الفصل الأول
٨٨٧ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أسجد علي سبعة أعظم: علي الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر». متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الخامس عن النعمان: قوله: «أسوأ السرقة» مبتدأ، و«الذي يسرق» خبره علي حذف المضاف، أي سرقة الذي، ويجوز أن السرقة جمع سارق، كفاجر وفجرة، يؤيده حديث أبي قتادة: «أسوأ الناس سرقة». باب السجود وفضله الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵁: قوله: «أمرت» «قض»: يدل عرفًا علي أن الله تعالي أمره، وذلك يقتضي وجوب وضع هذه الأعضاء في السجود، وللعماء فيه أقوال، فأحد قولي الشافعي وقول أحمد: إن الواجب وضع جميعها؛ أخذًا بظاهر الحديث، والقول الآخر له: إن الواجب وضع الجبهة وحده؛ لأنه ﵊ اقتصر عليه في قصة رفاعة، وقال: «ثم يسجد فيمكن جبتهته من الأرض» وضع الأعظم الستة الباقية سنة، والأمر محمول: «ولا نكفت» ليس بواجب والندب، توفيقًا بينهما، ولأن المعطوف علي «أسجد» وهو قوله: «ولا نكفت» ليس بواجب وفاقًا، ومعناه أن يرسل الثوب والشعر، ولا يضمهما إلي نفسه وقاية لهما من التراب، والكفت الضم. وعند أبي حنيفة يجب وضع أحد العضوين من الجبهة والأنف؛ لوقوع اسم السجود عليه، ولأن عظم الأنف متصل بعظم الجبهة متحد به، فوضعه
[ ٣ / ١٠٢١ ]
٨٨٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب». متفق عليه.
٨٨٩ - وعن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ «إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك». رواه مسلم.
٨٩٠ - وعن ميمونة، قالت: كان النبي ﷺ: إذا سجد جافي بين يديه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر تحت يديه مرت. هذا لفظ أبي داواد، كما صرح في: «شرح السنة» بإسناده.
_________________
(١) كوضع جزء من الجبهة. وعن مالك، والأوزاعي، والثوري ﵃ وجوب وضعهما معًا؛ لما روى: «أن النبي ﷺ رأي رجلًا يصلي ما يصيب أنفه من الرض فقال: لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين» وقال أيضا: والصحيح أنه مراسيل عكرمة، هكذا ذكره الدارقطني في جامعه، وقد أسند إلي ابن عباس ﵁ ولم يثبت. أقول: قد ذكر التجنب عن كف الثوب في جملة الخشوع في الصلاة في قوله سبحانه وتعالي: ﴿والذين هم في صلاتهم خاشعون﴾، وقد جمع في الحديث بعضا من الفرض، والسنة والأدب، تلويحًا إلي إرادة الكل. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: «اعتدلوا» «مظ»: الاعتدال في السجود أن يستوي فيه، ويضع كفيه علي الأرض، ويرفع المرفقين عن الأرض، وبطنه عن الفخذين. قوله: «انبساط الكلب» «تو»: صح علي وزن الانفعال، خرج بالمصدر إلي غير لفظه أي يبسطها فينبسط انبساط الكلب. «نه»: أي يفرشهما علي الأرض في الصلاة،. الحديث الثالث والرابع عن ميمونة: قوله: «بهمة» بالفتح. «نه»: ولد الضأن الذكر والأنثى وجمع البهمة بهم، وجمع البهم بهام. «مظ»: البهمة في الحديث كانت أنثى بدليل «أرادت» وقوله: «مرت» بالتاء. أقول: ونظيره ما روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه دخل الكوفة، فالتفت إليه الناس، فقال: سلوني عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضرًا وهو غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان كانت ذكرًا أم أنثى؟ فسألوه، فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى فقيل له من أين عرفت؟ فقال: من كتاب الله تعالي، وهو قوله تعالي: ﴿قالت نملة﴾ ولو كان ذكرًا لقال: «قال نملة» وذلك أن النملة مثل الحمامة، والشاة، في وقولعها علي الذكر والأنثى، فتميز بينهما بعلامة، بنحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، وهو، وهي.
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
ولمسلم بمعناه: قالت: كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت.
٨٩١ - وعن عبد الله بن مالك بن بحينة، قال: كان النبي ﷺ إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه. متفق عليه.
