الفصل الأول
٧٩٠ - عن أبي هريرة [﵁]: أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلي، ثم جاء فسلم عليه. فقال له رسول الله ﷺ: «وعليك السلام، ارجع فصل، فإنك لم تصل». فرجع فصلي، ثم جاء، فسلم. فقال: «وعليك السلام، ارجع فصل، فإنك لم تصل». فقال في الثالثة- أو في التي بعدها-: علمني يا رسول الله! فقال: «إذا قمت إلي الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القلة، فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا،
_________________
(١) خبر «كان»، واللام لام الابتداء المقارنة بالمبتدأ، المؤكدة بمضمون الجملة أو اللام التي يتلقى بها القسم، وهو أقرب. والله أعلم. الحديث الثالث والرابع ظاهران. باب صفة الصلاة الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: «وعليك السلام»، قيل: عليك بلا واو يدل علي أن ما قاله بعينه مردود إليه خاصة، وإذا أثبت الواو وقع الاشتراك معه، والدخول فيما قال؛ لأن الواو تجمع بين الشيئين.
[ ٣ / ٩٧٦ ]
ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا». – وفي رواية أخرى: ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» – متفق عليه.
_________________
(١) قوله: «اقرأ بما تيسر» أتى بالباء وليس في التنزيل الباء دلالة علي أن (اقرأ) يراد به الإطلاق، نحو: فلان يعطي ويمنع، أي أوجد القراءة باستعانة ما تيسر لك، كقوله تعالي: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ أي أوقع الصلاح فيهم، و«معك» حال، و«حتى» في القرائن لغاية ما يتم به الركن، فدلت «حتى» علي أن الطمإنينة داخلة فيه، والمنصوب حال مؤكدة. «حس»: أراد بـ «ما تيسر معك من القرآن» فاتحة الكتاب إذا كان يحسنها، ببيان الرسول ﷺ كقوله تعالي في الهدي ﴿فما استيسر من الهدي﴾ والمراد منه شاة ببيان السنة، وفيه دليل علي وجوب القراءة في الركعات كلها، كما يجب الركوع والسجود. «تو»: من ذهب إلي أن الطمإنينة في الهيئات المذكورة فريضة فتمسك بظاهر اللفظ، ومن ذهب إلي أنها سنة فإنه يؤوله بنفي الكمال، وأن الأمر بالإعادة إنما كان لتركه فرضًا من فروضها، فلما قال: «علمني» وصف له كيفية إقامة الصلاة علي نعت الكمال، ولذلك بدأ في تعليمه بالأمر بإسباغ الوضوء، ولم يأمر بالإعادة، ولو لم يكن علي طهر لقال: ارجع فتوضأ والجواب أن أمره ﷺ بالرجوع والصلاة تم ترتبه علي قوله: «فإنك لم تصل» فإن المؤكدة وبناء الخبر علي اسم (إن) لإفادة التقوي في الحكم، وتكراره مرة بعد أخرى، ثم تعليمه إياه الهيئات المذكورة بتلك الصيغ البليغة هيئة بعد أخرى، دلالة علي الاعتناء بشأنها، وأن الكلام منصب إليها، فلا يحمله البليغ إلا علي الحقيقة؛ لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة إذا لم يمنع مانع، لاسيما مع وجود القرائن الداعية إلي إثباتها، ومعاضدة الأحاديث الآتية لها، فلم يأت بشيء يخالفها، وسنبين في الحديث الثالث من الفصل الثالث من باب الركوع ما يحقق ذلك. «الكشاف»: إذا كان الكلام منصبًا إلي غرض من الأغراض جعل سياقة له، وتوجهه إليه، كأنما سواه مرفوض مطروح. وهذا أيضًا جواب عن قوله: وإنما كان لتركه فرضًا من فروضها، ثم قوله: وصف له كيفية إقامة الصلاة علي نعت الكمال. وأما قوله: بدأ في تعليمه بالأمر بإسباغ الوضوء إلي آخره فجوابه أنه ﷺ عرف بنور معجزاته أنه ترك إسباغ الوضوء دون فرائضه، ولذلك لم يأمر بالإعادة، ثم الأمر باستقبال القبلة مع أنه كان مستقبلًا للأمر بالكمال.
