الفصل الأول
١٧٩٤ - عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس فيما دونَ خمسةِ أوسُقٍ من التمرِ صدقةٌ، وليس فيما دونَ خمس أواقٍ من الوَرِقِ صدقةٌ، وليس فيما دونَ خمس ذَوْدٍ من الإِبل صدقةٌ» متفق عليه.
١٧٩٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس علي المسلم صدقةٌ في عبدهِ، ولا في فرسه». وفي روايةٍ قال: «ليس في عبدهِ صدقةٌ إلا صدقةَ الفطر». متفق عليه.
_________________
(١) في معنى المخالطة؛ فإنها معنى وبناء يستدعى شيئين متمايزين يختلط أحدهما بالآخر، فأين هذا المعنى في قول من فسره بإهلاك الحرام الحلال؟ قلت: لما جعل الزكاة متعلقة بين المال لا بالذمة، جعل قدر الزكاة المخرج من النصاب معينًا ومشخصًا، فيستقيم الخلط بما بقى من النصاب. باب ما تجب فيه الزكاة الفصل الأول الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: «خمسة أوسق» «نه»: الوسق - بالفتح أصله الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته. وقيل: الوسق ستون صاعًا، وكل صاع أربعة أمداد، وكل مد رطل وثلث بالبغدادي. «نه»: الأواقي جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الباء - والجمع يشدد ويخفف، مثل أثفية وأثافي. وربما يجئ في الحديث وقية، وليست بالعالية، وهمزتها زائدة. وكانت الأوقية قديمًا عبارة عن أربعين درهمًا، وهي في غير الحديث نصف سدس الرطل، وهو جزء من اثنى عشر جزءًا، ويختلف باختلاف البلاد. «فا»: الأوقية أربعون درهمًا، وهي أفعولة من وقيت، لأن المال مخزون مصون، أو لأنه يقي البؤس والضر. «نه»: الذود: من الإبل ما بين الثنتين إلي التسع. وقيل: ما بين الثلاث إلي العشر، واللفظ مؤنث، ولا واحد لها من لفظها. وقال أبو عبيد: الذود من الغناث دون الذكور، إناثًا. قيل: إنما أضاف الخمس إلي الذود- ومن حقها أن تضاف إلي الجمع- لأن فيه معنى الجمعية. وقيل: روى «خمس» منونًا، فيكون «ذود» بدلًا منه، و«من الإبل» صفة مؤكدة لـ «ذود»، بخلاف «من الورق» و«من التمر»، فإنهما مميزتان.
[ ٥ / ١٤٨٦ ]
١٧٩٦ - وعن أنس، أنَّ أبا بكرٍ كتبَ لهُ هذا الكتابَ لما وجَّههُ إِلي البحرين: بسم اللهِ الرَّحمن الرحيم، هذه فريضةُ الصدقةِ التي فرضَ رسولُ اللهِ ﷺ علي المسلمين، والتي أمرَ اللهُ بها رسوله. فمَن سُئلها من المسلمين علي وجهِها فليُعطِها، ومنْ سُئِلَ فوقهَا فلا يُعطِ: في أربعٍ وعشرينَ من الإِبلِ فما دونها؛ من الغنم من كلِّ خمسٍ شاةٌ. فإذا بلغَتْ خمسًا وعشرينَ إِلي خمسٍ وثلاثين؛ ففيها بنتُ مخاضٍ أنثى.
_________________
(١) «مظ»: في الحديث دليل علي أن النصاب في النبات، والتمر، والزبيب خمسة أوسق، وما لم يبلغ منها هذا منها هذا المقدار لا يجب فيه الزكاة، هذا عند الشافعي. وأما عند أبي حنيفة فيجب الزكاة في القليل والكثير من الحبوب، والتمر، والزبيب، وغيرها من النبات. أقول: خصت هذه الأشياء الثلاثة بالذكر؛ لأن الأول والثالث باعتبار بلاد العرب، والثاني عام. «مظ»: هذا علي مذهب الشافعي، ومالك. وأما عند أبي حنيفة فتجب الزكاة في الخيل إذا كان أنثى، من كل فرس دينار، وإن شاء قومها مالكها، وأخرج من كل مائتي درهم خمسة دراهم. الحديث الثاني والثالث عن أنس ﵁: قوله: «فرض» أي بين وفصل. قوله: «علي وجهها» حال من المفعول الثاني في «سئلها» علي الوجه المشروع من غير تعدٍّ، بدليل قوله: «من سئل فوقها فلا يعط». فإن قلت: دل هذا علي أن المصدق إذا أراد أن يظلم المزكى، فله أن يأباه، ولا يتحرى رضاه، ودل حديث جابر وهو قوله: «أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم» علي