الفصل الأول
٨٢٢ - عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». متفق عليه.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول الثاني عن محمد بن مسلمة: قوله: «وأنا أول المسلمين» هذا لفظ التنزيل حكاية عن قول إبراهيم ﵊ قيل: إنما قال: أول المسلمين لأن إسلام كل نبي مقدم علي إسلام أمته، وقد ورد هذا الاستفتاح في الحديث الثاني من الفصل الأول، وذكر فيه: «وأنا من المسلمين» وهو الظاهر علي الحكاية أي أنا أول المسلمين، فيندرج فيه القائل في حكم نبيه لأن النبي ﷺ إمام أمته وقدوتهم. باب القراءة في الصلاة الفصل الأول الحديث الأول عن عبادة: قوله: «لم يقرأ بفاتحة الكتاب» سميت فاتحة لأنها فتح بها كتاب الله المجيد، وتفتتح بها الصلاة، وعدى القراءة بالباء وهي متعدية بنفسها علي معنى لم يبدأ القراءة إلا بها. «شف»: في هذين الحديثين والذي بعدهما دلالة علي وجوب قراءة الفاتحة علي من يقدر عليها.
[ ٣ / ٩٩٥ ]
وفي رواية لمسلم: «لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدًا».
٨٢٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلي صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج- ثلاثًا- غير تمام». فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. قال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالي؛ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد:
_________________
(١) ولقائل أن يقول؛ «فصاعدا» يدفعه؛ لأن الزائد علي الفاتحة ليس بواجب. قال في النهاية: معنى «فصاعدًا» فما زاد عليها، كقوله: اشتريته بدرهم فصاعدًا، وهو منصوب علي الحال، تقديره فزاد الثمن صاعدًا. وقال المظهر: تقدير كون صاعدًا حالا أن يقال تقديره: لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط، أو بأم القرآن في حال كون قراءته صاعدًا، أي زاد علي أم القرآن. والجواب أن يقال: إن القائلين بوجوب القرآن في الصلاة اختلفوا في ن الفاتحة متعينة أم لا، لكن لم يقل أحد: إن الفاتحة مع غيرها واجبة. فدل هذا الحديث علي وجوب الفاتحة، لا علي الفضل، كأنه قيل: الفاتحة واجبة في حال كونها مقرونة بشيء مما هو غير واجب. «الكشاف»: في قوله تعالي: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾: الدليل الذي ذكرنا أخرج العمرة من صفة الوجوب، فبقي الحج وحده فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوال، في أنك تأمره بفرض وتطوع. هذه المسألة مبنية علي أن ملطق الأمر للوجوب إلا ما خصه الدليل. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: «صلاة» التنكير فيه إن أريد به البعضية كالظهر والعصر وغيرهما كان مفعولا به؛ لأن الصلاة حينئذ تكون اسمًا لتلك الهيئات المخصوصة، والفعل واقعًا عليها، وإن أريد الجنس يحتمل أن يكون معفولًا به، وأن يكون مفعولًا مطلقًا. قوله: «أم القرآن» «حس»: سميت الفاتحة بأم القرآن لأنها أوله وأصله، وبه سميت مكة أم القرى؛ لأنها أول الأرض وأصلها، ومنها دحيت. قوله: «خداج» «تو»: أي ناقصة، يقول العرب: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق. وهو مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، والمعنى فهي مخدجة ذات خداج. أقول: إن شرح هذا الحديث معضل وتطبيقه علي معنى السورة أعضل، ولذلك تكلم فيه العلماء، واختلفوا اختلافًا متباينًا، فلابد من إيراده.
[ ٣ / ٩٩٦ ]
(الحمد لله رب العالمي)؛ قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله تعالي: أنثى علي عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين)، قال: مجدني عبدي.