[ ٣ / ٩٧٧ ]
٧٩١ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه؛
_________________
(١) وكذلك الأمر بتكبيرة الإحرام وبقراءة ما تيسر من القرآن، فدلت علي أن المذكورات في الصلاة من جنسها في الفريضة كما يقتضيه علم المعإني والبعيد، علي أن كم للصلاة من فرائض وسنن وآداب لم يذكرها في الحديث، لما لم يكن غرض فيها. «مح»: هذا الحديث محمول علي بيان الواجبات دون السنن. فإن قيل: لم يذكر فيه كل الواجبات من المجمع عليه، كالنية، والقعود في التشهد الأخير، وترتيب أركان الصلاة، والمختلف فيه كالتشهد الأول، والصلاة علي النبي ﷺ. والجواب أن الواجبات المجمع عليها كانت معلومات عند السائل، فلم يحتج إلي بيانها، وكذلك المختلف فيها، وفيه دليل علي وجوب الاعتدال من الركوع، والجلوس، ووجوب الطمإنينة في الركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين، وهو مذهب الجمهور، ولم يوجبها أبو حنيفة وطائفة يسيرة، وهذا الحديث حجة عليهم، وليس عنه جواب صحيح، وأما الاعتدال فمن المشهور من مذهبنا أنه يجب الطمإنينة فهي كما يجب في الجلوس بين السجدتين، ووقف في إيجابها فيه بعض أصحابنا، واحتج هذا القائل بقوله ﷺ في هذا الحديث: «ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا» اكتفي بالاعتدال، ولم يذكر الطمإنينة كما ذكر في سائرها. «تو» فإن قيل: لم سكت عن تعليمه أولًا حتى افتقر إلي الرجعة كرة بعد أخرى؟ قلنا: إن الرحل لما رجع لإعادة الصلاة ولم يستكشف الحال من مورد الوحي والإلهام، ومصدر الشرائع والأحكام، كأنه اغتر بما عنده من العلم، فسكت ﷺ عن تعليمه زجرًا وتأديبًا، وإرشادًا إلي استكشاف ما استبهم عليه بالسؤال، فلما رجع إلي السؤال، وطلب كشف الحال، أرشده إليه وبين ما استبهم عليه، والعلم عند الله. «مح»: فيه الرفق بالمتعلم والجاهل، وملاطفته، وإيضاح المسألة له، وتلخيص المقاصد، والاقتصار في حقه علي المهم، دون المكملات التي لا يحتمل حاله حفظها، والقيام بها. وفيه استحباب السلام عند اللقاء وإن تكرر مع قرب العهد، ووجوب رده. وفيه أن من أخل ببعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته، ولا يسمى مصليًا، بل يقال: لم يصل. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: «يستفتح الصلاة» «قض»: يبدؤها ويجعل التكبير فاتحها، و«القراءة» عطف علي «الصلاة» أي يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة. فيقرؤها، ثم يقرأ السورة، وذلك لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح، فإنه لا يسمى في العرف قراءة، ولا يدل علي أن
[ ٣ / ٩٧٨ ]
ولكن بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا. وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسج حتى يستوي جالسًا. وكان يقول في كل ركعتين التحية. وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى. وكان ينهي عن عقبة الشيطان، وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وكان يختم الصلاة بالتسليم. رواه مسلم.
٧٩٢ - وعن أبي حميد الساعدي، قال في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ: أنا
_________________
(١) التسمية ليست من الفاتحة، إذ ليس المراد أنه كان يبتدئ القراءة بلفظ الحمد لله، بل المراد منه أن يبدأ بقراءة السورة مفتتحها الله كما يقال: قراءتي ﴿قل هو الله أحد﴾. قوله: «وكان إذا ركع لم يشخص رأسه» أي لم يرفعه، من أشخصت كذا رفعته، وشخص شخوصًا إذا ارتفع. قوله: «ولم يصوبه» أي لم يرسله، وأصل الصوب النزول من أعلي نحو أسفل ولكن بين ذلك، أي يجعل رأسه بين التصويب والتشخيص بحيث يستوي ظهره وعنقه [كالصفحة] الواحدة، و«بين» وإن كان من حقه أن يضاف إلي شيئين فصاعدًا إلا أن «ذلك» لما كان بمعنى شيئين من حيث وقع مشارًا به إلي مصدر الفعلين المذكورين- حسن إضافته كان بمعنى شيئين من حيث وقع مشارا به إلي مصدر الفعلين المذكورين- حسن إضافته إليه. «وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا» دليل علي وجوب الرفع، والاعتدال؛ لأن فعله في الصلاة دليل علي الوجوب ما لم يعارضه ما يدل علي أنه ندب؛ لقوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وهو مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجب الاعتدال، ولا الرفع، بل لو انحط من الركوع إلي السجود جاز، وروى عن مالك وجوب الرفع وعدمه. قوله: «وكان يقول في كل ركعتين: التحيات» أي يتشهد في كل ركعتين، وسمي الذكر المعين تحية وتشهدًا لاشتماله علي التحية والشهادة. قوله. «وكان ينهي عن عقبة الشيطان» أي الإقعاء في الجلسات وهو أن يضع إليته علي عقبيه. قوله: «وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع» أي أن يبسط ذراعيه كما تبسط السباع، ولا يقلبهما هويا إذا سجد، وتقييد النهي بالرجل يدل علي أن المرأة لا [تخوي]. الحديث الثالث عن أبي حميد: قوله: «أمكن يديه» «المغرب»: يقال: مكنه من الشيء وأمكنه منه، أقدره عليه، ومنه الحديث: «ثم أمكن يديه من ركبتيه» أي مكنها من أحدهما والقبض عليهما. قوله: «هصر ظهره» «نه»: أي ثناه إلي الأرض، وأصل الهصر أن يأخذ برأس العود فيثنيه إليه ويعطفه. والفقار مفاصل الصلب، واحدتها فقارة بالفتح.
