الفصل الأول
١٨٣٧ - عن قبيصةَ بنِ مخارقٍ، قال: تحمَّلتُ حَمالة. فأتيت رسول الله ﷺ أسألهُ فيها: فقال: «أقِم حتى تأتينا الصدقةُ: فنأمُرَ لكَ بها»، ثمَّ قال: «ياقبيصةُ! إنَّ المسألةَ لاتحِلُّ إِلَاّ لأحد ثلاثة: رجلٌ تحمَّلَ حمَالة فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَها ثمَّ يُمسِك. ورجلٌ أصابتهُ جائحةٌ اجتاحَتْ مالَه فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَ قوامًا من عيشٍ، أو قال: سِدادًا من عيشٍ، ورجلٌ أصابتهُ فاقةٌ حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذوي
_________________
(١) باب من لاتحل له المسألة ومن تحل له الفصل الأول الحديت الأول عن قبيصة: قوله: «تحملت حمالة» أي تكفلت دينًا. «مح»: الحمالة - بفتح الحاء - المال الذي يتحمله الإنسان، أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين، وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية. قوله: «حتى يصيبها» الضمير ليس براجع إلي «المسألة»، ولا إلي «الحمالة» نفسها بل إلي معناهما، أي يصيب ما حصل له من المسألة، أو ما أدى من الحمالة، وهي الصدقة. قوله: «جائحة» «نه»: الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار والأموال، وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة، وفتنة مثيرة. «جائحة» اسم فاعل من جاحته تجوحه إذا استأصلته. قوله: «قوامًا»: أي ما يقوم بحاجته الضرورية «مح»: القوام والسداد - بكسر القاف والسين - وهما بمعنى ها هنا، وهو ما يغنى من الشيء، وما تسد به الحاجة، وكل شىء يسد به شىء فهو سداد بكسر السين. أقول: بالغ في الكف عن المسألة، حتى شبه السائل بالمضطر الذي تحل له أكل الميتة إلي أن يسد رمقه، وأبلغ منه قوله: «حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى» حيث «يقوم» وضع موضع «يقول»؛ لأن قوله: «لقد أصابت فلانًا فاقة» مقول للقول، فلا يناسب أن يقال: يقوم لقد أصابت فلانًا فاقة؛ لكن لاهتمام الشأن وضع «يقوم» بدل «يقول»، جاعلا المقول حالا، أي يقوم تلاثة قائلين هذا القول. ولمزيد الاهتمام أبرزه في معرض القسم، وقيدهم بذوى العقول، حتى لايشهدوا عن تخمين، وجعلهم من قومه؛ لأنهم أعلم بحاله. وقال الشارحون: هذا ليس من باب الشهادة، ولا يريد به التنصيص علي أن الفاقة لا تثبت إلا بثلاثة شهود، إذ لم يسمع أن أحدًا من الأئمة قال به، ولم نجد لهذا العدد من الرجال مدخلا في شيء من الشهادات، بل
[ ٥ / ١٥٠٩ ]
الحجى من قومه: لقد أصابَتْ فُلانًا فاقةٌ فحلَّتْ لهُ المسألةُ، حتى يُصيبَ قواما من عيشٍ، أو قالَ: سِدادًا من عَيشٍ. فما سِواهنَّ من المسألةِ يا قبيصةُ سحتٌ يأكلُها صاحبُها سُحتًا». رواه مسلم.
_________________
(١) لعله ذكره علي وجه الاستحباب وطريقة الاحتياط؛ ليكون أدل علي براءة السائل عن التهمة وأدعى للناس إلي سد حاجته. «مح»: «حتى يقوم» هكذا في جميع نسخ مسلم، وهو صحيح. قال الصنعانى: كذا وقع في كتاب مسلم، والصواب «يقول» باللام، وكذا اخرجه أبو داود. أقول: قد سبق أن «يقوم» أبلغ، والمقام له أدعى، وحذف القول في الكلام الفصيح شائع، قال تعالي ﴿وعرضوا علي ربك صفًا لقد جئتمونا﴾ أي قلنا لقد جئتمونا. قوله: «سحت» «نه»: السحت هو الحرام الذي لايحل كسبه؛ لأنه يسحت البركة، أي يذهبها. ويقال: مال فلان سحت، أي لا شىء علي من استهلكه، ودمه سحت، أي لا شىء علي من سفكه. واشتقاقه من السحت، وهو الإهلاك، والاستئصال. أقول: قوله: «يأكلها صاحبها سحتًا» صفة لـ «سحت» والضمير الراجع إلي الموصوف مؤنث علي تأويل الصدقة. وفائدة الصفة أن أكل السحت لايجد للسحت الذي يأكله شبهة تجعلها مباحًا علي نفسه، بل يأكلها من جهة السحت، كما في قوله تعالي: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق﴾ أي يقتلونهم علي اعتقاد أن قتلهم مباح، وليس حق لهم عليهم. والتعريف في «المسألة» إما للعهد، فيكون الكلام في الزكاة، وإما للجنس، فيشمل التطوع والفرض. وقرينة الأولي التفصيل، لأن تحمل الحمالة لا يكون إلا للغارم، وإصابة الجائحة للثمار إنما يتصور في المساكين، وإصابة الفاقة للفقير. فإن قلت: ما وجه تخصيص «من أصابته الجائحة» بالمساكين، و«من أصابته الفاقة» بالفقير، وقد عقب كل بقوله «حتى يقيم* قوامًا من عيش»؟ قلنا: الفرق ظاهر، فإن من أصابته الآفة السماوية، واستأصلت ثماره قد تبقى له الأرض والزرع، فيعطى ما يتقوم به من العيش، ولا يؤمر ببيع ما بقى وإنفاقه علي نفسه ولا يعنى بالمسكين إلا هذا. ومن ثم لم تطلب البينة في إصابة الجائحة لظهورها كما تطلب في إصابة الفاقة. وتبين من هذا الفرق بين الفقير والمسكين، فلما خصصت المسألة بالزكاة المفروضة، علم أن حكم التطوع غير هذا. فإن قلت: فلم خص هؤلاء بالذكر دون سائرهم؟ قلت: لاندراج البقية فيهم، فإذ الغارم، والغازى، والعامل، والمؤلفة قلوبهم يجمعهم معنى السعى في مصالح المسلمين، وأن الرقاب وابن السبيل من جنس الفقير والمسكين.
