الفصل الأول
١٢٥٤ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح؛ صلي ركعة واحدة، توتر له ما قد صلي» متفق عليه.
_________________
(١) النفس وثقيلة عليها، لعلهم نسوا قوله تعالي: ﴿وإنها لكبيرة إلي علي الخاشعين﴾. قوله: «أرحنا بها» «نه»: ي أذن بالصلاة، نسترح بأذانها من شغل القلب بها. وقيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له، فإنه ﷺ كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، وكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالي؛ ولهذا قال: «وقرة عني في الصلاة» وما أقرب الراحة من قرة العين. يقال: أراح الرجل واستراح إذا رجعت نفسه إليه بعد الإعياء. باب الوتر الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: «مثنى مثنى» أتى بالثاني تأكيدًا، لأن الأول مكرر معنى، ولذلك امتنع من الصرف. «الكشاف»: وإنما لم ينصر؛ لتكرار العدل فيها قال الزجاج: أحدهما أنه معدول عن اثنين اثنين، والثاني أن عدله وقع في حال التكرر. وزعم سيبويه: أن عدم الصرف للعدل والصفة. «الكشاف»: وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيها، فلا يعرج عليها، يعني لو كانت الوصفية مؤثرة في المنع من الصرف، لقلت: مررت بنسوة أربع مفتوحًا، فلما صرفته علم أنها ليست بمؤثرة، فالوصفية ليست بأصل، لأن الواضع لم يضعها لتقع وصفًا بل عرض لها ذلك، نحو مررت بحية ذراع، ورجل أسد، والذراع والأسد ليسا بوصفين للحية والرجل حقيقة، وقيل: يفترق الحال فيها فإن مثنى وغيرها تقع صفة البتة، والثلاثة وغيرها وقوعها صفة بالتأويل، تقول: رجال ثلاثة، أي مقدر بثلاثة. وأجيب عنه: بأن مثنى وثلاث لا تخلو من أن تكون موضوعًا للصفة من غير اعتبار الاثنين والثلاثة، أو لا تكون. فإن كان الأول لم يكن فيه العدد، والمقدر خلافه، وإن كان الثاني كان الوصف عارضًا لمثنى وثلاث، كما كان عارضًا لاثنين وثلاثة. قوله: «يوتر له» «نه»: الوتر الفرد، تكسر واوه، وتفتح. وفي الحديث: «أوتر» أمر بالصلاة
[ ٤ / ١٢١٨ ]
١٢٥٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «الوتر ركعة من آخر الليل» رواه مسلم.
١٢٥٦ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها. متفق عليه.
١٢٥٧ - وعن سعد بن هشام، قال: انطلقت إلي عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلي. قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن. قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ.
_________________
(١) الوتر، وهو أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي في آخرها ركعة مفردة، ويضيفها إلي ما قبلها من الركعات، فعلي هذا في تركيب هذا الحديث إسناد مجازي حيث أسند الفعل إلي الركعة، وجعل الضمير في «له» للمصلي، وكان الظاهر أن يقال: يوتر المصلي بها ما قد صلي. وفي قوله: «يوتر له» إشارة إلي أن جميع ما صلي وتر. «مظ» قل الشافعي ﵁: يسلم في صلاة الليل والنهار من كل ركعتين غير الفريضة؛ روي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الليل مثنى والنهار مثنى مثنى». وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵃: إن صلاة الليل مثنى، وصلاة النهار يسلم عن أربع. والله أعلم. الحديث الثاني عن ابن عمر: قوله: «ركعة من آخر الليل» خبر موصوف أي ركعة منشأة من آخر الليل، أي آخر وقتها آخر الليل. الحديث الثالث عن عائشة: قوله: «يصلي من الليل» أي بعضه. ومذهب مالك أن من أوتر من أول الليل ثم تهجد في آخره، يعيد الوتر. الحديث الرابع عن سعد: قوله: «يا أم المؤمنين» هو من قوله تعالي: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ شبههن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهن واحترامهن، وتحريم نكاحهن، وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات. قوله: «فإن خلق النبي الله القرآن» في الإحياء: أرادت عائشة ﵂ بقولها: «كان خلقه القرآن» مثل قوله تعالي ﴿خذ العفو﴾ الآية، وقوله تعالي: ﴿إن الله يأمر بالعدل