٨٩٢ - وعن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلإنيته وسره». رواه مسلم.
_________________
(١) قال ابن الحاجب: التإنيث اللفظي هو أن لا يكون بإزالة ذكر من الحيوان، كظلمة وعين، ولا فرق بين أن يكون حيوانًا أو غيره، كدجاجة وحمامة، وقد قصد به مذكر فإنه مؤنث لفظي، ولذلك كان قول من زعم أن النملة في قوله تعالي: «قالت نملة» أنثى لورود تاء التإنيث في «قالت» وهمًا؛ لجواز أن يكون مذكرًا في الحقيقة، وورود التإنيث كورودها في الفعل المؤنث اللفظي، نحو: جاءت الظلمة. وقلت: كيف يقاس هذا المثال علي الظلمة والجامع مفقود؟ لأن مثل النملة مشترك لفظي يقع علي المذكر والمؤنث، والتاء لبيان الوحدة، فيفتقر في تعيين حد مفهومها إلي نصب قرينة، إما صفة مميزة، نحو: حمامة ذكر، وشاة أنثى، أو علامة تلحق الفعل، نحو: قالت نملة، وقال نملة، أو جعلها خبرًا لاسم الإشارة، نحو: هذا بقرة، وهذه بقرة، والظلمة ليست من هذا القبيل، فلا تحتاج إلي بيان، نعم! هي كالعين في معنى الاشتراك لافتقارها إلي القرينة المبينة للتعيين. وينصره ما نقل عن ابن السكيت حيث قال: هذا بطة ذكر، وهذا حمامة ذكر، وهذا شاة ذكر، إذا عنيت كبشا، وهذا بقرة إذا عنيت ثورًا، فإن عنيت به أنثى قلت: هذه بقرة. فالمذهب ما سلكه الإمام، والقول ما قالت حذام. الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: «مالك» «مح»: الصواب أن ينون، ويكتب ابن بالألف؛ لأن «ابن بحينة» ليس صفة «مالك»، بل صفة! «عبد الله»؛ لأن «عبد الله» اسم أبيه «مالك»، واسم أم عبد الله «بحينة امرأة مالك». الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «دقه وجله» «نه»: صغير وكبيرة، وقيل: إنما قدم الدق علي الجل؛ لأن السائل متصاعد في مسألته؛ ولأن الكبائر إنما تنشأ في الغالب من الإصرار علي الصغائر، وعدم المبالاة بها، وكأنها وسائل إلي الكبائر، ومن حق الوسيلة أن تقدم إثباتًا ورفعًا.
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
٨٩٣ - وعن عائشة، ﵂، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي علي بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك». رواه مسلم.
_________________
(١) الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: «فالتمسته» أي طلبته، «قض»: «وهو في المسجد»، هكذا في صحيح مسلم، وكتاب الحميدي، وأكثر نسخ المصابيح، وفي بعضها «في سجدة»، وفي بعضها «في السجود». وقولها فيه: «فوقعت يدي علي بطن قدميه في السجود» يدل علي أن الملموس لا يفسد وضوءه، إذ المس الاتفاقي لا أثر له، إذ لولا ذلك لما استمر علي السجود. «شف»: ويمكن أن يقال: إنه كان بين اللامس والملوس حائل. قوله: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» «نه»: وفي رواية أخرى بدأ بالمعافاة ثم ثنى بالرضا، وإنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء، والرضي والسخط من صفات الذات، وصفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقيًا إلي الأعلي، ثم لما ازداد يقينًا وارتقى ترك الصفات، وقصر نظره علي الذات فقال: «أعوذ بك منك». ثم لما ازداد قربا استحيا من الاستعاذة علي بساط القرب فالتجأ إلي الثناء، فقال: «لا أحصي ثناء عليك»، ثم علم أن ذلك قصور فقال: «أنت كما أثنيت علي نفسك». وأما علي الرواية الأولي فإنما قدم الاستعاذة بالرضي من السخط؛ لأن المعافاة من العقوبة [تحصل بحصول الرضا]، وإنما ذكرها لأن دلالة الأول عليها دلالة تضمن، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكنى عنها أولا، ثم صربح بها ثإنيًا، ولأن الراضي قد يعاقب المصلحة، ولاستيفاء حق الغير. قوله: «لا أحصي ثناء عليك» «مظ»: أي لا أطيق أن أثني عليك كما تستحقه وتحبه، بل أنا قاصر عن أن يبلغ ثنائي قدر استحقاقك، «أنت كما أثنيت علي نفسك» بقولك: «فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم» وما أشبه ذلك من الآيات التي حمدت نفسك فيها. أقل: أصل الإحصاء العد بالحصى، «غب»: الإحصاء التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا من [لقط] الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدون عليها بالعد،
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
٨٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء». رواه مسلم.
