الفصل الأول
١٩٩٩ - عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لم يدَعْ قوْلَ الزُّورِ والعمَلَ بهِ، فليسَ للهِ حاجةٌ في أنْ يدَعَ طَعامَه وشرابَه». رواه البخاريُّ.
_________________
(١) الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁ قوله «نعم سحور المؤمن التمر» وإنما مدحه في هذا الوقت؛ لأن في نفس السحور بركة، وتخصيصه بالتمر بركة علي بركة، كما سبق «إذا أفطر أحدكم فليفطر علي تمر؛ فإنه بركة» ليكون المبدوء به والمتتهي إليه البركة. باب تنزيه الصوم الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: «قول الزور» الزور: الكذب، والبهتان، والعمل به، أي العمل بمقتضاه من الفواحش، ومما نهي الله عنه. «قض»: المقصود من إيجاب الصوم وشرعيته، ليس نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وإطفاء ثائرة الغضب، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل له شيء من ذلك، ولم يكن له من صيامه إلا الجوع والعطش، لم يبال الله تعالي بصومه، ولا ينظر إليه نظر قبول. وقوله: «فليس لله حاجه» مجاز عن عدم الالتفات والقبول، والميل إليه، نفي السبب وأراد نفي المسبب. «تو»: والمعنى إن الله لا يبالي بعمله ذلك؛ لأنه أمسك عما أبيح له في غير حين الصوم، ولم يمسك عما حرم عليه في سائر الأحايين. وأقول: لما دل قوله تعالي: «الصوم لي وأنا أجزى به» علي شدة اختصاص الصوم به من بين سائر العبادات، وأنه مما يبالي ويحتفل به، فرع عليه قوله: «فليس لله حاجة في أن يترك صاحبه الطعام والشراب» وهو من الاستعارة التمثيلية، شبه حالته ﷿ مع تلك المبالاة والاحتفال بالصوم بحالة من افتقر إلي أمر لا عنى له عنه، ولا يتقوم إلا به، ثم ادخل المشبه في جنس المشبه به، واستعمل في المشبه ما كان مستعملًا في المشبه به من لفظ الحاجة مبالغة، لكمال الاعتناء والاهتمام. وفي الحديث دليل علي أن الكذب والزور أصل الفواحش، ومعدن المناهي، بل قرين
[ ٥ / ١٥٩٠ ]
٢٠٠٠ - وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يقبِّلُ ويُباشِرُ وهوَ صائِمٌ، وكانَ أملَككم لأرَبِه. متفق عليه.
٢٠٠١ - وعنها، قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يُدرُكه الفجرُ في رمضانَ وهوَ جُنُبٌ منْ غيرِ حُلمٍ، فيغتَسِلُ ويصومُ. متفق عليه.
_________________
(١) الشرك، قال تعالي: ﴿فاجْتنبواُ الرجْسَ منَ الأَوثِان واجتِنُبوا قوْلَ الزُّورِ﴾ وقد علم أن الشرك مضاد الإخلاص، وللصوم مزيد اختصاص بالإخلاص، فيرتفع بما يضاده. والله أعلم. الحديث الثاني عن عائشة رضي الله عها: قوله: «وكان أملككم لأربه» «نه»: أي لحاجته، يعني أنه كان غالبًا علي هواه. وأكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يروونه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان أحدهما: أنه الحاجة، يقال: فيها الإرب، والإرب، والإربة والمأربة. والثاني: أرادت به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة، كذا ذكر في شرح السنة والفائق. «تو»: حمل الأرْب- ساكنة الراء- علي العضو في هذا الحديث غير سديد، لا يعبر به إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب، مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب. وأقول: ولعل ذلك مستقيم؛ لأن الصديقة ﵂ ذكرت أنواع الشهوة مترقية من الأدنى غلي الأعلي، فبدأت بمقدمتها التي هي القبلة، ثم ثنت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبر عن المجامعة كنَّتْ عنها بالأرب، وأي عبارة أحسن منها. «حس»: اختلف أهل العلم في جواز القبلة للصائم، فرخص عمر بن الخطاب وأبو هريرة، وعائشة ﵃. وقال الشافعي ﵁: لا بأس بها إذا لم تحرك القبلة شهوته. وقال ابن عباس ﵄: يكره ذلك للشباب، ويرخص فيه للشيوخ. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: «من غير حُلمٍ» صفة مميزة للجنب. «غب»: سميت الجنابة جنابة؛ لكونها سببًا لتجنب الصلاة، والطواف، ونحوهما في حكم الشرع وذلك بإنزال الماء، أو بالتقاء الختإنين. «حس»: ظاهر الحديث قول عامة أهل العلم. قالوا: من أصبح جنبًا اغتسل وأتم صومه. وعن النخعى: أنه يجزئه التطوع، ويقضى الفريضة. أقول: ظاهر الحديث موافق لنص الكتاب ﴿فَالآنَ باشِرُوهنَّ- إلي قوله- ثُمَّ أتمواُ الصيَامَ إِلي الليْلِ﴾؛ لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلي الانفجار لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الصبح.
