الفصل الأول
١٣٠٩ - عن أم هانئ، قالت: إن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، وصلي ثمإني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود. وقالت في رواية أخرى: وذلك ضحى. متفق عليه.
١٣١٠ - وعن معاذة، قالت: سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلي
_________________
(١) بالسوء لا للدين، فلا يأمن أحدهم أذى صاحبه من يده ولسانه؛ لأن ذلك يؤدي إلي القتل وربما ينتهي إلي الكفر. ومن ثم قرن المشاحن في الرواية الأخرى بقاتل النفس، وكلاهما تهديد علي سيبل التغليظ. وقوله: «مشاحن» بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هما مشاحن وقاتل. قوله: «فقوموا ليلها» الظاهر يقتضي أن يقال: فقوموا فيها، وإذا ذهب إلي وضع المظهر موضع المضمر وجب أن يقال ليلة النصف، فأنث الضمير اعتبارًا للنصف؛ لأنها عين تلك الليلة. قوله: «فأغفر له» بالنصب علي جواب العرض، و«من» في «من مستغفر» زائدة بشهادة قرينته، والتقدير: ألا مستغفر يستغفر فاغفر له. باب صلاة الضحى المراد بالضحى وقت الضحى: وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، وتلقي شعاعها. الفصل الأول الحديث الأول عن أم هانئ- هو بهمزة بعد النون- واسمها فاختة بنت أبي طالب. قوله: «غير أنه» «غير» نصب علي الاستثناء. وفيه إشعار بالاعتناء بشأن الطمإنينة في الركوع والسجود؛ لأنه ﷺ خفف سائر الأركان من القيام والقراءة والتشهد، ولم يخفف من الطمإنينة في الركوع والسجود. الحديث الثاني عن معاذة: قوله: «كم كان» أي كم ركعة، وهو مفعول مطلق لقوله:
[ ٤ / ١٢٣٩ ]
صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات ويزيد ما شاء الله. رواه مسلم.
١٣١١ - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: «يصبح علي كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعرف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» رواه مسلم.
١٣١٢ - وعن زيد بن أرقم، أنه رأي قومًا يصلون من الضحى، فقال: لقد
_________________
(١) «يصلي». قوله: «ويزيد» عطف علي مقدر مقول للقول أي يصلي أربع ركعات ويزيد. «مظ» أي يزيد ما شاء الله من غير حصر، ولكن لم ينقل أكثر من اثنتي عشرة ركعة. الحديث الثالث عن أبي ذر: قوله: «يصبح» في اسمه وجوه: أحدها: قوله: «صدقة» أي تصبح الصدقة واجبة علي كل سلامي. وثإنيها: «من أحدكم» علي مذهب من يرى زيادة «من» في الإثبات. والظرف خبرة و«صدقة» فاعل الظرف، أي يصبح أحدكم واجبًا علي كل مفصل منه صدقة. وثالثها: مضمر اسمها ضمير الشأن والجملة الاسمية بعده مفسرة و«من أحدكم» صفة «كل سلامي» ويدل علي تقدير الوجوب قوله في حديث بريدة: «فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة». والفاء في قوله: «فكل تسبيحة صدقة» تفصيلية ترك ذكر تعدد كل واحد واحد من المفاصل، للاستغناء عنها بذكر تعديد ما ذكر من التسبيح وغيره. وفيه دليل علي أن العبد لم يوجب علي الله تعالي شيئًا من الثواب بعمله؛ لأن أعماله كلها لو قوبلت بإزاء ما وجب عليه من الشكر علي عضو واحد لم تف به. «نه»: السلامي جمع سلامية هي الأنملة من أنامل الأصابع. وقيل: واحده وجمعه سواء. ويجمع علي سلاميات وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان. وقيل: السلامي كل عظم مجوف من صغار العظام. قال أبو عبيدة: هو في الأصل عظم يكون في فرسن البعير، وكأن المعنى: علي كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. «تو»: وفي معناه الحديث الآتي: «خلق الإنسان علي ثلثمائة وستين مفصلًا، عليه أن يتصدق علي كل مفصل بصدقة». «قض»: المعنى أن كل عظم من عظام ابن آدم يصبح سليمًا عن الآفات باقيًا علي الهيئة التي يتم بها منافعه وأفعاله، فعليه صدقة شكرًا لمن صوره، ووقاه عما يعيره ويؤذيه. قوله: «ويجزئ» ضبطناه بضم أوله وفتحه، والضم من الإجزاء، والفتح من جزأ يجزئ أي كفي. الحديث الرابع عن زيد بن أرقم: قوله: «يصلون من الضحى» «من» زائدة أي يصلون صلاة الضحى، ويجوز أن تكون تبعيضية، وعليه ينطبق قوله: «لقد علموا» فإنه جواب قسم محذوف، أنكر عليهم إيقاع صلاتهم في بعض وقت الضحى، أي أوله ولم يصبروا حتى يدخل وقتها المختار، أي كيف يصلون في هذا الوقت مع علمهم أن الصلاة في غير هذا الساعة أفضل؟ وعلي هذا المعنى يجوز أن يجعل «من» ابتدائية ويكون الإنكار واقعًا علي إنشاء صلاة الضحى أول
[ ٤ / ١٢٤٠ ]
علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» رواه مسلم.
الفصل الثاني
١٣١٣ - عن أبي الدرداء، وأبي ذر [﵄] قالا: قال رسول الله ﷺ: «عن الله تبارك وتعالي أنه قال: يا ابن آدم! اركع لي أربع ركعات من أول النهار؛ أكفك آخره» رواه الترمذي. [١٣١٣]
١٣١٤ - ورواه أبو داود، والدارمي، عن نعيم بن همار الغطفإني وأحمد عنهم.