_________________
(١) «مح»: التمجيد الثناء بصفات الجلال. ووجه مطابقته لقوله تعالي: «مالك يوم الدين» هو أنه تضمن أن الله تعالي هو المنفرد بالملك فيه كما في الدنيا، وفي هذا الاعتراف من التعظيم والتفويض للأمر ما لا يخفي. وقال العلماء: المراد بالصلاة في قوله: «قسمت الصلاة» الفاتحة، سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها، كقوله: «الحج عرفة» وفيه دليل علي وجوبها بعينها في الصلاة. وفحوى ما قاله التوربشتي في هذا المقام هو أنه قد عرف أن المراد من لفظ الصلاة بما أردفه من التفسير والتفضيل أنها الفاتحة. وقال أيضًا: إن التنصيف منصرف إلي آيات السورة، وذلك أنها سبع آيات، فثلث منها ثناء، وثلث مسألة، والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة نصفها ثناء ونصفها دعاء. فإذا ليست البسملة آية من الفاتحة. وقال الشيخ محيي الدين: هذا قول واضح، وأجاب الأصحاب بوجوه: أحدها أن التنصيف عائد إلي جملة الصلاة لا إلي الفاتحة، هذا حقيقة اللفظ. والثاني أنه عائد إلي ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة. والثالث معناه فإذا انتهي العبد إلي الحمد لله رب العالمين. «قض»: الحديث دل علي فضل الفاتحة دون وجوبها، إلا أن يقال: قسمت الصلاة من حيث أنها عامة شاملة لأفراد الصلاة كلها، في معنى قولنا: كل صلاة مقسومة علي هذا الوجه، ويلزمه أن كل ما لا يكون مقسوماُ علي هذا الوجه لا يكون صلاة، والخالية عن الفاتحة لا تكون مقسومة علي هذا الوجه فلا تكون صلاة. أقول: إن الفاء في قول أبي هريرة ﵁: «فإني سمعت رسول الله يقول» وتقرير التثلث في الألفاظ النبوية تفسيرًا للتنصيف [يكشفان الغطاء]، ولا مطمع في [التوقيف] علي مغزى الكلام إلا ببيان موقعهما. أما الأول فلأن الفاء رتبت ما بعدها علي ما قبلها ترتيب الدليل علي المدعى؛ لأنه ﵁ استشهد بالحديث الثاني لإثبات الكمال لمطلق الصلاة، ونفي النقصان عنه، كأنه قيل: قسمت الصلاة الكاملة نصفين، فلا يدل علي نفي حقيقة الصلاة كما قال، وفيه أيضًا إيجاب أجزاء الصلاة علي حقيقتها؛ لأن الكلام السابق سبق لها أصالة والثاني تابع له، فتكون الفاء في قوله: «فإذا قال العبد» للتعقيب، والشروع في بيان كيفية التقسيم لا المقسوم به، كما ظن الشيخ التوربشتي، وهذا هو الذي عناه شارح الصحيح بقوله: فإذا انتهي العبد إلي الحمد لله رب العالمين.
[ ٣ / ٩٩٧ ]
وإذا قال: «إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين». قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». رواه مسلم.
_________________
(١) وعلي هذا قياس سائر الأذكار فيها، وتخصيص الفاتحة لتقديمها ولشرفها، ولينبه بها لاشتمالها علي معإني الكتب السماوية، علي أن مرجع الكل إلي الدعوة إلي تينك الخلتين، أعني العبادة والثناء وإظهار الافتقار، ونفي الحول والقوة إلا به، وبهذا ظهر سر قوله ﷺ: «الدعاء مخ العبادة» ولا بعد أن يتشبث بهذا علي الوجوب، وتحريره أن قوله: «فهي خداج» يحتمل معنيين: نفي الكمال كما سبق، ونفي الحقيقة من نفي الجزء الذي تنتفي الكل بانتفائه، فرجحنا الثاني بهذا الاعتبار، وذلك أن الصلاة عبارة عن حركات مخصوصة، وأذكار مخصوصة، فكما تنتقي بإخلال معظم أذكارها، نحو ركوع واحد وسجدة واحدة، كذلك ينبغي أن تنتفي بإخلال معظم حركاتها، وقد تقرر في علم البيان أن إطلاق الجزء علي الكل مشروط بكون ذلك الجزء أعظم، كما مثل شارح الصحيح بقوله: «الحج عرفة». وعليه قوله تعالي: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ يعني صلاته. والذي يشد من عضد هذا التقرير توكيد الخداج بالتكرير وتتميمه بالتفسير، ولأن هذا المنهج أحوط وإلي التحقيق أقرب. وأما الثاني فعليه ما ذكره الخطابي: هذا التقسيم راجع إلي المعنى لا إلي الألفاظ المتلوة؛ لأنا نجد الشطر الآخر يزيد علي الشطر الأول من جملة الألفاظ والحروف زيادة بينة، فينصرف إلي المعنى؛ لأن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء، ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلي قوله: «إياك نعبد» وباقي الآية من قسم المسألة، فلهذا قال في هذه الآية: «بيني وبين عبدي» تم كلامه. وتحرير ذلك أنه تعالي قسم السورة في هذا التقرير أثلاثا، وقال في الثلث الأول: «حمدني، وأثنى علي، ومجدني»، فأضافها إلي نفسه. وقال في الثلث الآخر: «هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل»، فخصه بالعبد، وفي الوسط جمع بينهما، وقال: «هذا بيني وبين عبدي» ولأن يربط النصف الأول بالثاني قدم العبادة علي الاستعانة، لأن الوسيلة مقدمة علي طلب الحاجة. وأيضًا أن العبادة متفرعة علي الثلث الأول، لأن استحقاق اختصاص العبادة به تعالي إنما كان لأصل تلك الأوصاف الكاملة، وأن الاستعانة فرع عليها الثلث الآتي، وفسرت به فإن التقدير: كيف أعنيكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم. ولاعتبار المعنى وتضمن الثلث الأول معنى البسملة استغني عنها به، وكذا ثلث الثلث الأول،
[ ٣ / ٩٩٨ ]
٨٢٤ - وعن أنس: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، ﵄، كانوا يفتتحون الصلاة بـ «الحمد لله رب العالمين». رواه مسمل.
٨٢٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». متفق عليه.
