الفصل الأول
٣٧٦ - عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن أشق علي أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة» متفق عليه.
_________________
(١) جعل رزقًا للجن، فلا يجوز إفساده عليهم. وفيه أيضًا أنه إذا مس ذلك المكان وناله أدنى غمز وضغط تفتت لرخاوته، [فيتعلق] به شيء منه متلوثًا بما يلقاه من تلك النجاسة، وفي معناه الاستنجاء بالتراب، وفتات المدر ونحوهما. والله أعلم. باب السواك الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: «لولا أن أشق» شق علي الشيء يشق شقًا ومشقة، والاسم منه الشق- بالكسر- «قض»: «لولا» يدل علي انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحقيقة أنها مركبة من «لو» و«لا»، و«لو» يدل علي انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فيدل هاهنا مثلًا علي انتفاء الأمر لانتفاء نفي المشقة، وانتفاء النفي ثبوت، فيكون الأمر منفيًا لثبوت المشقة. وفيه دليل علي أن الأمر للوجوب لا للندب من وجهين: أحدهما أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية، فلو كان للندب لما جاز ذلك. وثإنيهما أنه جعل الأمر ثقلًا ومشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان دليلًا علي الوجوب. أقول: إذا كان «لولا» يستدعى امتناع الشيء لوجود غيره، وظاهر أن المشقة نفسها ليست بثابتة، لابد من مقدر، أي لولا خوف المشقة أو توقعها لأمرتهم. قال الشيخ السعيد أبو إسحاق
[ ٣ / ٧٨٤ ]
٣٧٧ - وعن شريح بن هانئ، قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك. رواه مسلم.
٣٧٨ - وعن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك. متفق عليه.
_________________
(١) الشيرازي في كتاب اللمع في الأصول: في هذا الحديث دليل علي أن الاستدعاء علي وجه الندب ليس بأمر حقيقة، فإن السواك عند كل صلاة مندوب إليه، وقد أخبر النبي ﷺ أنه لم يأمر به، فدل علي أن المندوب إليه غير مأمور به. «نه»: السواك- بالكسر- والمسواك ما تدلك به الأسنان من العيدان، يقال: ساك فوه يسوكه إذا دلكه بالسواك، فإذا لم يذكر الفم، قلت: استاك. «مح»: يستحب أن يستاك بعود من أراك، وبما يزيل التغير من الخرقة الخشنة، والسعد، والأشنان، والإصباع إن لم تكن لينة إن لم يجد غيرها عند بعض الأصحاب. ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فمه عرضًا، ولا يستاك طولًا لئلا يدمي لحم أسنانه، فإن خالف صح مع كراهة. أقول: «عرضًا» في قوله حال من الفم، كذا في شرح الإمام الرافعي ﵁. الحديث الثاني عن شريح: قوله: «إذا دخل بيته» «مظ»: وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ لأن الغالب أنه لا يتكلم في الطريق، والفم يتغير بالسكوت، فيستاك ليزيله، وهو تعليم لأمته، فمن سكت ثم أراد التكلم مع صاحبه يستاك لذلك؛ لئلا يتأذى من رائحة فمهز الحديث الثالث عن حذيفة: قوله: «للتهجد» «تو»: أخذ التهجد من الهجود، وهو النوم يقال: هجدته فتهجد، أي أزلت هجوده نحو مرضته. فالتهجد التيقظ، ولما كان الذي يريد التعبد لربه في جوف الليل يتيقظ ليصلي- عبر عن صلاة الليل بالتهجد. قوله: «يشوص» «نه»: أي يدلك أسنانه وينقيها. وقيل: هو أن يستاك من سفل إلي علو، وأصل الشوص الغسل، و«من» في «من الليل» تبعيضية مفعول التهجد، كقوله تعالي: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ أي عليك بعض الليل، فتهجد به عبادة زائدة لك علي الصلوات الخمس.
[ ٣ / ٧٨٥ ]
٣٧٩ - وعن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاض الماء» - يعني الاستنجاء- قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. رواه مسلم.
وفي رواية: «الختان» بدل: «إعفاء اللحية». لم أجد هذه الرواية في «الصحيحين» ولا في كتاب «الحميدي».
ولكن ذكرها صاحب «الجامع» وكذا الخطابي في «معالم السنن».
٣٨٠ - عن أبي داد برواية عمار بن ياسر.
_________________
(١) الحديث الرابع عن عائشة: قوله: «عشر من الفطرة» أي عشر خصال من السنة. «حس»: أي من سنة الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم، وأول من أمر بها إبراهيم ﵇ فذلك قوله: ﴿وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾. «مح»: معناه أنها من سنن الأنبياء ﵈، وفي بعضها خلاف في وجوبه، كالختان، والمضمضة، والاستنشاق، ولا يمتنع قران الواجب بغيره، كما قال تعالي: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾ والإيتاء واجب، والأكل مباح؛ فالختان واجب عند الشافعي وكثير من العلماء علي الرجال والنساء، وسنة عند مالك وأكثر العلماء. والتقليم سنة، ويستحب أن يبدأ بمسبحة يده اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليسرى إلي إبهامها، ثم يبدأ بخنصر الرجل اليمنى، فيتمم بخنصر اليسرى. ونتف الإبط سنة، ويحصل أيضًا بالحلق والنورة. وقص الشارب سنة [ويستحب أن يبدأ بالأيمن ولو ولي غيره يقصه، كان من غير هتك مروءة ولا خرمة، بخلاف الإبط والعانة والمختار أن يقص الشارب] حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله. وأما معنى قوله ﷺ: «أحفوا الشوارب» فأحفوا ما طال علي الشفتين. و«غسل البراجم» أي عقد الأصابع ومقاطعها، وهي- بفتح الباء- جمع برجمة- بضم الباء والجيم- سنة ليست مختصة بالوضوء، ويلتحق بها ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ، وما يجتمع في داخل الأنف، وكذا جميع الوسخ في البدن. «وانتقاص الماء» بالقاف والصاد المهملة، فسره وكيع بالاستنجاء، وأبو عبيدة وغيره بانتقاص البول بسبب استعمال المال في غسل المذاكير. «فا»: انتقاص الماء أن يغسل مذاكيره ليرتد البول؛ لأنه إذا لم يغسل نزل منه شيء بعد شيء، فيعسر استبراؤه، فلا يخلو الماء من أن يراد به البول، فيكون المصدر مضافًا إلي المفعول،
[ ٣ / ٧٨٦ ]
الفصل الثاني
٣٨١ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب». رواه الشافعي، وأحمد، والدارمي، والنسائي، ورواه البخاري في «صحيحه» بلا إسناد.
