الفصل الأول
٨١٢ - عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إسكاتك بين التكبير وبين
_________________
(١) الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فأساء الصلاة» الفاء فيه سببيه، يعني تأخره كان سببًا لإساءة الصلاة، ولهذا عنفه ﷺ بقوله: إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي» قوله: «ترون» أ] تظنون، هو فعل ما لم يسم فاعله من رأيت بمعنى ظننت، وهو يتعدى إلي مفعولين، تقول: رأيت زيدًا عاقلًا. فإذا بنيته لما لم يسم فاعله تعدى إلي مفعول واحد، وفي الحديث إشارة إلي أنه ﷺ مع استغراقه في عالم الغيب لم يكن يخفي عليه شيء في عالم الشهادة. باب ما يقرأ بعد التكبير الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: «اللهم باعد» أخرجه إلي صيغة المفاعلة للمبالغة، فالخطايا إما أن يريد بها السابقة، أو اللاحقة، فإن أريد بها الثانية كان معناه: إذا قدر
[ ٣ / ٩٨٧ ]
القراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد». متفق عليه.
٨١٣ - وعن علي، ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلي الصلاة- وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة- كبر. ثم قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله
_________________
(١) لي ذنب وخطيئة فباعد بيني وبينه، وإن أريد بها الأولي كان معناه المحو والغفران، وإليه الإشارة بقوله: «واغسل خطاياي بالماء والثلج». قوله: «إسكاته» «حس»: الإسكات إفعال من السكوت، لا يراد به ترك الكلام، بل رفع الصوت؛ لقوله: «ما تقول في إسكاتك» بالنصب مفعول فعل، أي أسألك إسكاتك ما تقول فيه؟ أو في إسكاتك ما تقول؟ فنصب علي نزل الخافض. قوله: «بأبي أنت» «نه»: الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم، فيكون ما بعده مرفوعًا، تقديره أنت مفدي بأبي وأمي. وقيل: هو فعل، وما بعده منصوب، أي فديتك بأبي وأمي، وحذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به. قوله: «بالماء والثلج والبرد» «تو»: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء، التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا مخلص من الذنوب إلا بها، أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأنجاس والأوزار، ورفع الجنابة والأحداث. أقول: ويمكن أن يقال: ذكر الثلج والبرد بعد الماء المطلوب منهما شمول أنواع الرحمة بعد المغفرة لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحراة، لأن عذاب النار تقابله الرحمة، ونظيره قوله: برد الله مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار. وقولهم: برد الله عين بنيه، أي سره، وسخن الله عين عدوك، أي أحزنه. فعلي هذا التقدير يكون التركيب من باب قوله: متقلدًا سيفًا ورمحًا. أي اغسل خطاياي بالماء، أي اغفرها، وزد علي الغفران شمول الرحمة، ثم طلب المباعدة بينه وبين الخطايا، ثم طلب تنقية ما عسى أن يبقى شيء من تلك الخطايا تنقية تامة، ثم سأل ثالثا بعد الغفران غاية الرحمة تحلية بعد التحلية، فيكون هذا التأويل أجمع. والله أعلم. الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: «وجهت وجهي» «قض»: أي توجهت بالعبادة، بمعنى أخلصت عبادتي له، «فطر السموات والأرض» أي خلقها من غير مثال سبق «حنيفًا» مائلًا عن الأديان الباطلة، والآراء الزائغة- من الحنف وهو الميل، و«نسكي»
[ ٣ / ٩٨٨ ]
رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك».
وإذا ركع قال: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي». فإذا رفع رأسه قال: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد».
وإذا سجد قال: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين».
ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». رواه مسلم.
وفي رواية للشافعي: «والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، أنا بك وإليك، لا منجي منك ولا ملجأ إلا إليك، تباركت»
_________________
(١) عبادتي. وقيل: ديني ومحياي ومماتي، أي حياتي وموتي له أي هو خالقهما- ومدبرهما. «وسبحان» علم للتسبيح، ولا يستعمل إلا منصوبًا علي المصدر، ومعنى «سبحانك» نزهتك تنزيهًا، و«لبيك» مصدر مثنى، من: ألب علي كذا، أي أقام، والمعنى أدوم علي طاعتك دوامًا بعد دوام، و«سعديك» لا يكاد يستعمل إلا مع لبيك، والمعنى ساعدت طاعتك يارب مساعدة بعد مساعدة. «والخير كله بيديك» أي الكل عندك كالشيء الموثوق به المقبوض عليه، يجري مجرى قضائك وقدرك، لا يدرك من غيرك ما لم تسبق به كلمتك، والشر لا يتقرب به إليك، أو لا يضاف إليك بل إلي ما اقترفته أيدي الناس من المعاصي، أو ليس إليك قضاؤه، فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر، بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة، فالمقتضي بالذات هو الخير، والشر داخل تحت القضاء.