[ ٣ / ٩٧٩ ]
أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ: رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه م ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس علي رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد علي مقعدته رواه البخاري.
٧٩٣ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: «سمع الله لمن حمده»، ربنا لك الحمد». وكان لا يفعل ذلك في السجود. متفق عليه.
٧٩٤ - وعن نافع: أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إلي النبي ﷺ رواه البخاري.
٧٩٥ - وعن مالك بن الحويرث، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده؛ فعل مثل ذلك. وفي رواية: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. متفق عليه.
_________________
(١) «قض»: اتفقت الأمة علي أن رفع اليد عند التحريم مسنون، واختلفوا في كيفيته، فذهب مالك والشافعي إلي أن يرفع المصلي يديه حيال منكبيه لهذا الحديث ونحوه، وقال أبو حنيفة: يرفعهما حذو أذنيه واختلفوا في كيفية الجلسات، قال أبو حنيفة: يجلس المصلي مفترشًا فيها جميعًا. وقال مالك: «يتورك»: يجلس متوركًا فيها كلها، وقال الشافعي: يتورك في جلسة الأخير، ويفترش في الأول، كما رواه الساعدي في هذا الحديث، وألحق بالتشهد الأول الجلسات الفاصلة بين السجود؛ لأنها يعقبها انتقالات وهي من المفترش أيسر. الحديث الرابع، والخامس عن نافع: قوله: «ورفع ذلك» قال ابن الصلاح، المرفوع هو ما أضيف إلي النبي ﷺ خاصة من قول، أو فعل، أو تقرير، سواء كان متصلًا، أو منقطعًا. الحديث السادس عن مالك: قوله: «فعل مثل ذلك» أي فعل رسول الله ﷺ مثلما فعل عند التكبير. «قض» و«مظ»: فرع الأذن أعلاها. وقال الشافعي: يرفع المصلي يديه عند تكبيرة
[ ٣ / ٩٨٠ ]
٧٩٦ - وعنه، أنه رأي النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا. رواه البخاري.
٧٩٧ - وعن وائل بن حجر: أنه رأي النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى علي اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما وكبر فركع، فلما قال: «سمع الله لمن حمده» رفع يديه، فلما سجد، سجد بين كفيه» رواه مسلم.
٧٩٨ - وعن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى علي ذراعه اليسرى في الصلاة. رواه البخاري.