٣٨٢ - وعن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع من سنن المرسلين:
_________________
(١) أو أن يراد به الماء الذي يغسل به، فيكون مضافًا إلي الفاعل علي معنى التعدية، والانتقاص يكون متعديًا ولازمًا، قال عدى بن الوغلا: لم ينتقص مني المشيب قلامة الآن حين بدا ألب وأكيس «إعفاء اللحية» توفيرها، يقال: عفا الشعر والنبت إذا كثر، وعفوت أنا وأعفيته لغتان، وقص اللحية كان من صنيع الأعاجم، وهو اليوم شعار كثير من المشركين، كالأفرنج، [والهنود]، ومن لا خلاق له في الدين من الفرق الموسومة بالقلندرية- طهر الله عنهم حوزة الدين. قوله: «نسيت» الاستثناء مفرغ، و«نسيت» مؤول، أي لم أتذكره العاشرة فيما أظن شيئًا من الأشياء إلا أن يكون المضمضة. «حس»: الختان وإن كان مذكورًا في جملة السنن فإنه واجب عند كثير من العلماء، وذلك أنه من شعار الدين، وبه يعرف المسلم من الكافر، قال بعضهم: الدليل علي وجوب الختان أن ستر العورة واجب، وكشفه جائز لحاجة الختان، فلو لم يكن الختان واجبًا لما جاز ترك الواجب لتحصيل المندوب. وأيضًا قطع عضو سليم حرام، وهاهنا جائز، فلو لم يكن القطع واجبًا لبقى أصل التحريم علي ما كان. وأيضًا إذا لم يختن بقى البول في القلفة، فيمنع صحة الصلاة. الفصل الثاني الحديث الأول عن عائشة: قوله: «مطهرة» «مظ»: هي مصدر ميمي يحتمل أن يكون بمعنى الفاعل، أي مطهر للفم، وكذا «المرضاة»، أي محصل لرضي الله تعالي. ويجوز أن يكون بمعنى المفعول، أي مرضي للرب. وأقول: يمكن أن يقال: إنهما مثل «مبخلة ومجبنة»، أي السواك مظنة للطهارة والرضي، أي يحمل السواك الرجل علي الطهارة ورضي الله، وعطف «مرضاة» يحتمل الترتب بمعنى الإخبار عنهما، وتفويض الترتيب إلي الذهن، فتكون الطهارة به علة الرضا، وأن تكونا مستقلين في العلية. الحديث الثاني عن أبي أيوب: قوله: «أربع» اختصر «مظ» كلام التوربشتي حيث قال: في الحياء ثلاث روايات: إحداها- بالحاء المهملة وبالياء التحتإنية- يعني به أن ما يقتضي الحياء من
[ ٣ / ٧٨٧ ]
الحياء- ويروي الختان-، والتعطر، والسواك، والنكاح» رواه الترمذي. [٣٨٢]
٣٨٣ - وعن عائشة، قال: كان النبي ﷺ لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ، إلا يتسوك قبل أن يتوضأ. رواه أحمد، وأبو داود [٣٨٣].
٣٨٤ - وعنها، قالت: كان النبي ﷺ يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه. رواه أبو داود.
الفصل الثالث
٣٨٥ - عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «أرإني في المنام أتسوك بسواك،
_________________
(١) الدين، كستر العورة، وترك الفواحش وغير ذلك، لا الحياء الجبلي نفسه؛ فإن جميع الناس فيه مشترك. وثإنيها الختان- بخاء معجمة وتاء فوقها نقطتان- وهو من سنة الأنبياء كما سبق. وثالثها الحناء- بالحاء المهملة والنون المشددة- وهو ما يخضب به، وهذه الرواية غير صحيحة، ولعلها تصحيف؛ لأنه يحرم علي الرجال خضاب اليد والرجل تشبيهًا بالنساء، وأما خضاب الشعر به فلم يكن قبل نبينا ﷺ، فلا يصح إسناده إلي المرسلين. الحديث الثالث عن عائشة: قوله: «فيستيقظ» يجوز فيه الرفع للعطف، ويكون النفي منصبًا عليهما معًا، والنصب جوابًا للنفي، كقوله تعالي: ﴿فتطردهم فتكون من الظالمين﴾ فإنه جواب لقوله: ﴿ما من حسابك عليهم من شيء﴾؛ لأن الاستيقاظ مسبوق بالنوم، كأنه مسبب عنه، وفي إيرادها كذا علي سبيل الإطناب إشارة إلي أن ذلك كان دأبه وعادته في تلك الحالة المألوفة، ولو قيل: لا يستيقظ «من نوم إلا يتسوك» لم يفد هذه الفائدة «مظ»: وإنما يتسوك عند الاستيقاظ لإزالة تغير الفم الحاصل بالنوم، فيتطيب به إذا ذكر الله، أو قرأ القرآن، أو تكلم مع الملك والإنس، وليقتدوا به. الحديث الرابع عن عائشة: قوله: «فأبدأ به» «مظ»: يعني فأبدأ باستعماله قبل الغسل، لينالني بركة فم رسول الله ﷺ وفيه دليل علي أن استعمال مسواك الغير برضاه غير مكروه، وهي إنما فعلت لما بين الزوج والزوجة من الانبساط. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عمر: قوله: «أتسوك» ثالث مفاعيل «أرى» بحذف «أن» ورفع الفعل كقوله:
[ ٣ / ٧٨٨ ]
فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلي الأكبر منهما». متفق عليه.
٣٨٦ - وعن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: «ما جاءني جبريل ﵇ قط إلا أمرني بالسواك، لقد خشيت أن أحفي مقدم في» رواه أحمد. [٣٨٦]
٣٨٧ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد أكثرت عليكم في السواك». رواه البخاري.
٣٨٨ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فأوحي إليه في فضل السواك أن كبر، أعط السواك أكبرهما. رواه أبو داود.
