الفصل الأول
٢٠١٩ - عن عائشةَ، قالت: إِنَّ حمزةَ بنَ عمرو الأسلميَّ قال للنبيِّ ﷺ: أَصومُ في السَّفرِ وكانَ كثيرَ الصيام. فقال: «إِن شئت فصُمْ، وإِن شئتَ فأفطِرْ». متفق عليه.
٢٠٢٠ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: غزوْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ لستَّ عّشْرةَ مضت من شهرِ رمضانَ، فمنَّا منْ صامَ ومنَّا من أفطَر، فلم يَعِبِ الصَّائمُ علي المفطرِ، ولا المفطرُ علي الصَّائم. رواه مسلم.
٢٠٢١ - وعن جابر، قال: كان رسولُ الله ﷺ في سفر فرأي زِحامًا ورجلا قد ظُلِّلَ عليه، فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم. فقال: «ليس من البرِّ الصومُ في السَّفر». متفق عليه
_________________
(١) باب صوم المسافر الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: «إن شئت فصم» «حس» هذا التخيير قول عاة أهل العلم إلا ابن عمر، فإنه قال: إن صام في السفر قضى في الحضر، وإلا ابن عباس فإنه قال: لا يجوز الصوم في السفر، وإلي هذا ذهب داود بن علي من المتأخرين. ثم اختلفوا في الأفضل منهما، فقال طائفة: الفطر أفضل، يروى ذلك عن ابن عمر، وذهب جماعة إلي أن الصوم أفضل لتبررئة الذمة، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة ﵏. وقالت طائفة: أفضل الأمرين أيسرهما عليه، لقوله تعالي: ﴿يُريدُ اللهُ بكُمُ اليسْر﴾ فأم الذي يجهده الصوم في السفر ولا يطيقه، فالأولي له أن بفطر؛ لقوله ﷺ حين رأي زحامًا، ورجلا قد ظلل عليه: «ليس من البر الصيام في السفر»، وقوله ﷺ: «أولئك العصاة» فيمن بلغ أنهم قد صاموا، إن هذا فيمن لم يقبل قلبه رخصة الله تعالي، فأما من رأي الفطر مباحًا، وقوى علي الصوم فصام، فهو أعجب إلي. الحديث الثاني والثالث عن جابر ﵁: قوله: «قد ظلل عليه» كناية عن بلوغ الجهد، والطاقة في تأثير العطش، وحرارة الصوم. قوله: «ليس من البر» «خط»: هذا كلام
[ ٥ / ١٥٩٧ ]
٢٠٢٢ - وعن أنسٍ، قال: كنَّا معَ النبيِّ ﷺ في السفر، فمنَّا الصَّائُم ومنا المفطر، غنزلنا ممنزلا في يومٍ حار، فسقَطَ الصوَّامونَ، وقامَ المفْطِرون فضَربُوا الأبنيةَ وسَقَوا الرِّكابَ. فقال رسولُ الله ﷺ: «ذهبَ المفطرون اليومَ بالأجر». متفق عليه.
٢٠٢٣ - وعن ابن عبَّاسٍ، قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ من المدينةِ إلي مكة، فصامَ حتى بلغ عسْفان، ثمَّ دعا يماءٍ فضرفَعَهُ إِلي يدهِ ليراهُ الناسُ فأفطر حتَّى قدِمَ مكَة، وذلك في رمضانَ، فكانَ ابنُ عبَّاسٍ يقول: قد صامَ رسولُ الله ﷺ وأفطَر. فمنْ شاءَ صام ومن شاءَ أفطر. متفق عليه.
٢٠٢٤ - وفي روايةٍ لمسلم عن جابر [﵁] أنه شرب بعد العصر.