[ ٥ / ١٥١٠ ]
١٨٣٨ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ سألَ النَّاسَ أموالهم تكثُّرًا، فإِنَّما يسألُ جَمْرًا، فليستَقِلَّ أو ليستكثِر» رواه مسلم.
١٨٣٩ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «ما يزالُ الرجلُ يسألُ النَّاسَ حتى يأتيَ يومَ القيامةِ ليس في وجهِهِ مُزعةُ لحمٍ» متفق عليه.
_________________
(١) «مظ»: من لم يقدر علي كسب لزمانة ونحوها جاز له السؤال بقدر قوت يومه، ومن قدر علي الكسب، وتركه لاشتغاله بتعلم العلم، تجوز له الزكاة والصدقة، ومن تركه للتطوع من الصلاة والصيام ونحوهما فلا تجوز الزكاة، ويكره له صدقة التطوع. وأما من تخلي في نحو رباط، واشتغل بالطاعة والرياضة، وتصفية الباطن، فيستحب لواحد منهم أن يسأل صدقة التطوع، وكسرات الخبز، واللباس لهم. وينبغى للسائل أن ينوى الكفاف لهم لا لنفسه إن لم يكن منهم، لكن لايكره أن يأكل معهم، وأن يترك الإلحاح بل يقول: من يعطى شيئًا لرضي الله، ولا يواجه أحدًا بعينه، فإن أعطى دعا، وإن لم يعط لم يسخط، ومن لم يقم بهذه الشرائط كان إثمه أكثر من أجره، ولا يجوز للسائل أن يأخذ لهم الزكاة لاقتدارهم علي الكسر. الحديت الثانى عن أبي هريرة ﵁: قوله: «أموالهم» بدل اشتمال من «الناس»، وقوله: «تكثيرًا» مفعول له، وقد تقرر عند العلماء: أن البدل هو المقصود بالذات، وأن الكلام سيق لأجله، فيكون القصد من سؤال هذا السائل نفس المال، والإكثار منه، لا دفع الحاجة، فيكون مثل هذا المال كنزًا يترتب عليه قوله: «فإنما يسأل جمرًا» ونحوه قوله تعالي: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة - إلي قوله - يوم يحمى عليها﴾ سمى التكثر جمرا؛ لأنه مسبب عنه، كقوله تعالي: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾. قوله: «فليستقل أو ليستكثر» أي فليستقل الجمر أو ليستكثره، فيكون تهديدًا علي سبيل التهكم، أو فليستقل المسألة، فيكون تهديدًا محضًا كقوله: «فهن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». «مظ»: معنى التكثر الإكثار من قدر قوته. وقوله: «فإنما يسأل جمرًا» يعنى لايجوز له أن يأخذ الزكاة والصدقة أكثر من قوته، فإن أخذها يكون ذلك سببًا لنار جهنم. وقلت: وما ذهبنا إليه أشمل؛ لأنه يتناول الأصناف الثمإنية. الحديت الثالث عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: «مزعة لحم» أي قطعة يسيرة من اللحم. «خط»: هذا يحتمل معنيين: أحدهما أنه يأتى يوم القيامة ساقطًا ذليلا، لا جاه له،
[ ٥ / ١٥١١ ]
١٨٤، - * وعن معاويةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا تُلحِفوا في المسألة، فوالله لايسألُني أحدٌ منكم شيئًا فتُخرجُ له مسألتهُ منى شيئًا وأنا له كارهٌ؛ فيُبارَكَ لهُ فيما أَعطيتُه». رواه مسلم.
