الفصل الأول
١٠٥٢ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الثالث والرابع عن أبي ذر: قوله: «من عرفني فقد عرفني» الشرط والجزاء متحدان للإشعار بهرة صدق لهجته، كما ورد: «وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر» وفي معناه قول المرعث: أنا المرعث لا أخفي علي أحد ذرت بي الشمس للقاصي وللدإني والشرطية الثانية تستدعي مقدرًا، أي ومن لم يعرفني فليعلم إني جندب. قوله: «لا صلاة بعد الصبح» هذا التأكيد ثم التكرير في قوله: «إلا بمكة» مع إفادة الحصر دليل الشافعي ﵁ علي ما ذهب إليه في حديث جبير بن مطعم في قوله: «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلي أية ساعة شاء»، وأن الصلاة محمولة علي الحقيقة لا علي الدعاء مجازًا.، كما ذهب إليه الشيخ التوربشتي. باب الجماعة وفضلها الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر: قوله: «صلاة الفذ» «نه»: الفذ الواحد، وقد فذ الرجل من أصحابه إذا شذ عنهم، وبقى فردًا. «قض»: فيه دلالة علي أن الجماعة ليست شرطًا للصلاة،
[ ٤ / ١١٢٥ ]
١٠٥٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلي رجال- وفي رواية: لا يشهدون الصلاة- فأحرق عليهم بيوتهم؛ والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء». رواه البخاري، ولمسلم نحوه.
_________________
(١) وإلا لم يكن لم صلي فذا درجة. أقول: ما يقنع بالدرجة الواحدة عن الدرجات الكثيرة إلا أحد رجلين: إما غير مصدق لتلك النعمة الخطيرة، أو سفيه لا يهتدي لطريق الرشد والتجارة المربحة. «تو»: ذكر في هذا الحديث سبعًا وعشرين، وأتى في حديث أبي هريرة بخمس وعشرين، ووجه التوفيق أن يقال: عرفنا من تفاوت الفضل أن الزائد متأخر عن الناقص؛ لأن الله تعالي يزيد عباده من فضله، ولا ينقصهم من الموعود شيئًا، فإنه ﷺ بشر المؤمنين أولًا بمقدار فضله، ثم رأي أن الله تبارك وتعالي يمن عليه وعلي أمته، فبشرهم به، وحثهم علي الجماعة، وهذا الذي ذكرناه هو الضابط في التوفيق بين الأحاديث المختلفة من هذا النوع. وأما وجه قصر أبواب الفضيلة علي خمس وعشرين تارة، وعلي سبع وعشرين أخرى، فإن المرجع في حقيقة ذلك إلي علوم النبوة التي قصرت عقول الألباء عن إدراك جملها وتفاصيلها، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النبوة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة المقربين، والاقتداء بالإمام، وإظهار شعار الإسلام وغيرها. «مح»: ذكر فيه ثلاثة أوجه أحدها أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم اللقب باطل، وثإنيها ما ذكرناه، وثالثها أنه مختلف باختلاف حال المصلي والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة، والمحافظة علي هيئاتها، وخشوعها، وكصرة جماعتها، وشرف البقعة والإمام. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فيحطب» «تو» صوابه فيحتطب، وهذا الحديث علي هذا السياق في المصابيح أخرجه البخاري في باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت، ففي بعض نسخ يتحطب علي وزن يتفعل، وفي بعضها يحتطب من الاحتطاب، فعلمنا أن الغلط وقع من بعض الرواة، إذ التحطب علي وزن التفعل لم يوجد في كلامهم، وإنما يقال: حطب الحطب، واحتطبته، أي جمعته. قال المؤلف: «فيحطب» كذا وجدناه في صحيح البخاري، والجمع للحميدي، وجامع الأصول، وشعب الإيمان، وليس في الصحيح في هذه الرواية «لا يشهدون الصلاة» بل في رواية أخرى له.
