الفصل الأول
٥٢٦ - عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «فضلنا علي الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا. وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء». رواه مسلم.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول عن المغيرة: قوله: «بل أنت نسيت» يحتمل حمله علي الحقيقة، أي نسيت إني شارع، فنسبت النسيان إلي، أو يكون بمعنى أخطأت، فجاء النسيان علي المشاكلة، قدم الجار والمجرور علي عامله اهتمامًا بشأنه؛ لأن الكلام فيه. الحديث الثاني ظاهر. باب التيمم الفصل الأول الحديث الأول عن حذيفة: قوله: «فضلنا علي الناس بثلاث» هذه الخصال من بعض خصائص هذه الأمة المرحومة، ثنتان منها لرفع الحرج ووضع الإصر، كما قال تعالي: ﴿ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته علي الذين من قبلنا﴾، وواحدة إشارة إلي رفع الدرجات العالية
[ ٣ / ٨٤٦ ]
٥٢٧ - وعن عمران، قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ، فصلي بالناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: «ما منعك يا فلان! أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك». متفق عليه.
٥٢٨ - وعن عمار، قال جاء رجل إلي عمر بن الخطاب [﵁] فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء. فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ. فقال: «إنما كان
_________________
(١) في المناجات بين يدي بارئهم، صافين صفوف الملائكة المقربين، كما قال: ﴿وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون﴾. «خط»: إنما جاء علي مذهب الامتنان علي هذه الأمة، بأن رخص لهم في الطهور بالأرض والصلاة عليها في بقاعها، وكانت الأمم السالفة لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم. «شف»: فيه دليل علي أن أداء الصلاة بالتيمم لا يجوز عند قدرته علي الوضوء بالماء. «حس»: خص التراب بالذكر لكونه طهورًا، ولهذا قال الشافعي: لا يصح التيمم بالزرنيخ، والنورة، والجص ونحوها، وإنما يجوز بما يقع عليه اسم التراب في كل أرض يعلق باليد منها غبار، وجوز أصحاب الرأي التيمم بما ذكرنا وغيرها من طبقات الأرض؛ لما روي عن جابر أن النبي ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». قلنا: حديث حديفة مفسر، والمفسر من الحديث يقضي علي المجمل. الحديث الثاني عن عمران: قوله: «فلما انفتل» يقال: فتل وجهه عني أي صرفه، وقوله: «إذا» للمفاجأة، وهو مبتدأ، و«برجل» خبره، أي فأجاء رسول الله ﷺ رجلًا، والجملة جواب «لما». «الكشاف»: الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، وإن كان صخرًا لا تراب عليه، لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهورًا، وهو مذهب أبي حنيفة. فإن قلت: فما تصنع بقوله في سورة المائدة: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ أي بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟ قلت: قالوا: إن «من» لابتداء الغاية، فإن قلت: قولهم: إنها لابتداء الغاية قول متعسف. قلت: ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن، ومن الماء، ومن التراب إلا معنى التبعيض. قلت: هو كما تقول، والإذعان للحق أحق من المراء. الحديث الثالث عن عمار: قوله: «فتمعكت» أي تمرغت، يقال: تمعكت الدابة وتمرغت إذا
[ ٣ / ٨٤٧ ]
يكفيك هكذا» فضرب النبي ﷺ بكفيه علي الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. رواه البخاري. ولمسلم نحوه، وفيه: قال: «إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض. ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك».
٥٢٩ - وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: «مررت علي النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد علي حتى قام إلي جدار، فحته بعصى كانت معه، ثم وضع يديه علي الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد علي». ولم أجد هذه الرواية في: «الصحيحين»، ولا في: «كتاب الحميدي»؛ ولكن ذكره في: «شرح السنة» وقال: هذا حديث حسن.
_________________
(١) تقلبت في التراب، قاس عمار استعمال التراب علي استعمال الماء في الجنابة. «حس»: في الحديث فوائد: منها أن مسح الوجه واليدين تارة يكون بدلًا عن غسل أعضاء الوضوء في حق المحدث، وأخرى عن غسل جميع البدن في حق الجنب والحائض والميت عند العجز، أو عند فقدان الماء، وتارة عن غسل لمعة من بدنه بسبب الجرح في بعض أعضاء الووضء، وأنه يكفي في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول علي، وابن عباس، وعمار، وجمع من التابعين ﵃. وذهب عبد الله بن عمر، وجابر، وجمع من التابعين ﵃ والأكثرون من فقهاء الأمصار إلي أن التيمم ضربتان. «قض»: في الحديث دليل علي أن الضربة الواحدة كافية في التيمم، وقد قال به أحمد، وداود، وهو رواية عن مالك، وقول قديم للشافعي، وذهب الجمهور إلي أنه لابد من ضربتين؛ لحديث ابن عمر ﵄، ومعاضدة القياس والاحتياط له، وقد روي ذلك عن عمار أيضًا. وأقول: حديث عمار أورده أبو داود في سننه، وسيجيء في آخر الفصل الثالث. الحديث الرابع عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة في جامع الأصول بكسر الصاد وتشديد الميم: قوله: «حته» أي خدشه. «حس»: فيه أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار، فإن الحت والخدش إنما كان كذلك، وأن ذكر الله يستحب فيه الطهارة. قوله: «ولم أجد هذه الرواية في الصحيحين» ورواية الصحيحين مذكورة في أول الفصل الثالث من هذا الباب.
