الفصل الأول
٩٣٩ - عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة، يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح
_________________
(١) الحديث الخامس والسادس عن عمر بن الخطاب ﵁: قوله: «تصلي علي نبيك» يحتمل أن يكون من كلام عمر ﵁. فيكون موقوفًا، وأن يكون ناقلا كلام رسول الله ﷺ فحينئذ فيه تجريد، جرد ﷺ فحينئذ فيه تجريد، جرد ﷺ من نفسه نبيًا، وهو هو، وعلي التقديرين الخطاب عام لا يختص بمخاطب دون مخاطب، فالأنسب أن يقال: إن النبي مشتق من النباوة والرفعة، أي لا يرفع الدعاء إلي الله سبحانه وتعالي، حتى يستصحب الرافع معه، يعني أن الصلاة علي النبي هي الوسيلة إلي الإجابة. باب الدعاء في التشهد الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: «المسيح الدجال» قيل: سمي الدجال مسيحًا لأن إحدى عينيه ممسوحة، فيكون فعيلا بمعنى مفعول، أو لأنه يمسح الأرض، أي يقطعها في أيام معدودة، فيكون بمعنى فاعل. وقوله: «من فتنة المحيا وفتنة الممات» [قيل: المحيا مفعل من الحياة، والممات مفعل من الموت]. قال الشيخ أبو نجيب السهروردي: يريد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر والرضا، والوقوع في الآفات، والإصرار علي الفساد، وترك متابعة طريق
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم ومن المغرب». فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم!! فقال: «إن الرجل إذا غرم: حدث فكذب، ووعد فأخلف». متفق عليه.
٩٤٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» رواه مسلم.
٩٤١ - وعن ابن عباس، ﵄، أن النبي ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول، «قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» رواه مسلم.
_________________
(١) الهدى. وبفتنة الممات سؤال منكر ونكير مع الحيرة، والخوف، وعذاب القبر، وما فيه من الأهوال والشدائد. «نه»: المأثم الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الاسم نفسه وضعًا للمصدر موضع الاسم، والمغرب أيضًا مصدر وضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: كالغرم وهو الدين، ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله سبحانه وتعالي، أو فيما يجوز ثم عجز، فأما دين حتاج إليه وهو قادر علي أدائه فلا يستعاذ منه. قوله: «حدث» «قض»: «إذا حدث» أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد معذرته في التقصير «كذب»، «وإذا وعد» أي بما يستقبل «أخلف». أقول: لم يرد بإدخال «إذا» في «حدث» و«وعد» أنهما شرطان، و«كذب» و«أخلف» جزاءان، بل أراد بيان ترتبهما عليهما بحرف التعقيب، فكيف يتصور ذلك؟ وأن الشرط في الحديث غرم، و«حدث» جزاء، و«وعد» عطف عليه، و«كذب» و«أخلف» مرتبان علي الجزاء، وما عطف عليه. «مح»: حاصل أحاديث الباب استحباب التعوذ بين التشهد والتسليم، وقوله في هذا الحديث: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع» تصريح باستحبابه في التشهد الآخر، وإشارة إلي أنه لا يستحب في التشهد الأول، ولأنه مبني علي التخفيف. وأما الجمع بين فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال وعذاب القبر، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام، ونظائره كثيرة. قوله: «كما يعلمهم السورة» «مح»: ذهب طاووس إلي وجوبه، وأمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع بهذا الدعاء فيها، والجمهور علي أنه مستحب.
[ ٣ / ١٠٥٠ ]
٩٤٢ - وعن أبي بكر الصديق، ﵁، قال: قلت: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» متفق عليه.
٩٤٣ - وعن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده. رواه مسلم.
٩٤٤ - وعن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلي صلاة أقبل علينا بوجهه. رواه البخاري.
٩٤٥ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ ينصرف عن يمينه. رواه مسلم.