_________________
(١) وجعل الطرفين- أعني: «الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين» مؤسسين علي الوسط؛ لأن الرحمة الإلهية والعواطف الربإنية هي التي اقتضت إخراج الخلق من العدم إلي الوجود والتزود للمسير إلي السعادات الأبدية، والمصير إلي الكمالات السرمدية، وإلي هذا تلميح ما ورد: «رحمن الدنيا ورحيم الآخرة). فإن قلت: لم قيد الثلث الثاني والثالث بقوله: «ولعبدي ما سأل» وأوقعه حالا من «لعبدي»، وأطلق الأول؟ قلت: لتضمنهما الطلب السؤال، أما في لأول فمستفاد من السين، وفي الثاني من صيغة الأمر، وإنما وضع المظهر موضع المضمر الراجع إلي ذي الجلال، وخص بالعبد وكرر- ليشعر بأن الصلاة معراج المؤمن، ولهذا السر وصف الحبيب بالعبد ليلة المعراج، كما أومأ إليه بقوله تعالي: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ وظهر أيضًا أن المصلي يناجي ربه، وحق لذلك أن تسمى الفاتحة بالصلاة، وأن الصلاة لا تصح إلا بها. ولله در الإمام حيث أوجبها فيها. الحديث الثالث عن أنس: قوله: «يفتتحون الصلاة بالحمد لله» «حس»: أول الشافعي ﵁ الحديث وقال: معناه أنهم كانوا يبدأون الصلاة بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، بل هو كما يقال: قرأت البقرة، وآل عمران، يريد السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «أمن الإمام» «الكشاف»: آمين صوت سمي به الفعل الذي هو استجب، كما أن رويد سمي به أمهل. «حس»: قوله: «فإنه من وافق تأمينه» عطف علي مضمر، وهو الخبر عن تأمين الملائكة، كما صرح به في قوله بعده: «إذا أمن القارئ فأمنوا؛ فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه» الحديث. «خط»: أي قولوا: آمين مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معًا، ولا يدل علي أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه، كما يقول
[ ٣ / ٩٩٩ ]
وفي رواية، قال: «إذا قال الإمام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه.
وفي أخرى للبخاري، قال: «إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه».
٨٢٦ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين؛ يجبكم الله. فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم»، فقال رسول الله ﷺ: «فتلك بتلك». قال: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم». رواه مسلم.
_________________
(١) القائل: إذا رحل الأمير فادخلوا، يريد إذا أخذ الأمير في الرحيل فتهيأ للارتحال، ليكون رحيلكم مع رحيله. «مح»: المعنى من وافق الملائكة في وقت التأمين فإن غفران الله تعالي مع تأمينهم، هذا هو الصواب. وحكى القاضي عياض أن معناه: وافقهم في الخشوع والإخلاص. واختلفوا في هؤلاء الملائكة، فقيل: هم الحفظة، وقيل: غيرهم؛ لقوله ﷺ: «فوافق قوله قول أهل السماء». وأجاب الأولون عنه بأنه إذا قال الحاضرون من الحفظة قالها من فوقهم حتى ينتهي إلي السماء. الحديث الخامس عن أبي موسى: قوله: «فإن الإمام يركع» تعليل لترتب الجزء علي الشرط، فإن الجزاء سبب عن الشرط، والسبب مقدم علي المسبب. قوله: «تلك بتلك» «مح»: معناه أن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلي الركوع [مجبر] لكم بتأخركم في الركوع بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه. قوله: «فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد» «مح»: قال أصحابنا وغيرهم: فيه دلالة لمذهب من يقول: لا يزيد المأموم علي قوله: ربنا لك الحمد، ولا يقول معه: سمع الله لمن حمده، ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم، والمنفرد؛ لأنه ثبت أنه ﷺ قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
[ ٣ / ١٠٠٠ ]
٨٢٧ - وفي رواية له عن أبي هريرة، وقتادة: «وإذا قرأ فأنصتوا».
٨٢٨ - وعن أبي قتادة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويطول في الركعة الأولي ما لا يطيل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. متفق عليه.
_________________
(١) وقال: قوله: «لك الحمد» هكذا بلا واو، وفي غير هذا الموضع بالواو، والمختار أن الوجهين جائزين، ولا ترجيح لأحدهما علي الآخر. وقال القاضي عياض: علي إثبات الواو يكون قوله: «ربنا» متعلقًا بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا! فاستجب حمدنا ودعائنا، ولك الحمد. أقول: هذه الرمزة مفتقرة إلي مزيد كشف، وبيان ذلك أن قوله: «سمع الله لمن حمده» وسيلة، و«ربنا لك الحمد» طلب، وفيها التفات من الغيبة إلي الخطاب، فإذا روي بالعطف يتعلق «ربنا» بالأولي؛ ليستقيم عطف الجملة الخبرية علي مثلها، وإذا عزل عنه الواو يتعلق «ربنا» بالثانية، فإذا لا يجوز عطف الإنشائي علي الخبري، وتقديره علي الوجه الأول: يا ربنا قبلت في الدهور الماضية حمد من حمدك من الأمم السابقة، ونحن نطلب منك الآن قبول حمدنا، ولك الحمد أولا وآخرا. فأخرجت الأولي علي الجملة الفعلية، وعلي الغيبة، وخص اسم الله تعالي الأعظم بالذكر، والثانية علي الاسمية وعلي الخطاب؛ لإرادة الدوام، ولمزيد إنجاح المطلوب، فعلي هذا الكلام التفاتة واحدة، وعلي الأول التفاتان من الخطاب إلي الغيبة، ومنه إلي الخطاب. والله أعلم. قوله: «وإذا قرأ فأنصتوا» «مظ»: قال أبو حنيفة: لا تجب قراءة الفاتحة وغيرها علي المأموم، بل يسكت ويسمع. وقال الشافعي: يجب عليه قراءة الفاتحة. الحديث السادس عن أبي قتادة: قوله: «ويسمعنا الآية» «مظ»: يعني يقرأ في صلاة الظهر سرًا، وربما يرفع صوته ببعض كلمات الفاتحة أو السورة بحيث يسمع، حتى يعلم ما يقرأ من السورة. قوله: «ما لا يطيل» يحتمل أن تكون «ما» نكرة موصوفة، أي تطويلًا لا يطيله في الركعة الثانية، وأن تكون مصدرية، أي غير إطالته في الركعة الثانية، فتكون هي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف.