[ ٥ / ١٥٩١ ]
٢٠٠٢ - وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: إِنَّ النبيَّ ﷺ احتجَمَ وهوَ مُحرِمٌ، واحتجَمَ وهوَ صائِمٌ. متفق عليه.
٢٠٠٣ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهص لي الله عليه وسلم: «مَنْ نسِيَ وهوَ صائِمٌ فأكلَ أو شرِبَ، فلْيُتمَّ صوْمَه، فإِنَّما أطعمَه اللهُ وسَقاه». متفق عليه.
٢٠٠٤ - وعنه، قال بَينما نحنُ جُلوسٌ عندَ النبيِّ ﷺ إِذْ جاءَه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ! هلَكْتُ. قال: «مالَكَ؟» قال: وقَعتُ علي امرأتي وأنا صائِمٌ، فقال رسولُ الله ﷺ: «هل تجِدُ رقَبَةٌ تُعتِقُها؟» قال: لا، قال: «فعلْ تستَطيعُ أن تصومَ شهرَيْنِ مُتتابعينِ؟» قال: لا. قال «هلْ تجدُ إِطَعامَ سِتِّينَ مسكينًا؟» قال: لا. قال:
_________________
(١) الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: «احتجم وهو محرم» «مظ»: تجوز الحجامة للمحرم بالحج والعمرة بشرط أن لا ينتف شعرًا، وكذلك يجوز للصائم الحجامة من غير كراهية عند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي ﵃. وقال الأوزاعي: يكره للصائم الحجامة مخافة الضعف. وقال أحمد: يبطل صوم الحاجم والمحجوم، ولا كفارة عليهما. وقال عطاء: يبطل صوم المحجوم، وعليه الكفارة. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فإنما أطعمه الله وسقاه» «إنما» للحصر، أما أطعمه ولا سقاه أحد إلا الله، فدل علي أن هذا النسيان من الله، ومن لطفه في حق عباده تيسيرًا عليهم، ورفعًا للحرج. وعلي هذا قضاء الصلاة بعد النسيان. «مظ»: الأئمة الثلاثة يقولون بظاهر الحديث، ويقول مالك بالبطلان. «شف» إطلاق هذا الحديث يدل علي انه لا يفطر الصوم النسيان، وإن أكل أو شرب كثيرًا، وفي الكثير قول. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «وانا صائم» وفي أكثر نسخ المصابيح «وقعت علي امرأتي وانا صائم في نهار رمضان». «تو»: الرجل علي ما ضبطناه هو سلمة ابن صخر الأنصاري البياضى، وقيل: سليمان، وسلمة أصح، فكان قد ظاهر من امرأته خشية أن لا يملك نفسه، ثم وقع عليها في رمضان. كذا وجدناه في عدة من كتب أصحاب الحديث، وعند الفقهاء: أنه أصابها في نهار رمضان. «حس» و«قض»: رتب الثاني بالفاء علي فقد الأول، ثم الثالث بالفاء علي فقد الثاني، فدل علي عدم التخيير، وقال مالك بالتخيير، وأن المجامع مخير بين الخصال الثلاث. قوله: «بعرق» «نه»: هو زنبيل منسوج من خوض، وكل شيء مضفور، فهو عرق وعرقة
[ ٥ / ١٥٩٢ ]
«اجلسْ» ومكثَ النبيُّ ﷺ، فبَينا نحنُ علي ذلكَ، أتيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيهِ تمرٌ- والعَرقُ: المِكتَلُ الضَّخمُ- قال: «أينَ السَّائلُ؟» قال: أنا. قال: «خُذْ هذا فتصَدَّقْ بهِ». فقال الرجلُ: أعلي أفقرَ مني يا رسولَ اللهِ؟ فوَ اللهِ ما بَينِ لابَتَيها- يُريدُ الحرَّتَينِ- أهلُ بيت أفقَر منْ أهلِ بَيتي. فضحِكَ النبيُّ ﷺ حتى بَدتْ إنيابُه، ثمَّ قال: «أطعِمْهُ أهلَك». متفق عليه.
