الفصل الأول
١٠٢٣ - عن ابن عباس، قال: سجد النبي ﷺ (بالنجم)، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس. رواه البخاري. [١٠٢٣]
١٠٢٤ - وعن أبي هريرة، قال: سجدنا مع النبي ﷺ في: (إذا السماء انشقت)، و(اقرأ باسم ربك). رواه مسلم.
١٠٢٥ - وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ (السجدة) ونحن عنده فيسجد، ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعًا يسجد عليه. متفق عليه.
١٠٢٦ - وعن زيد بن ثابت، قال: قرأت علي رسول الله ﷺ (والنجم)، فلم يسجد فيها. متفق عليه.
_________________
(١) باب سجود القرآن الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: «سجد النبي ﷺ» لعل هذه السجدة إنما سجدها رسول الله ﷺ لما وصفه الله تعالي في متفتتح السورة من أنه لا ينطق عن الهوى، وذكر بيان قربه من الله سبحانه وتعالي وأراه من آياته الكبرى، وأنه ما زاغ البصر وما طغى- شكرًا لله تعالي علي تلك النعمة العظمى، والمشركون لما سمعوا أسماء طواغيتهم: اللات، والغزى، ومناة الثالثة الأخرى، سجدوا معه. وأما ما يروى من أنهم سجدوا لما مدح النبي ﷺ أباطيلهم بقوله: «تلك الغرإنيق العلي وإن شفاعتهن لترتجى» فقول باطل، وأنى يتصور ذلك؟ كيف يدخل هذا بين قوله: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ وبين قوله: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ فكيف وقد أدخل همزة الإنكار علي الاستخبار بعد الفاء في قوله: ﴿أفرأيتم﴾ المستدعية
[ ٤ / ١١١١ ]
١٠٢٧ - وعن ابن عباس، قال: سجدة (ص) ليس من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها.
_________________
(١) لإنكار فعل الشرك؛ والمعنى أتجعلون هؤلاء شركات الله؟ فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كانت آلهة، وما هي إلا أسماء سميتموها بمجرد متابعة الهوى، لا عن حجة أنزلها الله تعالي بها. روى الإمام في تفسيره عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة، قال: إنها من وضع الزنادقة، وصنف فيها كتابًا. وقال الإمام أبو بكر البيهقي: هيه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون. وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب خصيص الأتقياء: الصواب أن قوله: «تلك الغرإنيق العلي» من جملة إيحاء الشيطان إلي أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين؛ ليرتابوا في صحة الدين القويم، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية. وقال بعض أهل التاريخ: إن هذه الرواية من مفتريات ابن الزعبري، ومن أراد المزيد فعليه بالتفسير الكبير، والله أعلم. وسنذكر في الفصل الثالث من الباب كلامًا من نحو هذا للشيخ محيي الدين النواوي في شرح صحيح مسلم. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵁: قوله: «ليس من عزائم السجود» «قض»: يعني ليس من السجدات المأمورة، والعزيمة في الأصل عقد القلب علي الشيء، ثم استعمل لكل أمر محتوم، وفي اصطلاح الفقهاء الحكم الثابت بالأصالة، كوجوب الصلوات الخمس، وإباحة الطيبات. وإنما أتى بها ﷺ موافقة لأخيه داود ﵇ وشكرًا لقبول توبته، فإنه روى عنه أنه قال: «سجدها أخي داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا». والحديث دليل الشافعي علي أبي حنيفة ﵄- وقد استقر رأيهما علي أن عزائم السجود أربع عشرة، واتفقنا في تفاصيله، غير أن الشافعي قال: اثنتان منها في الحج بحديث عقبة، ولا شيء في (ص)، وعد أبو حنيفة واحدة في الحج، وواحدة في «ص» وللشافعي قول قديم: إنها إحدى عشرة، ولا شيء في المفصل؛ لقول ابن عباس ﵁ إنه ﷺ: «لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلي المدينة» وهو قول مالك ﵁. «الكشاف»: عبر في قوله تعالي: ﴿خر راكعًا وأناب﴾ بالراكع عن الساجد لأنه ينحني ويخضع كالساجد، وبه استشهد أبو حنيفة في سجود التلاوة علي أن الركوع يقوم مقام السجود. وعن الحسن أنه لا يكون ساجدًا حتى يركع. قيل: فيه نظر؛ لأنه بعد تعبيره به عن الساجد لا يبقى الاستشهاد،
[ ٤ / ١١١٢ ]
١٠٢٨ - وفي رواية: قال: مجاهد: قلت لابن عباس: أأسجد في (ص)؟ فقرأ: (ومن ذريته داود وسليمان) حتى أتى فبهداهم اقتده)، فقال: نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم. رواه البخاري.