[ ٤ / ١١٢٦ ]
_________________
(١) قوله: «ثم أخالف إلي رجال» «الكشاف»: يقال: خالفني إلي كذا إذا قصده وأنت مول عنه، ومنه قوله تعالي: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلي ما أنهاكم عنه﴾ المعنى أخالف إلي ما أظهرت من إقامة الصلاة واشتغال بعض الناس بها وأقصد إلي بيوت من أمرتهم بالخروج عنها للصلاة، فلم يخرجوا، فأحرقها عليهم. قوله: «عرقًا سمينًا» «نه»: العرق- بالسكون- العظم الذي أخذ منه اللحم، جمعة عراق- بالضم- وهو نادر. قوله: «أو مرماتين حسنتين»، «نه» المرماة ظلف الشاة، وقيل: ما بين ظلفها تكسر ميمه وتفتح وقيل: المرماة- بالكسر- السهم الصغير الذي يتعلم به الرمي، وهو أحقر السهام وأرذلها. «حس»: الحسن والحسنى العظم الذي في المرفق مما يلي البطن، والقبح والقبيح العظم الذي ف المرفق مما يلي الكتف. وأقول: «الحسنتين» بدل من «المرماتين» إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران فالحسنتين بمعنى الجيدتين صفة للمرماتين. قوله: «شهد العشاء» المضاف محذوف، ويجوز أن يقدر وقت العشاء، فالمعنى لو علم أحدهم أنه لو حضر وقت العشاء لحصل له حظ دنيوي لحضره، وإن كان خسيسًا حقيرًا، ولا يحضر للصلاة، وما رتب عليها من الثواب. وأن يقدر صلاة العشاء، فالمعنى لو علم أنه لو حضر الصلاة وأتى بها لحصل له نفه ما دنيوي كعرق أو غيره كمرماتين لحضرها، لقصور همته علي الدنيا وزخارفها، ولا يحضرها لما يتبعها من مثوبات العقبى ونعيمها. وأقول: انظر أيها المتأمل في هذه التشديدات، ثم تأمل في تكرير «ثم» مرارًا ترقيًا من الأهون إلي الأغلظ، لتراخي المراتب بين مدخولاتها، فتفكر في التفاوت بين المرتبة الأولي هي «فيحطب» والثانية «فأحرق بيوتهم» ثم في تكرير القسم وخصوصيتها بقوله: «والذي نفسي بيده» لتقف علي فخامة أمر الجماعة، وشدة الخطب علي تاركها. وما أدى بما يتعلل، وكيف يتكاسل؟ فإن قلت: قيل: إن الحديث وارد في شأن المنافقين، والمؤمنون خارجون عن هذا الوعيد. قلت: خروجهم عن الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء يسوغ لهم التخلف عن الجماعة. بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم وعادتهم، وأنه مناف لحالهم؛ لأنه من صفة المنافقين، ولو دخلوا في هذا الوعيد ابتداءً لم يكن بهذه المثابة. ويعضده ما روى عن ابن مسعود ﵁: «لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق قد علم نفاقه» رواه مسلم. «مح»: وذلك لأنه لا يظن بالمؤمنين من الصحابة أن يؤثروا العظم الثمين علي حضور الجماعة مع رسول الله ﷺ وفي مسجده.
[ ٤ / ١١٢٧ ]
١٠٥٤ - وعنه، قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلي المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولي دعاه، فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب». رواه مسلم.
_________________
(١) «قض»: الحديث يدل علي وجوب الجماعة، وقد اختلف العلماء فيه، وظاهر نصوص الشافعي ﵁ تدل علي أنها من فروض الكفايات، وعليه أكثر الصحابة؛ لقوله ﷺ: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية» أي الشاة البعيدة من المشرب والراعي. واستحواذ الشيطان وهو غلبته إنما يكون مما تكون معصية، كترك الواجب، دون السنة. وذهب الباقون منهم إلي أنها سنة وليست بفرض، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك﵄- وتمسكوا بالحديث السابق، وأجابوا عن هذا بأن التحريق لاستهانتهم وعدم مبالاتهم بها، لا لمجرد الترك، ويشهد له ما له بعده من الحديث. وقال أحمد وداود﵄-: إنها فرض علي الأعيان لظاهر الحديث وليست شرطًا في صحة الصلاة، وإلا لما صحت صلاة الفذ، وقد دل الحديث السابق علي صحتها. وقال بعض الظاهرية بوجوبها واشتراطها؛ لقوله ﷺ: «من سمع المنادي فلم يمنعه من إتباعه عذر لم تقبل منه الصلاة التي صلاتها» أجيب عنه بأن النداء نداء الجمعة، والمراد به أنه لم تقبل صلاته قبولا تامًا كاملًا، توفيقًا بينه وبين الحديث المتفق علي صحته. وذكر نحوه الشيخ محيي الدين، وزاد عليه حيث ذكر: قيل: فيه دليل أن العقوبة كانت في بادئ الأمر بإحراق المال. وقيل: أجمع العلماء علي منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة، والغال من الغنيمة، والجمهور علي منع تحريق متاعهما. وفي قوله: «ثم آمر رجلًا فيؤم الناس» دليل علي أن الإمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس، وعلي جواز انصراف الإمام لعذر. