الفصل الأول
١٦٣٤ - وعن أم عطية، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته،
_________________
(١) حواصل الطير خضر تعلق النسمة من ورق الجنة» انتهي كلامه. ولعل الظاهر أن يقال: تعلق من شجر الجنة، وتعديته بالباء يفيد الاتصال والإلحاق، لعله كنى به عن الأكل؛ لأنها إذا اتصلت بشجرة الجنة وتشبثت بها أكلت من ثمارها. «مح»: فيه بيان أن الجنة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السنة. قال القاضي عياض: وفيه أن الأرواح باقية لا تفنى، فيتنعم المنعم ويعذب المسيء، وقد جاء به القرآن والآثار. قوله: «إنما نسمة المؤمن» «مح»: النسمة تطلق علي ذات الإنسان جسمًا وروحًا، وعلي الروح مفردة، وهو المراد بها ها هنا، لقوله: «حتى يرجعه الله في جسده». قوله: «طير» وفي رواية «في جوف طير خضر» وفي أخرى «كطير خضر» وفي أخرى «بحواصل طير» وفي أخرى «في صورة طير بيض». قال القاضي عياض: والأشبه أو أصحه قول من قال: طير. أو صورة طير- وهو الأكثر- لاسيما مع قوله في حديث ابن مسعود: «ويأوي إلي قناديل تحت العرش» وليس هذا بمستبعد، إذ ليس للأقيسة والعقول فيه حكم ومجال، فإذا أراد الله أن يجعل من ذلك شيئًا، قال له: كن فيكون. وقيل: إن هذا المنعم والمعذب من الأرواح حزء من الجسد تبقى فيه الروح، فهو الذي يلام ويعذب، ويلتذ وينعم، ويقول: رب ارجعون، ويسرح من شجر الجنة في جوف طير، أو في صورته، وفي قناديل تحت العرش، كل ذلك غير مستحيل من قدرة الله تعالي: وقال: ذكر في قوله: «نسمة المؤمن» هي الشهداء؛ لأن هذا صفتهم، لقوله تعالي: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين﴾ وأما غيرهم فإنما يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي. وقيل: بل المراد جميع المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب، بدليل عموم الحديث. والله أعلم. باب غسل الميت وتكفينه الفصل الأول الحديث الأول عن أم عطية: قوله: «ابنته» أي زينب بنت النبي ﷺ. قوله: «ثلاثًا أو خمسًا» «قض»: «أو» فيه للترتيب دون التخيير؛ إذ لو حصل النقاء بالغسلة الأولي استحب
[ ٤ / ١٣٨٤ ]
فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني». فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال: «أشعرنها إياه» وفي رواية: «اغسلنها وترًا: ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» وقالت: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها. متفق عليه.
١٦٣٥ - وعن عائشة، ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمإنية، بيض سحولية، من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. متفق عليه.
_________________
(١) التثليث، وكره التجاوز عنه، وإن حصل بالثانية أو بالثالثة استحب التخميس وإلا فالتسبيع. قوله: «إن رأيتن ذلك» - بكسر الكاف- خطاب لأم عطية، و«رأيت» بمعنى الرأي، يعني إن احتجن إلي أكثر من ثلاث أو خمس للإنقاء لا للتشهي فافعليه. قوله: «بماء وسدر» «قض»: هذا لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات، والمستحب استعماله في الكرة الأولي؛ ليزيل الأقذار، ويمنع منه تسارع الفساد، والكافور لدفع الهوام. قوله: «فألقى إلينا حقوه» «نه»: أي إزاره، والأصل في الحقو معقد الإزار، وجمعه أحق وأحقاء، ثم سمي به الإزار للمجاورة. قوله: «أشعرنها إياه» الضمير الأول للغاسلات، والثاني للميت، والثالث للحقو، أي اجعلن هذا الحقو تحت الأكفان بحيث يلاصق بشرتها، والمراد منه إيصال بركته ﷺ إليها. قوله: «فضفرناها» من الضفيرة، وهي النسج، ومنه ضفر الشعر، وإدخال بعضه في بعض. الحديث الثاني عن عائشة: قوله: «سحولية» «فا»: يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلي السحول، وهو القصار؛ لأنه يسحلها، أي يغسلها، أو إلي السحول وهي قرية باليمن. وأما الضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن. وفيها شذوذ، لأنها نسبت إلي الجميع. وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضًا، وكره الشافعي ﵁ القميص، والحديث ينصره. «مح»: قال مالك، وأبو حنيفة: يتسحب قميص وعمامة، والمعنى: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما زائدتان «فليس» بمعنى سوى، وهو ضعيف، إذ لم يثبت أنه ﷺ كفن في قميص وعمامة، [وفي الحديث دليل علي أن القميص الذي غسل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه؛ لأنه لو لم ينزع لأفسد الأكفان لرطوبته].
[ ٤ / ١٣٨٥ ]
١٦٣٦ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه». رواه مسلم.