_________________
(١) ولا قدر، من قولهم: لفلان وجه في الناس، أي قدر ومنزلة. والثانى: أن يكون وجهه الذي يتلقى به الناس عظما لا لحم عليه، إما أن يكون لعقوبة نالت موضع الجناية، واما أن يكون علامة وشعارًا يعرف، لا لعقوبة مسته. وحقق المعنى الأول الشيخ التوربشتى حيث قال: عرفنا الله سبحانه أن الصور في الدار الآخرة تختلف باختلاف المعإني، قال الله تعالي: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ فالذي يبذل وجهه لغير الله في الدنيا من غير ما بأس وضرورة، بل للتوسع والتكثر نصيبه شين في الوجه بإذهاب اللحم عنه؛ ليظهر للناس صورة المعنى الذي خفي عليهم منه. وأقول: يمكن أن يحقق المعنى الثانى، فإن كثرة اللحم في الوجه ونتوه يدل علي صفاقة الوجه ووقاحته، وهو أمارة الإلحاح، فيعاقب بنزعه عنه. الحديث الرابع عن معاوية: قوله: «لا تلحفوا» «نه»: أي لا تبالغوا فيها، يقال: ألحف في المسألة يلحف إلحافًا، إذا ألح فيها ولزمها. قوله: «فيبارك له» «شف»: بالنصب بعد الفاء علي معنى الجمعية، أي لا يجمع إعطائى أحدًا شيئًا وأنا كاره في ذلك الإعطاء، ويبارك الله في ذلك الذي أعطيته إياه. ونظيره قوله ﷺ: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار» بالنصب. وأقول: الحديث نظير قوله تعالي: ﴿ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء فتطردهم﴾ في وجه الإعراب لا في المعنى؛ لأن معناه الطرد المسبب عن الحساب منفي عنك، فكيف تطردهم؟ فالمنفي الفعل المعلل. وفي الحديث المعلل هو المنفي أي عدم السؤال الملح المخرج سبب البركة، فيفهم منه أن السؤال الملح سبب لعدم البركة، ولو روى بالرفع لم يفتقر إلي هذا التكلف، وجعله سببًا ومسببًا، بل يكون رفعًا علي الإشراك، كقوله تعالي: ﴿ولايؤذن لهم فيعتذرون﴾. «مح»: اتفق العلماء علي اللهي عن السؤال من غير ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر علي الكسب بوجهين، أصحهما أنها حرام لظاهر الأحاديث، والثانى حلال مع الكرامة بثلاثة شروط: أن لايذل نفسه، ولايلح في السؤال، ولايؤذى المسئول، فإن فقد أحد هذه الشروط فحرام بالاتفاق.
[ ٥ / ١٥١٢ ]
١٨٤١ - وعن الزُّبيرِ بنِ العوَّام، قال: قال رسولُ الله ﷺ «لأنْ يأخُذَ أحدُكم حبلَهُ فيأتيَ بحُزمة حطب علي ظهرِه، فيبيعَها، فيكفَّ اللهُ بها وجهَه، خيرٌ له من أن يسألَ النَّاسَ أعطوهُ أو منعوه». رواه البخاري.
١٨٤٢ - وعن حكيمِ بن حزامٍ، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ فأعطإني، ثم سألتُهُ فأعطإني، ثمَّ قالَ لي: «ياحكيمُ! إِنَّ هذا المالَ خَضِرٌ حلوٌ، فَمنْ أخذَهُ بسخاوة نفس بورِكَ لهُ فيه، ومن أخذَهُ بإشرافِ نفسٍ لم يُبارَكْ لهُ فيه، وكانَ كالَّذي يأكلُ ولايشبَعُ، واليَد العُليا خيرٌ من اليَدِ السُّفلي». قال حكيمٌ: فقلتُ: يارسولَ اللهِ! والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أرْزَأُ أحدًا بعدكَ شيئًا حتى أُفارقَ الدنيا. متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الخامس عن الزبير ﵁: قوله: ﴿فيكف الله بها وجهه﴾ «مظ»: يعنى فيمنع الله وجهه علي أن يريق ماءه بالسؤال. الحديث السادس عن حكيم بن حزام: قوله: «إن هذا المال خضر حلو» «مح»: شبه المال في الرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن الأخضر مرغوب فيه من حيث النظر، والحلو من حيث الذوق، فإذا اجتمعا زاد في الرغبة. وفيه إشارة إلي عدم بقائه ووخامة عاقبته. قال القاضى عياض: في سخاوة النفس احتمالان: أظهرهما أنه عائد علي الأخذ، ومعناه من أخذه بغير سؤال، ولا إشراف وطمع، بورك له فيه. والثانى: أنه عائد إلي الدفع، ومعناه: من أخذه ممن يدفعه منشرحًا بدفعه إليه طيب النفس لا بسؤال اضطره إليه أو نحوه مما لا يطيب معه نفس الدافع. وأقول: لما وصف المال بما تميل إليه النفس الإنسإنية بجبلتها رتب عليها بالفاء أمرين أحدهما: تركها مع ماهي مجبولة عليها من الحرص، والشره، والميل إلي الشهوات. وإليه أشار بقوله: «ومن أخذه بإشراف نفس». وثإنيهما: كفها عن الرغبة فيها إلي ما عند الله من الثواب، وإليه أشار بقوله «بسخاوة نفس» فكنى في الحديث بالسخاوة عن كف النفس من الحرص والشره، كما كنى في الآية بتوقى النفس من الشح والحرص المجبولة عليه عن السخاء؛ لأن من توقى من الشح يكون سخيًا، مفلحًا في الدارين «ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون». قوله: «كان كالذي يأكل» «خط»: يريد أن سبيله سبيل من يأكل من ذى سقم وآفة،
[ ٥ / ١٥١٣ ]
١٨٤٣ - وعن ابنِ عمرَ، أنَّ رسول الله ﷺ قال وهو علي المنبرِ وهو يذكرُ الصدقة والتعفُّفَ عن المسألةِ: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفلي، واليدُ العُليا المُنفِقَة واليد السُّفلي هي السَّائلةُ». متفق عليه.