خلاف ذلك. قلت: قد مر أن أولئك المصدقين من أصحاب رسول الله ﷺ لم يكونوا ظالمين، وكان نسبة الظلم إليهم علي زعم المزكى، أو جريان الحكم علي سبيل المبالغة، وهذا عام فلا منافاة بينهما. قوله: «في أربع» إلي آخر الحديث استئناف بيان لقوله: «هذه فريضة الصدقة» كأنه أشار بـ «هذه» إلي ما في الذهن، ثم أتى به بيانًا له. قوله: «من الغنم من كل خمس شاة» «من» الأولي ظرف مستقر؛ لأنه بيان لـ «شاة» توكيدًا، كما في قوله: «في خمس ذود من الإبل» والثانية لغو ابتدائية متصلة بالفعل المحذوف، أي ليعط في أربع وعشرين شاة كائنة من الغنم، لأجل كل خمس من الإبل. «حس»: وفيه دليل علي إباحة الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقه، وفيه دليل أيضًا علي جواز إخراج صدقة الأموال الظاهرة بنفسه، دون الإمام. وفيه دليل علي أن الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما بطل حكمهما. قوله: «ففيها بنت مخاض أنثى» قيل: هي التي تمت لها سنة، سميت بذلك؛ لأن أمها تكون حاملًا، والمخاض: الحوامل من النوق، لا واحد لها من لفظها، ويقال لواحدتها:
[ ٥ / ١٤٨٧ ]
فإذا بلغَتْ ستًا وثلاثين إِلي خمسٍ وأربعين؛ ففيها بنت لبون أنثى. فإذا بلغَتْ ستًا وأربعين إِلي ستين؛ ففيها حقَّةٌ طروقةُ الجمل. فإذا بلغَت واحدةً وستينَ إِلي خمسٍ وسبعين؛ ففيها جذَعَةٌ. فإذا بلغَتْ ستًا وسبعينَ إِلي تسعين؛ ففيها بنتا لبونٍ. فإذا بلغَتْ إِحدى وتسعين إِلي عشرين ومائة؛ ففيها حقّتان طروقتا الجمل. فإذا زادَتْ علي عشرين ومائة؛ ففي كلِّ أربعين بنتُ لبون، وفي كلِّ خمسين حقَّةٌ. ومَنْ لم يكُنْ
_________________
(١) خلفه. وإنما أضيفت إلي المخاض، والواحدة لا تكون بنت نوق؛ لأن أمها تكون في نوق حوامل، وصف حملها معهن وهي تتبعهن، ووصفها بالأنثى تأكيدًا، كما قال تعالي: ﴿نفخة واحدة﴾ أو لأن لا يتوهم أن البنت ها هنا والابن في «ابن لبون» كالبنت في «بنت طبق» والابن في «ابن آوى» يشترك فيهما الذكر والأنثى. قوله: «ففيها حقة طروقة الجمل» «نه»: هي من الإبل ما دخل في السنة الرابعة سمى بذلك؛ لأنه استحق الركوب والتحميل، ويجمع علي حقائق وحقاق. قوله: «طروقة الجمل» أي تعلو الفحل مثلها في سنها، وهي فعولة بمعنى مفعولة أي مركوبة للفحل. قيل: فيه دليل علي أنه لا شيء في الأوقاص، وهي ما بين الفريضتين. قوله: «ففيها جذعة» «تو»: يقال للإبل في السنة الخامسة: أجذع وجذع، وهو اسم له في زمن ليس بسن تنبت، ولا تسقط، والأنثى جذعة. قوله: «فإذا زادت علي عشرين ومائة» «قض»: فيه دليل علي استقرار الحساب بعد ما جاوز العدد المذكور. وهو مذهب أكثر أهل العلم. وقال النخعى، والثورى، وأبو حنيفة ﵃: يستأنف الحساب بإيجاب الشياه، ثم بنت مخاض، ثم بنت لبون، علي الترتيب السابق، واحتجوا بما روى عن عامر بن ضمرة عن علي ﵄ في حديث الصدقة «فإذا زادت الإبل علي عشرين ومائة ترد الفرائض إلي أولها»، وبما روى أنه ﷺ كتب كتابًا لعمرو بن حزم في الصدقات والديات وغيرهما، وذكر فيه: «أن الإبل إذا زادت علي عشرين ومائة استوفت الفريضة». ولا يعادلان حديث أنس ﵁؛ فإنه متفق علي صحته - إلي آخر ما ذكره في شرحه. قوله: «إلا أن يشاء ربها» أي صاحبها أن يتبرع ويتطوع مبالغة في نفي الوجوب، كما سبق في باب الإيمان في حديث الأعرابي في قوله: «إلا أن تطوع» قوله: «فإنها تقبل منها الحقة» إلي آخره. «فا»: فيه دليل علي جواز النزول والصعود من السن الواجب عند فقده إلي سن آخر يليه، وعلي أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهمًا، وعلي أن المعطي مخير بين الدراهم والشاتين.