٩٤٦ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: لا يجعل أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته يرى أن حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه! لقد رأيت رسول الله ﷺ كثيرًا ينصرف عن يساره. متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الثاني، والثالث، والرابع عن أبي بكر: قوله: «مغفرة» أي غفرانًا، ودل التنكير علي أنه غفران لا يكتنه كنهه، ثم وصفه بقوله: «من عندك» مزيدًا لذلك التعظيم؛ لأن ما يكون من عند الله ومن لدنه لا يحيط به وصف واصف، كما في قوله تعالي: ﴿وآتيناه من لدنا علما﴾. الحديث الخامس إلي السابع عن أنس: قوله: «ينصرف عن يمينه» «حس»: روي عن علي ﵁ أنه قال: «إذا كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت عن يساره أخذ عن يساره» قلت: إذا كان المصلي له حاجة ينصرف إلي جانب حاجته، فإن استوى الجانبان فينصرف إلي أي جانب شاء، واليمين أولي، لما كان النبي ﷺ يحب التيمن، وإن لم يرد الخروج من المسجد فليقبل علي الناس بوجهه من جانب يمينه، والأحاديث الأربعة أعني: حديث عامر بن سعد، وسمرة بن جندب، وأنس، وعبد الله بن مسعود دخيلة في هذا الباب. الحديث الثامن عن ابن مسعود، قوله: «لا يجعل» إلي آخره، فيه أن من أصر علي أمر مندوب، وجعله عزمًا ولم يعمل بالرخصة فقد أصاب منه الشيطان من الإضلال، فكيف بمن أصر علي بدعة ومنكر؟ وجاء في حديث عبد الله بن مسعود: «إن الله يحب أن تؤتى رخصته، كما يحب أن تؤتى عزيمته».
[ ٣ / ١٠٥١ ]
٩٤٧ - وعن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه. يقبل علينا بوجهه. قال: فسمعته يقول: «رب قني عذابك يوم تبعث- أو تجمع- عبادك». رواه مسلم.
٩٤٨ - وعن أم سلمة، قالت: إن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من الكتوبة قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلي من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجل. رواه البخاري.
وسنذكر حديث جابر بن سمرة في باب الضحك، إن شاء الله تعالي.
الفصل الثاني
٩٤٩ - وعن معاذ بن جبل، قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: «إني
_________________
(١) الحديث التاسع إلي الحادي عشر ظاهر. الفصل الثاني الحديث الأول عن معاذ: قوله: «أعني علي ذكرك» قريب من معنى حديث ربيعة بن كعب في باب السجود، حين سأل مرافقته ﷺ فقال: «أعني علي نفسك بكثرة السجود»، حيث علق المحبة به بملازمة الذكر، والمرافقة بكثرة السجود، والذي يقوله في هذا المقام: إن الذكورات الثلاثة مطلوبات غايات، والمطلوب هو البدايات المؤدية إليها، فذكر الغايات تنبيه علي أنها هي المطالب الأولية، وإن كانت نهايات، وتلك وسائل إليها. فقوله: «أعني علي ذكرك» المطلوب منه شرح الصدر، وتيسير الأمر، وإطلاق اللسان، وأن يلهمه ويرشده إلي كيفيته، وإليه لمح قول الكليم ﵇: ﴿رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري- إلي قوله- كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا﴾. وقوله: «وشكرك» المطلوب منه توالي النعم المستجلبة لتوالي الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه لأنه عسير جدًا، ولذلك قال الله تعالي: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾. وقيل: الشاكر من يرى عجزه عن الشكر وأنشد: إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتسع العمر
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
لأحبك يا معاذ!» فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله! قال: «فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: رب أعني علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي؛ إلا أن أبا داود لم يذكر: قال معاذ: وأنا أحبك. [٩٤٩]
٩٥٠ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: إن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه: «السلام عليكم ورحمة الله»، حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره «السلام عليكم ورحمة الله» حتى يرى بياض خده الأيسر. رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، ولم يذكر الترمذي: حتى يرى بياض خده. [٥٩٠]
٩٥١ - ورواه ابن ماجه، عن عمار بن ياسر.
٩٥٢ - عن عبد الله بن مسعود، قال: كان أكثر انصراف النبي ﷺ من صلاته إلي شقه الأيسر إلي حجرته. رواه في «شرح السنة».
_________________
(١) وقوله: «وحسن عبادتك» المطلوب منه التجرد عما يشغله عن عبادة الله، ويلهيه عن ذكر الله سبحانه وتعالي وعن عبادته؛ ليتفرغ لمناجاة الله ومناغاته، وكما أشار إليه رسول الله ﷺ: «وقرة عيني في الصلاة» و«أرحنا يا بلال»!، وأخبر عن هذا المقام بقوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه»، ثم إذا نظرت إلي القرائن الثلاث وجدتها مرتبة علي البدايات، والأحوال والمقامات، وحق لذلك أن يقول المرشد للطالب عند المصافحة، إني أحبك فقل. الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: «يسلم عن يمينه» أي متجاوزًا نظره عن يمينه، كما يسلم أحد علي من في يمينه. و«السلام عليكم» إما حال مؤكدة، أي يسلم قائلًا: السلام عليكم، كقوله سبحانه وتعالي: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ أو جملة استئنافية، بيانًا علي تقدير ماذا كان يقول؟ فأجيب بقوله: السلام عليكم. الحديث الثالث والرابع عن المغيرة: قوله: «حتى يتحول» «قض»: نهي عن ذلك لئلا يتوهم أنه بعد في المكتوبة، و«حتى يتحول» جاءت للتأكيد، فإن قوله: «لا يصلي في موضع صلي فيه» أفاد ما أفاده. «مظ»: نهي عن ذلك ليشهد له الموضعان بالطاعة يوم القيامة، ولذلك يستحب تكثير العبادة في مواضع مختلفة.
