاهر عنوان الباطن، فكما أن طهارة الظاهر ترفع الخبث والحدث من الظاهر- ليستعد للشروع في العبادات- كذلك طهارة الباطن- وهي التوبة- تفتح باب السلوك للسائرين إلي الله تعالي؛ ومن ثم جمعهما في قوله: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، وقيد كل واحد منهما بمحبة مستقلة. وثالثها: أنه قد اشتهر أن من أراد الوفود إلي العظماء يتحرى بتطهير ظاهره من الدنس والأوضار، ولبس الثياب النقية الفاخرة، فوافد مالك الملك ذي العزة والجبروت أولي وأحرى بذلك، ومن ثم شرعت نظافة البدن والثوب، والتطيب في أيام الأعياد والجمعات، قال الله سبحانه وتعالي لحبيبه- صلوات الله عليه-: ﴿وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر﴾، وكان من حق الظاهر بناء علي ما ذكر أن يؤخر «وربك فكبر» عن قرينتها، لكن قدم ما هو مقدم في المقصود، وإن كان مؤخرًا في الوجود لأن الغايات والكمالات سابقة في الإرادة لاحقة في الوجود، وعليه قوله تعالي: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾. ولما أراد الله تعالي أن
[ ٣ / ٧٤١ ]
٢٨٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلكم علي ما يمحو الله به الخطايا. ويرفع به الدرجات». قالوا: بلي يا رسول الله! قال: «إسباغ الوضوء
_________________
(١) يسري بحبيبه- صلوات الله عليه- ويقربه شرح صدره وأخرج قلبه فطهره، علي ما رويناه في حديث المعراج وشرح الصدر «فاستخرج قلبي، وغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشى إيمانًا وحكمة» الحديث. قال الإمام فخر الدين الرازي: لا يبعد أن يكون حصول الدم الأسود الذي غسلوه من قلبه- صلوات الله عليه- علامة الميل والركون إلي الهوى، والتحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة كون صاحبه مواظبًا علي الطاعات، محترزًا عن السيئات. يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد. فإن قلت: هل في تخصيص الصلاة بالنور، والصبر بالضياء فائدة؟ قلت: أجل؛ لأن الضياء فرط الإنارة، قال الله تعالي: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا﴾. ولعمري! إن الصبر بنيت عليه أركان الإسلام، وبه أحكمت قواعد الإيمان؛ لأنه تعالي لما مدح عباده المخلصين بقوله تعالي: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هونًا- إلي قوله- واجعلنا للمتقين إماما﴾ (٢) عقبه بقوله: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا﴾ فوضع الصبر موضع تلك الأعمال الفاضلة والأخلاق المرضية؛ لأنه ملاكها، وعليه يدور قطبها. «غب»: الصبر حبس النفس عما يقتضيه الهوى، وتختلف مواقعه، وربما يخالف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان في مصيبة فيقال: صبر لا غير، وضده الجزع، وإن كان في محاربة سمى شجاعة، وضدها الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمى صاحبه رحيب الصدر، وضده ضيق النفس، وإن كان في إمساك النفس من الفضولات سمي قناعة، وضدها الحرص والشره، وإن كان في إمساك كلام في الضمير يسمى كتمانًا، وضده الإفشاء، وإن كان في بذل مال سمي صاحبه جوادًا، وضده البخيل، وعلي هذا تقاس جميع الفضائل. قوله: «والقرآن حجة» ختم تلك الشعب به، وسلك به مسلكًا غير مسلكها دلالة علي كونه سلطانًا قاهرًا، وحكمًا فيصلًا، يفرق بين الحق والباطل، حجة الله في الخلق، به السعادة والشقاوة. وقوله: «كل الناس يغدو» مجمل، والفاء في قوله: «فبائع» تفصيلية، وفي قوله: «فمعتقها» سببية، المعنى: كل الناس يسعى في الأمور، فمنهم من يبيعها من الله تعالي، فيعتقها من النار، أو يبيع * من الشيطان فيوبقها.
[ ٣ / ٧٤٢ ]
علي المكاره، وكثرة الخطى إلي المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط».
٢٨٣ - وفي حديث مالك بن أنس: «فذلكم الرباط فذلكم الرباط» [ردد] مرتين. رواه مسلم. وفي رواية الترمذي: ثلاثًا.
