الفصل الأول
٩٠٦ - عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في التشهد، وضع
_________________
(١) الإقعاء، كذا في جامع الأصول، هو أن يضع إليته علي عقبيه بين السجدتين، كذا في النهاية، وعن أبي عبيد: هو أن يجلس علي إليته ناصبًا قدميه. وفي جعل قوله: «إني أحب لك» مقدمة لهذا الأمر اعتناء لشأنه، وفيه أن الملعم والمرشد ينبغي أن يكون رفيقًا لا يواجه من يرشده إلا بما يحبه. الحديث الثالث عن طلق: قوله: «بين خشوعها» أي ركوعها، وإنما سمي الركوع خشوعًا وهو هيئة الخاشع تنبيهًا علي أن القصد الأولي من تلك الهيئة الخشوع والانقياد، وقد يعكس لشدة الملازمة بينهما، كما قوله تعالي: «واركعوا مع الراكعين» فسر الركوع بالخضوع والانقياد لما يلزمهم في دين الله سبحانه وتعالي. الحديث الرابع عن نافع: قوله: «فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه» علة لوضع اليدين علي الأرض كما وضع الجبهة عليها. وفيه إشارة إلي حديث ابن عباس: «أمرت أن أسجد علي سبعة أعظم» والله أعلم. باب التشهد الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: «في التشهد» «قض»: أي في زمانه،
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
يده اليسرى علي ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى علي ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة. [٩٠٦]
٩٠٧ - وفي رواية: كان إذا جلس في الصلاة، وضع يديه علي ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى علي ركبتيه، باسطها عليها. رواه مسلم.
_________________
(١) وسمي الذكر المخصوص تشهدا لاشتماله علي كلمتي الشهادة، كما سمي دعاء لاشتماله عليه، فإن قوله: سلام عليك، وسلام علينا، دعاء عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد. قوله: «وعقد ثلاثة وخمسين» أي عقد باليمني عقد ثلاثة وخمسين، وذلك بأن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل المسبحة، ويضم إليها الإبهام مرسلة. وللفقهاء في كيفية عقدها وجوه، أحدها ما ذكرناه. والثاني: أن يضم الإبهام إلي الوسطى المقبوضة كالقابض ثلاثة وعشرين، فإن الزبير رواه كذلك، والثالث: أن يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل المسبحة، ويحلق الإبهام والوسطى، كما رواه وائل بن حجر. «وأشار بالسبابة» أي رفعها عند قول: «إلا الله» ليطابق [الفعل القول] علي التوحيد، وفي رواية «رفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام يدعو بها»، أي يهلل. سمي التهليل والتحميد دعاء لأنه بمنزلة استجلاب لطف الله، واستدعاء صنعه. وقد جاء في الحديث: «إنما كان أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير». «شف»: فيه دليل علي أن في الصحابة من يعرف هذا العقد والحساب المخصوص. قوله: «فدعا بها» يحتمل وجهين: أحدهما أن يضمن دعا معنى أشار، والثاني أن يكون «بها» حالا أي فدعا مشيرًا بها.
[ ٣ / ١٠٣١ ]
٩٠٨ - وعن عبد الله بن الزبير، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى علي فخذه اليمنى، ويده اليسرى علي فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه علي أصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته. رواه مسلم.