_________________
(١) خرج علي سبب، فهو مقصور علي من كان في مثل حاله، كأنه قال: ليس من البر أن يصوم المسافر إذا كان الصوم يؤديه إلي مثل هذه الحالة، بدليل صيام النبي ﷺ في سفره عام الفتح، وخبر حمزة الأسلمي، وتخييره إياه بين الصوم والإفطار، ولو لم يكن الصوم برًا لم يخبره فيه. الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» فيه من المبالغة ما فيه، أي أنهم مضوا واستصحبوا معهم الأجر، ولم يتركوا لغيرهم شيئًا منه، كما في قوله تعالي: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنورِهمْ﴾. «الكشاف»: يقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى معه، وهو مذهب المبرد، وقد تكلم فيه الأدباء، وأجبنا عن ذلك، ثم الذوق السليم والطبع المستقيم يحكم به في هذا المقام، ولا يأباه إلا من له جمود. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: «فرفعه إلي يده» «إلي يده» حال: أي رفع الماء منتهيًا إلي أقصى حد يده، أو تضمين، أي انتهي الرفع إلي أقصى غايتها ليراه الناس. «حس»: فيه دليل علي أن من أصبح صائمًا في رمضان في السفر، جاز له أن يفطر، ولا فرق عند عامة أهل العلم بين من ينشيء السفر في شهر رمضان، وبين من يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر، وقال عبيدة السلمإني: إذا أنشأ السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار لظاهر قوله تعالي: ﴿فمن شهد منكمُ الشهرَ فليصُمْهُ﴾ وهذا الحديث حجة علي القائل، ومعنى الآية شهد الشهر كله، فأما من شهد بعضه فلم يشهد الشهر.
[ ٥ / ١٥٩٨ ]
الفصل الثاني
٢٠٢٥ - عن أنس بنِ مالكٍ الكعبيِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ وضع عن المسافرِ شَطرَ الصلاةِ، والصومَ عن المسافرِ وعن المرضع والحُبلي». رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه [٢٠٢٥].
٢٠٢٦ - وعن سلمةَ بن المحَبِّق، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «من كان لهُ حمولة تأوي إِلي شبعٍ فلْيصُمْ رمضانَ من حيث أدركَه» رواه أبو داود.
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: «والصوم عن المسافر» فإن قلت: إذا كان الصوم عطفا علي شطر الصلاة، وقد قيد الفعل الفعل بقله: «عن المسافر» فما فائدة إعادته في المعطوف؟ قلت: ليس هذا العطف للانسحاب، بل هو عطف علي سبيل التقدير ليصح عطف «عن المرضع» علي «عن المسافر» لأن المرضع والحبلي لم يضع عنهما شطر الصلاة، كأنه قيل: وضع عن المسافر شطر الصلاة، ووضع الصوم عن المسافر، والمرضع، والحبلي. ولو لم يعد قوله: «عن المسافر» لم يستقم، ولم يعلم حكم وضع الصوم عن المسافر. «خط»: قد يجمع نظم الكلام أشياء ذات عدد مسوقة في الذكر، ومتفرقة في الحكم. وذلك أن الشطر الموضوع من الصلاة يسقط لا إلي قضاء، والصوم يسقط في السفر، ثم يلزمه القضاء إذا أقام، والحامل والمرضع تفطران إبقاء علي الولد، ثم تقضيان وتطعمان من أجل أن إفطارهما كان من أجل غير أنفسهما. الحديث الثاني عن ابن المحبق بالحاء المهملة وبكسر الباء الموحدة وفتحها وبالتشديد-: قوله: «من كان له حمولة» «تو» و«قض» الحمولة- بفتح الحاء- كل ما يحمل عليه من إبل، أو حمار، وغيرهما. وفعول يدخله الهاء إذا كان بمعنى مفعول. و«أوى» لازم ومتعدٍ علي لفظ واحد، وإن كان الأكثر في المتعدى بالمد. فيالحديث يجوز الوجهان، المعنى تؤوى صاحبهان أو يصاحبخا، يعني من كان له حمولة تأويه إلي حال شبع، ورفاهية ولم يلحقه في سفره وعثاء ولا مشقة، فليصم رمضان، والمر فيه محمول علي الندب والحث علي الأولي والأفضل، للنصوص الدالة علي جواز الإفطار في السفر مطلقًا. ز «مظ»: الحمولة- بفتح الحاء- المركب، يعني من كان راكبًا، وسفره قصير بحيث يبلغ
[ ٥ / ١٥٩٩ ]
الفصل الثالث
٢٠٢٧ - عن جابرٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ عامَ الفتحِ إلي مكة في رمضانَ، فصامَ حتَّى بلغَ كُراعَ الغَمِيم، فصامَ النَّاسُ، ثم دعا بقَدَحٍ مٍن ماءٍ فرفعَهُ، حتَّى نظَرَ الناسُ إِليه، ثمّض شَرِب، فقيلَ لهُ بعدَ ذلكَ: إنَّ بعضَ الناسِ قدْ صامَ. فقال: «أولئك العصاةُ، أولئك العصاةُ». رواه مسلم.