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: «رجلا أعمى» «مح»: هو ابن أم مكتوم جاء مستفسرًا في رواية أبي داود وغيره من أصحاب السنن. وفيه دلالة لمن قال: الجماعة واجبة. وأجاب الجمهور عنه بأنه قد أجمع المسلمون علي حضور الجماعة يسقط بالعذر، ودليله من السنة حديث عتبان بن مالك أنه قال: «يا رسول الله! إني قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي، وإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم» الحديث. وأما ترخيص النبي ﷺ له ثم رده ثم قوله: «فأجب» فيحتمل أنه كان بوحي نزل في الحال، وأنه تغير اجتهاده، وذلك أنه رخص له أولا إما للعذر، وإما لأن فرض
[ ٤ / ١١٢٨ ]
١٠٥٥ - وعن ابن عمر: أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات بدر وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كنت ليلة ذات برد ومطر يقول: «ألا صلوا في الرحال». متفق عليه.
١٠٥٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه». وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ منه، وإنه ليسمع قراءة الإمام. متفق عليه.
١٠٥٧ - وعن عائشة، ﵂، أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». رواه مسلم.
_________________
(١) الكفاية يحصر بحضور غيره، ثم ندبه إلي الأفضل، أي فضل لك أن تجيب وتحضر؛ لأنك من عظماء الصحابة، وهو أليق بحالك، وكان هو من فضلاء المهاجرين والسابقين الأولين. الحديث الرابع عن ابن عمر: قوله: «في الرحال» «نه»: أي الدور والمساكن والمنازل وهي جمع رحل، يقال لمنزل الإنسان ومسكنه: رحله، وكذا في شرح السنة. الحديث الخامس عن ابن عمر: قوله: «فابدأوا بالعشاء ولا يعجل» فإن قلت: الأحد إذا كان في سياق النفي يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وفي الحديث في سياق الإثبات فكيف وجه الأمر إليه تارة بالجمع، وأخرى بالإفراد؟ قلت: الأمر بالجمع موجه إلي المخاطبين في قوله: «أحدكم»، وبالإفراد إلي الأحد، المعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدأوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه. الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: «ولا هو يدافعه الأخبثان» أي البول والغائط. «شف»: هذا التركيب لا أحققه، وأقول: يمكن أن يقال: إن «لا» الأولي لنفي الجنس، «وبحضرة طعام» خبرها، و«لا» الثانية زائدة للتأكيد، عطفت الجملة علي الجملة. وقوله: «هو» مبتدأ، و«يدافعه» خبر، وفيه حذف، تقديره: ولا صلاة حين هو يدافعه الأخبثان فيها، يعني الرجل يدفع الأخبثين حتى يؤدي الصلاة. والأخبثان يدفعانه عن الصلاة، ويجوز أن يحمل المدافعة علي الدفع مبالغة، ويجوز أن يحذف اسم «لا» الثانية وخبرها. وقوله: «هو يدافعه» حال، أي ولا صلاة للمصلي وهو يدافعه الأخبثان، ويؤيده رواية النهاية: «لا يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين». ويجوز مثل هذا الحذف، وأنشد المطرزي في شرح مقاماته:
[ ٤ / ١١٢٩ ]
١٠٥٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلي الله علي وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» رواه مسلم.
١٠٥٩ - وعن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ: «إذا استأذنت امرأ أحدكم إلي المسجد فلا يمنعها». متفق عليه.
١٠٦٠ - وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود. قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: «إذا شهدت إحداكن المسجد؛ فلا تمس طيبًا». رواه مسلم.
١٠٦١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما امرأة أصابت بخورًا؛ فلا تشهد معنا العشاء الآخرة». رواه مسلم.