_________________
(١) ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغي والمفعول الأول الضمير المرفوع المستتر في الفعل، والثاني المنصوب البارز، وقد تقرر جواز أن يكون الفاعل والمفعول في باب علمت واحدًا، و«في المنام» ظرف، أي رأيت نفسي في المنام متسوكًا. ومعنى «كبر» أي قدم الكبير علي الصغير في مناولة السواك. الحديث الثاني عن أبي أمامة: قوله: «لقد خشيت» جواب قسم محذوف، أي والله لقد خشيت أن يستأصل لثتي من كثرة استعمال السواك بسبب وصية جبريل ﵇ ومداومتي عليها. الحديث الثالث عن أنس: قوله: «في السواك» أي في شأنه وأمره، وفائدة هذا الإخبار مع كونهم عالمين به إظهار الاهتمام بشأن السواك، وتوحي ملازمتهم إياه؛ لكونه مطهرة للفم، ومرضاة للرب. وقوله: «أكترث عليكم» المفعول محذوف، أي أطلت الكلام في السواك كائنًا عليكم. الحديث الرابع عن عائشة قوله: «يستن» «نه»: الاستنان استعمال السواك وهو افتعال من الأسنان، أي يمره عليها. وفي حديث عائشة ﵂ «فأخذت الجريدة فسننته بها» أي
[ ٣ / ٧٨٩ ]
٣٨٩ - وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ: «تفضل الصلاة التي يستاك لها علي الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفًا» رواه البيهقي في «شعب الإيمان». [٣٨٩]
٣٩٠ - وعن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لولا أن أشق علي أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلي ثلث الليل». قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه علي أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلي الصلاة إلا استن، ثم رده إلي موضعه. رواه الترمذي، وأبو داود إلا أنه لم يذكر: «ولأخرت صلاة العشاء إلي ثلث الليل» وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
_________________
(١) سوكته بها. وقيل: الاستنان مأخوذ من السنن، وهو إمرارك الشيء الذي فيه جروشة علي شيء آخر، ومنه المسن الذي يشحذ به الحديد. وفيه من الأدب تقديم حق الأكبر من الحاضرين علي من هو أصغر منه في السلام، والشراب، والطيب ونحوها، وفيه استعمال سواك الغير برضاه ليس بمكروه علي ما يذهب إليه بعض من يتقذر، إلا أن السنة فيه أن يغسله أولًا ثم يعطيه لغيره. قوله: «أن كبر» هو الموحى به، أي أوحي أن فضل السواك أن تقدم من هو أكبر من الآخر. الحديث الخامس عن عائشة: قوله: «سبعين» مفعول مطلق، أو ظرف، أي يفضل مقدار سبعين، «والضعف» تمييز أريد به مثل العدد المذكور. «غب»: الضعف هو من الألفاظ المتضايفة، كالنصف، والزوج، وهو تركب قدرين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت الشيء وضعفته، ضممت إليه مثله فصاعدًا، فإذا قلت: أعط فلانًا ضعفين، فإنه يجري مجرى الزوجين في أن كل واحد منهما يضاعف الآخر، فلا يخرجان عن الاثنين، قال تعالي: ﴿فآتهم عذابًا ضعفًا من النار﴾ سألوا أن يعذبهم عذابًا بضلالهم، وعذابًا بإضلالهم. الحديث السادس عن أبي سلمة، مضى شرحه في الفصل الأول من الباب. قوله: «حديث حسن صحيح» يعني له إسنادان: أحدهما صححي، والآخر حسن.
[ ٣ / ٧٩٠ ]
باب سنن الوضوء
الفصل الأول
٣٩١ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده» متفق عليه.
_________________
(١) باب سنن الوضوء «مظ»: لم يرد بالسنن الوضوء فقط، بل أريد أفعال النبي ﷺ وأقواله من الفرائض والسنن، يقال: جاء في السنة كذا، أي في الحديث. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: «فإنه لا يدري» «قض»: إذا ذكر الشارع حكمًا، وعقبه وصفًا مصدرًا بالفاء، أو بأن، أو بهما- كان ذلك إيماء إلي أن ثبوت الحكم لأجله، مثال «إن» قوله: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات» بعد قوله: «إنها ليست بنجسة»، ومثال الفاء قوله ﷺ: «من مات ولم يحج فليمت»، ومثال الجمع قوله ﷺ في المحرم: «فإنه يحشر ملبيًا» بعد قوله: «لا تقربوه طيبًا»، وقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» فإنه يدل علي أن الباعث علي الأمر بالغسل احتمال النجاسة. روى محيي الدين عن الشافعي وغيره من العلماء أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة، فإذا ناموا عرقوا، فلا يؤمن أن تطوف يده علي الموضع النجس، أو علي بثرة أو قملة أو غير ذلك. وفي الحديث مسائل: منها: أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة يتنجس، وإن قلت ولم يغيره. ومنها: الفرق بين ورود الماء علي النجاسة، وبين ورودها عليه، فإنها إذا أوردت عليه نجسته، وإن كان كثيرًا دون القلتين، وإذا أورد عليها أزالها، وإن كان قليلًا. ومنها: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار، بل يبقى نجسًا معفوًا عنه في حق المصلي. ومنها: استحباب غسل النجاسة ثلاثًا، فإنه إذا أمر به ف المتوهمة ففي المحققة أولي. ومنها: استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج إلي حد الوسوسة. ومنها: استعمال ألفاظ الكنايات فينا يتحاشى من التصريح به، حيث قال: «لا يدري أين باتت يده»، ولم يقل: فلعل يده وقعت علي دبره، أو ذكره أو علي نجاسة. والنهي عن الغمس قبل غسل اليد مجمع عليه، لكن الجماهير علي أنه نهي تنزيه لا تحريم، فلو غمس لم يفسد الماء، ولم يأثم الغامس.
[ ٣ / ٧٩١ ]
٣٩٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت علي خيشومه». متفق عليه.
٣٩٣ - وقيل لعبد الله بن زيد: كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فدعا بوضوء فأفرغ علي يديه فغسل يديه مرتين مرتين ثم مضمض واستنثر ثلاثًا ثم غسل وجهه ثلاثًا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلي المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلي قفاه، ثم ردهما حتى يرجع إلي المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. رواه مالك، والنسائي. ولأبي داود نحوه ذكره صاحب «الجامع».