[ ٥ / ١٤٨٨ ]
معَهُ إِلا أربعٌ من الإِبلِ فليسَ فيها صدقةٌ إِلا أنْ يشاءَ ربُّها. فإذا بلغَتْ خمسًا ففيها شاةٌ ومن بلغَتْ عندهُ من الإِبلِ صدقةَ الجذعةِ، وليستْ عندَهُ جَذَعَة، وعندهُ حقَّةٌ؛ فإنَّها تُقبَل منهُ الحقَّة ويجعَلُ معها شاتينِ إِن استَيْسرتا له، أو عشرينَ درهما. ومن بلغَتْ عندهُ صدقةُ الحِقَّةِ، وليستْ عندَهُ الحقَّةُ. وعندهُ الجذعَةُ؛ فإنَّها تُقبَلَ منهُ الجذعَةُ، ويعطيةِ المصدِّق عشرينَ درهمًا، أو شاتين. ومنْ بلغَتْ عندَهُ صدقةَ الحقَّة، وليسَتْ عندَه إِلا بنتُ لبون، فإنَّها تُقبل منهُ بنتُ لبون، ويعطي معها شاتين، أو عشرينَ درهمًا. ومن بلغتْ صدقتهُ بنتَ لبون، وعندهُ حقَّةٌ، فإِنَّها تُقبَل منهُ الحِقَّةُ، ويُعطيه المصدقُ عشرينَ درهمًا، أو شاتين، ومن بلغَتْ صدقتهُ بنتَ لبون، وليست عندَهُ، وعندهُ بنتُ مخاضٍ؛ فإنَّها تُقبَل منهُ بنتُ مخاض، ويعطي معها عشرينَ درهمًا، أو شاتَين، ومنْ بلغَتْ صدقتُهُ بنتَ مخاض، ليسَت عندَه، وعندهُ بنتُ لبون، فإِنَّها تُقبَل
_________________
(١) وقوله: «ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليس عنده إلا بنت» إلي آخره، فيه دليل علي أن الخيرة في الصعود والنزول من السن الواجب إلي المالك، وفي قوله: «وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه وليس معه شيء» دليل علي أن فضيلة الأنوثة تجبر بفضل السن، ولا احتياج إلي جبران. قوله: «ويعطى معها عشرين درهمًا» أي عشرين درهمًا كائنًا مع بنت المخاض، فلما قدم صار حالا. قوله: «وفي صدقة الغنم في سائمتها» «حس»: فيه دليل علي أن الزكاة إنما تجب في الغنم إذا كانت سائمة. فأما المعلوفة فلا زكاة فيها. وكذلك لا تجب الزكاة في عوامل البقر والإبل عند عامة أهل العلم وإن كانت سائمة. وأوجب مالك في عوامل البقر، ونواضح الإبل. أقول: طريق الاستدلال أن يقال: «في سائمتها» بدل من «الغنم»، بإعادة الجار، وتقرر أن المبدل في حكم المنحى فلا يجب في مطلق الغنم شيء. فهو أقوى من أنه لو قيل ابتداء: في سائمة الغنم أو في الغنم السائمة؛ لأن دلالة البدل علي المقصود بالمنطوق، ودلالة غيره عليه بالمفهوم، ودليل الخطاب؛ ولذلك لا يساعد عليه الخصم. وفي تكرار الجار إشارة إلي أن للسوم في هذا الجنس مدخلًا قويًا، وأصلًا يقاس عليه، بخلاف جنسي الإبل والبقر. قوله: «فإذا زادت علي ثلثمائة» «حس»: معناه أن تزيد مائة أخرى فتصير أربعمائة، فيجب أربع شياه، وهو قول عامة أهل العلم. وقال الحسن بن الصالح: إذا زادت علي ثلثمائة واحدة، ففيها أربع شياه. قوله: «هرمة ولا ذات عوار» «نه»: العوار – بالفتح - العيب، وقد يضم. وفي شرح السنة: النقص والعيب.
[ ٥ / ١٤٨٩ ]
منه، ويُعطيه المصدِّقُ عشرينَ درهمًا، أو شاتَين، فإنْ لم تكُنْ عندهُ بنتُ مخاضٍ علي وجهها، وعندَهُ ابنُ لبون؛ فإِنَّهُ يُقبلُ منهُ، وليسَ معهُ شيءٌ. وفي صدقةِ الغنمِ في سائمتها: إذا كانت أربعين إلي عشرين ومائة؛ شاة. فإذا زادت علي عشرين ومائة إلي مائتين؛ ففيها شاتان. فإِذا زادَتْ علي مائتينِ إِلي ثلثمائة؛ ففيها ثلاثُ شياه، فإِذا زادَتْ علي ثلثمائة، ففي كلّ مائةٍ؛ شاةٌ. فإذا كانتْ سائمةُ الرجلِ ناقصَةً من أربعين شاةً واحدةً؛ فليسَ فيها صدقةٌ، إِلا أنْ يشاءَ ربُّها. ولا تُخْرَجُ في الصدقِة هَرمةٌ، ولا ذاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْسٌ إِلا ما شاءَ المصدِّق. ولا يُجمَعُ بين متفرِّقٍ، ولا يُفرَّقُ بين مُجتمِعٍ خشيةَ الصدقةِ، وما كان من خليطَينِ فإنهما يتراجعانِ بينَهما بالسوية. وفي
_________________
(١) قوله: «ولا تيس» «حس»: أراد به فحل الغنم، معناه: إذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثًا، لا يؤخذ منه الذكر، إنما يؤخذ منه الأنثى إلا في موضعين ورد بهما السنة: أحدهما أخذ التبيع من ثلاثين من البقر، والآخر أخذ ابن لبون من خمس وعشرين من الإبل بدل بنت المخاض عند عدمها. فأما إذا كانت ماشيته كلها ذكورًا فيؤخذ الذكر. «قض»: لأن الواجب هي الأنثى، أو لأنه مرغوب عنه لنتنه وفساد لحمه، أو لأنه ربما يقصد المالك منه الفحولة فيتضرر بإخراجه. قوله: «إلا ما شاء المصدق» روى أبو عبيد: «المصدق» بفتح الدال، وجمهور