[ ٣ / ٨٤٨ ]
الفصل الثاني
٥٣٠ - عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشره، فإن ذلك خير». رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٥٣١]
وروى النسائي نحوه إلي قوله: «عشر سنين».
٥٣١ - وعن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر علي الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا علي النبي ﷺ أخبر بذلك. قال: «قتلوه، قتلهم الله؛ ألا سألوا إذا لم يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب علي جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده». رواه أبو داود.
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي ذر: قوله: «وضوء المسلم» الوضوء- بفتح الواو- الماء، وفي الكلام تشبيه، أي الصعيد الطيب كالماء في الطهارة. «وإن لم يجد الماء عشر سنين» مبالغة لا تحديد، وهذا من الشرط الذي يقطع عنه جزاؤه لمجرد المبالغة، و«فليمسه» - بضم الياء وكسر الميم- مضارع أمس البشر، والبشرة وجه الجلد. «مظ»: ليس معنى «فإن ذلك خير» أن الوضوء والتيمم كلاهما جائز عند وجود الماء لكن الوضوء خير، بل المراد منه أن الوضوء واجب عند وجود الماء، ولا يجوز التيمم، وهذا نظير قوله تعالي: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلا﴾، مع أنه لا خير ولا حسن لمستقر أصحاب النار ومقيلهم. الحديث الثاني عن جابر: قوله: «فشجه في رأسه» أي أوقع الشج فيه، نحو: يجرح في عراقبها نصل. وكذا قوله: «خرجنا في سفر». قوله: «ألا سألوا» «ألا» حرف تحضيض دخل علي الماضي فأفاد التنديم، و«إذا» ظرف فيه معنى التعليل، ويدل علي رواية «إذا» والفاء للتسبيب، و«العي» عدم الضبط والبيان، يقال: عي بالأمر وتعي به إذا لم يضبطه، وعايا صاحبه معاياة إذا ألقى عليه كلامًا أو علمًا لا يهتدي لوجهه، استعارة الشفاء لمعنى الإزالة استعارة مصرحة، أو
[ ٣ / ٨٤٩ ]
٥٣٢ - ورواه ابن ماجه، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. [٥٣٢]
٥٣٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمم صعيدًا طيبًا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء، ولم يعد الآخر. ثم أتينا رسول الله ﷺ، فذكرا ذلك. فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك». وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين». رواه أبو داود، والدارمي، وروى النسائي نحوه. [٥٣٣]
٥٣٤ - وقد روى هو وأبو داود أيضًا عن عطاء بن يسار مرسلا.
الفصل الثالث
٥٣٥ - عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد النبي ﷺ حتى أقبل علي الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. متفق عليه.
_________________
(١) استعارة العي للمرض علي المكنية، وفيه مطابقة معنوية؛ لأنه قوبل العي بعدم العلم، والمقابل الحقيقي للعي للإطلاق، وللجهل العلم، المعنى لم لم يسألوا حين لم يعلموا؛ لأن شفاء الجهل السؤال، أو لم لم تسألوا عن الشيء حين لم تهتدوا إليه؛ فإن شفاء العي السؤال. «التعصيب» الشد بالعصابة والخرقة. «خط»: وفيه أنه ﷺ عابهم بالإفتاء بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وفيه أن الجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء، ولم ير أحد الأمرين كافيًا دون الآخر جائزًا. الحديث الثالث عن أبي سعيد ظاهر. الفصل الثالث الحديث الأول، والثاني عن عمار بن ياسر: قوله: «الآباط» «الجوهري»: الإبط ما تحت الجناح، يذكر ويؤنث، والجمع آباط، وإنما ذهبوا إلي هذا نظرًا إلي أن اليد في آيتي التيمم مطلقة غير مقيدة، فحملت علي مسمى اليد، وهو من رءوس الأصابع إلي المنكب، وأما في آية الوضوء فهي مقيدة بالمرفقين، وذلك أن «إلي» ليس لبيان الغاية، بل لإسقاط ما وراءها، إذ
[ ٣ / ٨٥٠ ]
٥٣٦ - وعن عمار بن ياسر: أنه كان يحدث: أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلي المناكب والآباط من بطون أيديهم. رواه أبو داود. [٥٣٦]