_________________
(١) «تو» هذا في حق ما بات مستنجيًا بالأحجار معروريًا ومن باب وحاله علي خلاف ذلك ففي أمره سعة، ويستحب له أيضًا أن يغسلها، لأن السنة إذا وردت لمعنى، لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى «حس»: علق النبي ﷺ غسل اليدين بالأمر الموهوم، وما علق بالموهوم لا يكون واجبًا، فأصل الماء واليدين علي الطهارة، فحمل الأكثرون هذا الحديث علي الاحتياط، وذهب الحسن البصري وأحمد في إحدى الروايتين إلي الظاهر، وأوجبا الغسل، وحكمًا بنجاسة الماء. الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: «فليستنثر» استنثر حرك النثرة، وهي طرف الأنف، ويجوز أن يكون بمعنى نثرت الشيء إذا بددته. «تو» و«قض»: «الخيشوم» أقصى الأنف المتصل بالبطن المقدم من الدماغ، الذي هو موضع الحس المشترك، ومستقر الخيال، فإذا نام تجتمع فيه الأخلاط، ويبس عليه المخاط، ويكل الحس، ويتشوش الفكر، فيرى أضغاث أحلام، فإذا قام من نومه وترك الخيشوم بحاله استمر الكسل والكلال، واستعصى عليه النظر الصحيح، وعسر الخضوع والقيام علي حقوق الصلاة وأدائها. ثم قال التوربشتي: ما ذكر هو من طريق الاحتمال، وحق الأدب دون الكلمات النبوية التي هي مخازن الأسرار الربوبية، ومعادن الحكم الإلهية أن لا يتكلم في هذا الحديث وأخواته بشيء؛ فإن الله تعالي خص رسوله صلوات الله عليه بغرائب المعإني، وكاشفه عن حقائق الأشياء ما يقصر عن بيانه باع الفهم، ويكل عن إدراكه بصر العقل. وقيل: المشاعر الخمسة كل منها آلة العلم، وطريق معرفة الله سوى الخيشوم، فلذلك كان مقرب الشيطان، وموضع دخوله فيه. أقول: لعل خلافه أولي، لأن أنسب المشاعر بعالم الأرواح حس الشم، ولذلك حبب إلي رسول الله ﷺ الطيب وحرم عليه تناول ما يخالفه، وقال أبو الطيب: مسكية النفحات إلا أنها وحشية بسواهم لا تعبق ولأن الشيطان اللص إنما يهم بقطع الطريق الموصل، وسد مسالك روح الله إلي قلب العبد، وأنشد شيخنا شيخ الإسلام في العوارف للعامري
[ ٣ / ٧٩٢ ]
٣٩٤ - وفي المتفق عليه: قيل لعبد الله بن زيد بن عاصم: توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ، فدعا بإناء، فأكفأ منه علي يديه، فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، ثم أدخل فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلي المرفقين مرتين مرتين ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلي الكعبين، ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ. وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلي قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلي المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
_________________
(١) أيا جبلي النعمان بالله خليا طريق الصبا يخلص إلي نسيمها أجد بردها، أو يشف مني حرارة علي كبد لم يبق إلا صميمها فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت علي قلب محزون تجلت همومها أشار الشيخ بالجبلين إلي الشيطان والنفس الأمارة. روى محيي الدين عن القاضي عياض: يحتمل بيتوتة الشيطان في الخياشيم أن يكون علي الحقيقة؛ فإن الأنف أحد المنافذ التي يتوصل منها إلي القلب، لاسيما وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق، سواه وسوى الأذنين. وفي الحديث: «إن الشيطان لا يفتح غلقًا» وجاء في التثاؤب الأمر بكظمه من أجل دخول الشيطان حينئذ في الفم. ويحتمل أن يكون علي الاستعارة، فإنما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذر يوافق الشيطان. قوله: «فأكفأ» «نه»: يقال: كفأت الإناء إذا كببته، وإذا أملته، «ثم أدخل يده» أي في الإناء، «ثم استخرجها» أي يده من الإناء مع الماء، وفيه إشارة إلي أنه قبل غسل اليدين ما أدخلهما فيه، بل أكفأ الماء عليهما، وعند غسل الرجلين صب الماء عليهما. وفيه أيضًا أن الماء بعد إدخاله اليد في المرة الثانية بقى علي طهارته وطهوريته غير مستعمل، اللهم إلا أن يقال: إنه نوى جعل اليد آله له.، ومذهب مالك أن المستعمل في الحدث طهور، وكرهه مع وجود غيره لأجل الخلاف، وكذا الحكم عنده في الماء القليل تحله النجاسة ولم تغيره. قال أبو حامد في الإحياء: كنت أود أن مذهب الشافعي كمذهب مالك في أن الماء وإن قل فلا ينجس إلا بالتغير، إذ الحاجة ماسة إليه، ومثار الوساوس اشتراط القلتين، ولأجله شق علي الناس ذلك وهو لعمري
[ ٣ / ٧٩٣ ]
وفي رواية: فمضمض واستنشق واستثنر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء.
وفي رواية أخرى: فمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثًا.
وفي رواية للبخاري: فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ثم غسل رجليه إلي الكعبين.
وفي أخرى له: فمضمض واستنثر ثلاث مرات من غرفة واحدة.
٣٩٥ - وعن عبد الله بن عباس، قال: توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة، لم يزد علي هذا، رواه البخاري.
٣٩٦ - وعن عبد الله بن زيد: أن النبي ﷺ توضأ مرتين. رواه البخاري.
٣٩٧ - وعن عثمان، ﵁، أنه توضأ بالمقاعد، فقال: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ؟ فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا. رواه مسلم.
٣٩٨ - وعن عبد الله بن عمرو قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلي المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضؤوا وهم عجال،
_________________
(١) سبب المشقة. ومما لا شك فيه أن ذلك لو كان مشروطًا لكان أولي المواضع بتعسر الطهارة مكة والمدينة، إذ لا تكثر فيها المياه الجارية، ولا الراكدة الكثرة، ومن أول عصر رسول الله ﷺ إلي آخر عصر الصحابة لم ينقل واقعة في الطهارة، ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات، وكانت أوإني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وتوضؤ عمر بماء في جرة نصرإنية كالصريح في أنه لم يعول إلا علي عدم تغير الماء، وكان استغراقهم جميع الهم والكد في تطهير القلوب وتساهلهم في أمر الظاهر له. وقوله: «بدأ بمقدم رأسه» إلي آخره تفسير لقوله: «فأقبل بهما وأدبر». قال المؤلف: وإنما أطنبنا الكلام في هذا الحديث لأن ما ذكر في المصابيح في الصحاح بلفظه لم يوجد إلا في رواية مالك والنسائي، وأما معناه فما ذكرته في المتفق عليه عقيبه، وبقية الروايات إنما أوردها تنبيهًا علي أن ما في المصابيح منها. الحديث الثالث، والرابع، والخامس عن عثمان: قوله: «فتوضأ ثلاثًا» أي غسل كل عضو من أعضاء الوضوء ثلاث مرات؛ وإنما توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة، وأخرى مرتين وثلاثة تعليمًا للأمة أن كل ذلك جائز، والأكمل أكمل، والزيادة علي الكمال نقصان وخطأ، وظلم وإساءة، كما سيرد. الحديث السادس عن عبد الله بن عمرو قوله: «بماء بالطريق» الظرف الأول خبر «كان»
[ ٣ / ٧٩٤ ]
فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول ﷺ: «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء» رواه مسلم.