[ ٣ / ٩٨٩ ]
٨١٤ - وعن أنس: أن رجلًا جاء فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال الله أكبر، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «أيكم المتكلم بالكلمات؟» فأرم القوم. فقال: «أيكم المتكلم بالكلمات؟» فأرم
_________________
(١) وقوله: «أنا بك» أي أعتمد وألوذ إليك أي أتوجه وألتجئ، «تباركت» تعاظمت وتمجدت، أو جئت بالبركة. وأصل الكلمة الدوام والثبات، ولا تستعمل هذه الكلمة إلا لله تعالي. و«تعاليت» عما تتوهمه الأوهام، وتتصوره العقول، «ولا منجا إلا إليك» لا مهرب ولا مخلص ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك. و«منجا» مقصور ولا يجوز أن يمد، ولا أن يهمز والأصل في الملجأ الهمزة، ومنهم من يلين همزته [ليزاوج] منجا. قال صاحب النهاية في قوله: «والشر ليس إليك»: هذا الكلام إرشاد إلي استعمال الأدب في الثناء علي الله تعالي أن يضاف إليه محاسن الأشياء دون مساوئها، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته، ومنه قوله تعالي: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. قوله: «لا إله إلا أنت» إثبات للإلهية المطلقة لله تعالي علي سبيل الحصر، بعد إثبات الملك له. كذلك في قوله: «أنت الملك»؛ لما دل عليه تعريف الخبر باللام، ترقيا من الأدنى إلي الأعلي، طبق قوله تعالي: ﴿ملك الناس إله الناس﴾. وإنما أخر الربوبية في قوله: «أنت ربي» لتخصيص الصفة وتقييدها بالإضافة إلي نفسه، وإخراجها عن الإطلاق. وقوله: «واعترفت بذنبي» حال مؤكدة مقررة. لمضمون الجملة السابقة. «وأنا بك وإليك» أي بك وجدت، وإليك أنتهي، أي أنت المبتدأ والمنتهي. قوله: «بعد» أي ذلك، صفة لـ «شيء» «مظ»: أي بعد السموات والأرض، أي لك من الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء غيرهما مما شئت. «ما قدمت وما أخرت» أي جميع ما فرط مني. قوله: «أنت المقدم» «مظ»: أنت توفق بعض العباد للطاعات، «وأنت المؤخر» أي تخذل بعضهم عن النصرة والتوفيق، أو المعنى أنت الرافع والخافض، والمعز والمذل. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: «حفزه» «تو»: أي اشتد به، والحفز تحريك الشيء من خلفه، يريد النفس الشديد المتتابع، كأنه يحفزه، أي يدفعه من السباق إلي الصلاة. قوله: «فأرم» «مح»: هو بفتح الراء وتشديد الميم، أي سكتوا. قال القاضي عياض: قد روى في غير صحيح مسلم بالزاي المفتوحة وتخفيف الميم من الأزم، وهو الإمساك وهو صحيح معنى.
[ ٣ / ٩٩٠ ]
القوم. فقال: «أيكم المتكلم بها؟ فإنه! لم يقل بأسًا». فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها. فقال: «لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها». رواه مسلم.
الفصل الثاني
٨١٥ - عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله إذا افتتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك». رواه الترمذي، وأبو داود.
