الفصل الأول
١١٠٦ - عن عبد الله بن عباس، قال: بت في بيت خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ يصلي، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلي الشق الأيمن، متفق عليه.
_________________
(١) قوله: «فأمره أن يعيد الصلاة» إنما أمره بإعادة الصلاة تغليظًا وتشديدًا، ويؤيده حديث أبي بكرة في آخر الفصل من باب الموقف. قوله: «حتى يؤخرهم» أي عن الخيرات، ويدخلهم في النار. باب الموقف الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الله: قوله: «فعدلني كذلك» بالتخفيف، والكاف صفة مصدر محذوف، أي عدلني عدولا مثل ذلك، والمشار إليه هي الحالة المشبهة بها التي صورها ابن عباس بيده عند التحديث. «حس»: في الحديث فوائد: منها جواز الصلاة النافلة بالجماعة، ومنها أن المأموم الواحد يقف علي يمين الإمام، ومنها جواز العمل اليسير في الصلاة، ومنها عدم جواز تقدم المأموم علي الإمام، لأن النبي ﷺ أداره من خلفه، وكانت إدارته من بين يديه أيسر، ومنها جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة، لأن النبي ﷺ في صلاته منفردًا، ثم أئتم به ابن عباس.
[ ٤ / ١١٤٧ ]
١١٠٧ - وعن جابر، قال: قام رسول الله ﷺ ليصلي، فجئت حتى قمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يسار رسول الله ﷺ، فأخذ بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه. رواه مسلم.
١١٠٨ - وعن أنس، قال: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ، وأم سليم خلفنا. رواه مسلم.
١١٠٩ - وعنه، أن النبي ﷺ صلي به وبأمه أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا. رواه مسلم.
١١١٠ - وعن أبي بكرة: أنه انتهي إلي النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلي الصف، ثم مشى إلي الصف. فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: «زادك الله حرصًا، ولا تعد». رواه البخاري.
_________________
(١) الحديث الثاني عن جابر: قوله: «فأخذ بيدينا» لعله ﷺ أخذ بيمينه شمال أحدهما وبشماله يمين الآخر فدفعهما. «قض»: فيه دليل علي أن الأولي أن يقف واحد عن يمين الإمام، ويصطف اثنان فصاعدًا خلفه، وأن الحركة الواحدة والحركتين المتصلين باليد لا تبطل، وكذا ما زاد علي ذلك إذا تفاصلت، إذ لو كانت متصلة لما صح. الحديث الثالث، والرابع عن أنس ﵁: قوله: «أن ويتيم» «حس»: فيه دليل علي تقديم الرجال علي النساء في الموقف، وأن الصبي يقف مع الرجال. الحديث الخامس عن أبي بكرة: قوله: «فركع قبل أن يصل» «فحس»: فيه دلالة علي أن من صلي خلف الصف منفردًا بصلاة الإمام تصح صلاته؛ لأن أبا بكرة فعل ذلك فلم يأمره ﷺ بالإعادة، وأرشده في المستقبل إلي ما هو أفضل بقوله: «لا تعد» وهذا نهي تنزيه وإرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة، وفيه دليل علي أن من أدرك الإمام علي حال يجب عليه أن يصنع كما يصنع الإمام، ثم إن أدركه في الركوع كان مدركًا للركعة. «قض»: ذهب الجمهور إلي أن الانفراد خلف الصف مكروه غير مبطل، وقال النخعي وحماد وابن أبي ليلي ووكيع وأحمد ﵃: يبطل، والحديث حجة عليهم؛ فإنه ﷺ ما أمره بإعادة الصلاة، ولو كان الانفراد مفسدًا لم تكن صلاته منعقدة لاقتران المفسد بتحريمها. قوله: «لا تعد» «قض»: أي لا تفعل ثإنيًا مثل ما فعلت، إن جعل نهيًا عن اقتدائه منفردًا، أو ركوعه قبل أن يصل إلي الصف لا يدل علي فساد الصلاة؛ إذ ليس كل محرم يفسد الصلاة،
[ ٤ / ١١٤٨ ]
الفصل الثاني
١١١١ - عن سمرة بن جندب، قال: أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا. رواه الترمذي. [١١١١]
١١١٢ - وعن عمار [بن ياسر]: أنه أم الناس بالمدائم، وقام علي دكان يصلي والنار أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ علي يديه، فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا أم الرجل فلا يقم في مقام أرفع من مقامهم، أو نحو ذلك»؟ فقال عمار: لذلك ابتعتك حين أخذت علي يدي. رواه أبو داود. [١١١٢]
١١١٣ - وعن سهل بن سعد الساعدي، أنه سئل: من أي شيء المنبر؟ فقال: هو من أثل الغابة، عمله فلان مولي فلانة لرسول الله، وقام عليه رسول الله ﷺ
_________________
(١) ويحتمل أن يكون عائدًا علي المشي إلي الصف في الصلاة، فإن الخطوة والخطوتين وإن لم تفسد الصلاة لكن الأولي التحرز عنها. وأقول: فعلي هذا النهي عن العود أمر بأن يقف حيث أحرم بالصلاة، ويتمها منفردًا. الفصل الثاني الحديث الأول عن سمرة: قوله: «أن يتقدمنا» معمول أمرنا علي حذف الباء، و«إذا كنا» ظرف «يتقدمنا»، إنما جاز تقديمه علي «أن» المصدرية لاتساع الظرفية. الحديث الثاني، والثالث عن سهل بن سعد: قوله: «أثل الغابة» «نه»: الأثل شجر شبيه بالطرفاء، إلا أنه أعظم منه، والغابة غيضة ذات شجر كثير، وهي تسع أميال من المدينة. قوله: «عمله فلان» «تو»: هو باقوم الرومي، ذكر أنه صنعه ثلاث درجات. وقيل: إن فلانة اسمها عائشة الأنصارية، وقيل: لم يتحقق. قوله: «ثم رجع القهقري» وهو الرجوع إلي الخلف، مصدر أي رجع الرجوع الذي يعرف
[ ٤ / ١١٤٩ ]
حين عمل ووضع، فاستقبل القبلة وكبر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري، فسجد علي الأرض، ثم عاد إلي المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري، حتى سجد بالأرض. هذا لفظ البخاري، وفي التفق عليه نحوه، وقال في آخره: فلما فرغ أقبل علي الناس، فقال: «أيها الناس! إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي».