_________________
(١) والثاني صفة «ماء» أي كنا نازلين بماء كائن في طريق مكة، و«تعجل» بمعنى استعجل كقوله تعالي: ﴿فمن تعجل في يومين﴾ يعني طلبوا تعجيل الوضوء عند فوات العصر، فتؤضئوا عاجلين، كقوله تعالي: ﴿إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا﴾ أي إذا أردتم القيام إلي الصلاة فاغسلوا. وقوله: «ويل لهم» مبتدأ وخبر، كقولك: سلام عليك. قال أبو القاء: ﴿فويل للذين يكتبون﴾ ابتداء وخبر، ولو نصب لكان له وجه علي أن يكون التقدير: ألزمهم الله ويلا، واللام للتبيين؛ لأن الاسم لم يذكر قبل المصدر، والويل مصدر لم يستعمل منه فعل؛ لأن فاءه وعينه معتلتان. و«العقب» ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلي موضع الشراك. «نه» الويل الحزن، والهلاك، والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، وخص «العقب» بالعذاب لأنه العضو الذي يغسل، فالتعريف فيه للعهد. وقيل: أراد صاحب العقب، حذف المضاف. وإنما قال ذلك لأنهم كانوا لا يستقصون علي أرجلهم في الوضوء. قال محيي الدين: في هذا الحديث دلالة علي وجوب غسل الرجلين، وأن المسح لا يجزئ وعليه جمهور الفقهاء في الأعصار والأمصار، وقالوا أيضًا: لا يجب المسح مع الغسل، وهو مذهب أبي داود، ولم يثبت خلاف هذا من أحد يعتد به في الإجماع. وقالت الشيعة: الواجب مسحهما. وإن من وصف وضوء رسول الله ﷺ في مواطن مختلفة وعلي صفات متعددة متفقون علي غسل الرجلين، وقوله ﷺ: «ويل للأعقاب من النار» وعيد وتهديد عظيم لمن لم يستكمل الغسل، فهو دليل الوجوب، وقد صح من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رجلًا قال: يا رسول الله! كيف الطهور. فدعا بماء فغسل كفيه ثلاثًا- إلي أن قال- ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد علي هذا أو نقص فقد أساء وظلم» وهذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره بالأسإنيد الصحيحة- انتهي كلامه. وذهبت الشيعة إلي أنه يمسح علي الرجلين؛ لقوله تعالي: ﴿وامسحوا برءوسكم
[ ٣ / ٧٩٥ ]
_________________
(١) وأرجلكم﴾ فإنه تعالي عطف الرجل علي الرأس، والرأس ممسوح، فكذا الرجل. قلت: وقد قرئ بالنصب عطفًا علي قوله: «وأيديكم» فإذا ذهب إلي المسح يبقى مقتضى النصب غير معمول به، بخلاف العكس؛ فإن المسح مغمور بالغسل، علي أن الأحاديث الصحيحة التي كادت تبلغ مبلغ التواتر معاضدة لقراءة النصب؛ فوجب تأويل القراءة بالكسرة، وفيه وجوه: أحدها العطف علي الجوار، كقوله تعالي: ﴿عذاب يوم أليم﴾ فالأليم صفة العذاب فأخذ إعراب اليوم للمجاورة، وقوله تعالي: ﴿عذاب يوم محيط﴾، ﴿وحور عين﴾ بالجر، بعد قوله: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق﴾ لأن «حور» لا يصلح عطفها علي «أكواب»؛ لأن الحور لا يطاف بها، وقولهم: جحر ضب خرب. وفائدة العطف ما قاله صاحب الكشاف: اكتساب المعطوف- أي الأرجل المغسولة- عن المعطوف عليه- وهو الرأس الممسوح- قلة انصباب الماء علي الأرجل؛ لأنها مظنة لإفراط الصب عليها. والثاني قول ابن الحاجب: هذا الأسلوب- أي عطف أرجلكم علي رءوسكم- مع إرادة كونها مغسولة من باب الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى ولكل واحد منهما متعلق، جوزت ذكر أحد الفعلين، وعطف متعلق المحذوف علي المذكور علي حسب ما يقتضيه لفظه، حتى كأنه شريكه في أصل الفعل، قال: يا ليت بعلك قد غدا متقلدًا سيفًا ورمحًا وكقول الآخر: علفته تبنًا وماءًا باردًا. والثالث قول الزجاج: يجوز «أرجلكم» بالخفض علي معنى فاغسلوا؛ لأن قوله: ﴿إلي الكعبين﴾ قد دل عليه؛ لأن التحديد يفيد الغسل، كما في قوله: ﴿إلي المرافق﴾ ولو أريد المسح لم يحتج إلي التحديد، كما قال تعالي في الرءوس: ﴿فامسحوا برءوسكم﴾ من غير تحديد، وتنسيق الغسل علي المسح كما قال الشاعر: متقلدًا سيفًا ورمحًا. وكان حاصل قول ابن الحاجب من هذا، والله أعلم.
[ ٣ / ٧٩٦ ]
٣٩٩ - وعن المغيرة بن شعبة، قال: إن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلي العمامة وعلي الخفين. رواه مسلم.
٤٠٠ - عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره وترجله وتنعله. متفق عليه.
_________________
(١) الحديث السابع عن المغيرة: قوله: «فمسح بناصيته» «قض»: اختلفوا في المسح علي العمامة، فمنعه أبو حنيفة﵁- ومالك مطلقًا، وجوز الثوري، وأحمد، وداود الاقتصار علي مسحها، إلا أن أحمد اعتبر أن يكون التعمم علي طهر كلبس الخف. وقال الشافعي: لا يسقط الفرض بالمسح عليها؛ لظاهر الآية الدالة علي وجوب إلصاق المسح بالرأس، والأحاديث المعاضدة لها، لكن لو مسح من رأسه ما يطلق عليه اسم المسح، وكان يعسر عليه رفعها، وأمر اليد المبتلة عليها بدل الاستيعاب، كان حسنًا. الحديث الثامن عن عائشة: قوله: «يحب التيمن» قال الشيخ محيي الدين: في قوله: «ما استطاع» إشارة إلي شدة المحافظة علي التيمن، وهذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، [والسواك]، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر- وهو مشطه- ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل، والشرب، والمصافحة، وغير ذلك مما هو في معناه- يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضده كدخول الخلاء، وخروج المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخف، وما أشبه ذلك- فيستحب فيه التياسر، وذلك كله لكرامة اليمين وشوفها. وأجمع العلماء علي أن تقديم اليمين علي اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل. أقول: قوله: «في طهوره، وترجله، وتنعله» بدل من قوله: «في شأنه» بإعادة العامل، ولعله ﷺ إنما بدأ فيها بذكر الطهور لأنه فتح لأبواب الطاعات كلها. فبذكره يستغنى عنها، كما سبق في قوله: «الطهور شطر الإيمان»، وثنى بذكر الترجل وهو يتعلق بالرأس، وثلث بالتنعل وهو مختص بالرجل؛ ليشمل جميع الأعضاء والجوارح، فيكون كبدل الكل من الكل.