المحدثين بكسرها، فعلي الأول يراد به المعطى، ويكون الاستثناء مختصًا بقوله: «ولا تيس» لأن رب المال ليس له أن يخرج في صدقته ذات عوار، والتيس وإن كان غير مرغوب فيه لنتنه، فإنه ربما زاد علي خيار الغنم في القيمة لطلب الفحولة. وعلي الثاني معناه: إلا ما شاء المصدق منها، ويراه أنفع للمستحقين، فإنه وكيلهم، فله أن يأخذ ما شاء. ويحتمل تخصيص ذلك بما إذا كانت المواشي كلها معيبة. أقول: هذا إذا كان الاستثناء متصلا. ويحتمل أن يكون منقطعًا، المعنى: لا يخرج المزكى الناقص والمعيب لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم والكامل. قوله: «ولا يجمع بين متفرق» «حس»: هذا نهي من جهة صاحب الشرع للساعي ورب المال جميعًا، نهي رب المال عن الجمع والتفريق قصدًا إلي تقليل الصدقة، ونهي الساعي عنهما قصدًا إلي تكثير الصدقة. أقول: وهذا يتأتى في أربع صور، أشار إليها القاضي بقوله: الظاهر أنه نهي للمالك عن الجمع والتفريق قصدًا إلي سقوط الزكاة، أو تقليلها، كما إذا ملك أربعين شاة فخلط بأربعين لغيره ليعود واجبه من شاة إلي نصفها، أو كان له عشرون شاة مخلوطة بمثله فيفرق؛ حتى لا تكون نصابًا فيتعلق به، وهو قول أكثر أهل العلم. وقيل: نهي الساعي أن يفرق المواشي علي المالك ليزيد الواجب، كما إذا كان له مائة وعشرون شاة وواجبها شاة، ففرقها المصدق،
[ ٥ / ١٤٩٠ ]
الرقَّة رُبع العُشرِ فإِنْ لم تكُنْ إِلا تسعينَ ومائةً؛ فليس فيها شيءٌ إِلا أن يشاءَ ربُّها. رواه البخاري.
_________________
(١) فجعلها أربعين أربعين ليكون فيها ثلاث شياه، وأن يجمع بين متفرق ليجب فيه الزكاة، أو يزيد، كما إذا كان لرجلين أربعون شاة متفرقة فجمعها لتجب فيها الزكاة، أو كان لكل واحد منهما مائة وعشرون فجمع بينهما ليصير الواجب ثلاث شياه. وهو قول من لم يعتبر الخلطة، ولم يجعل لها تأثيرًا، كالثورى وأبي جنيفة ﵄. وحينئذ هذا التأويل يفسر قوله: «خشية الصدقة». وظاهر قوله عقيب ذلك: «وما كان من خليطين؛ فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» يعضد القول الأول. أقول: قوله: «خشية الصدقة» مفعول له قد تنازع فيه قوله: «لا يجمع ولا يفرق» فإذا نسب إلي الساعي وجب أن يقال: خشية أن يقل، وإذا نسب إلي المالك وجب أن يقال: خشية أن يكثر. قوله: «فإن لم يكن إلا تسعين ومائة» «حس»: هذا يوهم أنها إذا زادت علي ذلك شيئًا قبل أن يتم مائتين، كانت فيها الصدقة، وليس الأمر كذلك؛ وإنما ذكر «تسعين» لأنه آخر فصل من فصول المائة، والحساب إذا جاوز المائة كان تركيبه بالفصول، كالعشرات، والمئات، والألوف، فذكر التسعين؛ ليدل علي أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين، بدليل قوله ﷺ: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة». أقول: أراد أن دلالة هذا الحديث علي أقل ما نقص من النصاب إنما يتم بحديث «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» ويسمى هذا في الأصول: النص المفيد بمقارنة نص آخر، وينصره الحديث الآتي عن علي ﵁ «وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم» ونحوه قوله تعالي: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ فإنه يدل علي أن أقل الحمل ستة أشهر، لكن إذا ضم إليه قوله تعالي: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، أو يقال: إن الحصر بالنفي والإثبات يستعمل في رد منكر مصر، فلابد أن يتصور منكر لهذا الحكم، فيرد به إلي الصواب. وهذا لا ينافي الزيادة علي العدد المنصوص، كقولك: ما زيد إلا كاتب، لمن ينكر كتابته؛ فإن الحصر لا ينافي ثبوت صفة أخرى سوى الكتابة له. قوله: «وفي الرقة» الرقة: الدراهم المضروبة، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة كما في عدة. وأصلها: الورق، وتجمع علي رقين مثل «ثبين وعزين». الحديث الرابع عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: «أو كان عثريًا» «نه»: هو النخل الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة. وقيل: هو العِذْىُ. أقول: ذهب
[ ٥ / ١٤٩١ ]
١٧٩٧ - وعن عبد الله بنِ عمر، عن النبي ﷺ، قال: «فيما سقَتِ السَّماء والعيونُ أو كان عثَرِيًا؛ العُشرُ. وما سُقي بالنضَحِ؛ نصفُ العشر» رواه البخاري.