الفصل الثاني
٢٠٠٥ - عن عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُقبلُها وهوَ صائِمٌ، ويَمُصُّ لسانَها. رواه أبو داود [٢٠٠٥].
٢٠٠٦ - وعن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا سألَ النبي ﷺ عن المباشرةِ للصَّائِمِ، فرَخَّصَ له. وأتاهُ آخرُ فسألَه فنهاهُ، فإذا الذي رخَّصَ له شيخٌ وإذا الذي نهاهُ شابٌّ. رواه أبو داود [٢٠٠٦].
٢٠٠٧ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ ذَرَعَه القيءُ وهوَ صائِمٌ، فليسَ عليهِ قضاءٌ، ومَنِ استَقاء عمدًا؛ فلْيَقضِ» رواه الترمذيُّ، وأبو داود، وابنُ
_________________
(١) -بفتح الراء فيهما- «حس»: هو مكتل يسع خمسة عشر صاعًا. وفيه دلالة من حيث الظاهر علي أن طعام الكفارة مد لكل مسكين، لا يجوز أقل منه، ولا يجوز أكثر. لأن كل صاع أربعة أمداد. وفيه دليل علي أن العبرة في الكفارات بحالة الأداء، وهو قول أكثر العلماء، وهو أظهر قولي الشافعي؛ لأن الرجل حالة ارتكاب المحظور لم يكن له شيءٌ، فلما تصدق عليه، أمره بأن يكفر، فلما ذكر حاجته أخرها عليه إلي الوجد. هذا التأويل أحسن من قول الزهري: «هذا كان خاصًا بذاك الرجل» ومن قول قوم: «إنه منسوخ» إذ لا دليل لهما. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: «من ذرعه القئ» «نه» أي سبقه وغلبه في الخروج «حس»: العمل عند أهل العلم علي هذا، وقالوا: من استقاء عمدًا فعليه القضاء، ومن ذرعه القئ فلا قضاء عليه. ولم يختلفوا في هذا.
[ ٥ / ١٥٩٣ ]
ماجه، والدراميّ، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرِفه إِلا منْ حديثِ عيسى بنِ يونُسَ. وقال محمَّدُ- يعني البخاريَّ-: لا أراهُ محفُوظًا.
٢٠٠٨ - عن مَعدانَ بنِ طلحةَ، أنَّ أبا الدَّرداء حدَّثَه أنَّ رسولَ الله ﷺ قاء فأفطَرَ. قالَ: فلَقيتُ ثَوْبانَ في مسجد دمشقَ، فقلتُ: إنَّ أبا الدَّرداءِ حدَّثَني أنَّ رسولَ الله ﷺ قاء فأفطرَ. قال: صدَقَ، وأنا صبَبَتُ لهَ وضوءَه. رواه أبو داود، والترمذيّ والدرامي.
٢٠٠٩ - وعن عامرِ بنِ ربيعةَ، قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ مالا أُحْصي يتسَوَّكُ وهوَ صائمٌ. رواه الترمذي، وأبو داود [٢٠٠٩].