[ ٣ / ٧٩٧ ]
الفصل الثاني
٤٠١ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا لبستم وإذا توضأتم، فابدأوا بأيامنكم» رواه أحمد، وأبو داود. [٤٠١]
٤٠٢ - وعن سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» رواه الترمذي، وابن ماجه.
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: «إذا لبستم وإذا توضأتم» خصا بالذكر وكرر أداة الشرط ليؤذن باستقلالهما، وأنهما يستتبعان جميع ما يدخل في الباب. أما التوضؤ فقد سبق ذكره آنفًا، وأما اللباس فإنه من النعم الممتن بها في قوله تعالي: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا ليواري سوآتكم وريشًا﴾ إشعارًا بأن التستر باب عظيم في التقوى، ولذلك حين عصى آدم ربه عاقبه بإبداء السوءة، ونزع لباس التقوى عنه. «نه»: قوله: «فابدأوا بأيامنكم» الحديث، كذا وجدناه في نسخ المصابيح، والرواية المعتد بها «بميامنكم»، ولا فرق بين اللفظين من طريق العربية، فإن الأيمن والميمنة خلاف الأيسر والميسرة، غير أن الحديث تفرد أبو داود بإخراجه في كتابه، ولفظه: «بميامنكم» فعلينا أن نتبع لفظه. قال المؤلف: وقد وجدت في كتاب أي داود في باب النعال، وفي شرح السنة، وفي شرح صحيح مسلم للنواوي كما في كتاب المصابيح «بأيامنكم»، وقال: تفرد أبو داود بإخراجه، وقد أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده أيضًا برواية أبي هريرة. الحديث الثاني عن سعيد: قوله: «لا ضوء لمن لم يذكر اسم الله» «قض»: هذه الصيغة حقيقة في نفي الشيء، وتطلق مجازًا علي نفي الاعتداد به لعدم صحته، كقوله ﵇: «لا صلاة إلا بطهور» أو كماله كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» والأول أشيع وأقرب إلي الحقيقة، فتعين المصير إليه ما لم يمنعه مانع، وهاهنا محمولة علي نفي الكمال، خلافًا لأهل الظاهر؛ لما روى ابن عمر وابن مسعود أنه ﵇ قال: «من توضأ فذكر اسم الله كان
[ ٣ / ٧٩٨ ]
٤٠٣ - ورواه أحمد، وأبو داود عن أبي هريرة.
٤٠٤ - والدارمي عن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، وزادوا في أوله: «لا صلاة لمن لا وضوء له» [٤٠٤].
٤٠٥ - وعن لقيط بن صبره، قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء. قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا»، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وروى ابن ماجه، والدارمي إلي قوله: «بين الأصابع» [٤٠٥].
٤٠٦ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك» رواه الترمذي. وروى ابن ماجه نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب [٤٠٦].
_________________
(١) طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهورًا لأعضاء وضوئه»، ولم يرد به الطهور عن الحدث؛ فإنه لا [يتجزى]، بل الطهور عن الذنوب. الحديث الثالث عن لقيط: قوله: «أخبرني عن الوضوء» التعريف فيه للعهد الذهني، وهو ما اشتهر بين المسلمين، وتعورف عندهم أن الوضوء ما هو، فيكون الاستخبار عن أمر زائد علي ما عرفه، فلذلك قال ﷺ: «أسبغ الوضوء» أي كماله: إيصال الماء من فوق الغرة إلي تحت الحنك طولا، ومن الأذن إلي الأذن عرضًا، مع المبالغة في الاستنشاق والمضمضة. هذا في الوجه، وأما في اليدين والرجلين فإيصال الماء إلي فوق المرافق والكعبين، مع تخليل كل واحد من أصابع اليدين والرجلين، فتأمل في بلاغة هذا الوجوب الموجز.
[ ٣ / ٧٩٩ ]
٤٠٧ - وعن المستورد بن شداد، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٤٠٧]
٤٠٨ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أخذ كفًا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي» رواه أبو داود. [٤٠٨]
٤٠٩ - وعن عثمان ﵁: أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته. رواه الترمذي والدارمي. [٤٠٩]
٤١٠ - وعن أبي حية، قال: رأيت عليًا توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلي الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ. رواه الترمذي، والنسائي. [٤١٠]
٤١١ - وعن عبد خير، قال: نحن جلوس ننظر إلي علي حين توضأ فأدخل يده اليمنى فملأ فمه، فمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاث مرات، ثم قال: من سره أن ينظر إلي طهور رسول الله ﷺ فهذا طهوره. رواه الدارمي. [٤١١]
٤١٢ - وعن عبد الله بن زيد، قال: رأيت رسول الله ﷺ مضمض واستنشق من كف واحدة فعل ذلك ثلاثًا. رواه أبو داود، والترمذي. [٤١٢]
٤١٣ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ مسح برأسه، وأذنيه: باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه. رواه النسائي. [٤١٣]
٤١٤ - وعن الربيع بنت معوذ: أنها رأت النبي ﷺ يتوضأ، قالت: فمسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة. [٤١٤]
وفي رواية، أنه توضأ فأدخل أصبعيه في جحري أذنيه. رواه أبو داود، وروى الترمذي الرواية الأولي، وأحمد وابن ماجه الثانية.
[ ٣ / ٨٠٠ ]
٤١٥ - وعن عبد الله بن زيد: أنه رأي النبي ﷺ توضأ، وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه. رواه الترمذي. ورواه مسلم مع زوائد.
٤١٦ - وعن أبي أمامة، ذكر وضوء رسول الله ﷺ قال: وكان يمسح الماقين، وقال: الأذنان من الرأس، رواه ابن ماجه، وأبو داود والترمذي. وذكرًا: قال حماد: لا أدري: «الأذنان من الرأس» من قول أبي أمامة أم من قول رسول الله ﷺ.