_________________
(١) [يكون نزول الركب فيها كلا ولا غشاشًا ولا يدنون رحلا علي رحل أي ما كان بطؤهم إلا مدة يسيرة كالبقرة بلا ولا غشاشًا- بالكسر- أي علي عجلة من اشتغال القلب. وفي الشكاف: يلمح مرتبها كلا ولا لمح أي كلا لمح ولا لمح]. «مح»: فيه كراهية الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله؛ لما فيها من اشتغال القلب به، وذهاب كمال الخشوع، وكراهتها مع مدافعة الأخبثين، ويلحق بهذا ما كان في معناه. وهذه الكراهة عند الجمهور إذا صلي كذلك وفي الوقت سعة، فإن ضاق الوقت بحيث لو اشتغل بذلك خرج وقت الصلاة صلي علي حاله حرمة للوقت. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «إذا أقيمت الصلاة» «مظ»: إذا أقام المؤذن لا يجوز أن يصلي سنة الفجر، بل يوافق الإمام في الفريضة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: أنه لو علم المصلي أنه لو اشتغل بسنة الفجر أدرك الإمام في الركعة الأولي والثانية صلي سنة الفجر أولًا، ثم يدخل مع الإمام في الفريضة. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: «فلا يمنعها» «مظ»: فيه دليل علي جواز خروجهن إلي لمسجد للصلاة، ولكن في زماننا مكروه. الحديث التاسع، والعاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» وخصها بالذكر لأنها وقت الظلم وخلو الطرق، والعطر مهيج للشهوة، فلا يأمن من المرأة حينئذ من الفتنة، بخلاف الصبح عند إدبار الليل وإقبال النهار فحينئذ تنعكس القضية.
[ ٤ / ١١٣٠ ]
الفصل الثاني
١٠٦٢ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن». رواه أبو داود. [١٠٦٢]
١٠٦٣ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها» رواه أبو داود. [١٠٦٣]
١٠٦٤ - وعن أبي هريرة، قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ: «لا تقبل صلاة امرأة تطيبت للمسجد حتى تغتسل غسلها من الجنابة». رواه أبو داود، وروى أحمد والنسائي نحوه. [١٠٦٤]
١٠٦٥ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: «كل عين زإنية؛ وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا» يعني زإنية رواه الترمذي، ولأبي
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول، والثاني عن ابن مسعود ﵁: قوله: «في مخدعها «نه»: الخداع إخفاء الشيء، وبه سمي المخدع، وهو البيت الصغير، الذي يكون داخل البيت الكبير، يضم ميمه وتفتح. «تو»: هو البيت الذي يخبأ فيه خير المتاع، وهو الخزانة. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: «حتى تغتسل غسلها من الجنابة «مظ» هذا إذا أصاب الطيب جميع بدنها، وأما إذا أصاب موضعًا مخصوصًا فيسغل الموضع المخصوص فحسب. وأقول: شبه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال وفتح باب عيونهم التي هي بمنزلة رائد الزنا. وحكم عليها بما يحل علي الزإني من الاغتسال من الجنابة- مبالغة وتشديدًا عليها، ويعضد هذا التأويل الحديث الآتي. وتقييده تطيبها بالمسجد مبالغة أيضًا، أي إذا كان حكم المسجد هذا فما بال تطيبها لغيره؟ الحديث الرابع عن أبي موسى: قوله: «فهي كذا وكذا» كناية عن العدد، يعني عد عليها
[ ٤ / ١١٣١ ]
داود، والنسائي ونحوه. [١٠٦٥]
١٠٦٦ - وعن أبي بن كعب، قال: صلي بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح، فلما سلم قال: «أشاهد فلان. قالوا: لا. قال: «أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: «إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات علي المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا علي الركب، وإن الصف الأول علي مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلي الله. رواه أبو داود، والنسائي.