[ ٤ / ١٢١٩ ]
فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله، ويحمده،
_________________
(١) والإحسان وإيتاء ذي القربى﴾ وقوله تعالي: ﴿واصبر علي ما أصابك﴾ وقوله تعالي: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ وقوله تعالي: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ وقوله تعالي: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ وقوله تعالي: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن﴾ من الآيات الدالة علي تهذيب الأخلاق الذميمة، وتحصيل الأخلاق الحميدة. وقال شيخنا شيخ الإسلام في «العوارف»: قوله ﵂: «كان خلقه القرآن» فيه سر كبير غامض، وذلك أن النفوس مجبولة علي طبائع وغرائز من البهيمية، والسبعية، والشيطنة، والله تعالي بعظيم عنايته نزع نصيب الشيطان منه صلوات الله عليه؛ لقوله تعالي: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، ولحديث انشراح الصدر، وبعد هذا النزع بقيت للنفس الزكية النبوية بقايا صفات البشرية رحمة للخلق، فاستمدت البقايا من الصفات، لظهورها فيه صلوات الله عليه تنزيل الآيات المحكمات بإزائها لقمعها تأديبًا من الله ورحمة له خاصة، وللأمة عامة، موزعًا نزول الآيات علي الأيام والأوقات عند ظهور الصفات. قال الله تعالي: ﴿لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك﴾ فلما تحركت النفس الشريفة عند كسر رباعيته وقال: «وكيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم» فأنزل الله تعالي: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ فاكتسى القلب لباس الاصطبار، فلما توزعت الآيات علي ظهور الصفات وصفت الأخلاق النبوية بالقرآن ليكون خلقه القرآن. وكذا ورد: «أنا أنسى لأسن» تأديبًا لنفوس الأمة وتهذيبًا ورحمة. ووجه آخر: أن قولها ﵂: «كان خلقه القرآن» إيماء إلي التخلق بأخلاق الله تعالي، فعبرت عن المعنى بقولها ذلك استحياء من سبحات الجلال، وسترًا للحال بلطف المقال، وهذا من وفور علمها، وكمال أدبها. قوله: «فبعثه الله» «نه»: أي يوقظه من نومه، يقال: انبعث فلان بشأنه، إذا سار ومضى ذاهبًا لقضاء حاجته. فإن قلت: قد تقرر عند علماء المعإني: أن مفعول شاء وأراد لا يذكر في الكلام الفصيح إلا أن يكون فيه غرابة، نحو قول القائل: لو شئت أن أبكي دمًا لبكيته، ولو شاء الله أن يتخذ ولدًا، فأين الغرابة في قوله: «شاء أن يبعثه»؟ قلت: كفي بلفظ البعث شاهدًا علي
[ ٤ / ١٢٢٠ ]
ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني! فلما أسن ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأولي، فتلك تسع يا بني!. وكان نبي الله ﷺ إذا صلي صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلي من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلي ليلة إلي الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان. رواه مسلم.
١٢٥٨ - وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» رواه مسلم.
١٢٥٩ - وعنه، عن النبي ﷺ، قال: «بادروا الصبح بالوتر» رواه مسلم.
