الفصل الأول
٦٢٤ - عن عمارة بن رويبة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لن يلج
_________________
(١) الحديث التاسع: عن عبيد الله بن عدي بن الخيار (﵁): قوله: «إمام فتنة» يريد من أثار الفتنة وأهاج المحاربة مع أمير المؤمنين وحصره في بيته، والمراد بإمام العامة الإمامة الكبرى وهي الخلافة، وبإمام الفتنة الإمامة الصغرى، وهي الإمامة في الصلاة فحسب، وفي إيقاع إمام فتنة في مقابلة إمام عامة إشارة إلي حقية إمامته وإجماع الناس عليها، وبطلان من يناوئه ويعاديه. ثم انظر إلي إنصاف أمير المؤمنين بما أجاب وأثبت لهم الإحسان والإساءة، وأمر بمتابعة إحسانهم، والاجتناب عن إساءتهم، وأخرج الجملة مخرج العموم حيث وضع الناس موضع ضميرهم، وفيه دليل علي جواز الصلاة خلف الفرقة الباغية وكل بر وفاجر. والتحرج: التأثم «نه»: الحرج في الأصل الضيق، ويقع علي الإثم والحرام. باب فضائل الصلاة الفصل الأول الحديث الأول عن عمارة بن رويبة: قوله: «لن يلج النار»: لن لتأكيد النفي في المستقبل وتقريره، وفيه دليل علي أن الوارد في قوله تعالي: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ ليس بمعنى الدخول، وهذا أبلغ من لو قيل: يدخل الجنة، علي ما مر في باب الإيمان. وخص الصلاتين بالذكر، لأن وقت صلاة الصبح وقت لذيذ الكرى والنوم، والقيام فيه أشق من القيام في غيره،
[ ٣ / ٨٩٤ ]
النار أحد صلي قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها» يعني الفجر والعصر. رواه مسلم.
٦٢٥ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلي البردين دخل الجنة». متفق عليه.
٦٢٦ - وعن أبي هريرة، [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم- وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون». متفق عليه.
_________________
(١) قال الله تعالي: ﴿تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا﴾ وصلاة العصر وقت قوة الاشتغال بالتجارة، وحينئذ يحمى البيع والشرى، فما ينتهي عنه إلا من كمل دينه، قال الله تعالي: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ ولأن الوقتين مشهودان تشهدهما ملائكة الليل والنهار، ويرفعون فيهما أعمال العباد إلي الله تعالي والمسلم إذا حافظ عليهما مع ما فيه من التثاقل والمشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ علي غيرهما أشد محافظة، وما عسى أن يقع منه التفريط، فالحري أن يقع مكفرًا، فيغفر له ولن يلج النار. الحديث الثاني عن أبي موسى: قوله: «البردين» في شرح السنة والفائق والغريبين: والأبردان الغداة والعشي، وزاد في الفائق: لطيب الهواء وبرده فيهما، وأنشد لحميد بن ثور: فلا الظل من برد الضحى يستطيع ولا الفيء من برد العشي يذوق وزاد في شرح السنة: أراد بهما صلاة الفجر والعصر؛ لكونهما في طرفي النهار. الحديث الثالث عن أبي هريرة (﵁): قوله: «يتعاقبون» «مح»: قيل: إن الضمير في «يتعاقبون» ضمير الفاعل، وهي لغة بني الحارث، وحكموا فيه قولهم: أكلوني البراغيث، وعليه حمل الأخفش قوله تعالي: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾. وأكثر النحويين لا يجوزون، ويجعلون الاسم بدلا عن الضمير. ومعنى «يتعاقبون» تأتي طائفة عقيب طائفة، واجتماعهم في الوقتين من لطف الله وكرمه بعباده؛ ليكون شهادة لهم بما شهدوه من الخير،
[ ٣ / ٨٩٥ ]
٦٢٧ - وعن جندب القسري، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلي صلاة الصبح؛ فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه علي وجهه في نار جهنم». رواه مسلم. وفي بعض نسخ «المصابيح»: القشيري بدل القسري.
٦٢٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا؛ ولو يعلموا ما في التهجير، لاستبقوا إليه؛ ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا». متفق عليه.