_________________
(١) فإن قلت: ما وجه اتصال هذه الجملة بما قبلها؟ قلت: هي استئنافية علي تقدير سؤال سائل، قد تبين من هذا التقرير الرشد من الغي، فما حال الناس بعد ذلك. فأجيب: كل الناس يغدو إلي آخره. وموقع هذا السؤال موقع الفاء في قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ الآية، بعد قوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ والله أعلم. الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: «ما يمحو الله» محو الخطايا كناية عن غفرانها، ويحتمل محوها من كتاب الحفظة دلالة علي غفرانها، ورفع الدرجات عبارة عن إعلاء المنازل في الجنة. وإسباغ الوضوء استيعاب المحل بالغسل، وتطويل الغرة، وتكرار المسح والغسل ثلاثًا. وأصل الوضوء من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة، وسمي وضوءًا لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه. «نه»: أثبت سيبويه الوضوء، والطهور، والوقود بالفتح في المصادر، وهي تقع علي الاسم، والمصدر. و«المكاره» جمع مكره- بفتح الميم- من الكره، المشقة والألم. وقيل: منها إعواز الماء، والحاجة إلي طلبه، أو ابتياعه بالثمن الغالي. قوله: «وانتظار الصلاة» «مظ»: إذا صلي بالجماعة أو منفردًا ينتظر صلاة أخرى، ويعلق فكره بها، إما بأن يجلس في المسجد ينتظرها، أو يكون في بيته، أو يشتغل بكسبه وقلبه معلق بها ينتظر حضورها، وكل ذلك داخل في هذا الحكم، ويؤيده ما ورد: «ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه». قوله: «الرباط» يقال: رابطت إذا لازمت الثغر، وهو أيضًا اسم لما يربط به، وسمي المكان الذي خص بإقامة حفظة فيه رباطًا. «قض»: المرابطة ملازمة العدو، مأخوذ من الربط، وهو الشد، والمعنى أن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقية؛ لأنها تسد طرق الشيطان علي النفس، وتقهر الهوى وتمنعها عن قبول الوساوس، وإتباع الشهوات، فيغلب بها حزب الله جنود الشيطان، وذلك هو الجهاد الأكبر، إذ الحكمة في شرع الجهاد تكميل الناقصين، ومنعهم عن الفساد والإغواء. أقول- والله أعلم-: وفيما ذكر معنى ما يروى: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر» لإتيان اسم الإشارة الدال علي بعد منزلة المشار إليه القريب في مقام التعظيم، وإيقاع
[ ٣ / ٧٤٣ ]
٢٨٤ - وعن عثمان، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره»، متفق عليه.
٢٨٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ العبد المسلم- أو المؤمن- فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل رجليه؛ خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيًا من الذنوب» رواه مسلم.
_________________
(١) الرباط المحلي بلام الجنس خبرًا لاسم الإشارة- كما في قوله تعالي: ﴿الم ذلك الكتاب﴾ إذ التعريف في الخبر للجنس، المعنى المذكور [و] هو الذي يستحق أن يسمى رباطًا، كان غير ذلك لا يستأهل أن يسمى بهذا الاسم بالنسبة إليه؛ لما فيه من قهر أعدى عدو الله النفس الأمارة بالسوء، وقمع شهواتها، وقلع مكائد الشيطان وإغوائه. ولما أريد تقرير ذلك مزيد تقرير واهتمام بشأنه بعد اهتمام- كرره تكريرًا، والله أعلم. الحديث الثالث عن عثمان: قوله: «فأحسن الوضوء» الفاء موقعة موقع «ثم» التي لبيان المرتبة، دلالة علي أن الإجادة في الوضوء- من تطويل الغرة، وتكرار المسح، والغسل ثلاثًا، ومراعاة آدابه من استقبال القبلة، والدعاء المأثور عن السلف وغيرها- أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقًا. «وخرجت خطاياه» تمثيل وتصوير لبراءته عن الذنوب كلها علي سبيل المبالغة، لكن هذا العام خص بالصغائر. الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: «خرج» جواب الشرط، والفاء في «فغسل» مرتبة له علي الشرط، أي إذا أراد الوضوء فغسل خرج من وجهه كل خطيئة. قوله: «كل خطيئة نظر إليها» أي نظر إلي سببها، إطلاقًا لاسم المسبب علي السبب مبالغة، وكذا في البواقي. فإن قلت: ذكر لكل عضو ما يختص به من الذنوب، وما يزيلها عن ذلك العضو، والوجه مشتمل علي العين، والفم، والأنف، والأذن، فلم خصت بالذكر دونها؟ قلت: العين طليعة القلب ورائده، فإذا ذكرت أغنت عن سائرها، ويعضد هذا التأويل حديث عبد الله الصنابحي في الفصل الثالث: «فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه». والضمير في «مشتها» راجع إلي خطيئة، ونصب بنزع الخافض، أو
[ ٣ / ٧٤٤ ]
٢٨٦ - وعن عثمان، قال رسول الله ﷺ: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله». رواه مسلم.