_________________
(١) الحديث الرابع إلي الحادي عشر عن ابن عباس: قوله: «بالسباحتين» «تو» يعني بهما المسبحتين، وهما السبابتان، والسباحة والمسبحة من التسميات الإسلامية، وضعوها مكان السبابة؛ لما في السبابة من المعنى المكروه، والإبهام الإصبع العظمى، وهي مؤنثة والجمع، أباهيم. «شف»: فيه إرشاد إلي أن باطنهما هو البادي للنظر منهما، وظاهرهما هو الملتصق بالرأس، وهو غير البادي منهما. الحديث الثاني عشر عن الربيع: قوله: «صدغيه» الصدغ ما بين الأذن والعين، ويسمى أيضًا الشعر المتدلي عليه صدغًا. «حس»: اختلفوا في تكرار مسح الرأس، هل هو سنة أم لا؟ فذهب أكثرهم إلي أنه يمسح مرة واحدة، ومنهم الأئمة الثلاثة، والمشهور من مذهب الشافعي أن المسح ثلاثًا سنة بثلاثة مياه جدد. الحديث الثالث عشر عن عبد الله: قوله: «مسح رأسه بماء غير فضل» أي أخذ له ماء جديدًا، ولم يقتصر علي البلل الذي بيديه، وهذا الحديث مخرج في كتاب مسلم، ولا شك أن المؤلف لم يشعر أنه في كتاب مسلم، ونقله عن كتاب الترمذي، فجعله من جملة الحسان. أقول: لا عليه إن ورد في الكتابين، وذكره في قسم الحسان، ولم يذكره في الصحاح، وغايته أن ترك الأولي. الحديث الرابع عشر عن أبي أمامة: قوله «يمسح الماقين» «تو»: الماق طرف العين الذي يلي الأنف. قال أبو عبيد الهروي: وفي كتاب الجوهري: الذي يلي الأنف والأذن، واللغة المشهورة [مؤق] العين. وفيه لغة أخرى، وهي ماق علي مثال قاض، وإنما مسحهما علي وجه الاستحباب مبالغة في الإسباغ، ونظرًا إلي حد الكمال، وذلك لأن العين قلما تخلو من قذف ترميه من كحل وغيره، أو رمض يسيل منها، فينعقد علي طرف العين، فيفتقر إلي تنقيته وتنظيفه بالمسح. والذي يقتضيه تفسير أبي عبيدة مسح طرف العين مما يلي الأنف، والذي
[ ٣ / ٨٠١ ]
٤١٧ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء أعرابي إلي النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد علي هذا فقد أساء وتعدى وظلم» رواه النسائي، وابن ماجه، وروى أبو داود معناه [٤١٧].
_________________
(١) يقتضيه قول الجوهري مسح الماقين من كل عين، وهذا أمثل وأحوط؛ لأن المعنى الذي وجدناه في مسح الطرف الذي يلي الأنف وجدناه في مسح الطرف الآخر- انتهي كلامه. وإنما قدم المؤلف ابن ماجه علي أبي داود والترمذي ليرجع الضمير في «ذكرا» إليهما، وإنما نشأت تردد الحماد من راوي الحديث عن أبي أمامة؛ لأن لفظة: «وقال» يحتمل أن يكون عطفًا علي «كان»، فيكون من كلام رسول الله ﷺ فالتقدير: أنه ﷺ كان يغسل الوجه، ويمسح الماقين، ولم يوصل الماء إلي الأذنين، وقال: هما من الرأس، فيمسحان بمسحه، وأن يكون عطفًا علي «قال»، فيكون من قول الراوي، فالتقدير: قال الراوي: ذكر أبو أمامة كان رسول الله ﷺ يغسل الوجه، ويمسح الماقين، ولم يغسل الأذنين؛ لأنهما من الرأس. «حس»: اختلفوا في أنه هل يأخذ للأذنين ماء جديدًا؟ فذهب الشافعي إلي أنهما عضوان علي حالهما، يمسحان ثلاثًا بثلاثة مياه جدد، وذهب أكثرهم إلي أنهما من الرأس، يمسحان معه. قال الزهري: هما من الوجه يمسحان معه، وقال الشعبي: ظاهرهما من الرأس، وباطنهما من الوجه. قال حماد: يغسل ظاهرهما وباطنهما. وقال إسحاق: الاختيار أن يمسح مقدمهما مع الوجه، ومؤخرهما مع الرأس. الحديث الخامس عشر عن عمرو: قوله: «يسأله» حال من فاعل «جاء» أي جاء سائلًا عن الكمال، كما مضى في الحديث الثالث، والكلام فيه حذف وإضمار، أي فأراد أن يريه ما سأل عنه رأي العين، فقام وتوضأ، وغسل أعضاء الوضوء، ومسح الرأس والأذنين كلا منهما ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: «هكذا الوضوء» ولو اقتصر علي القول بغسل أعضاء الوضوء ثلاثًا ثلاثًا لم يفد هذه الفائدة، إذ ليس الخبر كالمعاينة. قوله «فمن زاد علي هذا فقد أساء» «قض»: أي أساء الأدب، فإن الازدياد استنقاص لا استكمله الشرع، وتعد عما حد له وجعل غاية التكميل، وظلم بإتلاف الماء، ووضعه في غير موضعه. قال ابن المبارك: لا آمن إذا زاد علي الثلاث أن يأثم. وقال أحمد وإسحاق: لا يزيد علي الثلاث إلا رجل مبتلي. وأقول: يمكن أن يقال: إنه أساء الأدب حيث زاد علي مؤدبه، وما يفعل ذلك إلا من تعدى طوره، وجاوز حده، حيث يوهم أنه أعلم منه، ولا يصدر ذلك إلا
[ ٣ / ٨٠٢ ]
٤١٨ - وعن عبد الله بن المغفل، أنه سمع ابنه يقول، اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، قال: أي بني سل الله الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. [٤١٨]
٤١٩ - وعن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ قال: «إن للوضوء شيطانًا يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء» رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث، لأنا لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجه، وهو ليس بالقوي عند أصحابنا.