_________________
(١) الغرابة، كأنه تعالي نبه حبيبه لقضاء نهمته من حبيبه مناغاة ومناجاة بينهما من مكاشفات وأحوال. قال تعالي: ﴿فأوحى إلي عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأي﴾ فأي غرابة أغرب من هذا. و«ما» موصولة والعائد محذوف، أي ما شاء فيه بمعنى المقدار، و«من الليل» بيانه. قوله: «فيذكر الله ويحمده» «مظ»: أي يتشهد، فالحمد إذًا لمطلق الثاء؛ إذ ليس في التحيات لفظ الحمد. قوله: «ثم يصلي ركعتين» «مح»: قال أحمد ﵁: لا أفعلهما ولا أمنع فعلهما، وأنكر مالك ﵁. قال الشيخ محيي الدين: الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما رسول الله ﷺ بعد الوتر جالسًا، لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز النفل جالسًا، ولم يواظب علي ذلك، وأما رد القاضي عياض رواية هاتين الركعتين، فليس بصواب؛ لأن الأحاديث إذا صحت وأمكن الجمع بينهما، تعين. وقد جمعنا بينها. قوله: «لا أعلم نبي الله» هذا من باب نفي الشيء بنفي لازمه، ولا يسلك هذا الأسلوب إلا في حق من أحاط علمه بالمعلوم، ويتمكن منه تمكنًا تامًا، وهذا في علم الله تعالي مطرد. قال تعالي: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم﴾ أي بما لم يوجد ولم يثبت؛ لأنه لو وجد لتعلق علم الله به. وكذلك الصديقة ابنة الصديق ﵄ كانت مترقبة أحوال رسول الله ﷺ ليلها ونهارها، وحضورها وغيبتها، مشاهدة ومسائلة، أي لم يكن يفعل المذكور إذا لو فعل لعلمته والله أعلم. الحديث الخامس والسادس: عن ابن عمر ﵄: قوله: «بادروا الصبح بالوتر»
[ ٤ / ١٢٢١ ]
١٢٦٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل» رواه مسلم.
١٢٦١ - وعن عائشة، قالت: من كل الليل أوتر رسول الله ﷺ: من أول الليل، وأوسطه، وآخره، وانتهي وتره إلي السجر. متفق عليه.
١٢٦٢ - وعن أبي هريرة، قال: أوصإني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام. متفق عليه.
_________________
(١) أي سارعوا. «غب»: يقال: بادرت إليه، وبادرته. والبدر قيل: سمي بدرًا لمبادرته الشمس بالطلوع. وأقول: كأن الصبح تقدم إليك مسافرًا طالبًا منك الوتر، وأنت تستقبله مسرعًا بمطلوبه، وإيصاله إلي بغيته. «حس»: ذهب بعض أهل العلم إلي أنه لا وتر بعد الصبح، وهو قول عطاء، وبه قال أحمد ومالك وذهب آخرون إلي أنه يقضيه متى كان، وهو قول سفيان الثوري، وأظهر قول الشافعي، لما وري أنه: «من نام عن وتره فليصل إذا أصبح». الحديث السابع عن جابر ﵁: قوله: «مشهودة» يعني تشهدها ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، أو يشهدها كثير من المصلين في العادة. الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: «من كل الليل» «من» يجوز أن تكون تبعيضية منصوبة بـ «أوتر» و«من» الثانية بدل منها، لأن الليل إذا قسم ثلاثة أقسام يكون لكل قسم منها أجزاء، ويجوز أن تكون الثانية بيانًا لمعنى البعضية، ويجوز أن تكون الأولي ابتدائية، والثانية بيانًا لـ «كل». وهذا أوجه. ويعتبر لكل الأفراد بمنزلة اللام الاستغراقية، والثانية بدل، أو بيان. الحديث التاسع عن أبي هريرة: قوله: «أن أوتر قبل أن أنام» وكان مقتضى الظاهر أن يقول: والوتر قبل النوم؛ ليناسب المعطوف عيله، وأتى بـ «أن» المصدرية وأبرز الفعل، وجعله فاعلًا له اهتمامًا بشأنه، وأنه أليق بحاله، لما خاف الفوت إن نام عنه، وإلا فإن الوتر في آخر الليل أفضل. «مح»: الإيتار قبل النوم إنما يستحب لمن لا يثق بالاستيقاظ في آخر الليل، فإن وثق فآخر الليل أفضل.