_________________
(١) قوله: «لم يقل بأسًا» يجوز أن يكون مفعولًا به ي لم يتفوه بما يؤخذ عليه، أو مفعولا مطلقًا، أي ما قال قولا نشدد عليه و«أيهم يرفعها» مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يبتدرونها ويستعجلون أيهم يرفعها، نحو قوله تعالي: ﴿يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ قال أبو البقاء: أيهم يكفل مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يقترعون أيهم، فالعامل فيه ما دل عليه «يلقون». «قض»: و«حمدًا» نصب بفعل مضمر دل عليه الحمد، ويحتمل أن يكون بدلًا عنه جاريًا علي محله، و«طيبا» وصف له، أي خالصًا عن الرياء والشبهة «مباركًا» يقتضي بركة وخيرًا كثيرًا، تتراداف أرفاده، وتتضاعف أمداده. الفصل الثاني الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: «وبحمدك» «خط»: أخبرني ابن الخلاد قال: سألت الزجاج عن الواو في قوله: «وبحمدك» قال: معناه سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك. «تو»: المعنى أنزهتك يا رب من كل سوء، وبحمد سبحتك، ووفقت لذلك. ونصب «سبحانك» علي المصدر، أي سبحتك تسبيحًا، فوضع «سبحانك» في موضع التسبيح، أقول: قول الرجاج يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون الواو للحال، وثإنيهما أن يكون عطف جملة فعلية علي مثلها، إذ التقدير: أنزهك تنزيهًا، وأسبحك تسبيحًا مقيدًا بشكرك، وعلي التقديرين «اللهم» معترضة، والجار والمجرور- أعني بحمدك- إما متصل بفعل مقدر والباء سببية، أو حال من فاعل، أو صفة لمصدر محذوف، كقوله تعالي: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ أي نسبح بالثناء عليك، أو نسبح متلبسين بشكرك، أو نسبح تسبيحًا مقيدًا بشكرك. المعنى: لولا الحمد لم يصدر الفعل. إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقًا إلهيا. ومنه قول داود ﵊: «يارب كيف أقدر أن أشكرك؟ وأن الا أصل إلي شكر نعمتك إلا بنعمتك. وأنشد:
[ ٣ / ٩٩١ ]
٨١٦ - ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد.
وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من [حديث] حارثة، وقد تكلم فيه من قبل حفظه.
_________________
(١) إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن [طالت] الأيام واتسع العمر فإن مس بالمنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء عقبها الأجر قوله: «تبارك اسمك» «تو»: هو (تفاعل) من البركة، وهي الكثرة والاتساع، وتبارك أي [بارك] مثل قاتل، إلا أن فاعل يتعدى، وتفاعل لا يتعدى، ومعناه: تعالي وتعظم، وكثرت بركاته في السموات والأرض؛ إذ به تقوم وبه تستنزل الخيرات، وفي كتاب الله تعالي: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ ﴿تبارك الذي نزل الفرقان﴾ ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ وكل ذلك تنبيه علي اختصاصه سبحانه بالخيرات الإبداعية، والبركات المتوالية، وفيه: «وتعالي جدك» أي عظمتك. ومنه قول أنس ﵁: كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، أي عظم. وهذا الحديث نجده في كتاب المصابيح، وقد رماه المؤلف بالضعف، وليس الأمر علي ما توهمه، إذ هو حديث حسن مشهور أخذ به من الخلفاء الراشدين عم ﵁. والحديث مخرج في كتاب مسلم عن عمر ﵁، وقد أخذ به عبد الله بن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا بذلك من غير أسوة. ولهذا ذهب إليه كثير من علماء التابعين، واختاره أبو حنيفة وغيره من العلماء ﵏ لاستفتاح الصلاة. وإني ينسب هذا الحديث إلي الضعف! وقد ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهوية وغيرهم. فالظاهر أن هذا اللفظ أعني: ضعيف، يريد من بعض الناس، وإن يك من قبل المؤلف فأراه إنما دخل عليه الداخل من كتاب أبي عيسى؛ لأنه روى هذا الحديث في جامعة بإسناده عن أبي سعيد الخدري مع زيادة علي حديث عائشة ﵂ ولفظ حديثه: أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلي الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه» ثم قال أبو عيسى: كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي. قلت: وعلي بن علي الرفاعي هو الراوي عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد.