٢٠٢٨ - وعن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، قال قال رسولُ الله ﷺ: «صائمُ رمضانَ في السَّفَرِ كالمفْطِرِ في الحضرِ». رواه ابن ماجه.
_________________
(١) إلي المنزل في يوم، فليصم رمضان، والمراد بقوله: «تأوى إلي شبع» الوصول إلي المنزل، يعني إذا كانت المسافة أقل من ستة عشر فرسخًا لا يجوز الإفطار. وقال أبو داود: يجوز الإفطار في السفر أي قدرٍ كانَ. أقول: لا شك أن الحديث فيه كناية، وإطلاق اللازم علي الملزوم، ومن حقها الدلالة علي المكنى عنه بحيث لا يخفي علي السامع عند إطلاق اللازم المراد. وهذا علي الوجه الأخير غير مستقيم، والوجه هو الأول؛ لأنه من الكنايات المستحسنة عبر عن رفاهية الحال وعدم المشقة بهذه الألفاظ البليغة، فخض لفظ الحمولة ليدل علي قوة الظهر وسهولة السير، ووصفها بالإيواء لصاحبها إلي الشبع، فدل علي بلوغ المنزل بحيث يتمكن من تهيئة طعام يكفيه، ومسكن يبيت فيه. ولله دره من كلام فصيح حاوٍ لنوعى الإيجاز والإطناب! الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: «كُراعَ الغَمِيم» «نه»: هو اسم موضع بين مكة والمدينة، والكراع جانب مستطيل من الحِرة تشبيهًا بالكراع، وهو ما دون الركبة من الساق، «والغميم» - بالفتح- واد بالحجاز. قوله: «أولئك العصاة» «نه»: «أولئك العصاة» مرتين، وهذا محمول علي من تفرد بالصوم، وأنهم أمروا بالفطر أمرًا جازمًا لمصلحة بيان جوازه، فخالفوا. وأقول: التعريف في الخبر للجنس أي أولئك الكاملون في العصيان والمتجاوزون حده؛ لأنه ﷺ إنما بالغ في الإفطار حتى رفع قدح الماء بحيث يراه كل الناس، ثم شرب لكي يتبعوه ويقبلوا رخضة الله، فمن أبي فقد بالغ في العصيان. الحديث الثاني عن عبد الرحمن بن عوف ﵁: قوله: «كالمفطر في الحضر» شبه الصائم في السفر بالمفطر في الحضر في كونهما متساويين في الإباء عن الرخصة في السفر، وعن العزيمة في الحضر.
[ ٥ / ١٦٠٠ ]
٢٠٢٩ - وعن حمزةَ بنِ عمرو الأسلميِّ، أنه قال: يا رسولَ اللهِ! إني أجدُ بي قوةً علي الصيام في السفر، فهل علي جُناحٌ؟ قال: «هي رُخصَةٌ من اللهِ ﷿ فَمنْ أخذَ بها فحسنٌ، ومنْ أحبَّ أنْ يصومَ فلا جُناحَ عليه». رواه مسلم.