٩٠٩ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ، قلنا: السلام علي الله قبل عباده، السلام علي جبريل، السلام علي ميكائيل، السلام علي فلان. فلما انصرف النبي ﷺ، أقبل علينا بوجهه، قال: «لا تقولوا: السلام علي الله؛ فإن الله هو السلام. فإذا جلس أحدكم في الصلاة، فليقل التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين- فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعوه». متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الثاني عن عبد الله بن الزبير: قوله: «يلقم كفه اليسرى» يقال: ألقمت الطعام والتقمته إذا أدخلته في فيك، والمعنى يدخل ركبته في راحة كفه اليسرى. الحديث الثالث عن عبد الله: قولنا: «قلنا السلام» كانوا يسلمون علي الله تعالي أولا، ثم علي أشخاص معينين من الملائكة والناس، وأنكر النبي ﷺ أن يسلموا علي الله، وبين لهم أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلامة ورحمة له ومنه، فهو مالكها ومعطيها، فكيف يجوز أن يقالك السلام علي الله؟ وأعلمهم أن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم، وعلمهم ما يعمهم، وأمرهم فإفراد صلوات الله عليه بالذكر، لشرفه ومزيد حقه عليهم، وتخصيص أنفهسم، فإن الاهتمام بها أهم. والتحية تفعله من الحياة بمعنى الإحياء والتبقية، والصلاة من الله الرحمة، و«الطيبات» ما يلائم ويستلذ به، وقيل: الكلمات الدالة علي الخير، كسقاه الله، ورعاه الله. أتي بالصلوات والطيبات في هذا الحديث بحرف العطف، وقدم «لله» عليهما، فيحتمل أن يكونا معطوفين علي «التحيات»، والمعنى ما سبق، ويحتمل أن يكون «الصلوات» مبتدأ، وخبرها محذوف، يدل عليه «عليك» و«الطيبا» معطوفة عليها، والواو الأولي لعطف الجملة علي الجملة التي قبلها. وفي حديث ابن عباس ﵄ ما ذكر العاطف أصلًا، وزاد: «المباركات»، وأخر «لله»، فتكون صفات. وقوله: «فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض»، يدل علي أن الجمع المضاف والجمع المحلي باللام للعموم. واختار الشافعي ﵁ رواية ابن عباس، وإن كانت رواية ابن مسعود أشد صحة،
[ ٣ / ١٠٣٢ ]
_________________
(١) لأنه أفقه، ولاشتمال ما رواه علي زيادة، ولأنه الموافق لقوله تعالي: «تحية من عند الله مباركة طيبة» ولأنه في لفظه ما يدل علي زيادة ضبطه لفظ الرسول ﷺ وهو قوله: «وكان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن». قال الشافعي: ويحتمل أن يكون وقع الاختلاف من حيث إن بعض من سمع من رسول الله ﷺ حفظ الكلمة علي المعنى دون اللفظ، وبعضهم حفظ اللفظ والمعنى، وقررهم الرسول ﷺ علي ذلك وسوغه لهم؛ لأن المقصود هو الذكر، وكله ذكر والمعنى مختلف، ولما جاز في القرآن أن يقرأ بعبارات مختلفة كان في الذكر أجوز. واختار أبو حنيفة رواية ابن مسعود، واختار مالك ما روي عن عمر ﵁ لقوله علي المنبر، ويعلمه الناس، وهو: التحيات لله الزاكيات لله، الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام علينا، وعلي عباد الله الصالحين، وإليه ذهب الشافعي قديمًا، واستدل عليه بأن عمر ﵁ لا يعلم الناس علي المنبر بين ظهرإني المهاجرين والأنصار إلا ما علمهم الرسول ﷺ. ولا خلاف في أن المصلي أيما قرأ في الصلاة صحت صلاته، إنما الكلام في الفضل. «فا»: أنكر النبي ﷺ التسليم علي الله، وعلمهم أن يقولوا عكس ما يجب. «تو»: السلام بمعنى السلامة، وهما مصدران كالمقام والمقامة، والسلام اسم من أسماء الله، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، ومعناه أنه سالم من كل عيب، وآفة، ونقص، وفناء. ومعنى قولنا: «سلام عليك» الدعاء، أي سلمت من المكاره. وقيل: معناه اسم السلام عليك، كأنه يتبرك عليه باسم الله، [والأمثل الدعاء يدل عليه التنكير في قولنا: سلام عليك إذ ليس معناه إلا الدعاء]، وعليه ورد التنزيل، قال الله تعالي: ﴿سلام عليك يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا» ومنه التسليم علي الأموات. ووجه النهي عن السلام علي الله لأن الله ﷿ هو المرجوع إليه المسائل، المتوسل إليه بالدعاء، المتعالي عن المعإني التي ذكرناها في التسليم، فأنى يدعى له وهو المعدو علي الحالات؟ ولأي معنى يطلق عليه ما يستدعيه حاجة المفطورين وتقتضيه نقائض المربوبين؟ وأقول: تمام تقريره أن تسمية الله تعالي بالسلام لما أنه منزه مقدس عن النقائض والعيوب، وأن لا يحل بجانبه الأقداس شائبة خوف، وهذا المعنى مختص به؛ لما ورد: «أنت السلام» أي أنت المختص به لا غيرك؛ لتعريف الخبر، و«منك السلام» معناه أن غيرك في معرض النقصان والخوف، مفتقر إلي جانبك بأن تؤمنه، ولا ملاذ له غيرك، فدل علي التخصيص تقدير الخبر علي المبتدأ. و«إليك يعود السلام» يعني إذا شوهد في الظاهر أن أحدًا آمن غيره فهو في الحقيقة راجع إليك، وإلي توفيقك إياه، وأنك غير مستقل به، ومن ثم قدم المعمول علي عامله، ثم إذا
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
٩١٠ - وعن عبد الله بن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: «التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله.