_________________
(١) فيزداد سقما، ولايجد شبعًا، فينجع فيه الطعام. قوله: «واليد العليا» سيجىء البحث مستوفي في الحديث الذي يليه. قوله: «لا أرزأ أحدًا بعدك» «نه»: أي لا أنقص بعدك مال أحد بالسؤال عنه، والأخذ منه من الرزء، وهو النقصان، يقال: مارزأته ماله، أي ما نقصته. ويمكن أن يكون معناه: بعد سؤالك هذا. ويمكن أن يكون بمعنى غيرك. أقول: اعلم أن تنزيل الرزء بمعنى النقصان علي اليد العليا، كما فسره ﷺ تارة باليد المنفقة، وأخرى بالمتعففة في الحديت الذي يليه هو أن يقال: لما سمع أن اليد العليا أي اليد المنفقة التي نقص ما فيها من المال خير، بسبب تجريدها من اليد الآخذة بسبب ما سلب عنها صفة التجريد - قال مقسما بالله: لا أنقص مال أحد حتى يسلب عني صفة التجريد، أو سمع أن اليد المتعففة عن السؤال بسبب استغنائها عزيزة عند الناس ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ وأن اليد السائلة بخلافها ذليلة - قال: لا أنقص من مال أحد حتى تحصل لي صفة المذلة والهوان. الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: «والتعفف» تعفف بمعنى استعف، كتعجل بمعنى استعجل. «نه»: الاستعفاف: طلب العفاف والتعفف: وهو الكف عن الحرام، والسؤال من الناس. وقيل: الاستعفاف: الصبر والنزاهة عن الشيء. قوله: «اليد العليا هي المنفقة والسفلي هي السائلة» «مح»: هكذا وقع في صحيح البخاري ومسلم، وكذا ذكره أبو داود عن أكتر الرواة، وفي أخرى له عن ابن عمر: «العليا المتعففة» من العفة، رجح الخطأبي هذه الرواية قال: لأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها. قال النواوى: وقلت: الصحيح الرواية الأولي، ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة أعلي من الأخذة، والمتعففة أعلي من السائلة. وفي هذا الحديث دليل لمذهب الجمهور أن اليد العليا هي المنفقة، والمراد بالعلو: علو الفضل والمجد. وقيل: الثواب. وأقول: تحرير ترجيح الخطأبي رواية «اليد العليا هي المتعففة» أن يقال: إن قوله: «وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة» كلام مجمل في معنى العفة عن السؤال. وقوله: «اليد العليا خير من اليد السفلي» بيان له، وهو أيضًا مبهم، فينبغى أن يفسر بالعفة ليناسب المجمل،
[ ٥ / ١٥١٤ ]
١٨٤٤ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: إِنَّ أناسًا من الأنصارِ سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهُمْ، ثم سألوه فأعطاهُمْ، حتى نَفد ماعندَه. فقال: «ما يكونُ عندي من خيرٍ فلَنْ أدَّخِرهُ عنكم، ومنْ يستَعِفَّ يعِفَّهُ الله، ومن يستَغْنِ يُغنِهِ اللهُ، ومنْ يتصبَّرْ يُصبره الله، وما أعطيَ أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسعُ من الصبر». متفق عليه.
١٨٤٥ - وعن عمرَ بنِ الخطَّاب، قال: كان النبيُّ ﷺ يُعطيني العطاءَ، فأقولُ: أَعطِهِ أفقرَ إِليه مني. فقال: «خذهُ فتمولْهُ، وتصدَّق به، فما جاءكَ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مشرفٍ ولا سائِلٍ؛ فخذهُ. ومالا؛ فلا تُتبعْه نفسَك». متفق عليه.
