١٢١٩ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يعقد الشيطان علي قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب علي كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد،
_________________
(١) ويجوز أن يكون لتراخي الأقوال في ساعات الليل. مضى معنى «الهمز، والنفخ، والنفث» في باب الوسوسة. الحديث الثاني عن ربيعة قوله «الهوى» «نه»: الهوى بالفتح: الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص الليل. فإن قلت: ما الفرق بين قوله: «هويًا» منكرًا في حديث حميد في الفصل الثالث من باب صلاة الليل وبين «الهوى» ههنا معرفًا؟ قلت: التعريف لاستغراق الحين الطويل بالذكر بحيث لا يفتر عنه في بعضه، والتنكير لا يفيده أيضًا كما تقول: قام زيد اليوم، أي كله، أو يومًا أي بعضه، ومنه قوله تعالي: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ أي بعضًا من الليل. باب التحريض علي قيام الليل الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: «علي قافية» «نه» القافية: القفا. وقيل: قافية الرأس: مؤخرة. وقيل: وسطه، أراد تثقيله في النوم وإطالته، فكأنه قد شد عليه شدادًا، وعقده ثلاث عقد. قوله: «يضرب علي كل عقدة، عليك ليل طويل» «علي» الأول متصل بـ «يضرب» والثاني مع ما بعده مفعول للقول المحذوف، أي يلقى الشيطان علي كل عقدة يعقدها هذا القول، وهو قوله: «عليك ليل طويل». قال صاحب المغرب: يقال: ضرب الشبكة علي الطائر، ألقاها
[ ٤ / ١٢٠٠ ]
فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلي انحلت عقدة، فأصبح نشيط طيب النفس؛ وإلا أصبح خبيث النفس، كسلان» متفق عليه.
١٢٢٠ - وعن المغيرة، قال: قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه. فقيل له: لم تصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورا» متفق عليه.
_________________
(١) عليه. و«عليك» إما خبر لقوله: «ليل» أي ليل طويل باق عليك، أو إغراء أي عليك بالنوم، أمامك ليل طويل، فالكلام جملتان، والثانية مستأنفة، كالتعليل للأولي. ونظيره ما روى أبو علي: أن أعرابيًا نظر إلي جمل نضو، قال: كذب عليك القت والنوى أي أن القت والنوى ذكرا أنك لا تسمن بهما. وفي الفائق: «كذب عليك الحج» أي اترك ما سولت إليك نفسك من التوإني في الحج، ثم استأنف وقال: «عليك الحج» أي اقصده. قوله: «فأصبح نشيطًا، طيب النفس» مثلت حالة من لم يتكاسل- ولم ينم عن وظائفه التي تسرع به إلي مقام الزلفي، وتنشطه لاكتساب السعادة العظمى، فكلما همت النفس اللوامة بالسلوك، تداركها التوفيق بالخلاص من نفث الشيطان في عقد النفس الأمارة بالسوء، فتصبح مطمئنة، نشيطة القلب، طيبة النفس، ظاهرًا في سيمائها أثر السجود- بحالة من أسره العدو، وشد علي قفاه بربقة الأسر عقدة بعد عقدة استيثاقًا، وهو يتحرى الخلاص منه بلطائف حيله مرة بعد أخرى، حتى يتخلص منه بالكلية، ويذهب لسبيله بلا مانع ولا منازع، بخلاف من أطاع الشيطان حتى يتمكن من النفس الأمارة يضرب العقد علي قافية رأسه، فهل يستويان؟ ﴿أفمن يمشي مكبًا علي وجهه أهدى أم من يمشي سويًا علي صراط مستقيم﴾. «قض»: التقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأن الذي ينحل به عقدته ثلاثة أشياء: الذكر، والوضوء، والصلاة. فكأن الشيطان منعه عن كل واحد منهما بعد عقدها علي قافيته. ولعل تخصيص القفا لأنه محل الواهمة ومجال تصرفها. وهي أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة إلي دعوته. الحديث الثاني عن المغيرة: قوله: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» الفاء في قوله: «أفلا أكون» مسبب عن محذوف، أي أترك قيامي وتهجدي لما غفر لي، فلا أكون عبدًا شكورًا، يعني غفران الله إياي سبب لأن أقوم وأتهجد شكرًا له، فكيف أتركه؟ كأن المعنى: كيف لا أشكره وقد أنعم علي، وخصني بخيري الدارين فإن الشكور من أبنية المبالغة، يستدعي نعمة خطيرة. وتخصيص
[ ٤ / ١٢٠١ ]
١٢٢١ - وعن ابن مسعود، قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل، فقيل له: مازال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلي الصلاة. قال: «ذلك رجل بال الشيطان في أذنه» أو قال: «في أذنيه». متفق عليه.