٢٠١٠ - وعن أنسٍ، قال: جاءَ رجلٌ إِلي النبيِّ ﷺ قال: اشْتكَيتُ عيني، أَفأكتحلُ وأنا صائمٌ؟ قال: «نعم». رواه الترمذيُّ، وقال: ليسَ إِسنادُه بالقويِّ، وأبو عاتِكة الرَّاوي يُضعَّفُ.
_________________
(١) وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج. قوله: «لا أراه محفوظًا» الضمير راجع إلي الحديث، وهو عبارة عن كونه منكرًا. الحديث الرابع عن معدان بن طلحة ﵁: قوله: «قاء فأفطر» لعل الراوي رأي هذه الصورة فرواها، ولم يدر أنه ﷺ استقاء. وإنما أولنا هذا الحديث؛ لما مر «من ذرعه القئ فليس عليه قضاء»، أو كان متطوعًا. قوله: «وضوءه» «مظ»: يعنى سكبت الماء علي يده، حتى غسل يده، حتى غسل يده وفمه. هذا تأويله عند الشافعي؛ لأن القئ لا يبطل الوضوء عنده. وقال أبو حنيفة: يبطل القئ الوضوء. الحديث الخامس عن عامر بن ربيعة: قوله: «يتسوك» ثإني مفعولي «رأيت»؛ لأنه خبر في الحقيقة، و«ما» موصوفة، و«لا أحصى» صفتها، وهي ظرف لـ «يتسوك» أي رأيت النبي ﷺ متسوكًا مدة لا أقدر علي عدها. «مظ»: لا يكره السواك للصائم في جميع النهار، بل هو سنة عند أكثر العلماء، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، لانه تطهير. وقال ابن عمر: يكره بعد الزوال؛ لأن خلوف الصائم الصائم أثر العبادة، الخلوف يظهر عند خلو المعدة من الطعام، وخلو المعدة يكون عند الزوال غالبًا، وإزالة أثر العبادة مكروهة، وبه قال الشافعي، وأحمد. الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: «أفأكتحل وانا صائم» «مظ»: الاكتحال للصائم غير مكروه وإن ظهر طعمه في الحلق، عند الأئمة الثلاثة، وكرهه أحمد.
[ ٥ / ١٥٩٤ ]
٢٠١١ - وعن بعضِ أصحاب ِّ ﷺ، قال: لقدْ رأيتُ النبيَّ ﷺ بالعَرَجِ يَصبُّ علي رأسهِ الماءَ وهوَ ضائمٌ منَ العَطشِ أو منَ الحَرِّ. رواه مالك، وأبو داود [٢٠١١].
٣٢٠١٢ - وعن شدَّاد بن أوْس: أنَّ رسولَ الله ﷺ أتى رجلا بالبقيع، وهوَ يحْتجِمُ، وهوَ آخذٌ بيدي لثمإني عشْرةَ خلَتْ منْ رمضانَن فقال: «أفْطرَ الحاجِمُ والمحجومُ». رواه أبو داود، وابنُ ماجه، والدارمي. قال الشيخُ الإِمامُ مُحيي السنّنة، رحمة الله عليه. وتأوَّله بعضُ منْ رخَّصَ في الحجامة: أي تعّرَّضا للأِفطار: المحجومُ للضعف، والحاجِمُ؛ لأنَّنه لا يأمَنُ منْ أنْ يصلَ شيءٌ إِلي جَوفِه بمصِّ الملازِمِ [٢٠١٢].
٢٠١٣ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ أفطرَ يومًا منْ رمضانَ منْ غيرِ رُخصةٍ ولا مَرَضٍ لمْ يَقضِ عنه صومُ الدَّهرِ كلِّه وإِنْ صامَه» رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، والبخاري في ترجمة باب، وقال الترمذيُّ: سمعتُ محمَّدًا- يعني البخاريَّ- يقول: أبو المطِّوسِ الراوي لا أعرفُ له غيرَ هذا الحديثِ.