_________________
(١) الإحرام حذاء منكبيه، وقال أبو حنيفة: حذاء أذنيه. ذكر أن الشافعي حين دخل مصر سئل عن كيفية رفع اليدين عند التكبير، فقال: يرفع المصلي بحيث يكون كفاه حذاء منكبيه، وإبهاماه حذاء شحمتي أذنيه؛ لأنه جاء في رواية «رفع اليدين إلي المنكبين»، وفي رواية «إلي الأذنين» وفي رواية «إلي فروع الأذنين»، فعمل الشافعي بما ذكرناه في رفع اليدين جمعًا بين الروايات الثلاثاء الحديث السابع عن مالك: قوله: «فإذا كان في وتر» «قض»: هذا دليل علي استحباب جلسة الاستراحة، والمراد بالوتر الأولي والثالثة من الرباعيات. الحديث الثامن عن وائل بن حجر: قوله: «رفع يديه» حال، أي نظرت النبي ﷺ رافعًا يديه حين دخل في الصلاة. وقوله: «كبر» بالواو في بعض نسخ المصابيح عطفًا علي «دخل»، وفي بعضها، وفي صحيح مسلم، وفي كتاب الحميدي، وفي جامع الأصول بغير واو مقيدًا بلفظة كذا فوقه، وفيه وجهان: أحدهما أن يكون حالا وقد مقدرة، وأن يراد بالدخول الشروع فيها، والعزم عليها بالقلب، فيوافق معنى العطف، ويلزم منه المواطأة بين الجارحة واللسان والقلب. قال: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولسإني والضمير المحجبا وثإنيهما أن يكون «كبر» بيانا لقوله: «دخل في الصلاة»، ويراد بالدخول افتتاحها بالتكبير ونحوه في البيان نحو قوله تعالي: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك علي شجرة الخلد﴾ أو بدلا منه؛ كقول الشاعر: أقول له: ارحل لا تقيمن عندنا- البيت- فعلي الأولي يلزم اقتران النية بالتكبير. الحديث التاسع عن سهل قوله: «أن يضع الرجل» في وضع الرجل موضع ضمير الناس تنبيه
[ ٣ / ٩٨١ ]
٧٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلي الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: «سع الله لمن حمده» حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: «ربنا لك الحمد» ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس. متفق عليه.
٨٠٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصلاة طول القنوت». رواه مسلم.
الفصل الثاني
٨٠١ - عن أبي حميد الساعدي، قال في عشرة من أصحاب النبي ﷺ: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ. قالوا: فاعرض قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلي
_________________
(١) علي أن القائم بين يدي الملك الجبار ينبغي أن لا يهمل شريطة الأدب، بل يضع يده علي يده، ويطأطئ رأسه، كما يفعل بين يدي الملوك. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: «سمع الله» «نه»: أي أجاب حمد وتقبله. يقال: اسمع دعائي أي أجب؛ لأن الغرض السائل الإجابة والقبول. هوى يهوى هويا- بالفتح إذا هبط. وقوله: «حتى يقضيها» أي يتمها ويؤديها «الأزهري»: القضاء في اللغة علي وجوه مرجعها إلي انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم، أو أتم، أو ختم، أو أدى، أو أوجب، أو أعلم، أو أنقذ، أو أمضى- فقد قضى. الحديث الحادي عشر عن جابر: قوله: «طولت القنوت» «نه»: القنوت يرد لمعان متعددة، كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والقراءة والسكوت؛ فيصرف في كل واحد من هذه المعني إلي ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. «مظ»: تقدير هذا الحديث: أفضل الصلاة صلاة فيها طول القنوت، أي طول القيام والقراءة. «شف»: المراد بالقنوت القيام، وفيه إضمار، أي ذات طول القيام. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي حميد: قوله: «قال في عشرة» أي أوقع قوله: «أنا أعلمكم» في عشرة من الصحابة، قوله: «فاعرض» الفاء في جواب الشرط المحذوف، أي إذا كنت أعلم منا فاعرض، ومن ثم لما عرض عليهم وفرغ منه قالوا: صدقت. «تو»: رضت عليه أمر كذا، وعرضت له
[ ٣ / ٩٨٢ ]
الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه علي ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصبي رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: «سمع الله لمن حمده» ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلًا، ثم يقول: «الله أكبر»، ثم يهوي إلي الأرض ساجدًا، فيجافي يديه عن جنبيه، و[يفتح] أصابع رجليه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يسجد، ثم يقول: «الله أكبر»، ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم إلي موضع، ثم ينهض، ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى، وقعد متوركًا علي شقه الأيسر، ثم سلم. قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي. رواه أبو داود، والدارمي، وروى الترمذي وابن ماجه معناه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [٨٠١].