[ ٣ / ٩٩٢ ]
٨١٧ - وعن جبير بن مطعم، أنه رأي رسول الله ﷺ يصلي صلاة قال: «الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، والحمد لله كثيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا» ثلاثًا، «أعوذ بالله من الشيطان، من
_________________
(١) ثم قال أبو عيسى: وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. ثم روى أبو عيسى بعد ذلك حديث عائشة ﵂ عن الحسن بن عرفة، عن أبي معونة، عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة ﵂، ثم قال: هذا حديث لا نعرفه من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه، فظن المؤلف أن هذا الكلام من أبي عيسى طعن في متن هذا الحديث، وليس الأمر علي ما ظن؛ فإن الذي ذكره أبو عيسى في علي الرفاعي في إسناد حديث أبي سعيد لا يكون حجة علي ضعف هذا الحديث؛ لأن سياق حديث أبي سعيد غير سياق حديث عائشة علي ما بينا، ألا ترى أنه قال: وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث، وأحمد قد انتهي إليه حديث عائشة ﵂ بإسناد موثوق به، فأخذ به كما ذكرنا عن مذهبه. وأما ما ذكره الترمذي من أمر حارثة بن أبي الرجال فإنه قد تكلم في إسناد الحديث من الوجه الذي ذكره، ولم يقل: إن إسناده مدخول فيه من سائر الوجوه، مع أن الجرح والتعديل يقع في حق أقوام علي وجه الاختلاف، وربما ضعف الراوي من قبل أحد الأئمة ووثق من قبل آخرين، وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث، وأخذوا به، ورواه داود في جامعة عن [حسين بن عيسى]، عن طلق بن غنام، وعن عبد السلام بن [حرب الملائي]، عن [بديل] بن ميسرة، عن أبي [الجوزاء]، عن عائشة ﵂. وهذا إسناد حسن، رجاله مرضيون، فعلمنا أن أبا عيسى لم يرم هذا الحديث بالضعف علي الإطلاق، وإنما تكلم في الإسناد الذي أورده. ثم إني لم أشبع القول في بيان ذلك إلا حذرًا من أن يتسارع إليه طالب علم بالطعن إلي هذا الحديث من غير روية وبصيرة، اتكالًا علي ما يجده في كتاب المصابيح، فيتأثم به، وأعوذ بالله أن أنصر عصبية، أو أدعو إلي عصبية، والله حسبي علي ذلك. قوله: «وقد تكلم فيه من قبل حفظه». قال ابن الصلاح: أجمع جماهير أئمة العلم بالحديث والفقه والأصول علي أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه العدالة والضبط، والعدالة معروفة، وأما الضبط فأن يكون متيقظًا حافظًا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابة إن حدث منه عارفًا لما يختل به المعنى إن روى به. الحديث الثاني عن جبير: قوله: «الله أكبر كبيرًا» حال مؤكدة، نحو: هو عبد الله شجاعًا، وزيد أبوك عطوفا. قوله: «بكرة وأصيلا» «مظ»: خصا بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. وأقول: الأظهر أن يقال: يراد بهما الدوام، كما في قوله تعالي: ﴿لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ أراد دوام الرزق ووروده.
[ ٣ / ٩٩٣ ]
نفخه ونفثه وهمزه». رواه أبو داود، وابن ماجه؛ إلا أنه لم يذكر: «والحمد لله كثيرا»، وذكرا في آخره: «من الشيطان الرجيم».
وقال عمر ﵁: نفخه الكير، ونفثه الشعير، وهمزه الموتة.
٨١٨ - وعن سمرة بن جندب: أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، فصدقه إبي ابن كعب. رواه أبو داود. وروى الترمذي، وابن ماجه، والدارمي نحوه. [٨١٨]
٨١٩ - وعن ابن هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ (الحمد لله رب العالمين)، ولم يسكت. هكذا في «صحيح مسلم»، وذكره الحميدي في أفراده. وكذا صاحب «الجامع» عن مسلم وحده.
_________________
(١) قوله: «الموتة» - بالضم وفتح التاء المنقوطة فوقها نقطتان- ضرب من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران. «تو»: النفخ كناية عن الكبر، كأن الشيطان ينفخ بالوسوسة، فيعظمه في عينه، ويحقر الناس عنده، والنفث عبارة عن الشعر؛ لأنه ينفثه الإنسان من فيه كالرقية. قال: إن كان هذا التفسير من متين الحديث فلا معدل عنه، وإن كان من بعض الرواة فالأنسب أن يراد بالنفث السحر؛ فإنه أشبه لقوله تعالي: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ وأن يراد بالهمز الوسوسة، لقوله تعالي: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾، وهمزات الشياطين خطراتها، وهي جمع الهمزة من الهمز، وفسرت الآية بأن الشياطين يحثون أولياءهم علي المعاصي، ويغرونهم عليها، كما يهمز الركضة الدواب المهماز حثا لها علي المشي. قال أبو عبيدة: والموتة الجنون، سماها همزا لأنه جعل من النخص والهمز، وكل شيء دفعته فقد همزته. قوله: «سكتتين» «مظ»: السكتة الثانية عند الشافعي وأحمد ﵄ كالسكتة الأولي، ومكروهة عند أبي حنيفة ومالك ﵄. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «استفتح القراءة بالحمد لله» ليس لقائل أن يقول: هذا يدل أن البسملة ليست من الفاتحة، لأنا نقول: المراد منه السورة ليتميز عن سائرها؛ كما يقال: قرأت «سورة أنزلناها»، سورة ﴿لم يكن﴾.
[ ٣ / ٩٩٤ ]
الفصل الثالث
٨٢٠ - عن جابر، قال: كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم اهدني لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال، وسيء الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت». رواه النسائي. [٨٢٠]