١٧٩٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «العجماءُ جرحُهَا جُبارٌ؛ والبئرُ جُبَارٌ، والمعدِن جبارٌ، وفي الركاز الخمُس». متفق عليه.
_________________
(١) التوربشتي إلي الثاني، حيث قال: العثرى- بالتحريك- العِذىُ: وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر. والزمخشري إلي الأول، وقال: سمى به؛ لأنه لا يحتاج في سقيه إلي عمل بدالية، أو غيرها. وهو من: عثر علي الشيء عثورًا أو عثرًا؛ لأنه تهجم علي الماء بلا عمل من صاحبه، كأنه نسب إلي العثر وحركت عينه، كما قيل في الحمص والرمل: حمصى ورملي. وقال القاضي: المعنى الأول – يعني ما عليه قول الومخشري – أليق بالحديث؛ لئلا يلزم التكرار، وعطف الشيء علي نفسه «نه»: «النواضح» الإبل التي يستقى عليها، والواحد ناضح. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «العجماء جرحها جبار». «قض»: العجماء: البهيمة، وهي في الأصل تإنيث أعجم، وهو الذي لا يقدر علي الكلام. سميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم. والجبار: الهدر. والمراد أن البهيمة إذا أتلفت شيئًا، ولم يكن معها قائد، ولا سائق، وكان نهارًا، فلا ضمان، فإن كان معها أحد فهو ضامن؛ لأن الإتلاف حصل بتقصيره، وكذا إن كان ليلًا؛ لأن المالك قصر في ربطه، إذ العادة أن تربط الدواب ليلًا، وتسرح نهارًا. وقوله: «والبئر جبار، والمعدن جبار» معناه: أن من استأجر حافرًا ليحفر له بئرًا، أو شيئًا من المعدن، فانهار عليه البئر أو المعدن، لا ضمان عليه. وكذا إن وقع فيها إنسان وهلك، إن لم يكن الحفر عدوانا، وإن كان ففيه خلاف. «وفي الركاز الخمس» يريد به المعدن عند أهل العراق من أصحاب أبي حنيفة؛ لما روى أنه ﷺ سئل عنه فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقه». ودفين أهل الجاهلية عند أهل الحجاز، وهو الموافق لاستعمال العرب، والمناسب لوجوب الخمس فيه. واشتقاقه من الركز، مصدر ركزت الرمح. ويقال: أركز الرجل إذا وجد ركازًا. أقول: ولناصر القول الأول أن يقول: إن حديث الدفين في هذا المقام دخيل؛ لأنه لما ذكر حكم المعدن في الهدر، استتبعه حكمًا آخر له، وهو وجوب الزكاة فيما حصل منه استطرادًا، ولابد من تقدير مضاف ليصح حمل المبتدأ علي الخبر، أي فعل العجماء هدر باطل لا يعتبر في
[ ٥ / ١٤٩٢ ]
الفصل الثاني
١٧٩٩ - عن عليّ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «قد عفوتُ عن الخيلِ والرقيق، فهاتوا صدقةَ الرقَّةِ: من كلِّ أربعينَ درهمًا درهمٌ، وليسَ في تسعين ومائة شيءٌ، فإِذا بلغَتْ مائتين؛ ففيها خمسةُ دراهم» رواهُ الترمذي، وأبو داود [١٧٩٩].
وفي رواية لأبي داود عن الحارثِ الأعور عن عليّ، قال زُهيرٌ: أحْسَبُهُ عن النبيَّ ﷺ، أنَّه قال: «هاتوا رُبعَ العشرِ، من كلِّ أربعينَ درهمًا درهمٌ، وليسَ عليكم شيءٌ حتى تتمَّ مائتي درهم. فإذا كانت مائَتي درهم؛ ففيها خمسةُ دراهم. فما زادَ فعلي حسابِ ذلك. وفي الغنَم: في كلِّ أربعينَ شاةً شاةٌ إلي عشرين ومائة. فإِنْ زادَتْ واحدةٌ فشاتانِ إِلي مائتين. فإِن زادَتْ فثلاثُ شياهٍ إِلي ثلثمائة. فإِذا زادَتْ علي
_________________
(١) في الضمان، وسقوط البئر والمعدن كذلك، أي سقوط البئر علي الشخص، أو سقوط الشخص في البئر هدر. الفصل الثاني الحديث الأول عن علي ﵁ قوله: «قد عفوت» يشعر بسبق ذنب من إمساك المال عن الإنفاق. وقوله: «فهاتوا» مؤذن بالتخفيف، يعني أن الأصل فيما يملكه الغنسان من الأموال أن يزكى، وقد عفوت عن الأكثر، فهاتوا هذا النزر القليل. وذِكرُ الخيل والرقيق ليس للاختصاص بل للاستيعاب، كما في قوله تعالي: ﴿لهم رزقهم فيها بكرة وعشيًا﴾. قوله: «من كل أربعين درهمًا درهم» معناه: من كان له مال فليزكِّ علي هذا النسق. قوله: «وليس في تسعين» إلي آخره بيان للنصاب. ورواية الحارث الأعور ليست في المصابيح، ورواها أبو داود، وليس في رواية الترمذي وأبي داود «فما زاد فعلي حساب ذلك». قوله: «حتى يتم مائتي درهم» الفاعل ضمير الرقة، و«مائتي» حال: أي بالغة مائتين، كقوله تعالي: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾. قوله: «وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة» «شاة» مبتدأ و«في الغنم» خبره، و«في كل أربعين» بإعادة الجار بدل من «الغنم» وليس «شاة» هنا تمييزًا. مثله في قوله: «في كل أربعين درهما درهم»، لأن درهما بيان مقدار الواحد من أربعين. ولا يعلم هذا من الرقة، فتكون «شاة»
[ ٥ / ١٤٩٣ ]
ثلثمائة، ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ. فإنْ لم تكُن إِلا تسعٌ وثلاثون؛ فليس عليكَ فيها شيءٌ وفي البقر: في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مُسنَّةٌ، وليسَ علي العواملِ شيءٌ».