_________________
(١) يكون مصدرًا، أي مشت المشية، كقوله ﷺ: «واجعله الوارث منا» أي اجعل الجعل. و«بعينيه»، و«يداه»، و«رجلاه» كلها تأكيدات تفيد مبالغة في الإزالة. الحديث الخامس عن عثمان: قوله: «صلاة مكتوبة» أي مفروضة، من كتب كتابًا إذا فرض، وهو مجاز؛ فإن الحاكم إذا كتب شيئًا كان ذلك حكمًا وإلزامًا. والخشوع في الصلاة خشية القلب، وإلزام البصر موضع السجود، وجمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، ومن الخشوع أن يستعمل الآداب، فيتوقى كف الثوب، والعبث بجسده وثيابه، والالتفات، والتمطي، والتثاؤب، والتغميض، ونحوها. «تو»: اكتفي بذكر الركوع عن السجود لأنهما ركنان متعاقبان، فإذا حث علي إحسان أحدهما حث علي الآخر، وفي تخصيصه بالذكر تنبيه علي أن الأمر فيه أشد، فافتقر إلي زيادة توكيد؛ لأن الراكع يحمل نفسه في الركوع، ويتحامل في السجود علي الأرض. «قض» و«شف»: تخصيص الركوع بالذكر تحريض عليه؛ فإنه من خصائص المسلمين. أقول: لعل هذا علي الغالب؛ لما قال تعالي لمريم: ﴿اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ قيل: أمرت بأن تركع مع الراكعين، ولا تكون مع من لا يركع. والأولي أن يقال: إنما خص الركوع بالذكر دون السجود لاستتباعه السجود؛ إذ لا يستقل عبادة وحده، بخلاف السجود فإنه يستقل عبادة، كسجدة التلاوة والشكر. قوله: «ما لم يؤت» «تو»: إن إثبات يأت علي بناء الفاعل في كتاب المصابيح غير سديد؛ لأن الحديث من مفاريد مسلم، ولم يروه إلا من الإيتاء، وإن كان «لم يأت» أوضح معنى من قولهم: أتى فلان حدًا وأتى منكرًا، لكن الذي يعتمد عليه من جهة الرواية هو الإيتاء. ومنهم من يروى علي بناء المفعول، والمعنى ما لم يعمل كبيرة، وضع الإيتاء موضع العمل؛ لأن العامل يعطي العمل من نفسه، قال الله تعالي: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها﴾ أي لأعطوا ذلك من أنفسهم. ويحتمل أن يكون معنى بناء المفعول ما لم يصب بكبيرة، من قولهم: أتى فلان في بدنه، أي أصابته علة. والواو في قوله: «وذلك الدهر كله» للحال، وذو الحال المستتر في خبر كانت، وهو قوله: «كفارة». «شف»: المشار إليه إما تكفير الذنوب، أي تكفير الصلاة المكتوبة الصغائر لا يختص بفرض واحد، بل فرائض الدهر تكفر صغائره، وإما معنى «ما لم يؤت كبيرة» هو عدم الإتيان
[ ٣ / ٧٤٥ ]
٢٨٧ - وعنه أنه توضأ فأفرغ علي يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إلي المرفق ثلاثًا، ثم غسل يده اليسرى إلي المرفق ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال: «من توضأ وضوئي هذا، ثم يصلي ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه. ولفظه للبخاري.
٢٨٨ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة». رواه مسلم.