الفصل الثاني
١٠٢٩ - عن عمرو بن العاص، قال: أقرإني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة (الحج) سجدتين. رواه أبو داود، وابن ماجه.
_________________
(١) لعله استشهد بإطلاق الآية. وأقول: لا إطلاق؛ لأن الركوع مقيد بالخرور الذي هو السقوط، فلا يحمل علي مجرد الركوع. «مح»: قال أصحابنا: يستحب أن يسجد في (ص) خارج الصلاة، ولو سجد في الصلاة جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته، فإن كان عامدًا بطلت علي الأصح. قوله: «نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم» الجواب من الأسلوب الحكيم، أي إذا كان النبي ﷺ مأمور بالاقتداء بهم فأنت أولي: وقال الإمام فخر الدين الرازي: الآية دالة علي فضل نبينا ﷺ؛ لأنه تعالي أمره بالاقتداء بهداهم، ولابد من امتثاله بذلك، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وأخلاقهم المتفرقة. الفصل الثاني الحديث الأول عن عمرو بن العاص: قوله: «أقرإني رسول الله ﷺ خمس عشرة» أي حمله أن يجمع في قراءته خمس عشرة سجدة. «نه»: إذا قرأ الرجل القرآن والحديث علي الشيخ يقول: أقرإني فلان، أي حملني أن أقرأ عليه. «مظ»: أول السجدات في آخر الأعراف، ثم في الرعد: ﴿ظلالهم بالغدو والآصال﴾، وفي النحل: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾، وفي بني إسرائيل: ﴿يزيدهم خشوعًا﴾ وفي مريم: ﴿خروا سجدًا وبكيا﴾، وفي الحج موضعان: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾، وفي الفرقان: ﴿وزادهم نفورا﴾، وفي النمل: ﴿رب العرش العظيم﴾، وفي ألم تنزيل: ﴿وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون﴾، وفي ص:
[ ٤ / ١١١٣ ]
١٠٣٠ - وعن عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله! فضلت سورة (الحج) بأن فيها سجدتين؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدها فلا يقرأهما». رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي. وفي «المصابيح»: «فلا يقرأها»، كما في «شرح السنة». [١٠٣٠]
١٠٣١ - وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع فرأوا أنه قرأ (تنزيل، السجدة). رواه أبو داود. [١٠٣١]
١٠٣٢ - وعنه: أنه كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة، كبر وسجد وسجدنا معه. رواه أبو داود.