١٦٣٧ - وعن عبد الله بن عباس، قال: إن رجلًا كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا خمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا». متفق عليه.
وسنذكر حديث خباب: قتل مصعب بن عمير في «باب جامع المناقب» إن شاء الله تعالي.
الفصل الثاني
١٦٣٨ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، ومن خير أكحالكم الإثمد، فإنه
_________________
(١) الحديث الثالث عن جابر: قوله: «فليحسن كفنه» «حس»: أي فليختر من الثياب أنظفها وأتمها، علي ما ورد به السنة، ولم يرد ما يفعله المبذرون أشرًا ورياء. وروى علي ﵁ عن النبي ﷺ: «لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سلبًا سريعًا». «تو»: وما يؤثره المبذرون من الثياب الرقيقة منهي عنه بأصل الشرع لإضاعة المال. الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: «فوقصته» «نه»: الوقص كسر العنق يقال: وقصت عنقه، أقصها وقصا، ووقصت به راحلته، كقولك: خذ الخطام وخذ بالخطام. ولا يقال: وقصت العنق نفسها، ولكن يقال: وقص الرجل فهو موقوص. قوله: «ولا تخمروا رأسه» «مظ»: مذهب الشافعي وأحمد ﵄ أن المحرم يكفن بلباس إحرامه، ولا يستر رأسه، ولا يمس طيبًا؛ فإنه يبعث يوم القيامة قائلًا: لبيك اللهم لبيك. ومذهب أبي حنيفة، ومالك ﵄ أن حكمه كحكم سائر الموتى. قوله: «حديث خباب» قيل: مجهول حكاية ما في الحديث بدل من قوله: «حديث خباب»، أي سنذكر هذا اللفظ وهو قتل مصعب بن عمير في باب جامع المناقب. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: «ومن خير أكحالكم» عطف علي قوله: «البسوا»، وإنما أبرز الأول في صورة الأمر اهتمامًا بشأنه، وأنه من السنة المدوب إليها، وأخبر عن الثاني
[ ٤ / ١٣٨٦ ]
ينبت الشعر ويجلو البصر» رواه أبو داود، والترمذي وروى ابن ماجه إلي «موتاكم» [١٦٣٨].
١٦٣٩ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبًا سريعًا» رواه أبو داود [١٦٣٩].
١٦٤٠ - وعن أبي سعيد الخدري، أنه لم حضره الموت دعا بثياب جدد، فلبسها، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها» رواه أبو داود [١٦٤٠].
_________________
(١) للإيذان بأنه من خير دأب الناس وعادتهم، وجمع بينهما لمناسبة الزينة يتزين بهما المتميزون من الصلحاء، ولذلك جاء في حديث جبريل ﵇ «شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر» وعلل الاكتحال بالإثمد بقوله: «ينبت الشعر» أي شعر الأهداب؛ لأنه زينة. وأما توسيط ذكر الكفن فكان لاستطراد لذكر الأول دون الثاني. الحديث الثاني عن علي: قوله: «لا تغالوا في الكفن» «نه»: أي لا تغالوا في كثرة ثمنه، وأصل الغلاء الارتفاع، ومجاوزة القدر في كل شيء، يقال: غاليت الشيء وبالشيء، وغلوت فيه، أغلو إذا جاوزت فيه الحد. قوله: «فإنه يسلب سلبًا سريعًا» علة للنهي، كأنه قيل: لا تشتروا الكفن بثمن غال، فإنه يبلي سريعًا، وهو تبذير، قال تعالي: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ واستعير البلاء الثوب السلب؛ تتميمًا لمعنى السرعة. الحديث الثالث عن أبي سعيد: قوله: «بثياب جدد» «نه»: قال الخطابي: أما أبو سعيد، فقد استعمل الحديث علي ظاهره، وقد روي في حديث الكفن أحاديث. قال: وقد تأوله بعض العلماء علي المعنى، وأراد به الحالة التي يموت عليها من الخير والشر، وعمله الذي يختم له به، يقال: فلان طاهر الثياب، إذا وصفوه بطهارة النفس، والبراءة من العيب. وجاء في تفسير قوله تعالي: ﴿وثيابك فطهر﴾ أي عملك فأصلح. ويقال: فلان دنس الثياب إذا كان خبيث الفعل والمذهب، وهو كالحديث الآخر «يبعث العبد علي ما مات عليه» قال الهروي: وليس قول من ذهب به إلي الأكفان بشيء؛ لأن الإنسان إنما يكفن بعد الموت. «تو» وقد كان في الصحابة رضوان الله عليهم من يقصر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى المراد- والناس متفاوتون في ذلك، فلا يعد أمثال ذل عليهم- وقد سمع غدي بن حاتم رضي
[ ٤ / ١٣٨٧ ]
١٦٤١ - وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله ﷺ قال: «خير الكفن الحلة، وخير الأضحية الكبش الأقران» رواه أبو داود.
