وحكم المسبوق
الفصل الأول
١١٣٦ - عن البراء بن عازب، قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ، فإذا قال: «سمع الله لمن حمده»، لم يحن. أحد منا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته علي الأرض. متفق عليه.
١١٣٧ - وعن أنس، قال: صلي بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه، فقال: «أيها الناس! إني أمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف؛ فإني أراكم أمامي ومن خلفي» رواه مسلم.
_________________
(١) المعطوف والمعطوف عليه تناف؛ لأن الأمر بالتخفيف والإمامة بالصفات مما يتنافيان. قلت: إنما كان كذلك إذا لم يكن لرسول الله ﷺ فضيلة يختص بها، وهي أن يقرأ الآيات الكثيرة في يسير من الزمان والله أعلم بالصواب. باب ما علي المأموم من المتابعة، وحكم المسبوق الفصل الأول الحديث الأول عن البراء بن عازب: قوله: «فإذا قال: سمع الله لمن حمده- إلي قوله- حتى يضع جبهته علي الأرض» أي إذا رفع رأسه من الركوع، قاموا قيامًا حتى يرونه قد سجد. قال الماكي: في إثبات النون بعد «حتى» إشكال؛ لأن «حتى» فيه معنى «إلي أن»، والفعل مستقبل بالنسبة إلي القيام، فحقه أن يكون بلا نون لكنه جاء علي لغة من يرفع الفعل بعد أن حملا علي ما أختها كقراءة مجاهد: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ - بضم الميم -؛ لأن «أن» و«ما» مصدريتان. وقوله: «لم يحن» «نه»: أي لم يثن ولم ينعطف. «مظ»: فيه دلالة علي أن السنة أن المأموم يتخلف الإمام في أفعال الصلاة مقدار هذا التخلف، وإن لم يتخلف جاز إلا في تكبيرة الإحرام؛ إذ لابد أن يصبر المأموم حتى يفرغ الإمام منها. الحديث الثاني عن أنس: قوله: «ولا بالانصراف» «مظ»: يحتمل أن يراد به الفراغ من الصلاة وأن يراد به الخروج من المسجد، وسنذكر هذا البحث في الحديث الآخر من باب (الدعاء في التشهد).
[ ٤ / ١١٦١ ]
١١٣٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تبادروا الإمام: إذا كبر فكبروا، وإذا قال: «ولا الضالين) فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد»، متفق عليه؛ إلا أن البخاري لم يذكر: «وإذا قال: (ولا الضالين»).
١١٣٩ - وعن أنس: أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا، فصرع عنه، فجحش شقه الأيمن، فصلي صلاة من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءة قعودًا، فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلي قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركعوا فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا صلي جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون».
قال الحميدي: قوله: «إذا صلي جالسًا فصلوا جلوسًا» هو في مرضه القديم، ثم
_________________
(١) الحديث الثالث، والرابع عن أنس ﵁ قوله: «ليؤتم به» «قض»: الائتمام الاقتداء والاتباع، أي جعل الإمام ليقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه، ولا يساوقه، بل يراقب أحواله ويأتي علي أثره بنحو ما فعله. وقوله: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد» يوهم أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده. وهو مذهب مالك وأحمد ﵄. وأجيب عنه بأنه لما كان الإمام يقوله، ينبغي أن يقوله المأموم تحقيقًا للائتمام المأمور به في صدر الحديث، والمقصود من قوله: «فقولوا» تعليم الدعاء، لا المنع من غيره. وفيه نظر؛ لأن الفاء تقتضي معاقبة قوله هذا قول الإمام، وذلك ينفي التلفظ بغيره فيما بينهما، وقد انتفي المساوقة في التسميع؛ لقوله: «ليؤتم به». وقوله: «وإذا صلي جالسًا فصلوا جلوسًا» أي إذا جلس للتشهد فاجلسوا، والمتشهد مصل وهو جالس. وقيل: معناه: أن الإمام لو جلس في حال القيام لعذره، وافقه المأموم وإن لم يكن به بأس. ثم اختلفوا فيه، فقيل: إنه محكم، باق علي حكمه، وهو قول أحمد وإسحاق. وقيل: إنه منسوخ بحديث عائشة ﵂، وهو «أنه ﷺ صلي في مرضه الذي توفي فيه قاعدًا والناس خلفه قيامًا» وهو مذهب سفيان الثوري وابن المبارك وأبي حنيفة والشافعي ﵃. وقال مالك: لا يجوز لأحد أن يؤم الناس قاعدًا، وكلا الحديثين حجة عليه. ودليله ما روي أنه ﷺ قال: «لا يؤم أحد بعدي جالسًا»، وهو مرسل ومحمول علي التنزيه، توفيقًا بينه وبينهما.