_________________
(١) وتفسيره باليد المنفقة غير مناسب للمجمل. وتحقيق الجواب: هذا إنما يتم إذا اقتصر علي قوله: «اليد العليا هي المنفقة»، ولم يعقبه بقوله: «واليد السفلي هي السائلة» لدلالتهما علي علو المنفقة، وسفالة السائلة ورذالتها، وهي مما يستنكف منها، ويتعفف عن الاتصاف بها، فظهر من هذا أن رواية الشيخين أرجح من إحدى روايتى أبي داود نقلا ودراية؛ لأنها حينتذ من باب الكناية، وهي أبلغ من التصريح، فيكون أرجح. الحديث الثامن عن أبي سعيد ﵁: قوله: «ما يكون عندى» «ما» موصولة متضمنة معنى الشرط؛ فلذا صح دخول الفاء في خبره. فيه من المبالغة ما انتهي غايتها؛ لأنه رتب عدم الادخار علي جمع المال، إذ لا يصدر مثل هذا إلا عن مبذال أريحى لايخاف الفقر. قوله: «يعفه الله» يريد أن من طلب من نفسه العفة عن السؤال، ولم يظهر الاستغناء يعفه الله، أي يصيره عفيفًا. ومن ترقى من هذه المرتبة إلي ماهو أعلي من إظهار الاستغناء من الخلق، لكن إن أعطى شيئًا لم يرده، فيملأ الله قلبه غنى، ومن فاز بالقدح المعلي وتصبر، وإن أعطى لم يقبل فهو هو. «مح»: «خير» مرفوع في جميع نسخ مسلم، وهو صحيح، وتقديره: هو خير كما وقع في رواية البخاري وفي رواية «خيرًا». أقول: وقوله: «عطاءً» بمعنى معطى أي شيئًا، وقوله: «هو خير» صفته. وكذلك «خيرًا» نصبًا صفة، فالمعنى: إن الله تعالي أعطى كل شىءٍ خلقه، وما أعطى أحدًا شيئًا خيرًا من الصبر، لأنه جامع لمكارم الأخلاق. الحديث التاسع عن عمر ﵁: قوله: «فتموله» «مظ»: أي اقبله وأدخله في ملكك ومالك، والإشارة بقوله: «من هذا المال» إلي جنس المال، أو إلي ذلك المال. والظاهر أنه أجرة عمل عمله في سعى الصدقة، كما ينبئُ عنه حديث ابن الساعدى في الفصل الثالث من
[ ٥ / ١٥١٥ ]
الفصل الثاني
١٨٤٦ - عن سَمُرةَ بنِ جندب، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «المسائلُ كُدوحٌ يكدَحُ بها الرجلُ وجهَه، فمن شاء أبقى علي وجههِ، ومن شاء تركه، إِلا أنْ يسألَ الرَّجلُ ذا سُلطانٍ أو في أمرٍ لا يجِدُ منهُ بُدًا». رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي. [١٨٤٦]
١٨٤٧ - وعن عبد الله بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «من سألَ النَّاسَ ولهُ ما يغنيهِ، جاءَ يومَ القيامةِ ومسألتهُ في وجهِهِ خموشٌ أو خدوشٌ، أو كدوحٌ».
_________________
(١) هذا الباب، والإشراف علي الشيء: الاطلاع عليه، والتعرض له، والمراد وأنت فير طامع فيه، ولا طالب له. قوله: «وما لا» أي وما لا يكون علي هذه الصفة بل تكون نفسك تؤثره وتميل إليه فلا تتبعه نفسك، واتركه، فحذف هذه الجملة لدلالة الحال عليها. الفصل الثاني الحديث الأول عن سمرة: قوله: «المسائل كدوح» - بالضم - جمع الكدح، كضرب وضروب. «نه»: الكدوح: الخدوش وكل أثر من خدش أو عض فهو كدحٌ. ويجوز أن يكون مصدرًا سمى به الأثر. والكدح في غير هذا السعى والحرص والعمل. «مظ»: الكدوح - بفتح الكاف - مبالغة مثل صبور، وهو من الكدح بمعنى الجرح، يكدح بها الرجل، أي يهريق بالسؤال ماء وجهه، فكأنه جرحه. أقول: ذهب إلي أن حمل الخبر علي المبتدأ من باب الإسناد المجازى؛ فإن الكدوح هو السائل، وعلي الضم الحمل، من باب التشبيه، شبه أثر ذلة السؤال في وجه السائل بأثر الجرح عليه. هذا مستقيم، وعليه مدار التركيب، لكن المطابقة بين المبتدأ والخبر مفقودة للجمع والإفراد. وإنما جمع «المسائل» ليفيد اختلاف أنواعها، ومن ثم استثنى بقوله: «إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان» أي ذا حكم وملك بيده بيت المال؛ فإنه يجوز له أن يسأل حقه من بيت المال. «خط»: وليس هذا علي استباحة الأموال التي تحويها أيدى بعض السلاطين من غصب أموال المسلمين. «مح»: اختلفوا في عطية السلطان، فحرمها قوم وأباحها قوم، وكرهها قوم. والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يده، حرمت، وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع من استحقاق الأخذ. قوله: «أو في أمر لا يجد منه بدًا» قيل: أي من حمالة، أو جائحة، أو فاقة علي ماسبق في حديث قبيصة. الحديث الثانى عن عبدالله: قوله: «خموش أو خدوش» «مظ»: هذه الألفاظ كلها متقاربة المعنى، وشك الراوى في تلفظ رسول الله ﷺ بأي لفظ من هذه الألفاظ. وذهب التوربشتى
[ ٥ / ١٥١٦ ]
قيل: يارسولَ اللهِ! وما يغنيه؟ قال: «خمسون درهمًا أو قيمتُها من الذهبِ». رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، والدارمي [١٨٤٧].
١٨٤٨ - وعن سهلِ بنِ الحنظليَّة، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: «مَنْ سألَ وعندَه ما يُغنيه فإِنَّما يَستكثِرُ منَ النَّارِ». قال النُّفَيْليُّ، وهوَ أحدُ رُواتِه، في موضعٍ آخرَ: وما الغنِى الذي لا ينبَغي معَه المسألَةُ؟ قال: «قَدْرَ ما يُغدِّيهِ ويُعشيه». وقال في موضعٍ آخرَ «أنْ يكونَ له شبعُ يومٍ، أو لَيلةٍ ويوْمٍ». رواه أبو داود [١٨٤٨].