_________________
(١) عمن ابتلي بالجنون، ومن توهم ذلك فقد ظلم نفسه، حيث عرضها لسخط الله ومقته، هذا معنى قول ابن المبارك وأحمد ﵄، والله أعلم. الحديث السادس عشر عن عبد الله بن مغفل: قوله: «أي بني» «تو»: أنكر الصحابي علي ابنه في هذه المسألة؛ لأنه طمح إلي ما لا يبلغه عملا وحالًا، حيث سأل منازل الأنبياء والأولياء، وجعلها من باب الاعتداء في الدعاء؛ لما فيها من تجاوز عن حد الأدب، والنظر الداعي إلي نفسه بعين الكمال، والاعتداء في الدعاء يكون من وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلي بساط الانبساط، أو يميل إلي أحد شقي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه، وفي غيره إذا دعا له أو عليه، والاعتداء في الطهور استعماله فوق الحاجة، والمبالغة في تحري طهوريته، حتى يفضي به إلي الوسواس- انتهي كلامه. فعلي هذا ينبغي أن يروى الطهور بضم الطاء، ليشمل التعدي في استعمال الماء، والزيادة علي ما حد له. الحديث السابع عن أبي بن كعب: قوله: «الولهان» «تو»: هو مصدر وله يوله ولهًا وولهانًا، وهو ذهاب العقل، والتحير من شدة الوجد، فسمي به شيطان الوضوء إما لشدة حرصه علي طلب الوسوسة في الضوء، وإما لإلقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة، حتى يرى صاحبها حيران ذاهب العقل، لا يدري كيف يلعب به الشيطان- انتهي كلامه. يريد أن الولهان مصدر وضع موضع اسم الفاعل للمبالغة في تحيره؛ لشدة حرصه علي إيقاع الناس في التحير، أو تحير الناس بإيقاع وسوسته، فأسند إليه إسنادًا مجازيًا، لأنه حاملهم عليها، كما يقال: ناقة ضبوث، أي ضابثة.، والضبث الجس والقبض علي الشيء، وإنما جعلت ضابثة لما بها من السمن الداعي إلي الضبث والجس، مثل الحلوب والركوب، كذا في أساس البلاغة.
[ ٣ / ٨٠٣ ]
٤٢٠ - وعن معاذ بن جبل، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه، رواه الترمذي. [٤٢٠]
٤٢١ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كانت لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها أعضاءه بعد الوضوء. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث ليس بالقائم، وأبو معاذ الراوي ضعيف عند أهل الحديث. [٤٢١]
الفصل الثالث
٤٢٢ - عن ثابت بن أبي صفية، قال: قلت لأبي جعفر- هو محمد الباقر- حدثك جابر: أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، مرتين مرتين، ثلاثًا ثلاثًا؟ قال: نعم. رواه الترمذي. وابن ماجه. [٤٢٢]
٤٣٣ - وعن عبد الله بن زيد، قال: إن رسول الله ﷺ توضأ مرتين مرتين، وقال: «هو نور علي نور».
_________________
(١) قوله: «وسواس الماء» أي وسواس الولهان، فوضع الماء موضع ضميره مبالغة في كمال وسواسه في شأن الماء، وإيقاع الناس في التحير، حتى يتحيروا: هل وصل الماء إلي أعضاء الوضوء والغسل أو لم يصل؟ وهل غسل مرة أو مرتين أو أكثر؟ أو هل هو طاهر أو نجس؟ أو بلغ قلتين أم لا؟ وغير ذلك، والله أعلم. الحديث الثامن عشر والتاسع عشر ظاهران. الفصل الثالث الحديث الأول عن ثابت: قوله: «حدثك جابر» من عادة المحدثين أن يقول القارئ بين يدي الشيخ: حدثك فلان عن فلان، يرفع إسناده وهو ساكت يقرر ذلك، كما يقول الشيخ: حدثني فلان عن فلان، ويسمعه الطالب. الحديث الثاني عن عبد الله بن زيد: قوله: «نور علي نور» إشارة إلي قوله: «إن أمتي غر محجلون من آثار الوضوء» أو هداية علي هداية سنة علي فرض، يهدي الله لنوره من يشاء.
[ ٣ / ٨٠٤ ]
٤٢٤ - وعن عثمان، ﵁. قال: إن رسول الله توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء إبراهيم» رواهما رزين. والنووي ضعف الثاني في: «شرح مسلم».
٤٢٥ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ: يتوضأ لكل صلاة، وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث. رواه الدارمي. [٤٢٥]
٤٢٦ - وعن محمد بن يحيى بن حبان، قال: قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهرًا، عمن أخذه؟ فقال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل، حدثها أن رسول الله ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهرًا، فلما شق ذلك علي رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. قال: فكان عبد الله: يرى أن به قوة علي ذلك، ففعله حتى مات. رواه أحمد.
_________________
(١) الحديث الثالث عن عثمان: قوله: «هذا وضوء الأنبياء قبلي» مضى الكلام فيه. قوله: «رواهما» أي حديث عبد الله بن زيد وحديث عثمان، والنواوي ضعف حديث عثمان. الحديث الرابع عن أنس: قوله: «يتوضأ لكل صلاة» في الحديث إشعار بأن تجدد الوضوء كان واجبًا ثم نسخ، بشهادة الحديث الآتي. الحديث الخامس عن محمد بن يحيى: قوله: «عمن» متعلق بمعنى «أرأيت» لا بلفظه، أي أخبرني عمن أخذه، والضمير بمعنى اسم الإشارة، والمشار إليه الوضوء المخصوص. قوله: «فقال: حدثته» أي حدثته معنى ما قاله لا ما تلفظ به، فإن لفظه هو حدثني، ونحوه قوله تعالي: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾، قرئ بالياء والتاء فالياء التحتإنية هي إذًا لفظ ما توعد به بعينه، وبالتاء إذا تلفظ معنى ما توعد به لا لفظه، فالقائل في قوله: «فقال: حدثته» هو المسئول عنه في قوله: «أرأيت». وفي الحديث تنبيه علي فخامة أمر السواك، حيث أقيم مقام مثل ذلك الواجب، فكاد أن يكون واجبًا عليه ﷺ.
[ ٣ / ٨٠٥ ]
٤٢٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟» قال: أفي الوضوء سرف؟! قال: «نعم! وإن كنت علي نهر جار» رواه أحمد، وابن ماجه [٤٢٧].
٤٢٨ - وعن أبي هريرة، وابن مسعود، وابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من توضأ وذكر اسم الله، فإنه يطهر جسده كله، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله؛ لم يطهر إلا موضع الوضوء» [٤٢٨].
٤٢٩ - وعن أبي رافع، قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ وضوء الصلاة حرك خاتمه في أصبعه، رواهما الدارقطني، وروى ابن ماجه الأخير [٤٢٩]