_________________
(١) وأما السؤال عنهم وهو أعلم بهم، فتعبد منه للملائكة كما يكتب الأعمال وهو أعلم بالجميع، قال الأكثرون: إن هؤلاء الملائكة هم حفظة الكتاب، وقيل: يحتمل أن يكونوا غيرهم. وأقول: كرر «ملائكة» وجيء بها نكرة؛ دلالة علي أن الثانية غير الأولي. كقوله تعالي: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾. وفي قوله «يعرج الذين باتوا فيكم» إيذان بأن ملائكة الليل لا يزالون حافظين العباد إلي الصبح، وكذلك ملائكة النهار إلي الليل، ودليل علي قول الأكثرين. الحديث الرابع عن جندب (﵁): قوله: «القسري» هو بفتح القاف وسكون السين المهملة، كذا صححه النواوي. في سائر نسخ المصابيح «القشيري» بضم القاف والشين المعجمة وهو غلط. قوله: «فلا يطلبنكم» من باب أرينكم، هاهنا وقع النهي علي مطالبة الله تعالي إياهم عن نقض العهد، والمراد نهيهم عن التعرض لما يوجب مطالبة الله إياهم، وفيه مبالغات؛ لأن الأصل لا تخفروا ذمته، فجيء بالنهي، كما ترى، وصرح بضمير الله، ووضع المنهي الذي هو مسبب موضع التعرض الذي هو سبب فيه، ثم أعاد الطلب وكرر الذمة، ورتب عليه الوعيد. المعنى من صلي صلاة الصبح فهو في ذمة الله تعالي فلا تتعرضوا له بشيء يسير؛ فإنكم إن تعرضتم له يدرككم الله تعالي ولن يفوته، فيحيط بكم من جوانبكم كما يحيط المحيط بالمحاط، ويكبكم في النار. والضمير في «ذمته» يجوز أن يعود إلي الله تعالي وإلي «من». وقيل يحتمل أن يكون المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان، فيكون المعنى لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبكم به. وإنما خص صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيه امن الكلفة والمشقة، وأداؤها مظنة خلوص الرجل، ومنته إيمانه، ومن كان مؤمنًا خالصًا فهو في ذمة الله تعالي وعهده. الحديث الخامس: عن أبي هريرة (﵁): قوله: «لو يعلم الناس» المعنى لو علموا ما في النداء، والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق إليه- لوجب عليهم ذلك، فوضع
[ ٣ / ٨٩٦ ]
٦٢٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس صلاة أثقل علي المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوا». متفق عليه.
_________________
(١) المضارع موضع ما يستدعيه «لو» من الماضي؛ ليفيد استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون علي بال منه، وأتى بـ «ثم» المؤذنه بتراخي رتبة الاستباق عن العلم، وقدم ذكر «النداء» دلالة علي تهيؤ المقدمة الموصلة إلي المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة فيكون من المقربين، وأطلق مفعول «يعلم» يعني «ما» ولم يبق أن الفضيلة ما هي ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخ تحت الحصر والوصف، وكذا تصوير حالة الاستباق بالاستهام فيه من المبالغة حدها؛ لأنه لا يقع إلا في أمر يتنافس فيه المتنافسون، ويرغب فيه الراغبون، ولاسيما إخراجه مخرج الاستثناء والحصر، وليت شعري! بماذا يتشبث ويتمسك من طرق سمعه هذا البيان، ثم يتقاعد عن الجماعة خصوصًا عن الاستباق إلي الصف الأول؟ ولعله يعتذر بأنه خارج من زمرة من سمع وأطاع، فلما فرغ من الترغيب في الاستباق إلي الصف الأول عقبه بالترغيب في إدراك أول الوقت، ولذلك أوجب أن يفسر «التهجير» بالتبكير كما ذهب إليه الكثيرون. «نهظ»: «التهجير» التبكير إلي كل شيء والمبادرة إليه، يقال: هجر تهجيرًا فهو مهجر، وهي لغة حجازية أراد المبادرة إلي أول وقت الصلاة، ومنه حديث الجمعة: فالمهجر إليها كالمهدي بدنة. «قض»: لا يقال: الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير والسعي إلي الجماعة بالظهيرة؛ لأنا نمنع ذلك. فإن كثيرًا من أصحابنا حمل الأمر به علي الرخصة، فعلي هذا يكون الإبراد رخصة، والتهجير سنة، ومن حمل ذلك علي الندب فله أن يقول: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظل ولا يخرج بذلك عن حد التهجير؛ فإن المهاجرة تطلق علي الوقت؛ إلي أن يقرب العصر. «والاستفهام» الاقتراع، قيل: سمي به لأنها سهام يكتب عليها الأسماء فمن وقع له منها سهم فاز بالحظ المقسوم. قوله: «ولو حبوا» «نه»: الحيوان يمشي علي يديه وركبتيه أواسته. وحبا البعير إذا برك، ثم زحف من الإحباء، وحبا الصبي إذا زحف علي إليته. الحديث السادس: عن أبي هريرة (﵁): قوله: «ليس صلاة» قال المالكي: قد ثبت أن ليس من أخوات كان فيلزم أن يجري مجراها في أن لا يكون اسمها نكرة إلا بمصحح كما يلزم ذلك في الابتداء، ومصححه وقوعه بعد نفي، وإذا جاز وقع اسم كان نكرة محضة بعد نفي كما في قول الشاعر: إذا لم يكن أحد باقيًا فإن التأسي دواء الأسى فلأن يجوز وقوعه اسم ليس أولي، لملازمتهما النفي. وفي الحديث شاهد علي استعمال ليس
[ ٣ / ٨٩٧ ]
٦٣٠ - وعن عثمان [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلي العشاء في جماعة؛ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلي الصبح في جماعة؛ فكأنما صلي الليل كله». رواه مسلم.
٦٣١ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يغلبنكم الأعراب علي اسم صلاتكم المغرب» قال: «وتقول الأعراب: هي العشاء».
_________________
(١) للنفي العام المستغرق به الجنس، وهو مما يغفل عنه، ويؤيده الاستثناء منه في قوله تعالي: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾. ولك أن تجعل «ليس» حرفًا لا اسم لها ولا خبر وفي قول ابن عمر «﵁»: «أليس ينادي» شاهد علي استعماله حرفًا، أشار إلي ذلك سيبويه، وحمل عليه قول بعض العرب: «ليس الطيب إلا المسك» بالرفع، وأجاز في قولهم: «ليس خلق الله مثله» حرفية «ليس» وفعليتها، علي أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر، وإن جوز الوجهان في: «ليس ينادي لها» فغير ممتنع، انتهي كلامه. وإنما خص الصبح والعشاء بالذكر لأن أحدهما ترك لطعم النوم ولذته، والآخر شروع في النوم، ولا يحب ذلك إلا الكسلان، أو المنافق والذين ﴿إذا قاموا إلي الصلاة قاموا كسالي يراءون الناس﴾، وهذه حالة المنافقين. الحديث السابع: عن عثمان (﵁): قوله: «من صلي العشاء في جماعة» خصا بالذكر لما فيهما من ترك النوم ولذاته كما مر، فلا يؤثرهما إلا كل مخلص تقي «تتجافي جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفًا وطمعًا». فلما آثروا السهر والتهجد فيهما علي النوم سرى ثوابهما إلي سائر أوقات الهجود. قوله: «فكأنما صلي الليل كله» لعله ﷺ لم يرد أن صلاة الصبح قامت مقام صلاة الليل كله، بل أراد بقيتها التي استبقتها صلاة العشاء، ونحوه قوله تعالي: ﴿خلق الأرض في يومين﴾ إلي قوله: ﴿في أربعة أيام﴾ قال الزجاج: في «في أربعة أيام»: في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين. ويجوز أن يجعل كلا من العشاء والصبح مستقلًا بما رتب عليه. وإنما قيل أولًا: «قام» لأن صلاة الليل يعبر عنها بقام، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم. وقيل ثإنيا: «صلي الليل كله» ولم يقل: «قام» ليشاكل قوله: «صلي الصبح». الحديث الثامن: عن ابن عمر (﵁): قوله: «لا يغلبنكم الأعراب علي اسم
[ ٣ / ٨٩٨ ]
٦٣٢ - وقال: «لا يغلبنكم الأعراب علي اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، فإنها تعتم بحلاب الإبل». رواه مسلم.