[ ٤ / ١٢٢٢ ]
الفصل الثاني
١٢٦٣ - عن غضيف بن الحارث، قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره. قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: كان يوتر أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره. قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: كان يجهر بالقراءة أم يخفت؟ قالت: ربما جهر به، وربما خفت. قلت الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. رواه أبو داود، وروى ابن ماجه الفصل الأخير. [١٢٦٣]
١٢٦٤ - وعن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة. رواه أبو داود. [١٢٦٤]
١٢٦٥ - وعن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ: «الوتر حق علي كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول عن غضيف: قوله: «الله أكبر الحمد لله» دل الحمد لله علي أن السعة من الله تعالي في التكاليف نعمة، يجب تلقيها بالشكر. «والله أكبر» دل علي أن تلك النعمة عظيمة خطيرة؛ لما فيه من معنى التعجب. الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: «يوتر بأربع وثلاث» إلي آخره «مح»: هذا الاختلاف بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت، أو طول القراءة، كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود «أو من مرض أو من كبر سن» كما قالت: «فلما أسن صلي سبع ركعات أو غيرها». الحديث الثالث عن أبي أيوب: قوله: «الوتر حق» الحق يجيء بمعنى الثبوت والوجوب،
[ ٤ / ١٢٢٣ ]
١٢٦٦ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن!» رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [١٢٦٦]
١٢٦٧ - وعن خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وقال: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلي أن يطلع الفجر» رواه الترمذي، وأبو داود.
_________________
(١) ذهب أبو حنيفة إلي الثاني، والشافعي إلي الأول، أي ثابت في السنة والشرع، وفيه نوع تأكيد. «حس»: أجمع أهل العلم علي أن الوتر ليس بفريضة، وهو سنة عند عامتهم. والدليل عليه قوله ﷺ للأعرابي الذي قال له: «هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع» وقوله ﷺ: «خمس صلوات كتبهن الله علي العباد، من جاء بهن لم ينقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة». وقال أبو حنيفة: هو واجب، واحتج بقوله ﷺ: «الوتر حق، فمن لم يوتر، فليس منا». قوله: «من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» «مح»: فيه دليل علي أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة. وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة، والأحاديث الصحيحة ترد عليه. الحديث الرابع عن علي: قوله: «إن الله وتر» «نه»: إن الله تعالي واحد في ذاته، لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحد في صفاته، فلا شبه له ولا مثل، واحد في أفعاله، فلا شريك له ولا معين. و«يحب الوتر» أي يثيب عليه ويقبله من عامله. «قض»: وكل ما يناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه مما لم تكن له تلك المناسبة. قوله: «فأوتروا» «تو»: أي صلوا الوتر. و«الفاء» جزاء شرط محذوف، كأنه قال: إذا هديتم إلي أن الله تعالي يحب الوتر، فأوتروا؛ فإن من شأن أهل القرآن أن يكدحوا في ابتغاء مرضاة الله وإيثار محابه ومراعاة حدوده والمراد بأهل القرآن المؤمنون الذين صدقوا القرآن، وخاصة من يتولي القيام بحفظه، وتلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه. أقول- والله أعلم -: لعل المناسبة لتخصيص النداء بأهل القرآن في مقام الفردإنية إنما كانت لأجل أن القرآن ما أنزل إلا لتقرير التوحيد، قال تعالي علي سبيل الحصر وتكريره: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ أي مقصور علي استئثار الله بالتوحيد كأنه قيل: إن الله واحد يحب الوحدة، فوحدوه يا أهل التوحيد. الحديث الخامس عن خارجة: قوله: «أمدكم» «الكشاف»: هو مد الجيش وأمده إذا زاده،
[ ٤ / ١٢٢٤ ]
١٢٦٨ - وعن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام عن وتره فليصل إلي أصبح» رواه الترمذي مرسلا. [١٢٦٨]
١٢٦٩ - وعن عبد العزيز بن جريج، قال: سألنا عائشة ﵂: بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ؟ قالت: كان يقرآ في الأولي بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلي﴾، وفي الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين. رواه الترمذي، وأبو داود. [١٢٦٩]
١٢٧٠ - ورواه النسائي عن عبد الرحمن بن أبزى.
١٢٧١ - ورواه أحمد عن أبي بن كعب.
١٢٧٢ - والدارمي عن ابن عباس، ولم يذكروا «والمعوذتين».