[ ٤ / ١١٦٢ ]
صلي بعد ذلك النبي ﷺ جالسًا والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ. هذا لفظ البخاري. واتفق مسلم إلي «أجمعون». وزاد في رواية: «فلا تختلفوا عليه، وإذا سجد فاسجدوا».
١١٤٠ - وعن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ، جاء بلال ليؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، فصلي أبو بكر تلك الأيام. ثم إن النبي ﷺ وجد في نفسه خفة، فقام يهادي بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه، ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن لا يتأخر، فجأء حتى جلس عن يسار أبي بكر، [وكان أبو بكر] يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلي الله علي وسلم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر. متفق عليه. وفي رواية لهما: يسمع أبو بكر الناس التكبير.
_________________
(١) «مح»: اختلفوا في قوله: «إذا صلي جالسًا فصلوا جلوسًا» فقالت طائفة بظاهره، وهو مذهب أحمد والأوزاعي﵄-. وقال مالك في رواية: لا يجوز للقادر علي القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائمًا. واحتجوا بأن النبي ﷺ صلي في مرض وفاته بعد هذا وصلي قاعدًا وأبو بكر والناس من خلفه قيامًا، وإن كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر كان هو الإمام والنبي ﷺ مقتد به، لكن الصواب أن النبي ﷺ كان هو الإمام. قوله: «جحش» «نه»: أي انجدش وانسحج. قوله: «قال الحميدي» وهو من شيوخ البخاري، وليس بصاحب الجمع بين الصحيحين. الحديث الخامس عن عائشة: قوله: «لما ثقل رسول الله ﷺ» الثقل هنا عبارة عن اشتداد المرض، وتناهي الضعف، وركود الأعضاء عن خفة الحركات و«التهادي» قد سبق معناه. قوله: «يؤذنه» «مظ»: -بسكون الهمزة وتخفيف الذال- أي يعلمه ويخبره، ويؤذنه- بفتح الهمزة وتشديد الذال- يدعوه، والتأذين رفع الصوت في دعاء أحد غيره، ومنه الأذان. وقوله: «حسه» أي حركته، لعله من باب تسمية المفعول بالمصدر. وقوله: «ذهب يتأخر» أي طفق. قوله: «يسمع أبو بكر الناس التكبير» يعني كان أبو بكر يسمع تكبير رسول الله ﷺ الناس، فيكون مقتديًا برسول الله ﷺ، والناس يقتدون بأبي بكر ﵁. وهذا توضيح الرواية السابقة «كان رسول الله ﷺ قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر». ويدفع زعم من قال: إن أبا بكر ﵁ كان هو الإمام، والنبي ﷺ مقتديًا به. وقول الحميدي صريح في أن حديث عائشة ﵁ ناسخ لقوله: «إذا صلي جالسًا فصلوا جلوسًا»، فوجب المصير إلي مذهب الإمامين ﵄.
[ ٤ / ١١٦٣ ]
١١٤١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» متفق عليه.
الفصل الثاني
١١٤٢ - عن علي، ومعاذ بن جبل، ﵄، قالا: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام علي حال، فليصنع كما يصنع الإمام» رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [١١٤٢]
١١٤٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا جئتم إلي الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا ولا تعدوه شيئًا، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة» رواه أبو داود.
_________________
(١) «حس»: في الحديث من الفقه: أنه تجوز الصلاة بإمامين من غير حذف الأول، مثل أن يقتدي بإمام فيفارقه ويقتدي بإمام آخر، وأنه يجوز أن يقتدي بإمام والمأموم سابق ببعض صلاته، ويجوز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة، وفيه دلالة علي أن أبا بكر ﵁ أفضل الناس بعده، وأولاهم بخلافته، كما قالت الصحابة ﵃: رضيه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا. الحديث السادس عن أبي هريرة: قوله: «أن يحول الله» «شف»: أي يجعله بليدًا، وإلا فالمسخ غير جائز في هذه الأمة. وأقول: لعل المأموم لما لم يعمل بما أمر به من الاقتداء بالإمام، ولم يفهم أن معنى المأموم والإمام ما هو، شبه بالحمار في البلادة، كقوله تعالي: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار﴾ وقد سبق عن الخطابي جواز المسخ في هذه الأمة، فيجوز أن يحمل علي الحقيقة. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن أبي هريرة: قوله: «ونحن سجود» أي ساجدون، فوضع السجود موضع الساجدين مبالغة. قوله: «ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة» «مظ»: قيل: أراد بالركعة الركوع، وبالصلاة
[ ٤ / ١١٦٤ ]
١١٤٤ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلي لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولي، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» رواه الترمذي. [١١٤٤]
١١٤٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح، فوجد الناس قد صلوا؛ أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» رواه أبو داود، والنسائي. [١١٤٥]
١١٤٦ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل وقد صلي رسول الله ﷺ، فقال: «أل رجل يتصدق علي هذا فيصلي معه؟» فقام رجل فصلي معه. رواه الترمذي، وأبو داود.