_________________
(١) كاعتمادنا فيه علي الأصابع. قال ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا» أي لن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه وتحصيله هو أن الحق واحد، والباطل كثير، بل أحق بالإضافة إلي الباطل كالمرمى من الهدف، فإصابة ذلك شديدة. أقول: إذا علم ذلك فنقول: إن «ما» في قوله: «كما أثنيت» يجوز أن تكون موصوفة، وأن تكون موصولة، كقوله تعالي: ﴿ونفس وما سواها﴾ أي الحكيم الباهر الحكمة سوى هذه النفس العجيبة الشأن، والكاف بمعنى مثل، كالمثل في قوله تعالي: ﴿ليس كمثله شيء﴾، وقوله: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ وقول القبعثري: مثل الأمير يحمل علي الأدهم والأشهب، أي أنت الذات التي لها صفات الجلال والإكرام، ولها العلم الشامل والقدرة الكاملة، تعلم بالعلم الشامل صفات جلالك وإكرامك، وتقدر بقدرتك الكاملة أن تحصي ثناء نفسك، فنفي في قوله: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت علي نفسك» القدرة والعلم عن نفسه، عجزًا واعترافًا بالقصور، وأثبتهما في قوله: «أنت كما أثنيت علي نفسك» لله ﷿ إعظامًا وإجلالًا له، وذلك أن صفات الجلال والإكرام لا نهاية لها، فلا تدرك ولا تطاق إلا بعلم وقدرة لا نهاية لهما. وهذا الثناء يجوز أن يكون بالقول، كما فقي قوله تعالي: ﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين*﴾ وبالفعل كما في قوله تعالي: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ قالوا: ما أثنى الله علي نفسه تعالي فهو في الحقيقة إظهار فعله، محمدة لنفسه من بث آلائه، وإظهار نعمائه، بمحكمات أفعاله، والله أعلم. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: «وهو ساجد» حال سدت مسد الخبر، نظيره ضربي زيدًا قائمًا، العرب التزمت حذف خبر هذا المبتدأ، وتنكير قائمًا، وجعلت المبتدأ عاملا في مفسر صاحب الحال، ويشهد بأن كان المقدرة تامة، وقائمًا حال من فاعلها التزام العرب تنكير «قائمًا»، وإيقاع الجملة الإسمية المقرونة بواو الحال موقعه في هذا الحديث وقول الشاعر: خير اقترابي من المولي حليف رضا وشر بعدي منه وهو غضبا المبتدأ فيهما مؤول بمفسر صاحب الحال، يعني بالمصدر المقيد؛ لأن لظفه ما يكون مؤول بالكون؛ والتقدير: أقرب الكون كون، وخير الاقتراب اقتراب. هذا تلخيص كلام ابن مالك، أقول: التركيب من الإسناد المجازي، أسند القرب إلي الوقت- وهو للعبد- مبالغة.
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
٨٩٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلتي!! أمر ابن آدم بالسجود، فسجد؛ فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت؛ فلي النار». رواه مسلم.