١٢٢٢ - وعن أم سلمة، قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعًا، يقول:
_________________
(١) العبد بالذكر مشعر بغاية الإكرام والقرب من الله تعالي؛ ومن ثم وصفه به في مقام الإسراء، ولأن العبودية تقتضي صحة النسبة، وليست إلا بالعبادة، والعبادة عين الشكر. الحديث الثالث عن ابن مسعود: قوله: «فقيل» الفاء مفسرة، مثلها في قوله تعالي: ﴿فتوبوا إلي بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ إذا فسرت التوبة بالقتل. و«أصبح» يحتمل أن تكون تامة و«ما قام» في محل النصب حالا من الفاعل، أي أصبح وحاله أنه غير قائم إلي الصلاة، وأن تكون ناقصة و«ما قام» خبرها، أي غير قائم، ويحتمل أن يكون «ما قام» جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولي، أو مؤكدة مقررة لها. قوله: «بال الشيطان في أذنه» «قض»: هو تمثيل، شبه تثاقل نومه وإغفاله عن الصلاة وعدم انتباهه بصوت المؤذن مع إحساس سمعه إياه- بحال من بيل في أذنه، فيثقل سمعه ويفسد حسه. وقيل: هو كناية عن استهانة الشيطان والاستخفاف به، فإن من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه، والأول من كلام الشيخ الخطابي، والثاني من كلام الشيخ التوربشتي ﵄. وقال الخطابي: البول ضار مفسد، فلهذا ضرب به المثل، قال الراجز: بال سهيل في الفضيح ففسد جعل طلوع سهيل وإفساده الخمر بمثابة ما يقع البول في الشيء فينجسه، «تو»: يحتمل أن يقال: إن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فأحدث في أذنه وقرًا عن استماع دعوة الحق. «نه»: قيل: معنى «بال» سخر منه وظهر عليه حتى نام عن طاعة الله. وأقول: خص الأذن بالذكر، والعين بالنوم، إشارة إلي ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه بالأصوات ونداء «حي علي الفلاح»، قال الله تعالي: ﴿فضربنا علي آذانهم في الكهف﴾ أي أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات. وخص البول من بين الأخبثين؛ لأنه من خباثته أشد مدخلًا في تجاويف الخروق والعروق، ونفوذه فيها، فيورث الكسل في جميع الأعضاء.
[ ٤ / ١٢٠٢ ]
«سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟! من يوقظ صواحب الحجرات» - يريد أزواجه- «لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» رواه البخاري.