١١١٤ - وعن عائشة، قالت: صلي رسول الله ﷺ في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة. رواه أبو داود.
_________________
(١) بهذا الوجه. «مظ»: هذا المنبر كان ثلاث درجات متقاربة، فالنزول عنه يتيسر بخطوة أو خطوتين، ولا يبطل الصلاة. وفيه دلالة علي أن الأمام إذا أراد تعليم القوم الصلاة جاز أن يكون موضعه أعلي من موضع المأمومين. أقول: قوله: «عمل فلان» إلي آخره، زيادة في الجواب، كأنه قال: سؤالك هذا لا يهمك، بل المهم أن تعرف هذه المسألة الغريبة، وهي نافعة لك، وإنما أدخل حكاية الصانع في البين لينبه علي أنه عارف بتلك المسألة وما يتصل بها من الأحوال والفوائد، وهو من الأسلوب الحكيم. وهذا الحديث إنما ذكره المؤلف في الفصل الثاني- وهو من الفصل الأول؛ لأنه متفق عليه- تأسيًا بالمصابيح، لأنه مذكور في الحسان، لكنه نبه بقوله: هذا لفظ البخاري- وفي المتفق عليه نحوه إلي آخره- علي أنه من الفصل الأول. الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: «في حجرته» قالوا: هي المكان الذي اتخذه ﷺ من حصير حين أراد الاعتكاف، ويؤيده الحديث الصحيح: «أن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير ﷺ فيها ليالي» وقيل: هي حجرة عائشة ﵂، وليس بذلك؛ إذ لو كانت لقالت: في حجرتي. ولأن صلاته ﷺ في حجرتها مع اقتداء الناس به في المسجد لا تصح إلا بشرائط، وهي مفقودة؛ ولأنه ثبت أن بابها كان حذاء القبلة، فإذا لا يتصور اقتداء من كان في المسجد به ﷺ؛ ولأنه لو كان كذلك لم يتكلف ﷺ في مرضه الذي توفي فيه أن يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض.
[ ٤ / ١١٥٠ ]
الفصل الثالث
١١١٥ - عن أبي مالك الأشعري، قال: ألا أحدثكم بصلاة رسول الله ﷺ؟ قال: أقام الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان، ثم صلي بهم، فذكر صلاته، ثم قال: «هكذا صلاة» - قال عبد الأعلي: لا أحسبه إلا قال-: «أمتي». رواه أبو داود. [١١١٥]
١١١٦ - وعن قيس بن عباد، قال: بينا أنا في المسجد، في الصف المقدم، فجذبني رجل من خلفي حبذة، فنحإني، وقام مقامي، فوالله ما عقلت صلاتي. فلما انصرف، إذا هو أبي بن كعب. فقال: يا فتى! لا يسؤك الله، إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه، ثم استقبل القبلة، فقال: هلك أهل العقد ورب الكعبة، ثلاثًا، ثم قال: والله ما عليهم آسى ولكن آسى علي من أضلوا. قلت: يا أبا يعقوب! ما تعني بأهل العقد؟ قال: الأمراء. رواه النسائي.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي مالك: قوله: «صف الرجال» الضمير الفاعل لرسول الله ﷺ. «الجوهري»: يقال: صففت القوم فاصطفوا، إذا أقمتهم في الحرب صفًا. وقوله: «فذكر صلاته»، ي وصف الراوي صلاة رسول الله ﷺ وقال: ﷺ كيت وكيت، فحذف المعطوف عليه ثقة بفهم السامع، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «هكذا صلاة أمتي». الحديث الثاني عن قيس: قوله: «عباد» بضم العين وتخفيف الباء «فجبذني» مقلوب جذبني. وقوله: «فوالله ما عقلت» مسبب عما قبله، والقسم معترض، أي كان فعله سببًا لعدم درايتي المعنى، ما دريت كيف أصلي وكم صليت؟ لما فعل بي ما فعل. قوله: «عهد من النبي ﷺ» أي وصية منه، أو أمر منه ﷺ إلينا، يريد قوله: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهي». وفيه أنه قيسًا لم يكن منهم، ولذلك نحاه، وسلاه بقول: يا فتى لا يسؤك الله. وكان من الظاهر أن يقول: لا يسؤك ما فعلت بك، ولما كان ذلك من أمر الله وأمر رسوله أسنده إلي الله مزيدًا للتسلية.
[ ٤ / ١١٥١ ]