_________________
(١) والقاضى: أن الألفاظ مباينة المغزى، و«أو» للتنويع لا للشك. فالخدش: قشر الجلد بعود ونحوه، والخمش: قشره بالأظفار، والكدح: العض. وهي في أصلها مصادر، لكنها لما جعلت أسماء للآثار جوز جمعها. ولما كان السائل علي ثلاثة أصناف: مقل، ومفرط، ومتوسط، ذكر هذه الآثار الثلاثة المتفاوتة بالشدة والضعف، أوردها للتقسيم لا للارتياب. قوله: «خمسون درهمًا» «قض» الحديث بظاهره يدل علي أن من ملك خمسين درهمًا أو عدلها أو مثلها من جنس آخر، فهو غنى لايحل له السؤال وأخذ الصدقة. وبه قال ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق ﵃. والظاهر أن من وجد قدر ما يغديه ويعشيه علي دائم الأوقات وفي أغلب الأوقات، فهو غنى، كما ذكر في الحديث الذي بعده، سواء حصل له ذلك بكسب يد، أو تجارة، لكن لما كان الغالب عليهم التصرف والتجارة، وكان يكفي هذا القدر أن يكون رأس مال يحصل بالتصرف فيه ما يسد الحاجة في غالب الأمر قدره تخمينًا في هذا الحديث، وقدر في الحديث الثالث ما يقرب منه، وقال: «من سأل منكم وله أوقية أو عدلها» والأوقية يومئذ أربعون درهمًا. فعلي هذا لا تنافي بينهما، ولا نسخ. وقيل: حديث «ما يعيشه» منسوخ بحديث «الأوقية» وهو بهذا الحديث، ثم هو منسوخ بما روى مرسلا أنه قال: «ومن سأل الناس وله عدل خمس أواق، فقد سأل إلحافًا» وعليه أصحاب أبي حنيفة ﵏. «مظ»: من كان له قوت غدائه وعشائه، لايجوز له أن يسأل في ذلك اليوم صدقة التطوع، وأما الزكاة المفروضة فيجوز للمستحق أن يسألها بقدر ما يتم له نفقة سنة لنفسه وعياله وكسوته؛ لأن تفريق الزكاة لا يكون في السنة إلا مرة. الحديث الثالث إلي الخامس عن حبشى: قوله: «فقر مدقع» «نه»: أي شديد يفضى بصاحبه إلي الدقعاء، وهي التراب. «تو»: أي لايكون عنده ما ينفي به التراب.
[ ٥ / ١٥١٧ ]
١٨٤٩ - وعن عطاء بن يَسارٍ، عن رجلٍ من بنى أسَد، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سألَ منكم وله أوقِيَّةٌ أوْ عِدْلُها؛ فقدْ سألَ إِلحْافًا. رواه مالك، وأبو داود، والنسائي. [١٨٤٩]
١٨٥، - * وعن حُبشيِّ بنِ جنادةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ المسألةَ لاتَحِلُّ لِغني، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ؛ إِلا لذِي فَقْرٍ مُدْقعٍ، أوْ غُرم مُفظِع. ومن سأل النَّاسَ ليُثرِي به مالَه؛ كانَ خموشًا في وجهه يومَ القيامةِ، ورَضْفًا يأكله من جهنَّمَ، فمن شاءَ فليُقِلَّ، ومَنْ شاءَ فلْيُكثِرْ». رواه الترمذي. [١٨٥،]
١٨٥١ - وعن أنسٍ: أنَّ رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسألُهُ؛ فقال: «أمَا في بيتِكَ شيءٌ؟» فقال: بَلي حلْس نلبَسُ بعضَه ونبسطُ بعضَه، وقَعْبٌ نشرَبُ فيهِ منَ الماء. قال: «ائتني بهما»، فأتاهُ بهما، فأخذَهما رسولُ الله ﷺ بيده وقال «مَنْ يشتري هذَينِ؟» قال رجلٌ: أنا آخذُهما بدرهمٍ. قال: «من يزِيدُ علي درهمٍ؟» مرَّتينِ أو ثلاثًا، قال رجلٌ: أنا آخذُهما بدرهَمينِ؛ فأعطاهُما إيَّاه. فأخذَ الدَّرهمَينِ فأعطاهُما الأنصارِيَّ، وقال: «اشترِ بأحدِهما طعامًا فانْبِذْه إِلي أهلكَ، واشتر بالآخَرِ قَدُومَا،
_________________
(١) قوله: «أو غرم مفظع» «نه»: أي شديد شنيع، والمراد بهذا الغرم ما استدان لنفسه ولعياله في مباح. «الرضف»: الحجر المحمى، فجعل أكل الزكاة بغير استحقاق مبتلعًا، كما جعل مانعها محمى علي جبهته وجنبه وظهره لإعراضه عن حكم الله، وعدم تلقيه بالقبول، واتكاله علي ماله. الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: «حلس» الحلس: الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب. القعب: قدح من خشب مقعر. قوله: «فانبذ إلي أهلك» أي ارم إليهم ليشتغلوا به، لتفرغ إلي مهمك من الكسب بحيت لا أرينك خمسة عشر يومًا، إنه ﷺ نهي نفسه عن أن يراه هذه المدة، والمراد نهي الرجل عن أن يحضر ويترك ما يهمه من الاكتساب والاحتطاب. قوله: «أو لذى دم موجع» «نه، فا»: هو أن يتحمل دية فيسعى فيها حتى يؤديها إلي أولياء المقتول، وإن لم يؤدها قتلوا المتحمل عنه، وهو أخوه أو حميمه، فيوجعه قتله. فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت: الدم كناية تلويحية عن القاتل؛ لأن من قوله: «لاتصلح المسألة إلا لذى دم» علم أن هناك غرامة شرعًا. ودل ذلك علي أنها واردة علي
[ ٥ / ١٥١٨ ]
فأتنِي به»، فأتاهُ به. فشدَّ فيه رسولُ الله ﷺ عودًا بيدِه، ثمَّ قال: «اذهبْ فاحتطِبْ وبِعْ، ولا أَرَينَّكَ خمسةَ عشرَ يومًا» فذهبَ الرجلُ يحتَطِبُ ويَبيعُ، فجاءَه وقد أصابَ عشرةَ دراهَم، فاشترى ببَعضها ثوبًا وببعضها طعامًا. فقال رسولُ الله ﷺ: «هذا خيرٌ لكَ منْ أنْ تجىءَ المسألَةُ نُكتْةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ. إِنَ المسألةَ لا تَصلُحُ إِلا لثلاثةٍ: لذِي فَقرٍ مُدقعٍ، أو لذِي غُرْم مُفظعٍ، أوْ لذي دمٍ مُوجعٍ» رواه أبو داود، وروى ابن ماجه إلي قوله: «يوم القيامةِ» [١٨٥١].