رواه مسلم. ولم أجد في «الصحيحين»، ولا في الجمع بين الصحيحين: «سلام عليك» و«السلام علينا» بغر ألف ولام، ولكن رواه «صاحب الجامع» عن الترمذي.
_________________
(١) قلت: السلام عليك، ناقضت، حيث توهمت أنه مفتقر إلي ما هو منزه عنه من إزالة الخوف، وتلخيص هذا ما جاء في الدعاء: اللهم! إنك آمن من كل شيء وكل شيء خائف منك، فبأمنك من كل شيء وخوف كل شيء منك آمنا من خوف كل شيء. الحديث الرابع عن ابن عباس: قوله: «التحيات» جمع تحية، وهي الملك، وقيل البقاء، وقيل السلام، وجمعها ليشمل هذه المعإني كلها، كأنه قيل: السلامة، والبقاء، والملك لله ﷿. وسئلت عن تأليف هذا النظم، قلت: هو جملتان واردتان علي الاستئناف، فإن «التحيات» مبتدأ، و«المباركات» صفة، والخبر مقدر أي التحيات المباركات لله، فإن العبد لما وجه التحيات إلي الله تعالي اتجه السائل يقول: فما للعبد حينئذ؟ أجيب أن الصلوات الطيبات لله، فالله﷿- يوجهها إليه جزاء لما فعل فضلًا منه ورحمة؛ فإن الصلاة هي الرحمة والبركة وأنواع الخير، وهي المسئولة في قوله: «اللهم إني أسألك الطيبات». وحين وصف الله تعالي بالبقاء الدائم والملك الثابت، ووجه السلام إلي نبي الله سبحانه وتعالي أتبعه بذكر التوحيد لله تعالي، والرسالة لنبي الله تعالي، ثم عقبه بالصلوات عليه، ليجمع له بين المنقبتين: النبوة والرسالة، ويحوز له الفضيلتين: الصلاة، والسلام. فإن قلت: ما معنى قولنا: «سلام عليك أيها النبي» علي الخطاب، وهلا جيء بها علي الغيبة وهي الظاهرة سياقا، لينتقل من تحية الله- تعالي- إلي تحية النبي ﷺ، ثم إلي تحية النفس، ثم يعم الصالحين من عباده، كالملائكة والأولياء. قلت: نحن نتبع لفظ رسول الله ﷺ بعينه حين علم الحاضرين من الصحابة كيفية التسليم، ومن ذهب إلي الغيبة توخى معنى ما يؤدى به اللفظ بحسب مقام الغيبة، وقريب منه قوله تعالي: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون﴾ بالياء والتاء، فالياء التحتإنية هو اللفظ المتوعد به بعينه، والفوقإنية معنى بحسب مقام الخطاب. وينصر هذا التأويل ما وراء البخاري في صحيحه عن ابن مسعود أنه قال: «علمني النبي ﷺ وكفي بين كفيه التشهد، كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله- إلي قوله- السلام عليك، وهو بين ظهرإنينا، فلما قبض قلنا: السلام علي النبي». ويمكن أن نأخذ في شرع أهل العرفان، ونقول: «الصلوات» محمولة علي ما تعورف من الأركان المخصوصة، و«الطيبات» علي كونها خالصة لوجه الله سبحانه وتعالي محصلة للزلفي،
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
_________________
(١) كما قال سبحانه وتعالي: «قل إن صلوتي ونسكي ومحياي ومماتي لله» وحينئذ: تقدير السؤال أنهم حين استفتحوا باب الملكوت، واستأذنوا بالتحيات علي الولوج ما فعل بهم؟ أجيب أنه أذن لهم بالدخول في حريم الملك الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة والمناغاة، كما ورد: «وقرة عيني في الصلاة» و«أرحنا يا بلال» فأخذوا في الحمد والثناء والتمجيد وطلب المزيد، وأسعفوا بحاجاتهم، فعند ذلك نبهوا علي أن هذه المنح والألطاف بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم المحبوب حاضر، فأقبلوا عليه مسلمين بقولهم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسيأتي عن قريب الكلام في معنى الصلوات إن شاء الله تعالي. قوله: «المباركات» «غب»: أصل البرك صدر البعير، وبرك البعير ألقى بركه، واعتبر منه معنى اللزوم، وسمي محبس الماء بركة للزوم الماء فيها، والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، وقال الله تعالي: ﴿وهذا ذكر مبارك﴾ تنبيها علي ما يفيض عيله من الخيرات الإلهية. ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلي وجه لا يحصى، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، فيه بركة. قوله: «السلام عليك» «مح»: يجوز فيها وفيما بعده أعني «السلام علينا» حذف اللام وإثباته، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين: البخاري، ومسلم. وأقول: أصل سلام عليك: سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلي الرفع علي الابتداء لدلالة علي ثبوت المعنى وإثباته، ثم التعريف في الموضعين إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وجه إلي الأمم السابقة من عباد الله الصالحين- علينا وعلي إخواننا، وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه ما هو، وعمن يصدر، وعلي من ينزل- عليك، وعلينا، ويجوز أن تكون للعهد الخارجي، إشارة إلي قوله سبحانه وتعالي: ﴿وسلام علي عباده الذين اصطفي﴾ ولا شك أن هذه التقادير أولي وأحرى من تقدير النكرة. قوله «عباد الله الصالحين» «مح»: العبد الصالح هو القائم بحقوق الله سبحانه وتعالي، وحقوق العباد. وأقول: الصلاح هو استقامة الشيء علي حاله، وإفساد ضده، ولا يحصل الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة، خصوصًا لزمرة الأنبياء؛ لأن
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
الفصل الثاني
٩١١ - عن وائل بن حجر، عن رسول الله ﷺ، قال: ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى علي فخذه اليسرى، وحد مرفقه اليمنى علي فخذه اليمنى، وقبض تنتين، وحلق حلقة، تم رفع أصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها. رواه أبو داود، والدارمي.
_________________
(١) الاستقامة التامة لا تكون إلا لمن فاز بالقدح المعلي، ونال المقام الأسنى، ومن ثم كانت هذه المرتبة مطلوبة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالي في حق الخليل: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ وحكى عن يوسف ﵊ أنه دعا بقوله: ﴿توفقإني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾. الفصل الثاني الحديث الأول عن وائل: قوله: «ثم جلس» عطف علي ما ترك ذكره في الكتاب من صدر الحديث، وهو أن الراوي قال: لأنظرن إلي صلاة رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه علي ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس. قوله: «وحد مرفقه اليمنى علي فخذه اليمنى» «مظ»: أي رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأن رأس وتد. وأقول: أصل الحد المنع، والفصل بين الشيئين، ومنه سمى حدود الله، والمعنى فصل بين مرفقه وجنبه، ومنع أن يلتصقا في حالة استعلائها علي الفخذ. «شف»: يحتمل أن يكون «حد» مرفوعًا مضافًا إلي المرفق علي الابتداء، وقوله: «علي فخذه» الخبر، والجملة حال. وأن يكون منصوبًا عطفا علي مفعول «وضع»، أي يده اليسرى علي فخذه اليسرى، فوضع حد مرفقه اليمنى علي فخذه اليمنى. قوله: «بدعو بها» «مظ»: أي يشير بها إلي وحدإنية الله سبحانه وتعالي في حالة دعائه.