_________________
(١) بالكبيرة، أي عدم إتيان الكبيرة في الدهر كله مع الإتيان بالمكتوبة كفارة لما قبلها. وأما ما قيل: «من المكتوبة»، أي المكتوبة تكفر ما قبلها ولو كان ذلك ذنوب العمر، والوجه هو الأول؛ لما ورد: «الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر». وانتصب «الدهر» ظرفًا لمقدر، أي وذلك مستمر في جميع الدهر. قال المؤلف: قد وجدت «ما لم يؤت» في صحيح مسلم، وفي شرحه للنواوي، وفي كتاب الحميدي، كما ذكره الشيخ التوربشتي، وقال محيي الدين النواوي، معنى قوله: «كانت كفارة لما قبلها» أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر؛ فإنها لا تغفر، وليس المعنى أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت كبيرة لا يغفر شيء من الصغائر؛ فإن هذا وإن كان محتملًا فلا نذهب إليه. وقال العلماء: إن هذا الحديث وما أشبهه صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن وجد كبيرة ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر، وإلا كتب له به حسنات، ورفعت به درجات. الحديث السادس عن عثمان: قوله: «توضأ فأفرغ» عطف «فأفرغ» إلي آخره علي سبيل البيان علي المبين، كما عطف تعالي ﴿فإن فاءوا﴾ علي قوله: ﴿تربص أربعة أشهر﴾ علي مذهب صاحب الكشاف. «مح»: الجمهور علي أن الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء بالنفس إلي الأقصى، وتدل عليه الرواية الأخرى: «استنشق واستنثر» فجمع بينهما، وهو مأخوذ من النثرة طرف الأنف. وقد أجمعوا علي كراهة الزيادة علي الثلاث المستوعبة للعضو، وإذا لم يستوعب إلا بغرفتين فهي واحدة، ولم يذكر العدد في مسح الرأس، فالظاهر الاكتفاء بالواحدة. قوله: «نحو وضوئي هذا» «مح»: إنما قال: «نحو» ولم يقل: «مثل»؛ لأن حقيقة مماثلة وضوئه ﷺ لا يقدر عليها غيره، وفيه استحباب ركعتين فأكثر عقيب كل وضوء، وهي سنة
[ ٣ / ٧٤٦ ]
٢٨٩ - عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ- أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله- وفي رواية: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده
_________________
(١) مؤكدة. قال جماعة من أصحابنا: وتفعل هذه الصلاة في أوقات النهي وغيرها؛ لأن لها سببًا، ولو صلي فريضة أو نافلة مقصودة حصلت له هذه الفضيلة، كما تحصل تحية المسجد بذلك. والمراد بقوله: «لا يحدث نفسه بشيء» أي من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه عفي له ذلك، وحصلت الفضيلة؛ لما أنه تعالي عفا عن هذه الأمة الخواطر التي تعرض ولا تستقر، وعلي ما ذكرت من كلام المازري، والقاضي عياض. «مظ»: معنى قوله: «لا يحدث نفسه» لا تجرى في قلبه وسوسه في الأمور الدنيوية، ليكون حاضر القلب غير ساه وغافل، وقلما يمكن الحضور بالكلية، ويحتمل أن يراد [إخلاص العمل لله]، لا لطلب الجاه [والتسلس]، وأن يراد ترك العجب، بأن لا يرى لنفسه منزلة رفيعة بأدائها، بل ينبغي أن يحقر نفسه كيلا يغتر فيتكبر. الحديث السابع عن عقبة: قوله: «مقبل عليهما بقلبه ووجهه» المراد بوجهه الذات، أي مقبلًا عليهما بظاهره وباطنه، مستغرقًا خاشعًا هائبًا. ومعنى «وجب» هاهنا أن الله تعالي يدخله الجنة تفضلًا وتكرمًا، بحيث لا يخالف وعده كمن وجب عليه شيء. و«مقبل» وجد بالرفع في الأصول، وفي بعض النسخ: «مقبلًا» منصوبًا حالًا؛ وكونه مرفوعًا مشكل؛ لأنه إما صفة «مسلم» علي أن «من» زائدة، وفيه بعد للفواصل، وإما خبر مبتدأ محذوف، فيكون حالا، وفيه بعد أيضًا؛ لخلوه عن الواو والضمير، اللهم إلا أن يقال: إن المبتدأ المقدر كالملفوظ، فحينئذ يكون من قبيل: كلمته فوه إلي في، والوجه العربي أن يضرب عن هذه المحال صفحًا، ويقال: هو فاعل ينازع فيه «يقوم» و«يصلي» علي سبيل التجريد، كقول [الشاعر]: فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوى الغنائم أو يموت كريم أي أموت كريمًا. فجعل الحال فاعلًا للفعل علي التجريد، وعليه قراءة عمير: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة﴾ بالرفع، بمعنى فحصلت السماء وردة. فالمعنى يصلي مقبل متناه في إقباله، ملقى علي الركعتين بشراشره. ومنه قراءة من قرأ: ﴿فهب لي من لدنك وليًا يرثني وارث من آل يعقوب﴾. الحديث الثامن عن عمر: قوله: «ما منكم من أحد» من الثانية زائدة، والأولي بيانية، والجار مجرور حال علي ضعف.