١٢٧٣ - وعن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ
_________________
(١) وألحق به ما يقويه ويكثره، وكذلك مد الدواب وأمدها زادها ما يصلحها، مددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد. «قض»: وروى «زادكم» وليس في الروايتين ما يدل علي وجوب الوتر؛ إذ الإمداد والزيادة تحتمل أن تكون علي سبيل الوجوب، وأن تكون علي طريقة الندب. وأقول: «إن الله أمدك» وارد علي سبيل الامتنان علي أمته مرادًا به مزيد فضل علي فضل، كأنه قيل: إن الله تعالي فرض عليكم الصلوات الخمس ليؤجركم بها ويثيبكم عليها، ولم يكتف بذلك، فشرع صلاة التهجد والوتر ليزيدكم إحسانًا علي إحسان وثوابًا علي ثواب، وإليه لمح بقوله: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ ولفظة «لك» تدل علي اختصاص الوجوب به، فدل مفهومه علي أنه غير واجب علي الغير. قوله: «حمر النعم» «مظ»: هي عند العرب أعز الأموال وأشرفها، فجعلت كناية عن خير الدنيا كله، كأنه قيل: هذه الصلاة خير لكم مما تحبون من عرض الدنيا وزينتها لأنها ذخيرة الآخرة، ﴿والآخرة خير وأبقى﴾: «والوتر» يحتمل أن يكون مجرورًا بدلًا من «صلاة»، وأن يكون مرفوعًا خبر مبتدأ محذوف
[ ٤ / ١٢٢٥ ]
كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [١٢٧٣]
١٢٧٤ - وعن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم في الوتر قال: «سبحان الملك القدوس». رواه أبو داود، والنسائي، وزاد: ثلاث مرات يطيل [في آخرهن]. [١٢٧٤]
١٢٧٥ - وفي رواية للنسائي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: كان يقول إذا سلم: «سبحان الملك القدوس» ثلاثًا، ويرفع صوته بالثالثة.
_________________
(١) الحديث السادس إلي الثامن عن الحسن: قوله: «فيما أعطيت» «في» فيه ليست كما هي في السوابق؛ لأن معناها: أوقع البركة فيما أعطيتني من خير الدارين، ومعناها في قوله: «فيمن هديت اجعل لي نصيبًا وافرًا من الاهتداء معدودًا في زمرة المهتدين من الأنبياء والأولياء. و«فيمن هديت» متصل بالفعل علي سبيل المبالغة، أي أوقع هدايتي في زمرة من هديتهم، كقوله تعالي ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا». قوله: «وقني شر ما قضيت» فإن قلت: قد سبق أن القضاء م الله أخص من القدر؛ لأن القدر هو التقدير، والقضاء هو التفصيل والقطع، فما قطع وفصل كيف يتوقى منه؟ قلت: معناه: قني شر ما حكمت في تقديرك بقضائه، كما قيل: أفر من قضاء الله إلي قدره. الحديث التاسع عن أبي بن كعب: قوله: «القدوس» «نه»: القدوس هو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص. وفعول- بالضم- من أبنية المبالغة ولم يجيء منه إلا قدوس، وسبوح، وذروح. قوله: «يرفع صوته» «مظ»: هذا يدل علي جواز الذكر مع الصوت، بل علي الاستحباب إذا اجتنب الرياء إظهارًا للدين، وتعليمًا للسامعين، وإيقاظًا لهم من رقدة الغفلة،
[ ٤ / ١٢٢٦ ]
١٢٧٦ - وعن علي ﵁ قال: إن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [١٢٧٦]
الفصل الثالث
١٢٧٧ - عن ابن عباس، قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه.
وفي رواية: قال ابن أبي مليكة: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولي لابن عباس، فأتى ابن عباس فأخبره. فقال: دعه فإنه قد صحب النبي ﷺ. رواه البخاري.