_________________
(١) الشيء، أظهرته وأبرزته إليه، أعرض- بالكسر لا غير-، وقوله: «لا يصبى» في الغريبين: صبى الرجل رأسه تصبية إذا خفضه جدًا، وصبا الرجل إذا مال إلي الصبا «نه»: وشدد للتكثير. وقال الأزهري: الصواب يصوب. قوله: «ولا يقنع» «تو»: أي لا يرفع، يقال: أقنع رأسه إذا رفعه، ومنه قوله تعالي: ﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم﴾. «ويفتخ» - بالخاء المعجمة- «نه»: أي نصبها، وغمز موضع المفاصل منها، وثناها إلي باطن الرجل، وأصل الفتح الكسر، ومنه قيل للعقاب: فتخاء؛ لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها. قوله: «ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه» «قض» لم يذكر الشافعي ﵁ رفع اليدين عند القيام إلي الركعة الأخرى؛ لأنه بني قوله علي حديث ابن شهاب عن سالم، وهو لم يتعرض له، لكن مذهبه إتباع السنة، فإذا ثبت لزم القوم به. قوله: «ووتر يديه» أي جعلهما كالوتر، من قولك: وترت القوس، وأوترتها، شبه يد الراكع إذا مدها قابضا علي ركبتيه بالقوس إذا وترت. قوله: «فأمكن أنفه الأرض» نصب الأرض بنزع
[ ٣ / ٩٨٣ ]
وفي رواية لأبي داود من حديث أبي حميد: «ثم ركع فوضع يديه علي ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه، وقال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه، وفرج بين فخذيه غير حامل بطنه علي شيء من فخذيه حتى فرغ، ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، وأٌبل بصدر اليمنى علي قبلته، ووضع كفه اليمنى علي ركبته اليمنى، وكفه اليسرى علي ركبته اليسرى، وأشار بأصبعه- يعني السبابة- وفي أخرى له: وإذا قعد في الركعتين قعد علي بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى. وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلي الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة. [٨٠١]
٨٠٢ - وعن وائل بن حجر: أنه أبصر النبي ﷺ حين قام إلي الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى إبهاميه أذنيه، ثم كبر. رواه أبو داود. وفي رواية له: يرفع إبهاميه إلي شحمة أذنيه. [٨٠٢]
٨٠٣ - وعن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. رواه الترمذي وابن ماجه. [٨٠٣]
٨٠٤ - وعن رفاعة بن رافع، قال: جاء رجل فصلي في المسجد، ثم جاء فسلم علي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: «أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل» فقال: علمني يا رسول الله! كيف أصلي؟ قال: «إذا توجهت إلي القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت فاجعل راحتيك علي ركبتيك ومكن ركوعك، وامدد ظهرك. فإذا رفع فأقم صلبك، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلي مفاصلها. فإذا
_________________
(١) الخافض، أي أقد أنفه وجبهته من الأرض. قوله: «السبابة» - «الكشاف»:- السبابة فعالة من السبب، أي كانت عادة العرب عند السب والشتم الإشارة بالإصبع التي تلي الإبهام. وقوله: «أفض بوركه اليسرى إلي الأرض» أي مس بها لأن من الورك الأرض. «الجوهري»: أفضى بيده إلي الأرض، إذا مسها ببطن راحته في سجوده. الحديث الثاني إلي الرابع، عن رفاعة: قوله: «وما شاء الله أن نقرأ» وضع ما شئت أن تقرأ
[ ٣ / ٩٨٤ ]
سجدت فمكن السجود. فإذا رفع فاجلس علي فخذك اليسرى. ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن». هذا لفظ «المصابيح». ورواه أبو داود مع تغيير يسير، وروى الترمذي والنسائي معناه. وفي رواية للترمذي، قال: «إذا قمت إلي الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد، فأقم فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره، وهلله ثم اركع. [٨٠٤]
٨٠٥ - وعن الفضل بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك- يقول: ترفعهما- إلي ربك مستقبلًا ببطونها وجهك، وتقول: يا رب! يارب! ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا». وفي رواية: «فهو خداج». رواه الترمذي.