١٨٠٠ - وعن معاذٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ لما وجَّهَهُ إِلي اليمنِ أمرهُ أن يأخُذَ من البقرةِ: من كلِّ ثلاثين؛ تبيعًا أو تبيعةً، ومن كلِّ أربعينَ؛ مُسِنَّة. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي. [١٨٠٠]
١٨٠١ - وعن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «المعتدي في الصدقةِ كمانعها» رواه أبو داود، والترمذي [١٨٠١]
١٨٠٢ - وعن أبي سعيد الخدري، أنَّ النبيَّ ﷺ: «ليسَ في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقةٌ حتى يبلُغَ خمسةَ أوسُق» رواه النسائي. [١٨٠٢]
١٨٠٣ - وعن موسى بن طلحة، قال: عندنا كتاب معاذِ بنِ جبلٍ، عن النبيِّ ﷺ، أنَّهُ قال: إِنَّما أمرَهُ أن يأخذَ الصدقةَ من الحنطةِ والشعير والزبيبِ والتَّمرِ. مرسل، رواه في «شرح السُنَّة».
_________________
(١) هذا لمزيد التوضيح. «نه»: التبيع: ولد البقر أول سنة، والمسن: الذي سنها في السنة الثالثة. قال الأزهري: البقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن. «مظ»: العوامل: جمع عاملة، وهي ما يعمل من الإبل والبقر من الحرث والسقى، لا زكاة عند الأئمة الثلاثة، ومالك يوجب فيها الزكاة. الحديث الثاني والثالث عن أنس ﵁: قوله: «المعتدى في الصدقة» الاعتداء مجاوزة الحد. «حس»: معنى الحديث: أن علي المعتدى في الصدقة من الإثم ما علي المانع، ولا يحل علي رب المال كتمان المال، وإن اعتدى عليه الساعي. أقول: يريد أن المشبه به في الحديث ليس بمطلق، بل مقيد بقيد الاستمرار في المنع، فإذا فقد القيد فقد التشبيه. الحديث الرابع والخامس عن موسى بن طلحة: قوله: «عندنا كتاب معاذ بن جبل» هذا من باب الوجادة، لأن من نقل من كتاب الغير من غير إجازة، ولا سماع، ولا قراءة سمى وجادة-
[ ٥ / ١٤٩٤ ]
١٨٠٤ - وعن عَتَّابِ بنِ أسيدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في زكاةِ الكُروِم: «إِنَّها تُخرَص كُما تُخرصُ النخلُ، ثمَّ تؤدَّى زكاتهُ زبيبًا كما تؤدَّى زكاةُ النخلِ تمرًا». رواه الترمذي، وأبو داود.
١٨٠٥ - وعن سهل بنِ أبي حثمة، حدَّثَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يقول: «إذا خرَصتُمْ فجذوا. ودعوا الثُّلثَ فإِنْ لم تدَعوا الثُلثَ فدعوا الربعَ». رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
_________________
(١) بالدال-. قوله: «إنما أمره أن يأخذ». فإن قلت: معنى الحديث أن الزكاة منحصرة في هذه الأربعة وليس كذلك، وأجاب المظهر بأنه أمره أن يأخذ الزكاة من هذه لأنه لم يكن ثمة غير هذه الأربعة. أقول: هذا إن صح بالنقل فلا كلام، وإن فرض أن ثمة شيئًا غير هذه الأربعة مما يجب فيه الزكاة، فمعناه: إنما أمره أن يأخذ الصدقة من المعشرات من هذه الأجناس. وغلب الحنطة والشعير علي غيرهما من الحبوب، لكثرتهما في الوجود وأصالتهما في القوت. واختلف فيما تنبت الأرض مما يزرعه الناس ويغرسه، فعند أبي حنيفة: تجب الزكاة في الكل، سواء كان قوتا او غير قوت، فذكر التمر والزبيب عنده للتغليب أيضًا. قوله: «مرسل» موسى بن طلحة تابعي، هو أبو عيسى موسى بن طلحة بن عبيد التيمي القرشي سمع أباه وجماعة من الصحابة. وعلي هذا التقدير ينبغي أن يقال: عن موسى بن طلحة عن النبي ﷺ، فعلي هذا قوله: «قال: وعندنا كتاب معاذ بن جبل» يكون معترضًا، ولا معنى له، وإن اتصل قوله عن النبي ﷺ بقوله: «كتاب معاذ بن جبل» فيكون حالا من ضمير كتاب في الخبر، أي صادرا عن النبي، فحينئذ لا يكون مرسلا، بل يكون وجادة كما سبق، اللهم إلا بالتأويل. الحديث السادس عن عتاب: قوله: «إنما تخرص» «مظ»: يعني إذا ظهر في العنب والتمر حلاوة، يقدر الحازرُ أن هذا العنب إذا صار زبيبا، كم يكون، ثم ينظر إن بلغ نصابا يجب وإلا فلا. الحديث السابع عن سهل: قوله: «فإذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث» فخذوا جواب للشرط، و«دعوا» عطف عليه، أي عينوا مقدار الزكاة فخذوا الثلثين منه واتركوا الثلث لرب المال حتى يتصدق به. وفي المصابيح حذف «فخذوا» وجعل «فدعوا» جوابًا لعدم اللبس. «قض»: الخطاب مع المصدقين، أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه أو ربعه، توسعة عليه حتى يتصدق به علي جيرانه ومن يمر عليه، ويطلب منه فلا يحتاج أن يغرم من
[ ٥ / ١٤٩٥ ]
١٨٠٦ - وعن عائشة، قالت: كان النبيُّ ﷺ يبعثُ عبدَ اللهِ بن رواحةَ إِلي يهود، فيخرُص النخلَ حين يطيبُ قبلَ أن يؤكلَ منه. رواه أبو داود. [١٨٠٦]
١٨٠٧ - وعن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ في العسَلِ: «في كلِّ عشرةِ أزُق زِقُّ». رواه الترمذي، وقال: في إسناده مقال، ولا يصحُّ عن النبيِّ ﷺ في هذا البابِ كثيرُ شيءٍ.