[ ٣ / ٧٤٧ ]
لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله- إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» هكذا رواه مسلم في «صحيحه» والحميدي في «أفراد مسلم»، وكذا ابن الأثير في «جامع الأصول». [٢٨٩]
وذكر الشيخ محيي الدين النووي في آخر حديث مسلم علي ما رويناه، وزاد الترمذي: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين».
والحديث الذي رواه محيي السنة في «الصحاح»: «من توضأ فأحسن الوضوء» إلي آخره، رواه الترمذي في «جامعه» بعينه إلا كلمة «أشهد» قبل «أن محمدًا».
٢٩٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» متفق عليه.
_________________
(١) قوله: «أشهد أن لا إله إلا الله» القول بالشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلي إخلاص العمل لله، وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث «مح»: يستحب أن يقال عقيب الوضوء كلمتا الشهادة، هذا متفق عليه. وينبغي أن يضم إليهما ما جاء في رواية الترمذي: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» ويضم أيضًا ما رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة مرفوعًا: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا الله أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك». قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضًا. قوله: «يدخل» الأظهر أنها استئنافية؛ لصحة قيام ليدخل موقعها. الحديث التاسع عن أبي هريرة: قوله: «يدعون» «غب»: الدعاء كالنداء، لكن النداء قد يقال إذا قيل: «يا» من غير أن يضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كل واحد موضع الآخر، ويستعمل استعمال التسمية، نحو: دعوت ابني زيدًا، أي سميته، ودعوته إذا سألته ﴿ادع لنا ربك يبين لنا﴾، ودعوته إذا استغثته، ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون﴾. قوله: «غرًا محجلين» «شف»: الغر جمع الأغر، وهو الأبيض الوجه، والمحجل من الدواب التي قوائمها بيض، مأخوذ من الحجل، وهو القيد، كأنها مقيدة بالبياض، وأصل هذا في الخيل. ومعناه أنهم إذا دعوا علي رؤوس الأشهاد أو إلي الجنة كانوا علي هذه الشية.
[ ٣ / ٧٤٨ ]
٢٩١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». رواه مسلم.
_________________
(١) وانتصابهما علي الحال. ويحتمل أن يكون «غرًا» مفعولًا ثانيًا ليدعون، كما يقال: فلان يدعى ليثًا، فالمعنى أنهم يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من آثار الوضوء. والمعنى هو الأول، يدل عليه قوله صلوات الله عليه: «يأتون يوم القيامة غرًا محجلين»؛ لأنهما العلامة الفارقة بين هذه الأمة وبين سائر الأمم. أقول: لا تبعد التسمية باعتبار الوصف الظاهر، كما يسمى رجل به حمرة بأحمر؛ للمناسبة بين الاسم والمسمى، وهو أظهر؛ لأن القصد هو الشهرة والتمييز في الأصل المستعار منه، وقد ضرب بهما مثلًا في المعاني، قال مروان بن أبي حفصة: تشابه يوماه علينا فأشكلا فما نحن ندري أي يوميه أفضل أيوم نداه الغمر أم يوم بأسه وما منهما إلا أغر محجل قوله: «أن يطيل غرته» أي غسل غرته، بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلي تحت الحنك طولا، ومن الأذن إلي الأذن عرضًا. الحديث العاشر عن أبي هريرة: قوله: «تبلغ الحلية من المؤمن» ضمن «تبلغ» معنى تتمكن، وعدى بمن، أي تتمكن من المؤمن الحلية مبلغًا يتمكنه الوضوء منه. قال أبو عبيد: الحلية هاهنا التحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء. «مح»: وقد اعترض بعض الحفاظ من ذلك علي أبي عبيد، وقال: لو حمل علي قوله تعالي: ﴿يحلون فيها من أساور﴾ لكان أولي. وهو غير مستقيم، إذ لا مرابطة بين الحلية والحلي؛ لأن الحلية السيماء، والحلي التزين. ويمكن أن يجاب عنه بأنه مجاز عن ذلك. «نه»: يقال: حليته أحليه تحلية إذا ألبسته الحلية، وجمعها حلي، كلحية ولحي، وربما ضم، وتطلق الحلية علي الصفة أيضًا. (مح) وقد استدلوا بالحديث علي أن [الوضوء] من خصائص هذه الأمة- زادها الله تعالي شرفًا وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًا، وإنما المختص الغرة والتحجيل، واحتجوا بقوله صلوات الله عليه: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي». وأجيب بأنه حديث ضعيف معروف الضعف، ولو صح لاحتمل أن تكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة.