_________________
(١) الحديث الرابع عن أم سلمة: قوله: «سبحان» قد مر أنها كلمة تعجب، وتعظيم للشيء. وقوله: «وماذا» إلي آخره، كالتقرير والبيان؛ لأن «ما» استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم، وعبر عن الرحمة بالخزائن لكثرتها وعزتها. قال تعالي: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي﴾ وعن العذاب بالفتن؛ لأنها أسباب مؤدية إلي العذاب وجمعها؛ لسعتها وكثرتها. قوله: «رب كاسية» قال المالكي: أكثر النحويين علي أن معنى «رب» للتقليل، [وأن معنى ما يصدر بها الماضي]. والصحيح: أن معناها في الغالب التكثير. نص عليه سيبويه حيث قال في باب «كم» واعلم أن «كم» في الخبر لا تعمل إلا فيما يعمل فيه رب؛ لأن المعنى واحد، إلا أن «كم»: اسم ورب غير اسم. ويشهد له الحديث إذ ليس المراد بقوله ﷺ: «رب كاسية» الحديث، التقليل بل المراد أن الصنف المتصف بهذا من النساء كثير. وقال أيضًا: الصحيح أن ما يصدر «برب» لا يلزم كونه ماضي المعنى، بل يجوز مضيه وحضوره واستقباله، وقد اجتمع الحضور والاستقبال في «يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة» وقد اجتمع المضي والمستقبل فيما حكى الكسائي من قول بعض العرب بعد الفطر لاستكمال رمضان «رب كاسية صائمة لن تصومه، ورب قائمة لن تقومه» والجواب أن قول سبيويه مؤول، فإنه يجوز أن يراد منه أن المعنى واحد بحسب حمل النقيض علي النقيض، وذلك شائع في كلامهم، فلا يكونان مترادفين، وما أدراه أن سيبويه وغيره ما سلكوا هذا المسلك؛ فإن البلغاء إذا وجدوا إلي المجاز سبيلًا لتضمنه النكتة لا يعدلوا عنه إلي الحقيقة؛ لخلوها عنها، ومما اختص به هذا الحديث من الفائدة. هي تخطئه رأيهن، وقلة مبالاتهن بالأمر الخطير، وعدم اكتراثهن بما هو أولي بهن، كقوله تعالي: ﴿تحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم﴾. «شف»: أي كاسية من ألوان الثياب، عارية من أنواع الثواب وقيل: عارية من شكر المنعم. وقيل: هذا نهي عن لبس ما يشف من الثياب. وقيل: هو نهي عن التبرج. أقول: قوله: «رب كاسية في الدنيا» كالبيان لموجب استيقاظ الأزواج للصلاة، أي لا ينبغي لهن أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن علي كونهن أهالي رسول الله ﷺ كاسيات خلعة نسبة أزواجه مشرفات في الدنيا بها، فهن عاريات منها في الآخرة، فلا ينفعهن ولا ينجيهن من عذاب الله، إذا لم تضمها
[ ٤ / ١٢٠٣ ]
١٢٢٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل ربنا تبارك وتعالي كل ليلة إلي السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «ثم يبسط يديه ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟ حتى ينفجر الفجر».
_________________
(١) مع العمل، كما قال تعالي: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم﴾ وقال: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، والحديث الوارد فيه مشهور. وهذا الحديث وإن خص بأزواج رسول الله ﷺ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالتقدير رب نفس أو نسمة كاسية في الدنيا عارية في الآخرة، والله أعلم. الحديث الخامس عن أبي هريرة: قوله: «ينزل ربنا» «قض»: لما ثبت بالقواطع العقلية والنقلية أنه تبارك وتعالي منزه عن الجسمية والتحيز، والحلول، امتنع عليه النزول علي معنى الانتقال من موضع أعلي إلي ما هو أخفض منه، بل المعنى به علي ما ذكره أهل الحق دنو رحمته، ومزيد لطفه علي العباد، وإجابة دعوتهم، وقبول معذرتهم، كما هو ديدن الملوك الكرماء، والسادة الرحماء، إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين، ملهوفين فقراء مستضعفين. وقد روى: «يهبط من السماء العليا إلي الدنيا» أي ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأرذال، وعدم المبالاة، وقهر العداة، والانتقام من العصاة، إلي مقتضى صفات الإكرام المقتضية للرأفة والرحمة، وقبول المعذرة، والتلطف بالمحتاج، واستعراض الحوائج، والمساهلة والتخفيف في الأوامر والنواهي، والإغضاء عما يبدو من المعاصي. انتهي كلامه. وقوله: «تبارك وتعالي» جملتان معترضتان بين الفعل والظرف، لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة إليه، أتى بما يدل علي التنزيه معترضًا، كقوله تعالي: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾ «نه»: تخصيصًا بالليل وبالثلث الأخير منه، لأنه وقت التهجد، وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله. وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلي الله تعالي وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة. و«من يقض غير عدوم ولا مظلوم» أي من يقرض غنيًا لا يعجز عن أداء حقه والوفاء بعهده، عادلًا لا يظلم المقرض بنقض دينه، وتأخير الأداء عن وقته. والله تعالي غير عدوم لاستغنائه عن غيره، وافتقار غيره إليه: وغير ظلوم؛ لأنه يضعف أضعافًا، قال الله تعالي: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة﴾. وإنما وصف الله تعالي نفسه بالوصفين المذكورين ههنا؛ لأنهما المانعان غالبًا عن الإعراض. أقول: إخراج العمل مخرج القرض تمثيل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه، وإيذان بكونه واجب الأداء بسبب الوعد، كالدين.
[ ٤ / ١٢٠٤ ]
١٢٢٤ - وعن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة» رواه مسلم.
١٢٢٥ - عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «أحب الصلاة إلي الله صلاة داود، وأحب الصيام إلي الله صيام داود: كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يومًا، ويفطر يومًا» متفق عليه.
١٢٢٦ - وعن عائشة [﵂]، قالت: كان- تعني رسول الله ﷺ- ينام أول الليل، ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلي أهله قضى حاجته ثم ينام، فإن كان عند النداء الأول جنبًا، وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنبًا توضأ للصلاة، ثم صلي ركعتين. متفق عليه.
_________________
(١) الحديث السادس عن جابر: قوله: «لا يوافقها» إلي آخره، صفة لـ «ساعة»، أي لساعة من شأنها أن يترقب لها، ويغتنم الفرصة لإدراكها؛ لأنها من نفحات رب رءوف رحيم، وهي كالبرق الخاطف «فمن وافقها» أي تعرض لها، واستغرق أوقاته مترقبًا للمعانها، فوافقها قضى وطره منها. قال: فأنالني كل المنى بزيارة كانت مخالسة كخطفة طائر فلو استطعت إذن خلعت علي الدجى لتطول ليلتنا سواد الناظر قوله: «ذلك كل ليلة» أي ذلك المذكور يحصل كل ليلة. الحديث السابع والثامن عن عائشة: قوله: «ثم إن كانت له حاجة» في كلمة «ثم» فائدة، وهي: أن النبي ﷺ كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء الليل بالتهجد، فإن الجدير بالنبي ﷺ أداء العبادة قبل قضاء الشهوة. أقول يمكن أن يقال: إن «ثم» ههنا لتراخي الإخبار، أخبرت أولًا أن عادته ﷺ كانت مستمرة بنوم أول الليل وقيام آخره، ثم إن اتفق أحيانًا أن يقضي حاجته من نسائه فيقضي حاجته، ثم ينام في كلتا الحالتين، فإذا انتبه عند النداء الأول: إن كان جنبًا اغتسل، وإلا فتوضأ.
[ ٤ / ١٢٠٥ ]
الفصل الثاني
١٢٢٧ - عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلي ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم» رواه الترمذي. [١٢٢٧]
١٢٢٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل إذا قام بالليل يصلي، والقوم إذا صفوا في الصلاة، والقوم إذا صفوا في قتال العدو» رواه في «شرح السنة».