_________________
(١) ﴿وخر راكعًا وأناب﴾ وفي حم: ﴿وهم لا يسأمون﴾؛ وفي ﴿النجم﴾ آخرها، وفي إذا السماء انشقت ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾، وفي ﴿اقرأ﴾ آخرها، وبهذا الحديث قال أحمد، وابن المبارك، أخرج الشافعي من جملتها سجدة «ص»، وأخرج أبو حنيفة منها السجدة الثانية من الحج. قوله: «وفي سورة الحج سجدتين» أي وذكر في سورة الحج سجدتين. الحديث الثاني عن عقبة: قوله: «فلا يقرأها» «تو»: يقرأها بإعادة الضمير إلي السورة، كذا وجدناها في نسخ المصابيح، وهو غلط، والصواب «فلا يقرأهما» بإعادة الضمير إلي السجدتين، كذا وجد في كتاب أبي داود، وأبي عيسى، وغيرهما من كتب الحديث. ووجه النهي عن قراءتها أن السجدة شرعت في حق التالي بتلاءته، والإتيان بها من حق التلاوة وتمامها، فإن كانت بصدد التضييع فالأولي به تركها؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون واجبة فيأثم بتركها، أو سنة فيستضر بالتهاون بها، وهمزة الاستفهام بها مضمرة في قوله: «فضلت» بدلالة قوله: «نعم» في الجواب. الحديث الثالث إلي السادس عن ابن عباس: قوله: «لم يسجد في شيء من المفصل» «قض»:
[ ٤ / ١١١٤ ]
١٠٣٣ - وعنه، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، ومنهم الراكب والساجد علي الأرض؛ حتى إن الراكب ليسجد علي يده. رواه أبو داود. [١٠٣٣]
١٠٣٤ - وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلي المدينة. رواه أبو داود. [١٠٣٤]
١٠٣٥ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: «سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته». رواه أبو داود والترمذي. والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [١٠٣٥]
١٠٣٦ - وعن ابن عباس، ﵄، قال: جاء رجل إلي رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! رأيتني الليلة وأنا نائم كإني أصلي خلف شجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عنب بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل
_________________
(١) هو قول قديم للشافعي، وقول مالك ﵄. «تو» هذا الحديث إن صح لم يلزم منه حجة؛ لما صح أن أبا هريرة ﵁ قال: «سجدنا مع رسول الله ﷺ في إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك» وأبو هريرة متأخر كما مر. وأما حديث زيد بن ثابت ﵁: «قرأت علي النبي ﷺ والنجم فلم يسجد فيها» فإن أبا داود روى هذا الحديث في كتابه وقال: كان زيد الإمام فلم يسجد، والمعنى أن التالي كان زيدًا، فحيث لم يسجد هو لم يسجد النبي ﷺ، أو أن عارضا منعه من السجود من نحو الحدث، أو زمان كراهية، أو أن التالي كان حينئذ مختارًا في السجود وتركه. الحديث السابع والثامن عن ابن عباس: قوله: «جاء رجل» «تو»: هو أبو سعيد الخدري ﵁، وقد روى هذا الحديث عنه، ومن خواص أفعال القلوب جواز اتحاد الفاعل والمفعول فيها.
[ ٤ / ١١١٥ ]
ما أخبره الرجل عن قول الشجرة. رواه الترمذي، وابن ماجه، إلا أنه لم يذكر: وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. وقال: الترمذي: هذا حديث غريب.
الفصل الثالث
١٠٣٧ - عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ قرأ (والنجم)، فسجد فيها، وسجد من كان معه؛ غير أن شيخًا من قريش أخذ كفا من حصى- أو تراب- فرفعه إلي جبهته، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرًا. متفق عليه. وزاد البخاري في رواية: وهو أمية بن خلف.
١٠٣٨ - وعن ابن عباس، قال: إن النبي ﷺ سجد في (ص)، وقال: «سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا». رواه النسائي.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول عن بن مسعود: قوله: «ولقد رأيته بعد قتل كافرًا» فيه أن من سجد مع رسول الله ﷺ من المشركين قد أسلموا. «مح»: معنى قوله: «وسجد من كان معه حاضرًا» أي من كان حاضرًا قراءته من المسلمين، والمشركين، والجن، والإنس، قال ابن عباس، حتى شاع أن أهل مكة قد أسلموا. قال القاضي عياض: كان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود أنها أول سجدة نزلت. قال القاضي: أما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى علي لسان رسول الله ﷺ من الثناء علي آلهة المشركين في سورة النجم- فباطل، لا يصح فيها شيء، لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله تعالي كفر، ولا يصح نسبة ذلك إلي لسان النبي ﷺ ولا أن يقوله الشيطان علي لسانه؛ ولا يصح تسليط الشيطان علي ذلك، وقد استقصينا الكلام فيه من الفصل الأول. قوله: «أمية بن خلف» قيل: قتل يوم بدر، وفي جامع الأصول «أمية بن خلف» قتل يوم أحد مشركًا، قتله النبي ﷺ بيده. الحديث الثاني عن ابن عباس قوله: «نسجدها شكرًا» وقد مر في الحديث الخامس من الفصل الأول من الباب أنه ﷺ كان مأمورًا بالاقتداء بهدي الأنبياء السالفة﵈- ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة وخصائلهم الحميدة، وهي نعمة ليس وراءها نعمة، يجب لذلك الشكر عليه.
[ ٤ / ١١١٦ ]