١٢٧٨ - وعن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوتر حق، فمن لم
_________________
(١) وإيصالًا لبركة الذكر علي مقدار ما يبلغ الصوت إليه من الحيوان والحجر والمدر، وطلبًا لاقتداء الغير به، وليشهد له يوم القيامة كل رطب ويابس سمع صوته. وبعض المشايخ يختار إخفاء الذكر؛ لأنه أبعد من الرياء، وهذا يتعلق بالنية. الحديث العاشر عن علي ﵁: مضى شرحه في باب السجود مستقصى. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: «هل لك في أمير المؤمنين» نحو قوله تعالي: ﴿هل لك إلي أن تزكى﴾ أي هل لك رغبة إلي التزكية، وأن تتطهر من الشرك؟ ويقال: هل لك في كذا، وهل إلي كذا، كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه؟ فالاستفهام في الحديث بمعنى الإنكار، أي هل لك رغبة في معاوية وهو يرتكب هذا المنكر. ومن ثم أجاب «دعه فإنه قد صحب النبي ﷺ» فلا يفعل إلا ما رآه منه. أو هو فقيه أصاب في اجتهاده، وفيه شهادة من حبر الأمة لمعاوية وفضله، وصحبته، واجتهاده. الحديث الثاني عن بريدة: قوله: «فليس منا» «من» فيه اتصالية، كما في قوله تعالي: ﴿والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ وقوله: «فإني لست منك ولست مني» المعنى:
[ ٤ / ١٢٢٧ ]
يوتر فليس منا. الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا. الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا» رواه أبو داود. [١٢٧٨]
١٢٧٩ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر أو إذا استيقظ» رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [١٢٧٩]
١٢٨٠ - وعن مالك، بلغه أن رجلًا سأل ابن عمر عن الوتر: أواجب هو؟ فقال عبد الله: قد أوتر رسول الله ﷺ، وأوتر المسلمون فجعل الرجل يردد عليه، وعبد الله يقول: أوتر رسول الله ﷺ وأوتر المسلمون. رواه في «الموطإ». [١٢٨٠]
١٢٨١ - وعن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ فيهن بتسع سور من الفصل، يقرأ في كل ركعة بثلاث سور آخرهن ﴿قل هو الله أحد﴾ رواه الترمذي. [١٢٨١]
١٢٨٢ - وعن نافع، قال: كنت مع ابن عمر بمكة، والسماء مغيمة، فخشي
_________________
(١) فمن لم يوتر فليس بمتصل بنا، وبهدينا، وطريقنا، أي إنه ثابت في الشرع وسنة مؤكدة، كما قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» والتكرار لمزيد تقرير حقيقته، وإثباته علي مذهب الشافعي، ولوجوبه علي مذهب أبي حنيفة ﵄. ﴿ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات﴾. الحديث الثالث والرابع عن مالك: قوله: «قد أوتر رسول الله ﷺ» تلخيص الجواب وتقريره: إني لا أقطع القول بوجوبه ولا بعدم وجوبه، لإني إذا أنظر إلي رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، واظبوا عليه، ذهبت إلي الوجوب، وإذا فتشت نصًا دالا عليه نكصت عنه.
[ ٤ / ١٢٢٨ ]
الصبح، فأوتر بواحدة، ثم انكشف، فرأي أن عليه ليلا، فشفع بواحدة، ثم صلي ركعتين ركعتين، فلما خشي الصبح أوتر بواحدة. رواه مالك. [١٢٨٢]
١٢٨٣ - وعن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسًان فيقرأ وهو جالس، فإذا بقى من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام وقرأ وهو قائم، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك. رواه مسلم.
١٢٨٤ - وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين. رواه الترمذي، وزاد ابن ماجه: خفيفتين وهو جالس.
١٢٨٥ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بواحدة. ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع. رواه ابن ماجه. [١٢٨٥]
١٢٨٦ - وعن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: «إن هذا السهر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإذا قام من الليل، وإلا كانتا له» رواه الدارمي. [١٢٨٦]
١٢٨٧ - وعن أبي أمامة: أن النبي ﷺ كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما ﴿إذا زلزلت﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾ رواه أحمد.
_________________
(١) الحديث الخامس والسادس عن نافع: قوله: «مغيمة» أي مغطاة بالغيم «نه»: يقال: أغمي علينا الهلال، وغمي، فهو مغمي ومغمي إذا حال دون رؤيته غيم. قوله: «إن عليه ليلًا» أي باق عليه، والتنكير في «ليلا» للنوع، وفيه سمة من التقليل. الحديث السابع إلي الحادي عشر عن ثوبان: قوله: «إن هذا السهر جهد» ورد اسم الإشارة لبيان مزيد تقرير معنى الجهد، كقوله: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه
[ ٤ / ١٢٢٩ ]