_________________
(١) خصالًا ذميمة يستلزمها الزنا. «مظ»: إذا تعطرت ومرت بمجلس فقد هيجت شهوة الرجال، وحملتهم علي النظر إليها؛ فإذن يكون سببًا لذلك؛ فتكون زإنية. الحديث الخامس عن أبي بن كعب: قوله: «صلي بنا» أي أمنا، والباء في «بنا» للتعدية، أي جعلنا مصلين، أو للحال، أي صلي متلبسًا بنا. قوله: «إن هاتين الصلاتين» أي الصبح العشاء؛ لأن مبدأ النوم العشاء، ومنتهاه الصبح، فإن لذيذ الكرى عند الصباح يكون، والمنافقون إذا قاموا إلي الصلاة قاموا كسالي. قوله: «ولو حبوا» حبوًا خبر كان المحذوف، أي ولو كان الإتيان حبوًا، ويجوز أن يكون التقدير: ولو أتيتموها حبوًا، أي حابين تسمية بالمصدر ومبالغة. «نه» الحيوان يمشي علي يديه وركبتيه، أو استه، وحبا الصبي إذا زحف علي استه. قوله: «علي مثل صف الملائكة» خبر إن، والمتعلق كائن، أو مقاس، شبه الصف الأول في قربه من الإمام بصف الملائكة المقربين في قربهم إلي الله ﷿. فإن قلت: ما الفرق بين قوله: «لو تعلمون ما فيهما» وقوله بعد: «لو علمتم ما فضيلته؟» قلت: الدلالة علي أن حضور الجماعة أفضل وأكمل من اختيار الصف الأول؛ لأن «لو» يستدعي الماضي، وإيثار المضارع عليه يشعر بالاستمرار، لاسيما لم يصرح بالفضيلة بل إبهمهما ليدل علي أن إبهامهما لا يدخل تحت الوصف، بين أولًا فضيلة الجماعة، ثم نزل منه إلي بيان فضيلة الصف الأول، ثم إلي بيان كثرة الجماعة.
[ ٤ / ١١٣٢ ]
١٠٦٧ - وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان. فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. [١٠٦٧]
١٠٦٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع المنادي فلم يمنعه من إتباعه عذر. قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف أو مرض؛ لم تقبل منه الصلاة التي صلي». رواه أبو داود، والدارقطني.
_________________
(١) قوله: «أزكى» إن ذهب إلي أنه من النمو فيكون المعنى أن الصلاة مع الجماعة أكثر ثوابًا، وإن ذهب إلي أنه من الطهارة فيكون المعنى أن المصلي مع الجماعة أمن من رجس الشيطان وتسويله. الحديث السادس عن أبي الدرداء: قوله «استحوذ» «نه»: أي استولي عليهم، حواهم إليه، وهذه اللفظة أحد ما جاء علي الأصل من غير إعلال خارجة عن أخواتها. وقوله: «فعليك بالجماعة» من الخطاب العام الذي لا يختص بسامع دون آخر تفخيمًا للأمر، والفاء الأولي مسببه عن قوله: «قد استحوذ عليهم الشيطان»، والثانية سببية عن المجموع، يعني إذا عرفت هذه الحالة فاعرف مثاله في الشاهد، ويحتمل أن يراد بالصورة الأولي صورة الإمامة الصغرى، وحال انفراد الرجل عنها، واستيلاء الشيطان عليه فاعرف حال الإمامة الكبرى، وقس عليها حال المنفرد، وغلبة الشيطان عليه، كما سبق في باب الاعتصام في قوله: «يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار» الحديث. والكلام في تشبيه؛ لأن المشبه والمشبه به مذكوران، شبه من فارق الجماعة التي يد الله عليهم أي حفظه وكلاته، ثم هلاكه في أودية الضلال المؤدية إلي النار بسبب تسويل الشيطان بالشاة المنفردة عن القطيع البعيدة عن نظر الراعي، ثم يسلط الذئب عليها، وجعلها فريسة له. الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: «لم تقبل منه الصلاة «حس»: اتفقوا علي أنه لا رخصة في ترك الجماعة لأحد، إلا من عذر، لهذا الحديث والحديث الذي سبق، وفيه حذف، أي من سمع نداء المنادي. ولقوله ﷺ حين جاءه ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله! إني رجل أعمى- الحديث: «فأجب». قال عطاء بن رباح ليس لأحد من خلق الله في الحضر والغربة رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة. وقال الحسن إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها. وقال الأوزاعي: لإطاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات، سمع النداء أو لم يسمع.
[ ٤ / ١١٣٣ ]
١٠٦٩ - وعن عبد الله بن أرقم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أقيمت الصلاة، ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء». رواه الترمذي، وروى مالك، وأبو داود، والنسائي نحوه. [١٠٦٩]
١٠٧٠ - وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤمن رجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل ذلك فقد خانهم. ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل ذلك فقد خانهم. ولا يصل وهو حقن حتى يتخفف». رواه أبو داود، وللترمذي نحوه.