_________________
(١) الحديث السابع والثامن عن شداد بن أوس: قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» «قض»: ذهب إلي ظاهر الحديث حمع من الأئمة، وقالوا: يفطر الحاجم والمحجوم، ومنهم أحمد، وإسحاق. وقال قوم منهم مسروق، والحسن، وابن سيرين: تكره الحجامة للصائم، ولا يفسد الصوم بها، وحملوا الحديث علي التشديد، وأنهما نقصا أجر صيامهما، وأبطلاه بارتكاب هذا المكروه. وقال الأكثرون: لا بأس بها؛ إذ صح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة ﵃. وقالوا: معنى قوله: «أفطر» تعرض للإفطار كما يقال: هلك فلان إذا تعرض للهلاك، كما هو مشروح في المتن. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «لم يقض عنه صوم الدهر» «مظ»: يعني لم يجد فضيلة الصوم المفروض بصوم النافلة، وليس معناه لو صام الدهر بنية قضء يوم رمضان لا يسقط عنه قضاء ذلك اليوم، بل يجزئه قضاء يوم بدلا من يوم. وأقول: هو من باب التشديد والمبالغة، ولذلك أكده بقوله: «وإن صامه» أي وإن صامه حق الصيام، ولم يقصر فيه، وبذل جهده وطاقته، كما في قوله تعالي: ﴿اتقُوا اللهَ حقَّ
[ ٥ / ١٥٩٥ ]
٢٠١٤ - وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «كم منْ صائِمٍ ليسَ له منْ صيامِه إِلا الظَّمأُ، وكم منْ قائمٍ ليسَ له منْ قيامِه إِلا السَّهَر». رواه الدارمي.
وذُكِرَ حديثُ لَقيطِ بنِ صَبِرَةَ في «بابِ سننِ الوضوءِ» [٢٠١٤].
الفصل الثالث
٢٠١٥ - عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله ﷺ «ثلاثٌ لا يفطرْنَ الصَّائَم: الحِجامة، والقيء، والاحتِلامُ» رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ الرَّاوي يُضعَّفُ في الحديث.
٢٠١٦ - وعن ثابت البُنإني، قال: سُئلَ أنسُ بنُ مالك: كنُتم تكرهونَ الحِجامةَ للِصَّائِمِ علي عهدِ رسولِ الله ﷺ،؟ قال: لا؛ إِلا منْ اجلِ الضَّعفِ. رواه البخاريُّ.
٢٠١٧ - وعن البخاريِّ تعليقًا، قال: كانَ ابنُ عمرَ يحتجمُ وهوَ صائمٌ ثمَّ تركَه فكانَ يحتجمُ بالليلِ.
٢٠١٨ - وعن عطاء، قال: إنْ مَضْمَض ثمَّ أفرغ ما في فيه من الماءِ، لا يضيرهُ أن يزدرِدَ ريقَه وما بقي في فيه، ولا يمضَغُ العلَكَ، فإنِ ازدردَ ريقَ العِلكِ لا أقول: إِنه يُفطرُ، ولكن يُنْهي عنه. رواه البخاري في ترحمة باب.
_________________
(١) تقاته﴾. وزيد في المبالغة حيث أسند القضاء إلي الصوم إسنادًا مجازيًا، وأضاف الصوم إلي الدهر إجراء للظرف مجرى المفعول به؛ إذ الأصل لم يقض هو في الدهر كله إذا صامه. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁ قوله: «كم من صائم» إلي آخرهز «مظ»: يعني كل صوم لا يكون خالصًا لله تعالي، لا مجتنبًا عن قول الزور، والكذب، والبهتان، والغيبة، ونحوها من المناهي، يحصل له الجوع والعطش، ولا يحصل له الثواب، وكذا الحكم للقائم بالليل. أقول: ونحوها الصلاة في الدار المغصوبة، وأداؤها بغير جماعة من غير عذر، فإنها تسقط القضاء، ولا يترتب عليها الثواب. الفصل الثالث الحديث الأول إلي الرابع عن عطاء: قوله: «لا يضيره أن يزدرد ريقه» زرد اللقمة يزرد بلعها، والإزدراد الابتلاع. قوله: «في ترجمة باب» أي في تفسيره، كما يقال: باب الصلاة، باب الصوم.
[ ٥ / ١٥٩٦ ]