[ ٣ / ٧٤٩ ]
الفصل الثاني
٢٩٢ - عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ علي الوضوء إلا مؤمن» رواه مالك، وأحمد وابن ماجه، والدارمي.
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول عن ثوبان: قوله: «استقيموا» «قض»: الاستقامة اتباع الحق، والقيام بالعدل، وملازمة المنهج المستقيم. وذلك خطب عظيم، لا يتصدى لإحصائه إلا من استضاء قلبه بالأنوار القدسية، وتخلص عن الظلمات الإنسية، وأيده الله تعالي من عنده، وأسلم شيطانه بيده- وقليل ما هم- فأخبرهم بعد الأمر بذلك أنهم لا يقدرون علي إيفاء حقه، والبلوغ إلي غايته، كيلا يغفلوا عنه فلا يتكلوا علي ما يأتون به، ولا ييأسوا من رحمة الله فيما يدرون عجزًا وقصورًا لا تقصيرًا. وقيل: معناه ولن تحصوا ثوابه. «غب»: الإحصاء التحصيل بالعد، يقال: أحصيت كذا، من لفظ الحصا، واستعمال ذلك فيها من حيث أنهم كانوا يعتمدونها بالعد، كاعتمادنا فيه علي الأصابع، قال الله تعالي: ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ أي حصله وأحاط به. «مظ»: «استقيموا» أي الزموا الطريق المستقيم في الدين، من الإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن جميع المناهي. وأقول- والله أعلم-: قوله: «ولن تحصوا» إخبار واعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، كما اعترض «ولن» تفعلوا» بين الشرط والجزاء في قوله تعالي: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا﴾ كأنه صلوات الله عليه لما أمرهم بالاستقامة وهي شاقة جدًا تداركه بقوله: «لن تحصوا» رحمة ورأفة من الله علي هذا الأمة المرحومة، كما قال تعالي: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ بعد ما نزل: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ أي واجب تقواه، وهو القيام بالواجبات،
[ ٣ / ٧٥٠ ]
٢٩٣ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ علي طهر، كتب له عشر حسنات». رواه الترمذي.
_________________
(١) واجتناب المحرمات. قال الكواشي: لما نزلت: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ قالوا: يا رسول الله! من يقوى علي هذا؟ فنزل: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ثم نبههم صلوات الله عليه علي ما تيسر لهم من ذلك ولا يشق عليهم بقوله: «واعلموا»، أي إن لم تطيقوا ما أمرتم به من الاستقامة فحق عليكم أن تلزموا بعضها، وهي الصلاة التي هي جامعة لكل عبادة من القراءة، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والإمساك عن كلام الغير، والمفطرات، وهي معراج المؤمن، ومقربته إلي جناب الحضرة الأقدس، فالزموها، وأقيموا حدودها، لاسيما مقدمتها التي هي شطر الإيمان، فحافظوا عليها، فإنه لا يحافظ عليها إلا كل مؤمن تقي. وأيضًا في ذكر الصلاة إشارة إلي تطهير الباطن ﴿إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر﴾، وفي الوضوء إلي تطهير الظاهر، وإليه ينظر قوله تعالي: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ ومن ثمة خيرها علي سائر الأعمال؛ لأن محبة الله منتهي سؤال العارفين. وقوله: «ولا يحافظ علي الوضوء» جملة مذيلة، فالمراد بالمؤمن الجنس، والتنكير للتعظيم. الحديث الثاني عن ابن عمر: قوله: «من توضأ علي طهر» «حس»: تجديد الوضوء مستحب إذا كان قد صلي بالوضوء الأول صلاة، فريضة كانت أو تطوعًا، وكرهه قوم إذا لم تتقدم علي التجديد صلاة.