_________________
(١) فإن قلت: أين المفضل عليه ومتعلق أفعل التفضيل في الحديث؟ قلت: محذوف، وتقديره: إن للعبد حالتين في العبادة: حالة كونه ساجدًا لله تعالي، وحالة كونه متلبسًا بغير السجود، فهو في حالة السجود أقرب إلي ربه من نفسه في غير تلك الحالة. ويدل عليه التصريح به فيما روي عن علي ﵁: «الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم أي الناس في فسادهم واقترافهم رذائل الأخلاق أشبه بزمانهم من أنفسهم بآبائهم في الصورة والهيئة، وفي اقتنائهم مكارم الأخلاق. ومن شواهد وقوع الحال سادة مسد الخبر ما رواه البخاري: «عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرنا خلوفا» أي مثل هذه الساعة. قال المالكي: خلوفا منصوب علي الحال، سدت مسد المسند إلي «نفرنا» وتقديره: ونفرنا متروكون. ونظيره قوله: «ونحن عصبة» بالنصب وهي قراءة تعزى علي علي ﵁ وتقديره: ونحن معه عصبة، وقول بعض الصحابة ﵃: «كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ وهم عاقدي أزرهم» وتقديره: وهم مؤتزرون عاقدي أزرهم. وهذا النوع من سد الحال مسد الخبر مع صلاحيتها لأن تجعل خبرًا شاذًا لا يكاد يستعمل، فالوجه الجيد في هذا القبيل الرفع لمتقضى الخبرية، والاستغناء عن تقدير خبر، وإنما يحسن سد الحال مسد الخبر، إذا لم يصلح جعل الحال خبرًا، نحو: ضربي زيدًا قائمًا، وأكثر شربي السويق ملتوتا، [فإن (قائمًا) و(ملتوتا)] لا يصح أن يكونا خبرين لضربي وأكثر. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «اعتزل» «شف»: أي تباعد، ولك من عدل إلي جانب فهو معتزل، ومنه سميت الفرقة العدلية معتزلة، ورى أن الحسن البصري ﵀ عليه كان يقرر يومًا مع أصحابه مسألة من الأصول، فاعترض عليه جماعة من أصحابه، فلما قام الحسن من مجلسه اعتزل المعترضون إلي ناحية يقررون تلك المسألة علي خلاف قول الحسن، فلما عااد الحسن ورآهم جالسين في ناحية قال: من المعتزلة؟ وفي رواية: فلما تكرر نكيرهم علي قول الحسن قال لهم: اعتزلوا عنا. قوله: «يبكي، يقول» حالان من فاعل «اعتزل»، مترادفان أو متداخلان. قوله: «يا ويلتي» «فا»: أصله [وي له]، «نه»: الويل الحزن، والهلاك، ولك من وقع في هلكة دعا بالويل،
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
٨٩٦ - وعن ربيعة بن كعب، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل». فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أو غير ذلك؟». قلت: هو ذاك. قال: «فأعني علي نفسك بكثرة السجود». رواه مسلم.
_________________
(١) ومعنى النداء فيه يا حزني، ويا هلاكي! احضر فهذا أوانك، كأنه ناداه لما عرض له من الأمر الفظيع وهو الندم علي ترك السجود لآدم ﵇. أقول: لعل نداء الويل [للتحريم] علي ما فاته من الكرامة، وحصول اللعن والطرد، والخيبة في الدارين، وللحسد علي ما حصل لابن آدم من القرب، والكرامة والفوز في الدارين. الحديث العاشر عن ربيعة: قوله: «أو غير ذلك» «مظ»: «أو» بسكون الواو. «مح»: بفتحها، فالواو عاطفة تقتضي معطوفًا عليه، وهمزة الاستفهام تستدعي فعلا، والمعنى علي الأول: سل غير ذلك، فأجاب «هو ذاك» أي مسئولي ذاك، لا أنتهي عنه، وعلي الثاني: أتسأل هذا وهو شاق، وتترك ما هو أهون منه؟ فأجاب مسئولي ذاك، لا أتجاوز عنه، أتى رسول الله ﷺ بلفظة «ذلك» التي هي للمشار إليه البعيد؛ لينتهي السائل عنه امتحانًا منه، فلما أجاب بقوله: «ذاك» الذي هو المشار إليه المتوسط، وعلم ﷺ أنه مصمم علي عزمه غير مستبعد ذلك أجاب ﷺ بقوله: «أعني» إلي آخره. وفيه أن مرافقة النبي ﷺ في الجنة من الدرجات العالية، التي لا مطمع في الوصول إليها إلا بحصول الزلفي عن الله في الدنيا بكثرة السجود المومأ إليه بقوله: ﴿واسجد واقترب﴾، فإن في كل سجدة يسجدها العبد رفع درجة، كما سيرد في الحديث الآتي، فلا يزال العبد يترقى بالمدامة علي السجود درجة فدرجة حتى يفوز بالقدح المعلي من القرب إلي الله سبحانه وتعالي، فسأل به مرافقة حبيبه ﷺ في تلك الدرجات. انظر أيها المتأمل في هذه الشريطة، وارتباط القرينتين لتقف علي سر دقيق، فإن من أراد مرافقة الرسول ﷺ لا يناله إلا بالقرب إلي الله سبحانه وتعالي، ومن رام قرب الله لم ينله إلا بقرب نبي الله تعالي. قال الله تعالي: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ أوقع متابعة الرسول بين المحبتين، وذلك أن محبة العبد منوطة بمتابعته ومحبة الله العبد متوقفة علي متابعته ﷺ، فلوح بقوله: «أعني علي نفسك» إلي أن نفسه [بمثابة العدو المناوئ]، فاستعان بالسائل علي قهو النفس، وكسر شهواتها بالمجاهدة، والمواظبة علي الصلاة، والاستعانة بكثرة السجود، حسما للطمع الفارغ من العمل والاتكال علي مجرد التمني وأنشد:
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
٨٩٧ - وعن معدان بن طلحة، قال: لقيت ثوبان مولي رسول الله ﷺ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلين الله به الجنة، فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلي رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة» قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته، فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. رواه مسلم.