[ ٣ / ١٠٠١ ]
٨٢٩ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر. فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة: (آلم تنزيل) السجدة –وفي رواية -: في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا في الركعتين الأوليين من العصر علي قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر علي النصف من ذلك. رواه مسلم.
٨٣٠ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بـ (الليل إذا يغشى)، -وفي رواية -: ب (سبح اسم ربك الأعلي)، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك. رواه مسلم.
٨٣١ - وعن جبير بن مطعم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بـ (الطور). متفق عليه.
٨٣٢ - وعن أم الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بـ (المرسلات عرفا). متفق عليه.
٨٣٣ - وعن جابر، قال: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلي ليلة مع النبي ﷺ العشاء، ثم أتى قومه فأمهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم، ثم صلي وحده وانصرف. فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه. فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! إنا أصحاب نواضح، نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلي معك العشاء، ثم أتى قومه، فافتتح بسورة البقرة. فأقبل رسول الله ﷺ علي معاذ، فقال: «يا معاذ! أفتان أنت؟ اقرأ: (والشمس وضحاها) (والضحى) (والليل إذا يغشى) و(سبح اسم ربك الأعلي). متفق عليه.
_________________
(١) الحديث السابع عن أبي سعيد: قوله: «نحزر قيام رسول الله ﷺ؟ أي نقدره، والحزر التقدير والخرص. الحديث الثامن إلي الحادي عشر عن جابر: قوله: «أنافقت» أي فعلت ما يفعله المنافق، من
[ ٣ / ١٠٠٢ ]
٨٣٤ - وعن البراء، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في العشاء: (والتين والزيتون)، وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه. متفق عليه.
٨٣٥ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر بـ (ق والقرآن المجيد) ونحوها، وكانت صلاته بعد تخفيفًا. رواه مسلم.
٨٣٦ - وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: «والليل إذا عسعس)، رواه مسلم.
٨٣٧ - وعن عبد الله بن السائب، قال: صلي لنا رسول الله ﷺ الصبح بمكة
_________________
(١) الميل والانحراف عن الجماعة، والتخفيف في الصلاة، كما وصفهم الله تعالي بقوله: ﴿وإذا قاموا إلي الصلاة قاموا كسالي﴾، قال تشديدًا وتغليظًا. وقوله: «ولآتين» يحتمل أن يكول معطوفًا علي الجواب، أي والله لم أنافق ولآتين. وأن يكون إنشاء قسم آخر، والمقسوم به مقدرًا. قوله: «نواضح» «نه»: هي الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناضح. «أفتان أنت؟» استفهام علي سبيل التوبيخ، وتنبيه علي كراهية صنيعه، وهو إطالة الصلاة المؤدية إلي مفارقة الرجل الجماعة فافتتن به. «حس»: الفتنة هي صرف الناس عن الدين، وحملهم علي الضلالة، قال الله تعالي: «ماأنتم عليه بفاتنين» أي بمضلين. «قض»: فيه دلالة علي جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، فإن من أدى فرضًا ثم أعاد تقع المعادة نفلًا، وعلي أن من أدى الفريضة بالجماعة جاز له إعادتها، وعلي أنه ينبغي للإمام أن يخفف الصلاة، ولا يطولها بحيث يتأذى القوم منها. الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن جابر بن سمرة: قوله: «بعد تخفيفا» أي بعد صلاة الفجر تخفيفًا في القراءة في بقية الصلاة. الحديث الرابع عشر عن عمرو بن حريث: قوله: «واليل إذا عسعس» أي أدبر، وقيل: إذا أقبل ظلامه، هذا يوهم أن رسول الله ﷺ اكتفي بهذه الآية، لكن ذكر في شرح السنة أن الشافعي ﵁ قال: يعني به «إذا الشمس كورت»، بناء علي أن قراءة السورة بتمامها وإن قصرت أفضل من بعضها وإن طال.
[ ٣ / ١٠٠٣ ]
فاستفتح سورة (المؤمنين)، حتى جاء ذكر موسى وهارون- أو ذكر عيسى- أخذت النبي ﷺ سعلة فركع. رواه مسلم.
٨٣٨ - وعن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة: بـ (آلم تنزيل) في الركعة الأولي، وفي الثانية: (هل أتى علي الإنسان). متفق عليه.