_________________
(١) لأن مشيئته بمشيئة الله، كما قال الله تعالي: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ قوله: «مكن ركوعك» أي من أعضائك أي تمم ركوعك جميع أعضائك متحنيا ثإنيا. وقوله: «فمكن للسجود» أي مكن بدنك للسجود، واللام في «للسجود» مثلها في قوله تعالي: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾. الحديث الخامس عن الفضل بن عباس: قوله: «مثنى مثنى» «مظ»: ركعتان ركعتان، فيسلم بعدهما، وهذا في النوافل عند الشافعي ليلًا كان أو نهارًا، وعند أبي حنيفة الأفضل أن يصلي أربعًا ليلاص كان أو نهارًا. قوله: «تشهد» إلي آخره «تو»: وجدنا الرواية فيهن بالتنوين لا غير، وكثير ممن لا علم لهم بالرواية يسردونها علي لفظ الأمر ونراها تصحيفًا. أقول: «الصلاة» مبتدأ و«مثنى مثن» خبره، والأول تكرير، والثاني توكيد، «وتشهد في كل ركعتين» خبر بعد خبر كالبيان لقوله «مثنى مثنى»، أي ذات تشهد في كل ركعتين، وكذا المعطوفان، ولو جعلت أوامر اختل النظم، وذهبت الطراوة والطلاوة. وأما قوله: «ثم تقنع يديك» فطعف علي محذوف، أي إذا فرغت منها فسلم، ثم ارفع يديك سائلًا حاجتك من قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، فوضع الخبري موضع الطلبي. فإن قلت: لو ذهبت إلي أنها أوامر، وعطفت أمرًا علي أمر، وقطعت «تشهد» عن الجملة الأولي لاختلاف الخبر والطلب، لكانت لك مندوحة عن هذا التقدير. قلت: حينئذ
[ ٣ / ٩٨٥ ]
الفصل الثالث
٨٠٦ - عن سعيد بن الحارث بن المعلي، قال: صلي لنا أبو سعيد الخدري، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع من الركعتين. قال: هكذا رأيت النبي ﷺ. رواه البخاري.
٨٠٧ - وعن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة. فقلت لابن عباس: إنه أحمق. فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم ﷺ رواه البخاري.
٨٠٨ - وعن علي بن الحسين مرسلا، قال: كان رسول الله ﷺ يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته ﷺ حتى لقي الله تعالي. رواه مالك.
_________________
(١) خرج الكلام الفصيح إلي التعاظل في التركيب وهو مذموم، وذكر ابن الأثير أن توارد الأفعال وتتابعها تعاظل في التركيب وهو مذموم. ونقلنا عنه في التبيان شواهد. قوله: «تمسكن» «نه»: هو من المسكين، مفعيل من السكون؛ لأنه يسكن إلي الناس، وزيادة الميم في الفعل شاذ ولم يروها سيبويه إلا في هذا، وفي تمدرع. قوله: «فهو كذا وكذا» كناية عن أن صلاته ناقصة غير تمام، يبين ذلك الرواية الأخرى. وقوله: «فهو خداج» «فا»: الخداج مصدر خدجت الحامل إذا ألقت ولدها قبل وقت النتاج، فاستعير، والمعنى ذات نقصان، فحذف المضاف. «نه»: وصفها بالمصدر نفسه مبالغة، كقوله: فإنما هي إقبال وإدبار. الفصل الثالث الحديث الأول عن عكرمة: قوله: «ثنتين وعشرين» هذا العدد إنما يكون في الصلاة الرباعية، كالظهر بإضافة تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول. قوله: «ثكلتك أمك» قد سبق أنها كلمة تعجب، وظاهرها دعاء عليه، وقد يذكر في موضع المدح، والذم، وههنا محمول علي الذم، وعلي هلاكه، ردًا لقوله: إنه أحمق، أي: أتقول في حق من اقتفي سنة أبي القاسم ﷺ: إنه أحمق؟ [وقد طبق ذكر الكنية هنا مفصل البلاغة ومحرزها]. وعكرمة هذا مولي ابن عباس. و«سنة» خبر مبتدأ محذوف، أي الخصلة التي أنكرتها منه هي سنة أبي القاسم. الحديث الثالث عن علي ﵁: قوله: «فلم تزل تلك صلاته» يحتمل أن يكون اسم «لم يزل» مستكنا عائدًا إلي النبي ﷺ والجملة الإسمية خبرها، وأن يكون «تلك» اسمها، و«صلاته» خبرها إذا رويت منصوبة، وبالعكس إذا كانت مرفوعة.
[ ٣ / ٩٨٦ ]
٨٠٩ - وعن علقمة، قال: قال لنا ابن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ؟ فصلي، ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبيرة الافتتاح. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. وقال أبو داود: ليس هو بصحيح علي هذا المعنى. [٨٠٩] /
٨١٠ - وعن أبي حميد الساعدي، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلي الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: «الله أكبر». رواه ابن ماجه. [٨١٠]
٨١١ - وعن أبي هريرة، قال: صلي بنا رسول الله ﷺ الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجل، فأساء الصلاة، فلما سلم ناداه رسول الله ﷺ: «يا فلان! ألا تقي الله؟! ألا ترى كيف تصلي؟! إنكم ترون أنه يخفي علي شيء مما تصنعون، والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي» رواه أحمد. [٨١١]