[ ٣ / ١٠٣٦ ]
٩١٢ - وعن عبد الله بن الزبير، قال: كان النبي ﷺ بشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها. رواه أبو داود، والنسائي. وزاد أبو داود: ولا يجاوز بصره إشارته. [٩١٢]
٩١٣ - وعن أبي هريرة، قال: إن رجلًا كان يدعو بأصبعيه، فقال رسول الله ﷺ: «أحد أحد». رواه الترمذي، والنسائي، والبيهقي في «الدعوات الكبير». [٩١٣]
٩١٤ - وعن ابن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد علي يده. رواه أحمد، وأبو داود. وفي رواية له: نهي أن يعتمد الرجل علي يديه إذا نهض في الصلاة. [٩١٤]
٩١٥ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كان النبي ﷺ في الركعتين الأوليين كأنه علي الرضف حتى يقوم. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
_________________
(١) الحديث الثاني عن عبد الله بن الزبير: قوله: «ولا يحركها» «مظ»: اختلفوا في تحريك الإصبع إذا رفعها للإشارة، والأصح أن يضعها من غير تحريك، ولا ينظر إلي السماء حين الإشارة إلي التوحيد، بل ينظر إلي إصبعه، ولا يجاوز بصره عنها؛ [كيلا يوهم أن الله سبحانه وتعالي في السماء، تعالي الله عن ذلك علوًا كبيرًا] الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: «أحد أحد» «فا»: أراد وحد فقلبت الواو همزة، كما قيل أحد وإحدى، وآحاد، وقد [بلغت] بها القلب مضمومة، مكسورة، ومفتوحة، والمعنى بإصبع واحدة. «نه»: «أحد» أي أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعو إليه واحد، وهو الله سبحانه وتعالي. الحديث الرابع عن ابن عمر: قوله: «معتمدًا» أي متكئا، وقوله: «علي يديه إذا نهض «مظ»: وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي بخلافه. الحديث الخامس عن عبد الله بن مسعود: قوله: «كأنه علي الرضف» «نه»: هو الحجارة المحماة
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
الفصل الثالث
٩١٦ - عن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: «بسم الله، وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار» رواه النسائي. [٩١٦]
٩١٧ - وعن نافع، قال: كان عبد الله بن عمر، إذا جلس في الصلاة وضع يديه علي ركبتيه، وأشار بأصبعه وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «لهي أشد علي الشيطان من الحديد» يعني السبابة. رواه أحمد.
_________________
(١) علي النار، واحدتها رضفة، وفي رواية بسكون الضاد، قيل: أراد به تخفيف التشهد الأول، وسرعة القيام في الرباعية والثلاثية، وكذا عن المظهر. «تو»: أراد بالركعتين الأوليين الأولي والثانية من الرباعية، أي لم يكن يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين حتى ينهض قائمًا. أقول: التأويل ضعيف وعذره في الثنائية والثلاثية بقوله: إنما ذكر الصحابي في الرباعية اكتفاء بذكر الأولي في كل ركعتين، متعسف، وأيضًا تأويله هذا الحديث بما ذكر يقدح في إيراد محيي السنة هذا الحديث في باب التشهد، ولأن لفظه «علي» وإيقاعها خبر كان يستدعي استقرار علي القعود، وحتى التدريجية تقتضي زمانًا يؤثر فيه تلك الحرارة علي التدريج ليستقره، وتخصيص ذكر الرضف دون النار يساعده علي ما ذكر، ولعل شرعية وضع الورك اليسرى علي بطن الرجل اليسرى، والاعتاد علي أصابع الرجل اليمنى في التشهد الأول دون الثاني إشارة إلي معنى الاستقرار. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن نافع: قوله: «السبابة» وهي فعالة من السب وهو الشتم، وسبه أيضًا بمعنى قطعة، والحمل علي المعنى الثاني أنسب؛ لذكر الحديد في الحديث، كأن المصلي عند رفعها والإشارة إلي التوحيد يقطع طمع الشيطان من ولايته، وإضلاله، وأمره بالإشراك بالله، كما قال الله سبحانه وتعالي: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليًا من دون الله فقد خسر خسرانًا مبينا﴾.
[ ٣ / ١٠٣٨ ]
٩١٨ - وعن ابن مسعود، كان يقول: من السنة إخفاء التشهد رواه أبو داود، والترمذي؛ وقال: هذا حديث حسن غريب.