٨٣٩ - وعن عبيد الله بن أبي رافع، قال: استخلف مروان أبا هريرة علي المدينة، وخرج إلي مكة، فصلي لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ سورة (الجمعة) في السجدة الأولي، وفي الآخرة: (إذا جاءك المنافقون)، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة. رواه مسلم.
٨٤٠ - وعن النعمان بن بشير، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة: بـ (سبح اسم ربك الأعلي) و(هل أتاك حديث الغاشية). قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما في الصلاتين. رواه مسلم.
٨٤١ - وعن عبيد الله: أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما: بـ (ق والقرآن المجيد) و(اقتربت الساعة). رواه مسلم.
٨٤٢ - وعن أبي هريرة، قال: إن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). رواه مسلم.
_________________
(١) الحديث الخامس عشر إلي الحادي والعشرين: «كان» في هذه الأحاديث ليس بمعنى الاستمرار، كما في قوله تعالي: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾، بل هو للحالة المتجددة، كما في قوله تعالي: ﴿من كان في المهد صبيا﴾. قوله: «جاء ذكر موسى وهارون» أي في قوله تعالي: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون﴾
[ ٣ / ١٠٠٤ ]
٨٤٣ - وعن ابن عباس، قال كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾، والتي في (آل عمران): ﴿قل يأهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم﴾. رواه مسلم.
الفصل الثاني
٨٤٤ - عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته بـ (بسم الله الرحمن الرحيم). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك [٨٤٤]
٨٤٥ - وعن وائل بن حجر، قال سمعت رسول الله ﷺ قرأ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، فقال: آمين، مد بها صوته. رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي، وابن ماجه. [٨٤٥]
٨٤٦ - وعن أبي زهير النميري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتينا علي رجل قد ألح في المسألة، فقال النبي ﷺ «أوجب إن ختم». فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: «بآمين». رواه أبو داود.
_________________
(١) أو ذكر عيسى في قوله تعالي: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾. قوله: «سعلة» «شف»: وهي فعلة من السعال، وإنما أخذ بسبب البكاء. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: «ليس بذاك» المشار إليه «بذاك» ما في ذهن من يعني بعلم الحديث، ويعتد بالإسناد القوي. «تو»: هذا الحديث في إسناده وهن؛ لما تفرد به أبو عيسى بإخراجه عن أحمد بن عبدة عن المعتمر، عن إسماعيل بن حماد، عن أبي سليمان، وهو مجهول. الحديث الثاني عن وائل: قوله: «آمين مد بها صوته» «الكشاف» في آمين لغتان: مد ألفه، قال: «ويرحم الله عبدًا قال: آمينا»، وقصرها، قال: «آمين» فزاد الله ما بيننا بعدًا. الحديث الثالث عن [أبي زهير] ﵁: قوله: «أوجب» «مظ»: أي الجنة لنفسه
[ ٣ / ١٠٠٥ ]
٨٤٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: إن رسول الله ﷺ صلي المغرب بسورة (الأعراف) فرقها في ركعتين رواه النسائي. [٨٤٧]
٨٤٨ - وعن عقبة بن عامر، قال: كنت أقود لرسول الله ﷺ ناقته في السفر، فقال لي: «يا عقبة! ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؟»، فعلمني (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس)، قال: فلم يرني سررت بهما جدًا، فلما نزل لصلاة الصبح صلي بهما صلاة الصبح للناس. فلما فرغ، التفت إلي، فقال: «يا عقبة! كيف رأيت؟». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
_________________
(١) أو أوجب إجابة دعائه، وفيه دليل علي أن من دعا يستحب أن يقول: آمين بعد دعائه، وإن كان الإمام يدعو والقوم يؤمنون فلا حاجة إلي تأمين المأموم. الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: «صلي المغرب» [«تو»:] ووجه هذا الحديث أن نقول: إن النبي ﷺ لم يزل يبين للناس معالم دينهم بيانا يعرف به الأتم والأكمل، والأدنى والأفضل، ويفصل تارة بقوله، وتاره بفعله، ما يجوز عما لا يجوز، ولما كانت صلاة المغرب أضيق الصلوات وقتا اختار فيها التجوز والتخفيف، ثم رأي أن يصليها في الندرة [علي] ما ذكر في الحديث؛ ليعرفهم أن أداء تلك الصلاة علي تلك الصفة جائز، وإن كان الفضل في التجوز فيه، ويبين لهم أن وقت المغرب يتسع لهذا القدر من القراءة. «خط»: فيه إشكال؛ لأنه ﷺ إذا قرأ علي التإني سورة الأعراف في صلاة المغرب يخل وقت العشاء قبل الفراغ منها، فتفوت صلاة المغرب. وتأويله أنه ﷺ قرأ في الركعة الأولي قليلًا من سورة ليدرك ركعة من الوقت، ثم قرأ باقيها في الثانية، ولا بأس بوقوعها خارج الوقت، ويحتمل أن يراد بالسورة بعضها. الحديث الخامس عن عقبة: قوله: «خير سورتين» الإضافة دلت علي أنك إذا تقصيت القرآن المجيد إلي آخره سورتين سورتين ما وجدت في باب الاستاعذة خيراص منهما، وهو من أسلوب قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفها. ويمكن أن يقال: إن عقبة ما سر ابتداء لما لم يكشف له خيريتهما، وما زال منه ما كان هو فيه من الفزع، ولما صلي بهما كوشف له ذلك المعنى ببركة الصلاة، وأزيل ذلك الخوف، فمعنى: «كيف رأيت؟» كيف وجدت مصداق قولي: هما خير سورتين قرئتا في باب التعوذ؟ فعلي هذا يكون «قرئتا» صيغة مميزة
[ ٣ / ١٠٠٦ ]
٨٤٩ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: «قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد)، رواه في «شرح السنة». [٨٤٩]
٨٥٠ - ووراه ابن ماجة عن ابن عمر إلا أنه لم يذكر «ليلة الجمعة». [٨٥٠]
٨٥١ - وعن عبد الله بن مسعود، قال ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر: بـ (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). رواه الترمذي. [٨٥١]
٨٥٢ - ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة إلا أنه لم يذكر: «بعد المغرب». [٨٥٢]
٨٥٣ - وعن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة. قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان. قال سليمان: صليت خلفه فكان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل. رواه النسائي، وروى ابن ماجه إلي «ويخفف العصر».