_________________
(١) الله عنه ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ فعمد إلي عقالين أسود وأبيض، فوضعهما تحت وساده الحديث. وقد رأي بعض أهل العلم الجمع بين الحديثين، فقال: البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب، والحشر علي العري والحفا. قال الشيخ: ولم يصنع هذا القائل شيئًا؛ فإنه ظن أنه نصر السنة، وقد ضيع أكثر مما حفظ، فإنه سعى في تحريف سنن كثيرة ليسوي كلام أبي سعيد. وقد روينا عن أفضل الصحابة أنه أوصى أن يكفن في ثوبيه، وقال: إنما هما للمهل والتراب. ثم إن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: «الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها»، وليس لهم أن يحملوها علي الأكفان؛ لأنها بعد الموت. «قض»: العقل لا يأبي حمله علي ظاهره حسبما فهم منه الراوي؛ إذ لا يبعد إعادة ثيابه بشيء دون شيء، غير أن عموم قوله: «يحشر الناس حفاة عراة» حمل جمهور أهل المعإني وبعثهم علي أن أولوا الثياب بالأعمال التي يموت عليها من الصالحات والسيئات، والعرب تستعير الثياب للأعمال؛ فإن الرجل يلابسها كما يلابس. قال الراجز: لكل دهر قد لبست ثوبا حتى اكتسى الرأس قناعًا أشيبا أقول: الجواب عن قول الشيخ التوربشتي في قوله: «إنما هما للمهل والتراب» ما قاله القاضي: «العقل لا يأبي حمله علي ظاهره» إلي آخره صحيح، لكن قول الهروي: «ليس لهم أن يحملوها علي الأكفان؛ لأنها بعد الموت» قوي متين، ويعضده إخراج «يموت» علي المضارع الدال علي االاستمرار، وأن فعل الطاعات والحسنات دأبه وعادته، كما يقال: فلان يحمي الحريم، ويقري الضعيف. وأما العذر عن الصحابي ﵁، فإنه يقال: أنه عرف مغزى الكلام، لكنه سلك سبيل الإبهام، وحمل الكلام علي غير ما يترقب، لما سمع من قوله ﷺ: «الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها» ويحضر به تلك الثياب، وهو علي شرف الموت، ونحوه فعل رسول الله ﷺ في قوله تعالي: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ والظاهر التثكير حيث قال: «سأزيد علي السبعين». «الكشاف»: خيل رسول الله ﷺ بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته علي من بعث إليه. الحديث الرابع عن عبادة: قوله: «الحلة» «نه» الحلة واحدة الحل، وهي برود اليمين بدليل هذا الحديث، والأصح أن الثوب الأبيض أفضل، لحديث عائشة ﵂ ولعل فضيلة الكبش الأقرن علي غيره في الأضحية؛ لكونه أعظم جثة وسمنًا في الغالب.
[ ٤ / ١٣٨٨ ]
١٦٤٢ - ورواه الترمذي، وابن ماجه. عن أبي أمامة [١٦٤٢].
١٦٤٣ - وعن ابن عباس، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتلي أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. رواه أبو داود، وابن ماجه [١٦٤٣].
الفصل الثالث
١٦٤٤ - وعن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائم، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، ولقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام. رواه البخاري.
_________________
(١) الحديث الخامس عن ابن عباس: قوله: «أن ينزع عنهم الحديد» «مظ»: أي السلاح والدرع، وأراد بالجلود ما معهم من الفروة والكساء غير الملطخ بالدم، ولا يغسل الشهيد، ولا يصلي عليه؛ لكرمه، فإنه مغفور له، هذا عند الشافعي. وأما عند أبي حنيفة ﵄: فلا يغسل لكن يصلي عليه. الفصل الثالث الحديث الأول عن سعد: قوله: «حسناتنا عجلت لنا» يعني حقنا أن ندخل في زمرة من قيل في حقه: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما شاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورا﴾ يعني من كان العاجلة همه، ولم يرد غيرها؛ لفضلنا عليهم من منافعنا بما نشاء لمن نريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا. وقوله تعالي: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ يعني: أذهبتم ما كتب لكم من الطيبات، أي أصبتموه في دنياكم، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. والمراد بالحظ الاستمتاع باللهو والتنعم الذي يشغل الرجل لالتذاذه به عن الدين وتكاليفه، حتى يعكف همته علي استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، ولا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقما. وأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، ويقوى بها علي دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر، فهو عن ذلك بمعزل. روي أن النبي ﷺ أكل هو وأصحابه تمرًا، وشربوا عليه ماءًا، فقال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين».
[ ٤ / ١٣٨٩ ]
١٦٤٥ - وعن جابر، قال: أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته، فأمر به، فأخرج، فوضعه علي ركبتيه، فنفث فيه من ريقه، وألبس قميصه، قال: وكان كسا عباسًا قميصًا. متفق عليه.