_________________
(١) وقته. ويجوز أن تكون بيإنية، والمبين مقدر يدل عليه حديث أبي ذر: «ركعتان يركعهما من الضحى» أي من صلاة الضحى. قوله: «صلاة الأوابين» «نه»: هو جمع أواب، وهو الكثير الرجوع إلي الله تعالي بالتوبة. وقيل: المسبح. وقيل: المطيع. قوله: «ترمض» «فا»: الرمضاء نحو البغضاء، وهي شدة حر الأرض من وقع الشمس علي الرمل وغيره. وقوله: «ترمض الفصال» أي إذا وجد الفصيل حر الشمس. مدحهم بصلاتهم في الوقت الموصوف؛ لأنه وقت تركن النفوس إلي الاستراحة، وتتهيأ فيه أسباب الخلوة، فيرد علي قلوب الأوابين من الأنس بذكر الله، وصفاء الوقت، ولذاذة المناجاة ما يقطعهم عن كل مطلوب سواه، وهذا الوقت مشابه للساعات المختارة في جوف الليل فتغتنم العبادة حينئذ. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي الدرداء وأبي ذر: قوله: «أكفك آخره» «مظ»: أي شغلك وحوائجك، وأدفع عنك ما تركه بعد صلاتك إلي آخر النهار. وأقول: لعل الأنسب أن يقال: المعنى يا ابن آدم! فرغ بالك أول النهار، واشتغل بعبادتي حتى أفرغ بالك في آخر النهار بقضاء حوائجك، ودفع المضار عنك. الحديث الثاني عن بريدة: قوله: «النخاعة في المسجد تدفنها» وكان الظاهر أن يقال في
[ ٤ / ١٢٤١ ]
١٣١٥ - وعن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإنسان ثلثمائة وستون مفصلًا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة»، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن الطريق، فإن لم تجد، فركعتا الضحى تجزئك» رواه أبو داود. [١٣١٥]
١٣١٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلي الضحى ثنتى عشرة ركعة؛ بنى الله له قصرًا من ذهب في الجنة» رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
١٣١٧ - وعن معاذ بن أنس الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح، حتى يسبح ركعتي الضحى، لا يقول إلا خيرًا؛ غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر» رواه أبو داود. [١٣١٧]
الفصل الثالث
١٣١٨ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من حافظ علي شفعة الضحى؛ غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر» رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
_________________
(١) الجواب: من يدفن النخاعة في المسجد، فعدل عنه إلي الخطاب العام اهتمامًا بشأن هذه الخلال، وأن كل من شأنه أن يخاطب ينبغي أن يهتم بها. قوله: «تجزئك» أفرد، وكان الواجب التثنية، لكنه اعتبر الصلاة. الحديث الثالث والرابع عن أنس: قوله: «لا نعرفه إلا من هذا الوجه» أي لا نعرف إسناده إلا من هذا الوجه المذكور في الكتاب. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: «شفعة الضحى» «نه»: يعني ركعتي الضحى من الشفع
[ ٤ / ١٢٤٢ ]
١٣١٩ - وعن عائشة، أنها كانت تصلي الضحى ثمإني ركعات، ثم تقول: لو نشر لي أبواي ما تركتها. رواه مالك. [١٣١٩]
١٣٢٠ - وعن أبي سعيد، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى تقول: لا يصليها. رواه الترمذي. [١٣٢٠]
١٣٢١ - وعن مروق العجلي، قال: قلت لابن عمر: تصلي الضحى؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي ﷺ؟ قال: لا إخاله. رواه البخاري.
_________________
(١) الزوج، ويروى بالفتح والضم، كالغرفة والغرفة، وإنما سمى شفعة؛ لأنها أكثر من واحدة. قال العتبى: الزوج، ولم أسمع به مؤنثًا إلا ههنا، وأحسبه ذهب بتإنيثه إلي الفصلة الواحدة، أو إلي الصلاة. وأقول: يمكن أن يقال: إنه تعالي أقسم بقوله: «الشفع والوتر» بصلاة الضحى حين ترمض الفصال، والوتر حين هدوء الناس، لتلك العلة المذكورة في حديث زيد بن أرقم. الحديث الثاني عن عائشة: قوله: «لو نشر لي» «نه» قال: نشر الميت ينشر نشورًا إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي أحياه. وأقول: هو من باب التعليق بالمحال. ولذلك خصته بقولها: «لي» أي لو فرض إحياؤهما لي لم أتركها، فكيف وأن ذلك محال عادة؟ أي لا أدع هذه اللذة لتلك اللذة. الحديث الثالث والرابع عن مروق: قوله: «لا إخاله» أي لا أظنه. «نه» يقال: خلت أخال بالفتح والكسر، والكسر أفصح وأكثر استعمالًا، والفتح القياس. «حس»: كره بعضهم صلاة الضحى، روى عن عائشة أنها سئلت أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ فقالت: لا إله أن يجيء من مغيبه. وروي أنها أيضًا أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط. وروي عن أبي بكرة: أنه رأي أناسًا يصلون صلاة الضحى، فقال: أما إنهم يصلون صلاة ما صلاها رسول الله ﷺ، ولا عامة أصحابه. وكان ابن عمر إذا سئل عن سبحة الضحى، قال: لا آمر بها ولا أنهي عنها. «مح»: أما الجمع بين حديثي عائشة ﵂ في نفي صلاة النبي ﷺ الضحى، وإثباتها في حديث غيرها، فهو أن النبي ﷺ كان يصليها في بعض
[ ٤ / ١٢٤٣ ]