_________________
(١) لـ «سورتين». «تو»: أشار ﷺ إلي الخيرية في الحالة التي كان عقبة عليها، وذلك أنه كان في سفره، وقد أظلم عليه الليل، ورآه مفتقرًا إلي تعلم ما يدفع به شر الليل، وشر ما أظل عليه الليل، فعين السورتين لما فيهما من وجازة اللفظ، والاشتمال علي المعنى الجامع مع سهولة حفظها، ولم يفهم عقبة المعنى الذي أراده النبي ﷺ من التخصيص، فظن أن الخيرية إنما تقع علي مقدار طول السورة وقصرها، ولهذا قال: «فلم يرني سررت بهما جدًا» وإنم صلي النبي ﷺ ليعرفه أن قراءتهما في الحال منصوص عليها والزمان المشار إليه أمثل وأولي من قراءة غيرهما، ويبين له أنهما يسدان مسد الطوليين. الحديث السادس والسابع عن عبد الله بن مسعود: قوله: «ما أحصي» «ما» نافية أي ما أطيق أن أحصي، و«ما» في «ما سمعت» موصولة، و«يقرأ» حال من العائد إلي «ما»، وكان الأصل ما سمعت قراءته، فأزيل المفعول به عن مقره، وجعل حالا، كما في قوله تعالي: ﴿ربنا [إننا] سمعنا مناديا ينادي﴾ أي نداء المنادي. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: «من فلان» «تو»: قيل هو عمر بن
[ ٣ / ١٠٠٧ ]
٨٥٤ - وعن عبادة بن الصامت، قال: كنا خلف النبي ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة. فلما فرغ. قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟» قلنا: نعم، يا رسول الله! قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». رواه أبو داود، والترمذي. والنسائي معناه، وفي رواية لأبي داود، قال: «وأنا أقول مالي ينازعني القرآن؟ فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن». [٨٥٤]
٨٥٥ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم، يا رسول الله! قال: إني أقول: مالي أنازع القرآن؟!» قال: فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) عبد العزيز، وهذه الرواية لا اعتماد عليها. أقول: وذلك أن عمر بن عبد العزيز ولد سنة إحدى وستين، وأبو هريرة توفي سنة سبع وخمسين، وقيل: ثمان، وقيل: تسع. وأما أنس فروى نحوه علي ما سيأتي في باب الركوع في الفصل الثالث، ونص علي أن فلانًا عمر بن عبد العزيز، وهو صحيح؛ لأن أنسًا توفي سنة إحدى وتسعين. «حس»: هو رجل كان أميرا علي المدينة. «خط»: السبع المفصل أوله سورة الحجرات، وسمي مفصلًا لأن سورها قصار، كل سورة كفصل من الكلام، وقيل: طواله إلي سورة «عم» وأوساطه إلي «والضحي». الحديث التاسع عن عبادة: قوله: «ثقلت» «قض»: أي عسرات، وقوله: «مالي ينازعني القرآن» معناه لا يتأتى لي، وكإني [أجاذبه]، فيعصي ويثقل علي. قوله: «لعلكم» سؤال فيه معنى الاستفهام يقرر فعلهم، ولذلك أجابوا بنعم، كأنه ﷺ عسرت عليه القراءة، ولم يدر السبب، [فسأل] منهم، يدل عليه قول: «وأنا أقول: مالي ينازعني القرآن!». قوله: «خلف إمامكم» وحق الظاهر (خلفي) ليؤذن بأن تلك الفعلة غير مناسبة لمن [يتقلد] الإمام. «مظ»: تعسرت القراءة علي النبي ﷺ لكثرة أصوات المأمومين بالقراءة، والسنة أن يقرأ المأموم بالسر، بحيث يسمع كل واحد نفسه، ولا يرفع صوته كيلا يشوش القراءة علي الآخرين. واختلفوا في قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام، فأصح [قول] الشافعي أن يقرأ في السرية والجهرية، ومذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي أنه يقرأها في السرية؛ لأن استماعه في الجهرية قراءة الإمام يكفيه، ومذهب أبي حنيفة لا يقرأها في السرية ولا في الجهرية. الحديث العاشر والحادي عشر عن ابن عمر: قوله: «ما يناجيه به»، «ما» استفهامية،
[ ٣ / ١٠٠٨ ]
فيما جهر فيه بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ. رواه مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وورى ابن ماجه نحوه. [٨٥٥]
٨٥٦ - وعن ابن عمر، والبياضي، قالا: قال رسول الله ﷺ: «إن المصلي يناجي ربه؛ فلينظر ما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم علي بعض بالقرآن». رواه أحمد. [٨٥٦]
٨٥٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وأذا قرأ فأنصتوا». رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٨٥٧]
٨٥٨ - وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما يجزئني. قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». قال: يا رسول الله! هذا لله؛ فماذا لي؟ قال: «قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني» فقال هكذا بيديه وقبضهما. فقال رسول الله ﷺ: «أما هذا فقد ملأ يديه من الخير». رواه أبو داود. وانتهت رواية النسائي عند قوله: «إلا بالله».