١٨٠٨ - وعن زينبَ امرأةِ عبدِ الله، قالت: خطبَنا رسولُ اللهِ ﷺ فقال: «يا معشرَ النساءِ! تصدَّقنَ ولو من حُلِيكُنَّ، فإنكُنَّ أكثرُ أهلِ جهنَّم يومَ القيامةِ» رواه الترمذي. [١٨٠٨]
١٨٠٩ - وعن عمرو بنُ شعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ امرأتينِ أتتا رسولَ اللهِ ﷺ وفي أيديهما سِوارانِ من ذهَبٍ، فقال لهما: «تؤدِّيانِ زكاتَه؟» قالتا: لا. فقالَ
_________________
(١) ماله. وهو قول قديم للشافعي، وعامة علماء الحديث. وأما أصحاب الرأي فلا عبرة بالخرص عندهم لإفضائه إلي الربا، وزعموا: أن الأحاديث الواردة فيه إنما كانت قبل ورود النهي عن الربا، فلما حرمت نسخ ذلك. ويرده حديث عتاب؛ لأنه أسلم أيام الفتح، والربا كانت محرمة قبله. ثم إن قلنا بوجوب الزكاة في الذمة، فلا ربا في الخرص، وإن قلنا بوجوبها في عين المال، وأن المستحق شريك فيه، والخرص تضمين فكأن الساعي أقرض نصيبه من المالك ليؤدي التمر بدله، فهو مستثنى للحاجه كالعرايا. الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: «إلي يهود» أي إلي يهود خبير وفي رواية أخرى لأبي داود: قالت: كان رسول الله ﷺ يبعث ابن رواحة فيخرص النخل حين تطيب الثمار قبل أن يؤكل منه، ثم يخير يهود أن يأخذوه بذلك الخرص، أو يدفعوه إليه به لكي يحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار، ويفرق. وهذا زكاة مال المسلمين الذين تركوها في أيدي اليهود يعلمون فيها. قوله: «حين يطيب» أي حين تظهر في الثمار الحلاوة. الحديث التاسع عن ابن عمر ﵄: قوله: «في العسل الأزق» أفعل جمع قلة لزق. وقد تمسك بظاهره من أوجب الزكاة في العسل. قوله: «في إسناده مقال» أي موضع قول للمحدثين، يعني تكلموا فيه، وطعنوا، ولا يصح عن النبي ﷺ في باب زكاة العسل ما يقول عليه، هذا معنى قوله: «كثير شيء». الحديث العاشر والحادي عشر عن زينب: قوله: «ولو من حليكن» «حس»: ظاهر الحديث
[ ٥ / ١٤٩٦ ]
لهما رسولُ اللهِ ﷺ: «أتُحبَّانِ أن يسورَكما اللهُ بسوارينِ من نارٍ؟» قالتا: لا. قال: «فأديا زكاتَه». رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ قد رواهُ المثنَّى بنُ الصباح، عن عمرو بن شُعيبٍ نحوَ هذا، والمثنَّى بن الصباح وابنُ لهيعة يضعفانِ في الحديث، ولا يصحُّ في هذا الباب عن النبيِّ ﷺ شيء [١٨٠٩].
١٨١٠ - وعن أُم سلمة، قالت: كنتُ ألبَسُ أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسولَ اللهِ! أكنزٌ هو؟ فقال: «ما بلغَ أن تُؤدَّي زكاتهُ فزُكي، فليسَ بكنزٍ» رواه مالك، وأبو داود.