الفصل الثاني
٨٩٨ - عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٨٩٨]
٨٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه». رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. قال أبو سليمان الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا. وقيل: هذا منسوخ. [٨٩٩]
٩٠٠ - وعن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني». رواه أبو داود، والترمذي.
_________________
(١) دنيت [للمجد] والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا لا تحسب [المجد] تمرا أنت آكله لم تبلغ [المجد] حتى تلعق الصبرا الحديث الحادي عشر عن معدان: قوله: «أعمله» يجوز أن يكون مجزومًا جوابًا للأم، و«يدخلني» بدلا منه، وذلك لأن معدان لما كان معتقدًا لكون الإخبار سببًا لعمله صح ذلك، وأن يكون مرفوعًا صفة للعمل. الفصل الثاني الحديث الأول إلي الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فلا يبرك» «قض»: ذهب
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
٩٠١ - وعن حذيفة، أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي». رواه النسائي، والدارمي. [٩٠١]
الفصل الثالث
٩٠٢ - عن عبد الرحمن بن شبل، قال: نهي رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير، رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. [٩٠٢]
٩٠٣ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا علي! إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين» رواه الترمذي.
_________________
(١) أكثر أهل العلم أن الأحب للساجد أن يضع ركبتيه، ثم يديه؛ لما رواه وائل بن حجر. وقال مالك، والأوزاعي ﵄ بعكسه لهذا الحديث، والأول أثبت عند أرباب النقل. وقد قيل: حديث أبي هريرة ﵁ منسوخ؛ لما روى عن مصعب بن سعد أنه قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين. فلولا كان حديث أبي هريرة سابقاص علي ذلك لزم النسخ مرتين، وأنه علي خلاف الدليل. «تو» كيف ينهي عن بروك البغير ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين، والبعير يضع اليدين قبل الرجلين؟ فالجواب أن الركبة من الإنسان في الرجلين، ومن ذوات الأربع في اليدين. الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الرحمن: قوله: «عن نقرة الغراب» يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. قوله: «افتراش السبع» وهو أن يضع ساعديه علي الأرض في السجود. قوله: (وأن يوطن الرجل المكان» «نه»: قيل: معناه أن يألف الرجل مكانا معلومًا من المسجد مخصوصًا به، يصلي فيه، كالبعير لا يأوى من عطن إلا مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخًا. وقيل: معناه أن يبرك علي ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود مثل بروك البعير، يقال: أوطنت الأرض، وطنتها، واستوطنتها: اتخذتها وطنا ومحلا، ومنه الحديث: «أنه ﷺ نهي عن إيطان المساجد» أي اتخاذها وطنًا. الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: «لا تقع بين السجدتين» - بضم التاء- من
[ ٣ / ١٠٢٩ ]
٩٠٤ - وعن طلق بن علي الحنفي، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينظر الله ﷿ إلي صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين ركوعها وسجودها». رواه أحمد. [٩٠٤]
٩٠٥ - وعن نافع، أن ابن عمر كان يقول: من وضع جبهته بالأرض فليضع كفيه علي الذي وضع عليه جبهته، ثم إذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه». رواه مالك. [٩٠٥]