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي أمامة: قوله: «دأب الصالحين» «نه»: الدأب العادة والشأن. وقد يحرك، وأصله من دأب في العمل إذا جد وتعب، ثم حولت إلي العادة والشأن. قوله: «قبلكم» أي هي عادة قديمة، واظب عليها الأنبياء والأولياء السابقون. قوله: «وهو قربة لكم» لم يقل قربتكم؛ ليدل التنكير علي قربة لها شأن، وأتى بالجملة ولم يعطف «قربة» علي «دأب الصالحين»؛ ليدل باستقلالها علي مزيد تقرب. قوله: «ومكفرة، ومنهاة» بفتح الميم وسكون ما بعده فيهما. «قض»: أي حالة من شأنها أن تنهي عن الإثم، أو هي مكان مختص بذلك، وهي مفعلة من النهي، والميم الزائدة، ونحوهما مطهرة ومرضاة ومبخلة ومجبنة. «قض»: المعنى: أن قيام الليل قربة تقربكم إلي ربكم، وخصلة تكفر سيئاتكم، وتنهاكم عن المحرمات، كما قال تعالي: ﴿إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر﴾. الحديث الثاني عن أبي سعيد: قوله: «يضحك الله إليهم» الضحك من الله سبحانه وتعالي محمول علي غاية الرضا والرأفة. وفي «إلي» معنى الدنو والقرب، كأنه قيل: إن الله تعالي يرضي عنهم، ويدنو إليهم برأفته ورحمته، وإليه ينظر قوله في الحدث السابق: «وهو قربة لكم إلي ربكم» ويجوز أن يضمن الضحك معنى النظر، ويعدى تعديته بإلي، فالمعنى أنه تعالي ينظر إليهم ضاحكًا، أي راضيًا عنهم متعطفًا عليهم؛ لأن الملك إذا نظر إلي بعض رعيته بعين الرضا، لا يدع من إنعام وإكرام إلا فعل في حقه. وفي عكسه قوله تعالي: ﴿ولا يكلمهم الله
[ ٤ / ١٢٠٦ ]
١٢٢٩ - وعن عمرو بن عبسة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة؛ فكن». رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسنادًا.
_________________
(١) ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾. وعلي الوجه الأول: «يضحك» مستعار للرضا علي سبيل التبعية، والقرينة الصارفة نسبة الضحك إلي من هو متعال عن صفات المخلوقين. قوله: «إذا قام بالليل» «إذا» متمحض للظرفية، وهو بدل من «الرجل» كما في قوله تعالي: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت﴾ و«الرجل» موصوف «ثلاثة»، أي رجال ثلاثة يضحك الله منهم وقت قيام الرجل بالليل، فوضع الظرف مقام الرجل مبالغة علي منوال قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، أي أخطب أوقاته وإلا خطبته ليست للأوقات وإنما هي للأمير. وإنما قدم قيام الليل علي صف الصلاة وأخر صف القتال إما تنزلًا، فإن محاربة النفس التي هي أعدى عدو لله أشق من محاربة عدوك الذي هو الشيطان، ومحاربة الشيطان أصعب من محاربة أعداء الدين، أو ترقيًا؛ فإن محاربة من يليك أقدم، والأخذ بالأصعب فالأصعب أحرى وأولي من أخذ الأصعب ثم الأسهل. الحديث الثالث عن عمرو بن عبسة: قوله: «في جوف الليل الآخر» يحتمل: أن يكون حالًا من «الرب» - أي قائلًا في جوف الليل: «من يدعوني فأستجيب له » الحديث- سدت مسد الخبر، أو من «العبد) ٩ أي قائمًا في جوف الليل، داعيًا مستغفرًا علي نحو قولك سرني قائمًا. ويحتمل أن يكون خبر «الأقرب» ومعناه قد سبق في باب السجدة مستقصى. فإن قلت: ما الفرق بين قوله في هذا الحديث: «أقرب ما يكون الرب من العبد» وهناك «أقرب ما يكون العبد من ربه؟» قلت: سبق في حديث أبي هريرة في قوله: «ينزل ربنا تبارك وتعالي إلي السماء الدنيا» الحديث، أن رحمته سابقة، فقرب رحمة الله من المحسنين سابق علي إحسانهم فإذا سجدوا قربوا من ربهم لإحسانهم، كما قال تعالي: ﴿واسجد واقترب﴾. وفيه أن توفيق الله ولطفه وإحسانه سابق علي عمل العبد، وسبب له، ولولاه لم يصدر من العبد خير قط.