١٨٥٢ - وعن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ أصابتْه فاقَةٌ فأنزلَها بالناس؛ لم تُسدَّ فاقتُه. ومَنْ أنزلهَا بالله، أوْشكَ الله له بالغنى، إِمَّا بموتٍ عاجلٍ، أوْ غنى آجلٍ». رواه أبو داود، والترمذى [١٨٥٢].
_________________
(١) قاتل متحمل عليه الغرامة، ثم وصفه بالموجع كناية أخرى رمزية عن كون القاتل أخاه، إما من جهة القرابة أو الدين، كقوله تعالي: ﴿فمن عفي له من أخيه شىءٌ﴾ لأن وجع القلب مستلزم لقتل الشقيق. الحديت السابع عن ابن مسعود: قوله: «من أنزلها بالله» قال في أساس البلاغة: نزل بالمكان، ونزل من علو، ومن المجاز نزل به مكروه، وأنزلتُ حاجتى علي كريم. أقول: ففي الكلام استعارة تمثيلية؛ لأن الفاقة معنى، وقد نسبت إلي الإنزال، والإنزال يستدعي جسما ومكانًا، شبه حال الفاقة واستكفاء معرتها من الله تعالي بالتوكل عليه، والوثوق به بحال من اضطره المكروه إلي نزول مكان يلتجىء إليه، ثم استعمل في جانب المشبه ما كان مستعملا في المشبه به من الإنزال بالمكان ليكون قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة. وفي معناه قوله تعالي: ﴿ومن يتوكل علي الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره﴾ وبلوغ أمره إما بموت عاجل أو غنى عاجل. «تو» المعنى: أوشك الله له بالغنى، أي أسرع غناه. الغناء - بفتح الغين – الكفايةُ، من قولهم: لايغنى غناء - بالمد والهمز - ومن رواه بكسر الغين مقصورًا علي معنى اليسار، فقد حرف المعنى؛ لأنه قال: تأتيه الكفاية عما هو فيه إما بموت عاجل أو غنى عاجل. أقول: كذا في أكثر نسخ المصابيح، وجامع الأصول، وفي سنن أبي داود، والترمذى «أو غنى آجل» وهو أصح دراية كقوله تعالي: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله﴾.
[ ٥ / ١٥١٩ ]
الفصل الثالث
١٨٥٣ - عن ابن الفِراسيِّ، أنَّ الفِراسيَّ قال: قلتُ لرسولِ الله ﷺ: أسْألُ يا رسولَ الله؟ فقال النبيُّ ﷺ: «لا، وإنْ كنتَ لابدَّ فسَلِ الصَّالحينَ». رواه أبو داود، والنسائي.