_________________
(١) والضمير راجع في «يناجيه» إلي الرب ﷿ وفي «به» إلي «ما» و«ما» مفعول «فلينظر» بمعنى فليتأمل في جواب «ما يناجيه به»، من القول علي سبيل التعظيم والتبجيل، ومواطأة القلب اللسان، والإقبال إلي الله تعالي [بشراشره]، وذلك إنما يحصل إذا لم ينازعه صاحبه بالقراءة، ومن ثم عقبه بقوله: «ولا يجهر بعضكم علي بعض بالقرآن» فعدي بعلي لإرادة معنى الغلبة أي لا يغلب ولا يشوش بعضكم بعضًا جاهرًا بالقراءة. الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن عبد الله: قوله: «أن آخذ» «غب»: الأخذ حوز الشيء وتحصيله. أقول: الظاهر أن هذه القضية- والله أعلم- ليست بمختصة بالصلاة، لأن الرجل قال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، ومعناه إني لا أستطيع أن أحفظ شيئًا من القرآن، وأتخذه وردًا لي، فأقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فلما علمه ما فيه تعظيم الله تعالي طلب ما يحتاج إليه، ويختص به من الرحمة والعافية [والهداية] والرزق. ويؤيد ما ذكرنا من أن مطلوبه ما يجعله وردًا له لا يفارقه أبدًا- قبضة يديه، أي إني لا أفارقها مادمت حيا. «مظ»: وما أحسن التجاوب الذي بين الأخذ في مفتتح الحديث، والقبض في مختتمه، قوله: «فقال هكذا» أي [أشار] إشارة مثل هذه الإشارة المحسوسة.
[ ٣ / ١٠٠٩ ]
٨٥٩ - وعن ابن عباس، ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ (سبح اسم ربك الأعلي)؛ قال: «سبحان ربي الأعلي». رواه أحمد، وأبو داود
_________________
(١) ثم إيراد هذا الحديث في هذا الباب هو الذي حمل الشيخ المظهر علي التكليف في تطبيق الحديث علي الصلاة، حيث قال: اعلم أن هذه الواقعة لا يجوز أن تكون في جميع الأزمان، لأن من يقدر علي تعلم هذه الكلمات يقدر علي تعلم الفاتحة لا محالة، بل تأويله، لا أستطيع أن أعلم شيئًا من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل علي وقت الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ: قل: سبحان الله إلي آخره؛ فمن دخل لعيه وقت صلاة مفروضة، ولم يعلم الفاتحة، ويعلم شيئًا من التسبيحات- سبحان الله إلي آخره- لزمه أن يقولها في تلك الصلاة بدل الفاتحة فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم الفاتحة. فمن لم يعلم الفاتحة وعلم شيئاص من القرآن لزمه أن يقرأ ما يعلم من القرآن بقدر الفاتحة في عدد الآيات، وهذه الكلمات؛ لأن النبي ﷺ علمها ذلك الرجل أن يقرأها في الصلاة. وعلي هذا يتوجه عليه ما ذكره الشيخ التوربشتي: لم يرد السائل بما قال القدر الذي تصح به الصلاة؛ لأن من المستبعد أن يعجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم مقدار ما يصح به الصلاة كل العجز، وإني كان رسول الله ﷺ يرخص له في الاكتفاء بالتسبيح علي الإطلاق، من غير أن يبين ماله وعليه، ولو كان الأمر علي ما يقتضيه ظاهر اللفظ لعلمه الآية والآيتين مكان هذا القول، ولو قدر [مقدر] أن الرجل أدركته الفريضة ولم يتسع له الوقت أن يتعلم ما يجزئه، فأمره بذلك. فالجواب عن هذا أن لو كان الأمر علي ذلك لعلمه النبي ﷺ بما يلزمه بعد ذلك، إذ لا يجوز عليه أن يسكت عن البيان عند الحاجة إليه، والله أعلم. الحديث الرابع عشر عن ابن عباس: قوله: «إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلي» «مظ»: عند الشافعي يجوز مثل هذه الأشياء في الصلاة وغيرها، وعند أبي حنيفة لا يجوز إلا في غير الصلاة. أقول: وكذا عند مالك. «تو»: هذا الحديث لا يدل علي أن هذا كان في الصلاة، إذ لو كان في الصلاة لبينه الراوي، ونقله غيره من الصحابة، مع شدة حرصهم علي الأخذ منه والتبليغ. ولو زعم أحد أنه في الصلاة، قلنا: يحمل ذلك علي غير الفريضة، علي ما في حديث حذيفة ﵁، لما حدث به عن صلاته مع النبي ﷺ بالليل، وما أتى علي آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى علي آية عذاب إلي وقف وتعوذ، ولم ينقل شيء من ذلك فيما جهر به من الفرائض مع كثرة من حضرها. والجواب أن الحديث الآتي وعموم قوله ﷺ: من قرأ كذا فليقل كذا مرارًا ثلاثًا ظاهرًا فيما ذهب إليه الشافعي ﵁، وعلي المخالف دليل الخصوص، ولأن من [يتعانى] هذه الشريطة غالبًا يكون حاضر القلب، متخشعا خائفًا راجيًا، يظهر افتقاره بين يدي مولاه،
(٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ منكم بـ (التين والزيتون)، فانتهي إلي: (أليس الله بأحكم الحاكمين)؛ فليقل: بلي، وأنا علي ذلك من الشاهدين ومن قرأ: (لا أقسم بيوم القيامة) فانتهي (أليس ذلك بقادر علي أن يحيي الموتى) فليقل: بلي. ومن قرأ (والمرسلات) فبلغ: (فبأي حديث بعده يؤمنون)؛ فليقل: آمنا بالله». رواه أبو داود والترمذي إلي قوله: «وأنا علي ذلك من الشاهدين».
[ ٣ / ١٠١٠ ]
٨٦١ - وعن جابر: قال: خرج رسول الله ﷺ علي أصحابه، فقرأ عليهم سورة (الرحمن) من أولها إلي آخرها، فسكتوا. فقال: «لقد قرأتها علي الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت علي قوله: «فبأي آلاء ربكما تكذبان)، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلله الحمد». رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.
_________________
(١) والصلاة مئنة ذلك ومظنته. وأما قوله: يحمل ذلك علي غير الفرائض، واستدلاله علي مطلوبه بحديث حذيفة، وبحديثه بالليل- فضعيف، علي أن هذا الحديث رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي عن حذيفة كما سيجيء في آخر الفصل الثاني من باب الركوع، وفيه أن حذيفة صلي مع رسول الله ﷺ وليس فيه ذكر أنه صلي معه في الليل، والظاهر أنه كان يقتدي بالنبي ﷺ في الفرائض. الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁ قوله: «فبأي حديث بعده يؤمنون» أي بعد القرآن، لأن القرآن بين الكتب المنزلة آية مبصرة، ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي حديث بعده يؤمنون؟ قوله: «فليقل: آمنا» أي قل: أخالف أعداء الله المعاندين، ونؤمن به وبما جاء لينتظم في سلك من له مساهمة في الشهادة من أنبياء الله، وأوليائه. هذا معنى قوله: «وأن علي ذلك من الشاهدين»؛ لأنه منوال قوله: فلان من العلماء، أي له نصيب معهم في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهود له، وهو أبلغ من قولك: فلان عالم. الحديث السادس عشر عن جابر ﵁: قوله: «أحسن مردودًا» «الجوهري»: المردود الرد، وهو مصدر مثل المخلوق [والمعقول]، قال الشاعر: لا يعدم السائلون الخير أفعله إما نوالا وإما حسن مردود نزل سكوتهم وإنصاتهم للاستماع منزلة حسن الرد، فجاء بأفعل التفضيل.
[ ٣ / ١٠١١ ]
الفصل الثالث
٨٦٢ - عن معاذ بن عبد الله الجهني، قال: إن رجلًا من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ قرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمدًا. رواه أبو داود. [٨٦٢]
٨٦٣ - وعن عروة، قال: إن أبا بكر الصديق، ﵁، صلي الصبح، فقرأ فيهما بـ «سورة البقرة» في الركعتين كلتيهما. رواه مالك. [٨٦٣]
٨٦٤ - وعن الفرافصة بن عمير الحنفي، قال: ما أخذت سورة (يوسف) إلا من قراءة عثمان بن عفان إياها في الصبح، من كثرة ما كان يرددها. رواه مالك. [٨٦٤]
٨٦٥ - وعن [عبد الله بن] عامر بن ربيعة، قال: صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح، فقرأ فيهما بسورة (يوسف) وسورة (الحج) قراءة بطيئة، قيل له: إذا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر. قال: أجل. رواه مالك [٨٦٥]
٨٦٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة. رواه مالك. [٨٦٦]
٨٦٧ - وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: قرأ رسول الله ﷺ في صلاة المغرب- (حم الدخان). رواه النسائي مرسلًا.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول إلي السادس عن عامر ﵁: قوله: «إذا لقد كان» إذًا جزاء وجواب، يعني قال رجل لعامر: إذا كان الأمر علي ما ذكرت إذًا والله لقام في الصلاة أول الوقت حين الغلس.
[ ٣ / ١٠١٢ ]