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
٩٥٣ - وعن عطاء الخراسإني، عن المغيرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلي فيه حتى يتحول» رواه أبو داود وقال: عطاء الخراسإني لم يدرك المغيرة. [٩٥٣]
٩٥٤ - وعن أنس: أن النبي ﷺ حضهم علي الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة. رواه أبو داود. [٩٥٤]
الفصل الثالث
٩٥٥ - وعن شداد بن أوس، قال: كان رسول الله ﷺ يقول في صلاته: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة علي الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم» رواه النسائي. وروى أحمد نحوه.
_________________
(١) قوله: «عطاء الخرسإني لم يدرك المغيرة» بيان لضعف الحديث. «خحس»: قال محمد بن إسماعيل البخاري ولم يذكر عن أبي هريرة ﵁ رفعه «لا يتطوع الإمام في مكانه»: ولم يصح، وكان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلي فيه الفريضة، وفعله القاسم- أي محمد بن أبي بكر أحد الفقهاء السبعة. الحديث الخامس عن أنس: قوله: «حضهم» «نه»: الحض الحث علي الشيء، يقال: حضه وحضضه، والاسم الحضيضة- بالكسر والتشديد. الفصل الثالث الحديث الأول عن شداد: قوله: «والعزيمة علي الرشد» «غب»: العزم والعزيمة عقد القلب علي إمضاء الأمر، يقال: عزمته، وعزمت عليه، واعتزمت. فإن قلت: من حق الظاهر أن يقدم العزيمة علي الثبات؛ لأن قصد القلب مقدم علي الفعل والثبات عليه. قلت: تقديمه إشارة إلي أنه
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
٩٥٦ - وعن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يقول في صلاته بعد التشهد: «أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد» رواه النسائي. [٩٥٦]
٩٥٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يسلم في
_________________
(١) هو المقصود بالذات؛ لأن الغايات مقدمة في الرتبة وإن كانت مؤخرة في الوجود؛ لقوله تعالي: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾ قدم تعليم القرآن علي خلق الإنسان تنبيهًا علي هذا المعنى. قوله: «قلبًا سليمًا» المعنى به الخالي عن العقائد الفاسدة والميل إلي شهوات العاجلة ولذاتها، ويتبع ذلك الأعمال الصالحات؛ إذ من علامة سلامة القلب [تأثيرها إلي الجوارح]، قاله الإمام، كما أن صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج، والتركيب والإيصال، ومرضه عبارة عن زوال إحدى تلك الأمور- كذلك سلامة القلب عبارة عن حصول ما ينبغي له- وهو العلم والخلق الفاضل- ومرضه عبارة عن زوال أحدهما. قوله: «لسانًا صادقًا» إسناد «صادقًا» إلي اللسان مجازي؛ لأن الصدق من صفة صاحبه، فأسند إلي الآلة مبالغة، كما أسند وضع الأوزار إلي الحرب في قوله تعالي: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾، وهو للمحارب. ويجوز أن يكون استعارة مكنية، بأن شبه اللسان بمن ينطق بالصدق لكثرة صدوره عنه، ثم أدخل اللسان علي سبيل الادعاء مبالغة في جنس المشبه به، وخيل أنه هو، ثم أثبت للمستعار ما يلازم المشبه به من الصدق ونسب إليه، ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة. وقوله: «وأسألك من خير ما تعلم» «ما» موصولة، أو موصوفة، والعائد محذوف، وفي إضافة الخير والشر إليه إيماء إلي قوله تعالي: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم﴾ الآية. و«من» يجوز أن تكون زائدة علي مذهب من يزيدها في الإثبات، أو بيإنية، والمبين محذوف، أي أسألك شيئًا هو خير ما تعلم، أو تبعيضية، سأله إظهارًا لهضم النفس، وأنه لا يستحق من الخير، وعليه قراءة من قرأ: ﴿اهدنا صراطًا مستقيمًا﴾ علي أن التنكير للتقليل، كذا فسره ابن جني في المحتسب. ومنه قول عباس بن الأحنف.
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
الصلاة تسليمة تلقاء وجهه، ثم يميل إلي الشق الأيمن شيئًا. رواه الترمذي. [٩٥٧]
٩٥٨ - وعن سمرة، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد علي الإمام، ونتحاب، وأن يسلم بعضنا علي بعض. رواه أبو داود. [٩٥٨]