_________________
(١) الركعة، أي من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك تلك الركعة، وقيل: من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة مع الإمام، يعني يحصل له ثواب صلاة الجماعة، هذا الحكم في الجمعة، وإلا يحصل له ثواب الجماعة إن أدرك بعضها من الصلاة قبل السلام. ومذهب مالك: أنه لا يحصل له فضيلة جماعة إلا بإدراك ركعة تامة، سواء في الجمعة وغيرها. الحديث الثالث عن أنس: قوله: «براءة من النفاق» أي يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل المنافق، ويوفقه لعمل أهل الإخلاص، وفي الآخرة يؤمنه بما يعذب به المنافق من النار، أو ليشهد له أنه غير منافق؛ فإن المنافقين إذا قاموا إلي الصلاة قاموا كسالي، وحال هذا بخلافهم. الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: «أعطاه مثل أجر من صلاها» «مظ»: هذا إذا لم يكن التأخير بتقصيره. أقول: لعله يعطي الثواب لوجهين: أحدهما أن نية المؤمن خير من عمله، والآخر جبرانًا لما حصل له من التحسر لفواتها. الحديث الخامس عن أبي سعيد: قوله: «يتصدق علي هذا» «مظ»: سماه صدقة؛ لأنه يتصدق عليه ثواب ست وعشرين درجة، إذ لو صلي منفردًا لم يكن له إلا ثواب صلاة واحدة، وفيه دلالة علي أن من صلي بالجماعة يجوز أن يصلي مرة أخرى بالجماعة، إمامًا كان أو مأمومًا. و«فيصلي» منصوب لوقوعه جواب قوله: «ألا رجل» كما تقول: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا. وقيل: الهمزة في «ألا» للاستفهام و«لا» بمعنى ليس. وعلي هذا «فيصلي» مرفوع عطف علي الخبر، كان هذا الوجه أولي، ونظيره قول الشاعر: ألا موت لذيذ الطعم يأتي فينقذني من الموت الكريه
[ ٤ / ١١٦٥ ]
الفصل الثالث
١١٤٧ - وعن عبيد الله بن عبد الله، قال: دخلت علي عائشة، فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ؟ قالت: بلي، ثقل النبي ﷺ، فقال: «أصلي الناس؟» فقلنا: لا يا رسول الله وهم ينتظرونك فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب». قالت: ففعلنا فاغتسل، فذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلي الناس؟» فقلنا: لا؛ هم ينتظرونك يا رسول الله! قال: «ضعوا لي ماء في المخضب» فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلي الناس. قلنا: لا؛ هم ينظرونك يا رسول الله؟. والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة. فأرسل النبي ﷺ إلي أبي بكر: بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر- وكان رجلًا رقيقًا -: يا عمر! صل بالناس. فقال له عمر: أنت أحق بذلك. فصلي أبو بكر تلك الأيام. ثم إن النبي ﷺ وجد في نفسه خفة، وخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر. قال: «أجلسإني إلي جنبه»، فأجلساه إلي جنب أبي بكر، والنبي ﷺ بأن لا يتأخر. قال: «أجلسإني إلي جنبه»، فأجلساه إلي جنب أبي بكر، والنبي ﷺ، قاعد. وقال عبيد الله: فدخلت علي عبد الله بن عباس، فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني به عائشة عن مرض رسول الله ﷺ؟ قال: هات. فعرضت عليه حديثها فما أنكر منه شيئاَ؛ غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: هو علي [﵁]. متفق عليه.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول عن عبيد الله بن عمرو: قوله: «وهم ينتظرونك» حال من المقدر، أي لم يصلوا، والحال أنهم ينتظرونك. قوله: «في المخضب» «نه»: المخضب- بالكسر- شبه المركن، هي إجانة يغسل فيها الثياب. و«النوء»: النهوض، والطلوع. و«العكوف»: الإقامة علي الشيء، أو بالمكن ولزومها. و«رفيق» أي ضعيف هين لين. قوله: «غير أنه قال» أي إلا أنه قال. فإن قلت: كيف يستقيم استثناء هذا القول من «شيئًا»،
[ ٤ / ١١٦٦ ]
١١٤٨ - وعن أبي هريرة، أنه كان يقول: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، ومن فاتته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير. رواه مالك. [١١٤٨]
١١٤٩ - وعنه، أنه قال: الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام، فإنما ناصيته بيد الشيطان. رواه مالك. [١١٤٩]