_________________
(١) «مح»: في حديث الكهان والعراف معنى عدم قبول الصلاة لأنه لا ثواب لها فيها، وإن كانت مجزية في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلي الإعادة، ونظيره الصلاة في الأرض المغصوبة فإنها مجزية مسقطة للقضاء، ولكن لا ثواب فيها، قاله جمهور أصحابنا. وقالوا: صلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها علي وجهها الكامل ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول، دون الثاني. ولابد من هذا التأول في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون علي أنه لا يلزم من أتى العرف إعادة الصلاة- انتهي. فإن قلت: ثبت في حديث ابن عمر أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لمن صلي منفردًا، فكيف الجمع؟ قلت: يحمل علي أنه صلاها لعذر من الأعذار. قوله: «من سمع المنادي فلم يمنعه من إتباعه عذر، قالوا: وما العذر؟» «شف»: «فلم تقبل» خبر للمبتدأ، وهو قوله: «من سمع المنادي»، وما توسط بينهما من السؤال والجواب اعتراض من الراوي. وقوله: «صلي» كذا في سنن أبي داود، وكتاب الدارقطني وجامع الأصول، وفي نسخ المصابيح «صلاها». الحدث الثامن عن عبد الله بن أرقم: قوله: «ووجد أحدكم الخلاء» أي وجد حاجة نفسه إلي البراز ليقضيها، فليبدأ بما احتاج إليه من قضاء الحاجة: يعإني من احتاج إلي قضاء الحاجة جاز له ترك الجماعة لهذا العذر. الحديث التاسع عن ثوبان: قوله: «وهو حقن» «نه»: الحاقن هو الذي حبس بوله، كالحاقب
[ ٤ / ١١٣٤ ]
١٠٧١ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا لغيره». رواه في «شرح السنة». [١٠٧١]
الفصل الثالث
١٠٧٢ - عن عبد الله بن مسعود، قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة
_________________
(١) للغائط. قيل في قوله: «فقد خانهم»: نسب الخيانة إلي الإمام باختصاصه الدعاء لنفسه، لأن شرعية الجماعة أن يفيض كل من الإمام والمأموم الخير علي صاحبه ببركة قربه من الله تعالي، فمن خص نفسه فقد خان صاحبه، وشرعية الاستئذان والحجاب إنما كانت لئلا يهجم قاصد علي عورات البيت، فالنظر في قعر البيت خيانة، والصلاة إنما هي مناجاة وقرب إلي الله تعالي واشتغال عن الغير، والحاقن كأنه يخون نفسه حقها. ولعل توسيط الاستئذان بين حالتي الصلاة، للجمع بين مراعاة حق الله تعالي وحق العباد، وتخصيص الاستئذان بالذكر لأنه من مراعاة حق العباد، ومن راعى هذه الدقيقة فهو لمراعاة ما فوقها أحرى وأجدر. الحديث العاشر عن جابر: قوله: «لا تؤخروا الصلاة لطعام» «تو»: المعنى لا تؤخروها عن وقتها، وإنما ذهبنا إلي ذلك دون التأخير علي الإطلاق لقوله ﷺ: «إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء» فجعل له تأخير الصلاة مع بقاء الوقت في هذا الحديث، وعلي هذا فلا اختلاف بين الحديثين، وأقول: يمكن أن يكون المعنى لا تؤخروا الصلاة لغرض الطعام لكن إذا حضر الطعام أخروها للطعام، قدمت للاشتغال بها عن الغير تبجيلًا لها، وأخرت تفريغًا للقلب عن الغير تعظيمًا، لها فلها الفضل تقديمًا وتأخيرًا. والأوجه أن يقال: إن النهي في الحقيقة وارد علي إحضار الطعام، والملابسة بغيره قبل أداء الصلاة، أي لا تتعرضوا لما إن حضرت الصلاة تؤخروها لأجله، من إحضار الطعام، والاشتغال بغيره. الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الله ابن مسعود ﵁: قوله: «لقد رأينا وما يتخلف» قد تقرر أن اتحاد الفاعل والمفعول إنما يسوغ في أفعال القلوب، وأنها من الدواخل علي المبتدأ والخبر، والمفعول الثاني الذي هو بمنزلة الخبر هنا محذوف، وسد قوله: «وما يتخلف عن الصلاة» وهو حال سد مسده، وقوله: «إن كان» استئناف، والتنكير في «مريض» للتفخيم، أي ما يتخلف إلا منافق، أو مريض بين المرض عاجز، فتوجه لسائل أن يقول: فما بال المريض الذي ليس كذلك؟ فأجيب إن كان إلي آخره.