[ ٤ / ١٢٠٧ ]
١٢٣٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلي، وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فصلي، فإن أبي نضحت في وجهه الماء» رواه أبو داود، والنسائي. [١٢٣٠]
١٢٣١ - وعن أبي أمامة، قال: قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات» رواه الترمذي. [١٢٣١]
١٢٣٢ - وعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم
_________________
(١) قوله: «الآخر» صفه لـ «جوف الليل» علي أن ينصف الليل، ويجعل لكل نصف جوف، والقرب يحصل في جوف النصف الثاني وابتداؤه يكون من الثلث الأخير، وهو وقت القيام للتهجد. وفي قوله: «فإن استطعت» إشارة إلي تعظيم شأن الأمر وتفخيمه، وفوز من يستسعد به. ومن ثم قال: «أن تكون ممن يذكر الله» أي تنخرط في زمرة الذاكرين لله، ويكون ذلك مساهمة فيهم. وهو أبلغ من أنه لو قيل: إن استطعت أن تكون ذاكرًا. الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: [«نضح عليه الماء»] أي رش. وفيه أن من أصاب خيرًا ينبغي له أن يتحرى إصابته الغير، وأن يحب له ما يحب لنفسه، فيأخذ بالأقرب فالأقرب: فقوله: ﷺ: «رحم الله رجلًا فعل كذا» تنبيه للأمة بمنزلة رش الماء علي الوجه لاستيقاظ النائم، وذلك أنه ﷺ: لما نال ما نال بالتهجد من الكرامة والمقام المحمود، أراد أن يحصل لأمته نصيب وافر من ذلك، فحثهم عليه علي سبيل التلطف حيث عدل من صيغة الأمر إلي صيغة الدعاء لهم. والله أعلم. الحديث الخامس عن أبي أمامة: قوله:: «أسمع» «تو»: أي أرجى للإجابة، فالسمع هو الذي يرد بمعنى الإجابة مجازًا، لأن القول المسموع علي الحقيقة هو ما يقترن بالقبول من السامع. وقد فسر الحديث في باب الذكر بعد الصلاة وذكر أن لابد من مقدر إما في السؤال أي أي أوقات الدعاء أقرب إلي الإجابة؟ وإما في الجواب أي الدعاء في جوف الليل. الحديث السادس عن أبي مالك: قوله: «غرفا» أي علالي. وأصل «ألان» ألين، نقلت حركة الياء إلي اللام، وقلبت ألفًا، جعل جزاء من تلطف في الكلام الغرفة، كما في قوله تعالي:
[ ٤ / ١٢٠٨ ]
الطعام، وتابع الصيام، وصلي بالليل والناس نيام» رواه البيهقي في «شعب الإيمان». [١٢٣٢]
١٢٣٣ - وروى الترمذي عن علي نحوه، وفي روايته: «لمن أطاب الكلام».
الفصل الثالث
١٢٣٤ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل فترك قيام الليل» متفق عليه.