_________________
(١) صلاتكم» يقال: غلبه علي كذا غصبه منه، وفي «أساس البلاغة»: غلبته علي شيء أخذته منه، والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسميتهم المغرب بالعشاء والعشاء بالعتمة فتغضب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها الله بها، فتبدلوا بها العتمة، والنهي علي الظاهر للأعراب، وعلي الحقيقة لهم كما سبق. فإن قلت: ما موقع الفاء في قوله: «فإنها في كتاب الله» وفي «فإنهم تعتم»؟ قلت: الأولي علة للنهي، والثانية علة للتسمية، المعنى لا يغلبنكم الأعراب علي اسم صلاتكم العشاء؛ لأن اسمها في كتاب الله العشاء، وهم يسمونها بالعتمة؛ لأنها تعتم بحلاب الإبل. «تو»: الأعراب يحلبون الإبل بعد غيبوبة الشفق حتى يمد الظلام رواقة، ويسمى ذلك الوقت العتمة، وكان ذلك مستفيضًا في اللغة العربية، فلما جاء الإسلام وتمهدت قواعده، وأكثر المسلمون من أن يقولوا العتمة بدل صلاة العشاء- قال رسول الله ﷺ: «لا يغلبنكم الأعراب» أي لا تطلقوا هذا الاسم علي ما هو متداول بين المسلمين، فيغلب مصطلحهم علي الاسم الذي جئتكم به من الله. فإن قيل: ما وجه التوفيق بينه وبين الحديث السابق عن أبي هريرة (﵁): «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» والحديثان صحيحان؟ قلنا: ذكر بعضهم أن أبا هريرة سمع هذا الحديث قبل نزول قوله تعالي: ﴿يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ إلي قوله: «بعد صلاة العشاء» فلما نزلت نهاهم رسول الله ﷺ عن التسمية بالعتمة. وفي تقدم نزول الآية علي الحديث بحث؛ لأنه بالعكس علي ما تقرر في التاريخ. والوجه أن يقال: إن ذلك كان في بدء الأمر جائز، فلما كثر إطلاقهم وجرت ألسنتهم به نهاهم رسول الله صلي الله عليه وسلم عنه، لئلا يغلب ألسنة الجاهلية علي الإسلامية. «حس»: كرهوا تسمية العشاء بالعتمة، وكان ابن عمر (﵁) إذا سمعها صاح وغضب، وقال: إنما هو العشاء. وقال مالك: وأحب أن لا تسمى إلا بما سماها الله تعال. ومنهم من لم يكره، لما روت عائشة (﵂): «أعتم رسول الله ﷺ بالعتمة» وروى أبو هريرة (﵁): «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا». قال الشيخ محيي الدين: في الجواب وجهان: أحدهما: أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهي من العتمة للتنزيه لا للتحريم. والثاني: يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء لأنها
[ ٣ / ٨٩٩ ]
٦٣٣ - وعن علي [﵁] أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق «حبسونا عن صلاة الوسطى: صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا». متفق عليه.
_________________
(١) أشهر عند العرب من العشاء، وإنما كانوا يطلقونها علي المغرب. وأقول: لعل النهي إنما ورد علي التسمية بها وتداولها بين الناس، والقصد بالذكر في الأحاديث الواردة فيه العتمة هو الوصف والنظر إلي أصل اللغة تحريضًا علي إيقاع صلاة العشاء في وقت الاختيار عند تكامل الظلمة، والله أعلم. الحديث التاسع: عن علي (﵁) قوله: «يوم الخندق» هو يوم الأحزاب سنة أربع من الهجرة، وقيل: خمس منها. قوله: «صلاة الوسطى» كما في رواية البخاري ونسخ المصابيح، وإضافة الصلاة إلي الوسطى كما هي في قوله تعالي: ﴿وما كنت بجانب الغربي﴾ فعند الكوفيين هي من إضافة الموصوف إلي الصفة، والبصريون يقدرون محذوفًا، أي عن الصلاة الوسطى، يعني عن فعل الصلاة الوسطى. واختلفوا في الصلاة الوسطى، قيل: هي العصر، وعليه كثير من الصحابة والتابعين، وذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، وداود (﵃) والحديث نص عليه لبيان الوسطى بصلاة العصر. وقيل: هي الصبح، وعليه بعض الصحابة والتابعين، وذهب إليه مالك، والشافعي (﵄). وقيل: هي الظهر، وقيل: المغرب، وقيل: العشاء. وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها تحريضًا المغرب، وقيل: العشاء. وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها تحريضًا للخلق علي المحافظة علي أداء جميعها، كما أخفي ليلة القدر. وساعة الإجابة في يوم الجمعة. قوله: «ملأ الله بيوتهم» «شف»: خصهما بالذكر لأن أحدهما مسكن الأحياء، والآخر مضجع الأموات، أي جعل الله النار ملازمة لهم بحيث لا تنفك عنهم، لا في حياتهم ولا في مماتهم. أقول: دعا عليهم بعذاب الدارين، من خراب بيوتهم في الدنيا بنهب أموالهم وسبي زراريهم، وهدم دورهم، ومن عقابهم في الآخرة باشتعال قلوبهم نارًا، ووقوع الزجر والنكال في جهنم خالدًا. فالأسلوب إما من المشاكلة لذكره النار في البيوت، أو من الاستعارة استعيرت النار للفتنة، وعلي الثاني هو من باب قوله تعالي: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ حيث استعمل ملأ في الحقيقة والمجاز مجازًا.