_________________
(١) دليل علي وجوب الزكاة في الحلي وإن كان مباحًا؛ ولهذا قال ﷺ: «فأديا زكاته» وهو أحد قولي الشافعي، والجديد: أنه لا يجب في الحلي المباح زكاة. وتأويل الحديثين علي هذا: أن المراد من الزكاة الإعارة، أو لعله كان كثيرًا بالإسراف، أو لعله كان متخذًا من ذهب أو فضة قد بقيت فيه زكاة. أقول: ويمكن أن يراد بالصدقة التطوع، يدل عليه حديث العيد، فإنهن حينئذ لم يخرجن ربع العشر من حليهن بل كن يومين ما كان عليهن من الحلي في حجر بلال، ولئن سلم فـ «لو» هنا للمبالغة، أي تصدقن من كل ما يجب فيه الصدقة، حتى مما لا تجب فيه من الحلي؛ ومن ثم علله بقوله: «فإنكن أكثر أهل النار». وأما حديث عمرو بن شعيب: «أن امرأتين أتتا» إلي آخره، فضعفه الترمذي، كما في متن المشكاة. وأيضًا فيه تدليس وتورية علي ما سبق. قوله: «نحو هذا» اسم الإشارة وضع موضع الضمير الراجع إلي الحديث، وأراد به معناه. قوله: «وفي أيديهما سواران» وكان من الظاهر أن يقال: أسورة، لجمع اليد، المعنى: أن في يد كل منهما سوارين. والضمير في قوله: «فأديا زكاته» بمعنى اسم الإشارة، كما في قوله تعالي: ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ وأنشد الزمخشري لرؤبة: فيه سواد، وبياض، وبلق كأنه في الجلد توليع البهق الحديث الثاني عشر عن أم سلمة: قوله: «أوضاحًا» هو جمع وضح، وهي نوع من الحلي تعمل من الفضة سميت بها لبياضها. «مظ»: قولها: «أكنز هو؟» يعني استعمال الحلي كنز من الكنوز التي بشر الله صاحبها بالنار في قوله تعالي ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية؟
[ ٥ / ١٤٩٧ ]
١٨١١ - وعن سمرة بن جندب: أنَّ رسول اللهِ ﷺ كانَ يأمُرُنا أن نُخرج الصدقَة من الذي نُعِدُّ للبيع رواه أبو داود [١٨١١].
١٨١٢ - (١٩) وعن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن غيرِ واحدٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقطعَ لبلال بن الحارث المزني معادنَ القَبَليَّة، وهي من ناحيةِ الفُرع، فتلكَ المعادنُ لا تؤخذ منها إِلا الزكاةُ إِلي اليوم. رواه أبو داود. [١٨١٢]
الفصل الثالث
١٨١٣ - عن عليّ، أنَّ النبيَّ ﷺ، قال: «ليسَ في الخضروات صدقةٌ، ولا في
_________________
(١) أقول: وكان من الظاهر أن يجاب بنعم أو لا، فعرف رسول الله ﷺ حد الكنز، أي الكنز المعروف هو ما جمع من النقدين حتى بلغ نصابًا، ولم تؤد زكاته، فانظري إن كان كذلك فهو كنز، وإن تزينت بها كما شرعه الله تعالي وأباح للنساء فليس به. الحديث الثالث عشر عن سمرة: قوله: «نعد للبيع» أي نهيئ للتجارة. وفيه أن ما نوى فيه القنية لا زكاة فيه. الحديث الرابع عن ربيعة: قوله: «أقطع» الإقطاع ما يجعله الإمام لبعض الأجناد، والمرتزقة: من قطعة أرض ليرتزق من ريعها. «نه»: والإقطاع يكون تمليكًا، وغير تمليك. وفي حديث أبيض: «أنه استقطعه الملح الذي بمأرب» أي سأله أن يجعل له إقطاعًا يتملكه، ويستبد به، وينفرد. قوله: «القبلية» «مح»: المحفوظ عند أصحاب الحديث بفتح القاف والباء، والفرع: موضع بأعالي المدينة واسع، وفيه المساجد للنبي ﷺ، وبه قرى كثيرة، وهو بين الحرمين. وقيل: إن القبلية منسوبة إلي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام. قوله: «لا يؤخذ منها إلا الزكاة» «مظ»: يعني بالزكاة ربع العشر كزكاة النقدين، وهو مذهب مالك، وأحد أقوال الشافعي، وأما أبو حنيفة، وقول للشافعي: فيوجبان الخمس في المعدن. والقول الثالث للشافعي: إن وجده بتعب ومئونة يجب فيه ربع العشر، وإلا فالخمس. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن طاوس: قوله: «الوقص ما لم يبلغ الفريضة» هذا مبهم؛ لأن ما لم يبلغ الفريضة أعم من أن يكون ابتداءً، أو ما بين الفريضتين. «نه»: الوقص – بالتحريك -
[ ٥ / ١٤٩٨ ]
العرايا صدقةٌ، ولا في أقلَّ من خمسةِ أوسقٍ صدقةٌ، ولا في العواملِ صدقةٌ، ولا في الجبهةِ صدقةٌ». قال الصقر: الجبهة الخيل والبغال والعبيد. رواه الدارقطني.
١٨١٤ - وعن طاوسٍ، أنَّ معاذَ بنَ جبل أُتي بوقصِ البقر، فقال: لم يأمُرْني فيه النبيُّ ﷺ بشيءٍ. رواه الدارقطني، والشافعي، وقال: الوقص: مالم يبلُغِ الفريضة.