١٢٣٥ - وعن عثمان بن أبي العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كان لداود ﵇ من الليل ساعة يوقظ فيها أهله يقول: يا آل داود! قوموا فصلوا،
_________________
(١) «أولئك يجزون الغرفة» بعد قوله: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾. وفيه تلويح إلي أن لين الكلام من صفات عباد الله الصالحين الين خضعوا لبارئهم، وعاملوا الخلق بالرفق في الفعل والقول. ولذلك جعلت جزاء من أطعم الطعام، كما في قوله تعالي: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾. فدل علي أن الجواد من شأنه أن يتوخى القصد في الإطعام والبذل، ليكون من عباد الرحمن، وإلا كان من إخوان الشيطان، وكذا جعلت جزاء من صلي بالليل، كما في قوله تعالي: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا﴾، فأومأ به إلي أن المتهجد ينبغي أن يتحرى في القيام الإخلاص ويجتنب الرياء؛ لأن البيتوتة للرب لم تشرع إلا لإخلاص العمل لله. ولم يذكر الصيام في التنزيل استغناء بقوله: ﴿بما صبروا﴾؛ لأن الصيام صبر كله، وفي تأخيره بالذكر بعد ذكر الجزاء إرادة إلي قوله ﷺ: «الصوم لي وأنا أجزى به» تبليغًا لقول الله تعالي. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن عثمان ﵁: قوله: «أو عشار» يقال: عشرت ماله، أعشره عشرًا، فأنا عاشر، وعشرته، فأنا معشر، وعشار، إذا أخذت عشره. استثنى من جميع خلق الله تعالي الساحر والعشار تشديدًا عليهم وتغليظًا، وإنهم كالآيسين من رحمة الله تعالي التي عمت الخلائق كلها، وتنبيهًا علي استجابة دعاء الخلق كائنًا من كان سواهما.
[ ٤ / ١٢٠٩ ]
فإن هذه ساعة يستجيب الله ﷿ فيها الدعاء إلا لساحر أو عشار» رواه أحمد. [١٢٣٥]
١٢٣٦ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة في جوف الليل» رواه أحمد. [١٢٣٦]
١٢٣٧ - وعنه، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: إن فلانًا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق. فقال: «إنه سينهاه ما تقول» رواه أحمد، والبيهقي في «شعب الإيمان». [١٢٣٧]
١٢٣٨ - وعن أبي سعيد، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ: «إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصليًا أو صلي ركعتين جميعًا، كتبًا في الذاكرين والذاكرات» رواه أبو داود، وابن ماجه. [١٢٣٨]
١٢٣٩ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أشرف أمتي حملة القرآن، وأصحاب الليل» رواه البيهقي في «شعب الإيمان».
_________________
(١) الحديث الثالث والرابع عن أبي هريرة: قوله: «ما تقول» فاعل «سينهاه» يعني أن قولك «يصلي بالليل» يدل علي أنه محافظ علي الصلوات مداوم عليها؛ لأن من لا يدع الصلاة بالليل، فهو بأن لا يدعها بالنهار أحرى. فمثل تلك الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر فيتوب عن السرقة. وهذا معنى السين في «ستنهاه» لأن السين في تأكيد الإثبات، مقابلة لن في تأكيد النفي. الحديث الخامس عن أبي سعيد وأبي هريرة قوله: «في الذاكرين والذاكرات» أي في زمرة من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو بلسانه أو بهما. وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر. والمعنى: والذاكرين الله والذاكرات. فحذف؛ لأن الظاهر يدل عليه. قوله: «جميعًا» حال مؤكدة من فاعل «فصليا» علي التثنية لا الإفراد؛ لأنه ترديد من الراوي، فالتقدير: فصليا ركعتين جميعًا. ثم أدخل «أو صلي» في البين، فإذا أريد تقييده بفاعله، يقدر: فصلي وصلت جميعًا، فهو قريب من التنازع. الحديث السادس عن ابن عباس: قوله: «أصحاب الليل» إضافة الأصحاب إلي الليل لكثرة مباشرة القيام والصلاة فيه، كما يقال ابن السبيل لمن يواظب علي السلوك فيه.
[ ٤ / ١٢١٠ ]
١٢٤٠ - وعن ابن عمر، أن أباه عمر بن الخطاب، ﵁، كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهلهل للصلاة، يقول لهم: الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ رواه مالك. [١٢٤٠]