[ ٣ / ٩٠٠ ]
الفصل الثاني
٦٣٤ - عن ابن مسعود، وسمرة بن جندب، قالا: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الوسطى صلاة العصر». رواه الترمذي. [٦٣٤]
٦٣٥ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالي: (إن قرآن الفجر كان مشهودا»، قال: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار». رواه الترمذي. [٦٣٥]
الفصل الثالث
٦٣٦ - عن زيد بن ثابت، وعائشة، قالا: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. رواه مالك عن زيد، والترمذي عنهما تعليقًا. [٦٣٦]
٦٣٧ - وعن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد علي أصحاب رسول الله ﷺ منها. فنزلت: (حافظوا علي
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن أبي هريرة (﵁): قوله: ﴿إن قرآن الفجر﴾ أي سميت صلاة الفجر قرآنا- وهو القراءة- لأنها ركن، كما سميت ركوعًا وسجودًا وقنوتًا، أي قيامًا مشهودًا تشهده الملائكة ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. وفائدة تسمية الصبح بالقرآن الحث علي طول القراءة فيها، فيسمع القرآن، ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة. الفصل الثالث الحديث لأول عن زيد بن ثابت وعائشة (﵄): قوله: «تعليقًا» التعليق يستعمل فيما حذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر، واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد، مثاله، قال رسول الله ﷺ كذا، قال ابن عباس كذا، قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا. الحديث الثاني عن زيد: قوله: ﴿حافظوا علي الصلوات﴾ أي ما كان ينبغي أن تضيعوها لثقلها عليكم فإنها هي الوسطى، أي الفضلي، من قولهم: الأفضل الأوسط، ولذلك أوردت وعطفت علي الصلاة لانفرادها بالفضل، فالصفة بالوسطى أي الفضلي واردة للإشعار بعلية الحكم.
[ ٣ / ٩٠١ ]
الصلوات والصلاة الوسطى». وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. رواه أحمد، وأبو داود. [٦٣٧]
٣٦٨ - وعن مالك، بلغة أن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. رواه في الموطأ. [٦٣٨]
٦٣٩ - ورواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقًا.
٦٤٠ - وعن سلمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غدا إلي صلاة الصبح غدا براية الإيمان، ومن غدا إلي السوق غدا براية إبليس». رواه ابن ماجه [٦٤٠].
_________________
(١) قوله: «قال: إن قبلها صلاتين». أي قال الراوي: سميت صلاة الظهر بالوسطى لأنها واقعة في وسط النهار وقبلها صلاتان وبعدها صلاتان، كما أن العصر توصف بالوسطى لأنها واقعة بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وإليه ذهب أبو سعيد الخدري، وأسامة بن زيد. الحديث الثالث والرابع عن سلمان (﵁): قوله: «براية الإيمان- إلي آخره -» تمثيل لبيان حزب الله وحزب الشيطان، فمن أصبح يغدوا إلي المسجد كأنه يرفع أعلام الإيمان ويظهر شرائع الإسلام، ويتحرى في توهين أمر المخالفين، وفي ذلك ورد الحديث: «فذلكم الرباط». ومن أصبح يغدو إلي السوق فهو من حزب الشيطان، يرفع أعلامه، ويشد من شوكته، وينصر حزبه، ويتوخى توهين دينه. وفي قوله: «يغدو» إشارة إلي أن التبكير إلي السوق محظور، ومن تأخر وراح بعد أداء وظائفه لطلب الحلال وما يتقوم به صلبه للعبادة ويتعفف عن السؤال- كان من حزب الله.
[ ٣ / ٩٠٢ ]