[ ٤ / ١١٣٥ ]
وقال: إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. وفي رواية قال: من سره أن يلقى الله تعالي غدًا مسلمًا؛ فليحافظ علي هذه الصلوات الخمس، حيث ينادي بهن، فإن اله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلي مسجد من هذه المساجد؛ إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها سيئة، ولقد رأينا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف. رواه مسلم.
١٠٧٣ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «لولا ما في البيوت من النساء
_________________
(١) وفيه من التشديد والتأكيد علي ما لا يخفي من إتيان «إن» المخففة، واللام المؤكدة الفارقة، والإبهام بإضمار ضمير الشأن، وخصوصية التهادي المنبئ عن كمال اعتنائه بشأن الجماعة، كل ذلك تشديد وتأكيد لترك التخلف عن الجماعة. «مح»: هذا دليل ظاهر علي صحة ما سبق تأويله في الذين هم رسول الله ﷺ بتحريق بيوتهم، أنهم كانوا منافقين. قوله: «سنن الهدي» «مح»: روى بضم السين وفتحها، والمعنى متقارب، أي طريق الهدى والصواب. قوله: «هذا المتخلف» في اسم الإشارة إشارة إلي تحقيره وتبعيده عن مظان الزلفي، كما أن اسم الإشارة في قوله: «هذه المساجد» ملوح إلي تعظيمها، وبعد مرتبتها في الرفعة. «لضللتم» يدل علي أن المراد بالسنة العزيمة. قوله: «يهادي بين الرجلين» «نه»: أي يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، من تهادت المرأة في مشيها، إذا تمايلت. «مح»: في هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن للمريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: «من النساء» بيان لما عدل من «من» إلي «ما» إما لإرادة الوصيفة، وبيان أن النساء والذرية بمنزلة ما لا يعقل، وأنه مما لا يلزمه حضور الجماعة، وإما أن البيوت محتوية عليهما وعلي الأمتعة والأثاث، فخصا بالذكر للاعتناء
[ ٤ / ١١٣٦ ]
والذرية، أقمت صلاة العشاء، وأمرت فتيإني يحرقون ما في البيوت بالنار». رواه أحمد. [١٠٧٣]
١٠٧٤ - وعنه، قال: أمرنا رسول الله ﷺ: «إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي». رواه أحمد. [١٠٧٤]
١٠٧٥ - وعن أبي الشعثاء، قال: خرج رجل من المسجد بعدما أذن فيه. فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ. رواه مسلم.
١٠٧٦ - وعن عثمان بن عفان، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة؛ فهو منافق» رواه ابن ماجه. [١٠٧٦]
١٠٧٧ - وعن ابن عباس، ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «من سمع النداء فلم يجبه؛ فلا صلاة له إلا من عذر» رواه الدارقطني. [١٠٧٧]
١٠٧٨ - وعن عبد الله بن أم مكتوم، قال: يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوام
_________________
(١) بشأنهما. و«ما» قد تستعمل عامًا فيما يعقل حقيقة، كما إذا رأيت شبحًا من بعيد قلت: ما ذلك؟ في الكشفا. قوله: «أمرنا رسول الله ﷺ» المأمور به محذوف، وقوله: «إذا كنتم» إلي آخره، مقول للمفعول، وهو حال بيان للمحذوف، المعنى أمرنا أن لا نخرج من المسجد إذا كنا فيه وسمعنا الأذان حتى نصلي، قائلًا: «إذا كنتم» إلي آخره. الحديث الرابع عن أبي الشعثاء: قوله: «أما هذا» أما للتفصيل يقتضي شيئين فصاعدًا، والمعنى أما من ثبت في المسجد وأقام الصلاة فيه فقد أطاع أبا القاسم، وأما هذا فقد عصى. الحديث الخامس، والسادس [عن ابن عباس قوله: «إلا من عذر» اعلم أن «إلا» هذه مركبة من «أن» الشرطية و«لا» أي إن لم تكن عدم الإجابة من عذر فلا صلاة].
[ ٤ / ١١٣٧ ]
والسباع، وأنا ضرير البصر، فهل تجد لي من رخصة؟ قال: «هل تسمع: حي علي الصلاة، حي علي الفلاح؟» قال: نعم. قال: «فحيهلا». ولم يرخص [له]. رواه أبو داود، والنسائي. [١٠٧٨]
١٠٧٩ - وعن أم الدرداء، قالت: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك،؟ قال: والله ما أعرف من أمر أمة محمد ﷺ شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا. رواه البخاري.