[ ٣ / ٧٥١ ]
الفصل الثالث
٢٩٤ - عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور» رواه أحمد. [٢٩٤]
٢٩٥ - وعن شبيب بن أبي روح، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ صلي صلاة الصبح، فقرأ الروم، فالتبس عليه. فلما صلي، قال: «ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور؟! وإنما يلبس علينا القرآن أولئك» رواه النسائي.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر: قوله: «مفتاح الجنة الصلاة» جعلت الصلاة مقدمة لدخول الجنة، كما جعل الوضوء مقدمة للصلاة، فكما لا تتأتى الصلاة بدون الوضوء، كذلك لا يتهيأ دخول الجنة بدون الصلاة. وفيه دليل لمن يكفر تارك الصلاة، وعلي أنها الفارقة بين الإيمان والكفر، ولغيره هو حث علي الصلاة وبعث عليها، وأنها مما لا يستغنى عنها قط. الحديث الثاني عن شبيب: قوله: «لا يحسنون الطهور» سبق بيان الإحسان في الوضوء في الفصل الأول. وفيه إشارة إلي أن السنن والآداب مكملات للواجبات ترجى بركتها، وفي فقدانها سد باب الفتوحات الغيبية، وأن بركتها تسري في الغير كما أن التقصير فيها يتعدى إلي حرمان الغير. ثم تأمل أيها الناظر في هذه الحالة! فإن مثل رسول الله ﷺ مع جلالة قدره إذا كان يتأثر من مثل تلك الهيئة، فكيف بالغير من صحبة أهل الأهواء، والبدع، والمعاشرة معهم- أعاذنا الله منها- وصحبة الصالحين علي عكس ذلك، كما ورد «هم قوم لا يشقى بهم جليسهم». الحديث الثالث عن رجل من بني سليم: قوله: «عدهن» هذا ضمير مبهم يفسره ما بعده،
[ ٣ / ٧٥٢ ]
٢٩٦ - وعن رجل من بني سليم، قال: عدهن رسول الله ﷺ في يدي- أو يده- قال: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله يملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان» رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. [٢٩٦]
٢٩٧ - وعن عبد الله الصنابحي، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض، خرجت الخطايا من فيه. وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه. وإذا غسل وجهه، خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه. فإذا غسل يديه، خرجت الخطايا من تحت أظفار يديه. فإذا مسح برأسه، خرجت الخطايا.
_________________
(١) كقوله تعالي: ﴿فسواهن سبع سموات﴾، والمفسر قوله: «التسبيح» إلي آخره، جعل التحميد ضعف التسبيح؛ لأنه جامع لصفات الكمال من الثبوتية والسلبية، والتسبيح تنزيهه عن النقائض، فهو من السلبية. وقوله: «في يدي» أي أخذ أصابع يدي، وجعل يعقدها في الكف خمس مرات علي عدد الخصال، وقد سبق تفسيرها في الحديث الأول من هذا الباب. قوله: «يملأ» أي يملأ الثواب إن قدر جسمًا، والتكبير نفي من الغير صفة الكبرياء والعظمة؛ لأن أفعل محمول علي المبالغة. والكبرياء مختص به تعالي فيمتلئ العارف عند ذلك هيبة وجلالًا، فلا ينظر إلي ما سواه. والله أعلم. الحديث الرابع عن عبد الله الصنابحي: قوله: «وإذا استنثر» خص الاستنثار لأن القصد خروج الخطايا، وهو مناسب للاستنثار؛ لأنه إخراج الماء من أقصى الأنف بعد الاستنشاق. و«نافلة له» أي زائدة علي تكفير السيئات، وهي رفع الدرجات؛ لأنها كفرت بالوضوء، والنفل الزيادة والفضل، ومنه قوله تعالي: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة﴾ وهو ولد الولد.
[ ٣ / ٧٥٣ ]
من رأسه حتى تخرج من أذنيه. فإذا غسل رجليه، خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من [تحت] أظفار رجليه. ثم كان مشيه إلي المسجد وصلاته نافلة له». رواه مالك والنسائي. [٢٩٧].