١٨٥٤ - وعن ابنِ السَّاعديِّ قال: استعملَني عمرُ علي الصدَقةِ، فلمَّا فرَغتُ منها وأدَّيتُها إِليه، أمرَ لي بعُمالةٍ، فقلتُ: إِنّما عَملِتُ للهِ، وأجْري علي اللهِ، قال: خُذْ ما أُعطيِتَ، فإني قدْ عَمِلتُ علي عهد رسولِ الله ﷺ فعمَّلني، فقلتُ مثلَ قولِكَ، فقال لي رسولُ الله ﷺ: «إِذا أُعطيِتَ شيئًا منْ غيرِ أن تسألَهُ فكُلْ وتَصَدَّقْ» رواه أبو داود. [١٨٥٤]
١٨٥٥ - وعن علي ﵁، أنَّه سمعَ يومَ عرَفةَ رجلًا يسألُ النَّاسَ. فقال: أفي هذا اليومِ، وفي هذا المكانِ تسألُ منْ غَيرِ اللهِ؟! فخفقَه بالدِّرَّة .. رواه رزين.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن الفراسى: قوله: «أسأل» أي أأسأل؟. قوله «وإن كنت» عطف علي محذوف، أي لا تسأل الناس وتوكل علي الله تعالي علي كل حال، وإن كان لابد لك من سؤال فاسأل الصلحاء. وخبر «كان» محذوف، و«لابد» معترضة مؤكدة بين الشرط والجزاء. وفي وضع «الصالحين» موضع الكرماء إشارة إلي كل ما يمنحونه، وصون عرض السائل صونا ما؛ لأن الصالح لا يمنح إلا من الحلال، ولا يكون إلا كريمًا، لا يهتك العرض. الحديث الثانى عن ابن الساعدى: قوله: «بعمالة» «مح»: هي بضم العين: مال يعطى العامل علي عمله، و«عملنى» بالتشديد أي أعطانى أجرة عملي. وفي هذا الحديث جواز أخذ العوض علي أعمال المسلمين، سواء كانت لدين أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة وغيرهما، واختلف العلماء فيمن جاءه مال، هل يجب قبوله أو يندب علي ثلاثة مذاهب، الصحيح الذي عليه الجمهور: أنه مستحب إذا كان حلالا. الحديث الثالث عن علي ﵁: قوله: «أفي هذا اليوم» أدخل همزة الإنكار علي ظرف الزمان، وأتبعه ظرف المكان، وقدمهما علي عاملهما لمزيد الإنكار، المعنى: إن السؤال من غير الله منكر، لاسيما في يوم الحج الأكبر، وفي مكان يجتمع فيه وفد الله وزوار بيته. ونحوه
[ ٥ / ١٥٢٠ ]
١٨٥٦ - وعن عمرَ ﵁، قال: تعلَمُنَّ أيُّها الناسُ! أنَّ الطمعَ فقْرٌ، وأنَّ الإياسَ غنى، وأنَّ المرءَ إذا يئِسَ عنْ شيءٍ استَغْنى عنه. رواه رَزين.
١٨٥٧ - وعن ثَوبْانَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يكفَلُ لي أنْ لا يَسألَ النَّاسَ شيئًا، فأتكفَّلُ له بالجنَّةِ؟» فقال ثوبانُ: أنا؛ فكانَ لا يَسألُ أحدًا شيئا. رواه أبو داود، والنسائي [١٨٥٧].
_________________
(١) قوله تعالي: ﴿أبِا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون﴾ [خطأَهم] موقع الاستهزاء، حيث جعل المستهزأ به يلي حرف الإنكار. ويلحق به سؤال المساجد؛ لأن الساجد لم تبن إلا للعبادة. قوله: «فخفقه بالدرة» الخفق الضرب بالشىء العريض. الحديث الرابع عن عمر ﵁: قوله: «تعلمن أيها الناس» أي لتعلمن كقوله: محمد تفقد نفسك. وفيه شذوذان: إيراد اللام في أمر المخاطب المبنى للفاعل، وحذفها مع العمل. ويحتمل أن يقال: إنها جواب قسم، واللام المقدرة هي المفتوحة، أي والله لتعلمن، يعني إذا رجعتم إلي أنفسكم وتأملتم حق التأمل، وجدتم الأمر علي ما أقول. و«أيها الناس» نداء عام متناول لجميع الأفراد، وقريب هذا النداء من قولهم إنا نفعل كذا أيتها العصابة، من حيث الاختصاص. والأقرب إلي الذوق أن لا يعمم هذا النداء؛ وأن لا تجعل اللام للاستغراق، بل يصرف الخطاب إلي الإنسان الكامل الحقيقى؛ وعلي هذا يكون حمل قوله «لتعلمن» علي جواب القسم ظاهرًا. قوله «وإن الإياس غنى» قال ماحب المغرب: الإياس بمعنى اليأس، والواو في قوله: «وإن المرأ إذا يئس» إلي آخره داخلة بين المفسِّر والمفسَّر، كقولك: أعجبنى زيد وكرمه. قوله: «الطمع فقر» تشبيه بحذف الأداة، والمعنى الجامع: كما أن الفقير لم يزل عنه الاحتياج كذلك الطامع الحريص لا يشبع، وكذا الغنى من اكتفي بما عنده عن الناس، كذلك الآيس القانع. الحديث الخامس عن ثوبان: قوله: «من يكفل لي» أي من يضمن لي، من الكفالة، وهي الضمان. وقوله: «أن لا يسأل» أن مصدرية، والفعل معها مفعول «يكفل» أي من يلتزم لي علي نفسه عدم السؤال. وفيه دلالة علي شدة الاهتمام بشأن الكف عن السؤال. «حس»: عن معمر عن عائشة أنها كانت تقول: تعاهدوا ثوبان فإنه لا يسأل أحدًا شيئًا، قال: وكانت تسقط منه العصا، أو السوط، فما يسأل أحدًا أن يناوله، حتى ينزل فيأخذه.
[ ٥ / ١٥٢١ ]
١٨٥٨ - وعن أبي ذر، قال: دَعإني رسول الله ﷺ وهوَ يشترطُ عَليَّ: «أنْ لا تسأل الناسَ شيئًا»، قلتُ: نعمْ. قال: «ولا سَوْطَكَ إِنْ سقطَ منكَ حتى تنزِلَ إِليه فتأخذَهُ». رواه أحمد. [١٨٥٨]