١٠٨٠ - وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: إن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وإن عمر غدا إلي السوق، ومسكن سليمان بن المسجد والسوق، فمر علي الشفاء أم سليمان. فقال لها: لم أر سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه. فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة. رواه مالك. [١٠٨٠]
١٠٨١ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «اثنان فما فوقها جماعة» رواه ابن ماجه.
_________________
(١) الحديث السابع عن عبد الله بن أم مكتوم: قوله: «فحيهلا» هي كلمة حث واستعجال وضعت موضع «أجب»، «الكشاف»: أحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقًا من السؤال ومنتزعًا منه، وقيل لأبي تمام: لم تقول ما لا يفهم؟ فأجاب: لم لا يفهم ما يقال؟. الحديث الثامن عن أم الدرداء- هي زوجة أبي الدرداء، واسمها خيرة- قوله: «والله ما أعرف» إلي آخره، وقع جوابًا لقولها: «ما أغضبك» علي معنى رأيت ما أغضبني من الأمر المنكر غير المعروف من دين محمد ﷺ وهو ترك الجماعة. الحديث التاسع عن أبي بكر بن سليمان: قوله: «الشفاء» اسم أو لقب، «وأم سليمان» إما بدل، أو عطف بيان. قوله: «فغلبته عيناه» والأصل غلب عليه النوم، فأسند إلي مكان النوم علي المجازي. قوله: «ليلته» أضاف الليل إلي الصبح لأن الموازنة وقعت بين ذلك الصبح وليله. الحديث العاشر عن أبي موسى: قوله: «اثنان فما فوقهما» اثنان مبتدأ صفة لموصوف
[ ٤ / ١١٣٨ ]
١٠٨٢ - وعن بلال بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم». فقال بلال: والله لنمنعهن. فقال له عبد الله: أقول: قال رسول الله ﷺ:؛ وتقول أنت: لنمنعهن!.
١٠٨٣ - وفي رواية سالم عن أبيه، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا ما سمعت سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ؛ وتقول: والله لنمنعهن! رواه مسلم.
١٠٨٤ - وعن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: «لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد». فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنا نمنعهن، فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله ﷺ؛ وتقول؟! قال: فما كلمة عبد الله حتى مات رواه أحمد.
_________________
(١) محذوف، ويجوز أن يخصص بالعطف علي قول، فإن الفاء للتعقيب، والمعنى اثنان وما يزيد عليهما علي التعاقب واحدة بعد واحدة بعد جماعة، نحو قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل، وقولك: بعته بدرهمين فصاعدًا. وفيه أن أقل الجمع اثنان؛ لما فيه من معنى انضمام الشيء إلي الشيء. الحديث الحادي عشر عن بلال: قوله: «وتقول أنت: لنمنعهن» يعني أنا آتيك بالنص القاطع، وأنت تتلقاه بالرأي، كأن بلال ما اجتهد ورأي من النساء وما في خروجهن إلي المساجد من المنكر وأقسم علي منعهن، ورده أبوه بأن النص لا يعارض بالرأي. والرواية الأخيرة أبلغ لسبه إياه سبًا بليغًا. وهذا دليل قوي لا مزيد عليه في الباب. الحديث الثاني عشر عن مجاهد: قوله: «أن يأتوا المساجد» ذكر ضمير النساء تعظيمًا لهن، ولما قصدن من أن يسلكن في سلك الرجال الركع السجد، علي نحو قوله تعالي: «وكانت من القانتين» وقال الشاعر: وإن شئت حرمت النساء سواكم قوله: «فما كلمة عبد الله حتى مات»، أقول: عجبت ممن يتسمى بالسني وإذا سمع سنة من سنة رسول الله ﷺ وله رأي رجح رأيه عليها، وأي فرق بينه وبين المبتدع؟ أما سمع: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به»؟ وها هو ابن عمر، وهو من أكابر فقهاء الصحابة، والمرجوع إليه بالفتيا والاجتهاد، كيف غضب لله ولرسوله، وهجر فلذة كبده وشقيق روحه لتلك الهنة، عبر لأولي الألباب.
[ ٤ / ١١٣٩ ]