٢٩٨ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا». قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد». فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلًا
_________________
(١) الحديث الخامس عن أبي هريرة: قوله: «المقبرة»: (مح) بضم الباء، وفتحها، وكسرها، ثلاث لغات، والكسر قليلة، والدار منصوب بالاختصاص أو [النداء]؛ لأنه مضاف، والمراد بالدار علي الوجهين الجماعة والأهل. ويحتمل علي الأول المنزل. والاستثناء بقوله: «إن شاء الله» - مع أن الموت لا شك فيه- للعلماء فيه أقوال، والأظهر أنه وارد علي التبرك كما في قوله تعالي: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾. وقال الخطابي وغيره: إن ذلك من عادة من يحسن الكلام به، وقال أيضًا: في الحديث أن السلام علي الأموات والأحياء سواء في تقديم السلام علي (عليكم). والثالث أن الاستثناء عائد إلي اللحوق بالمكان المتبرك؛ لأنه مشكوك فيه. و«وددت» تمنى رؤيتهم في الحياة، وقيل: بعد الموت. «وأنتم أصحابي» ليس نفيًا لأخوتهم، ولكن ذكره مزية لهم بالصحبة علي الأخوة، فهم إخوة وصحابة، واللاحقون إخوة فحسب، قال تعالي: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾. أقول: ولعل الظاهر أن يحمل علي اللاحقين بعد حياته صلوات الله عليه. فإن قلت: فأي اتصال لهذه الودادة بذكر أصحاب القبور؟ قلت: عند تصور السابقين يتصور اللاحقون، أو كوشف له صلوات الله عليه عالم الأرواح [فشاهد الأرواح] المجندة السابقين منهم واللاحقين. وسؤالهم بقولهم: «كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟» أي في المحشر، مبني
[ ٣ / ٧٥٤ ]
له خيل غر محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلي، يا رسول الله! قال: «فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم علي الحوض» رواه مسلم. [٢٩٨]
٢٩٩ - وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلي ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك وعن شمالي
_________________
(١) علي أنك تمنيت رؤيتهم في الدنيا، وإنما يتمنى ما لم يمكن حصوله، فإذن كيف تعرفهم في الآخرة؟ وإنما حملناه علي الآخرة ليطابق قوله: «غر محجلة» لظهورهما حينئذ. والظهر في «بين ظهري خيل» مقحم. «نه»: ومنه «فأقاموا بين ظهرانيهم» أي أقاموا بينهم علي سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، ومعناه أن ظهرًا منهم قدامه، وظهرًا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا. قوله: «بهم» قيل: هي السود، وقيل: البهيم الذي لا يخالط لونه لونًا سواه، قرنه بالدهم تأكيدًا للسواد. قوله: «أرأيت لو أن رجلًا» «رجلًا» اسم «أن» علي تأويل رجلًا ما من الرجال، وما بعده خبر له، وجواب «لو» «لا يعرف»، وهمزة التقرير مقحمة مؤكدة للتي سبقت؛ لأن معنى أرأيت أخبرني. قوله: «وأنا فرطهم» أي متقدمهم إلي حوضي في المحشر، يقال: فرط يفرط فهو فارط، إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيئ لهم الدلاء والأرشية. الحديث السادس عن أبي الدرداء: قوله: «وأنا أول من يؤذن له- إلي قوله- أن يرفع رأسه» إشارة إلي مقام الشفاعة كما ورد في قوله: «فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدًا- إلي قوله- فيقول لي: ارفع محمد» الحديث. وقوله: «تعرف» بمعنى تميز؛ ليستقيم تعلق «من» به، أي كيف تميز أمتك من بين سائر الأمم؟ «وفيما بين نوح» حال من «الأمم» كالبيان له، أي الأمم كائنة فيما بين نوح، ولو قيل: هو ظرف لـ «تعرف» لرجع المعنى كيف تعرف أمتك فيما بين نوح، ولم يكن لقوله: «من الأمم» معنى. وإنما خص ذكر نوح والأنبياء قبله قد بعثوا، لشهرته أو للتغليب، كما في قوله تعالي: ﴿وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ الآية. و«إلي» في قوله: «إلي أمتك» للانتهاء، أي مبتدئًا من نوح منتهيًا إلي أمتك.
[ ٣ / ٧٥٥ ]
مثل ذلك». فقال رجل: يا رسول الله! كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلي أمتك؟ قال: «هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم» رواه أحمد. [٢٩٩]