الفصل الأول
١٨٥٩ - عن أبي هريرةَ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لو كان لي مثلُ أُحدٍ ذهبًا، لسَرَّني أنْ لا يُمرَّ علي ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيءٌ، إِلا شيءٌ أُرْصِدُه لِدَيْنٍ». رواه البخاريُّ.
١٨٦، - * وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ «ما مِنْ يوْمٍ يُصبحُ العبادُ فيهِ؟ إِلا
_________________
(١) الحديث السادس عن أبي ذر ﵁: قوله: «وهو يشترط علي» «علي» - بالتشديد، و«أن» في قوله: «أن لا يسأل» مفسرة دالة علي النهي، لما في «يشترط» من معنى القول. ويجوز أن تكون مصدرية. باب الإنفاق وكراهية الإمساك الفصل الأول الحديت الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: «لسرني» جواب «لو» الامتناعية، فيفيد أنه لم يسره المذكور بعده، لما أنه لم يكن عنده مثل أحد ذهبًا، وفيه مبالغة، وذلك أنه ﷺ لم يسره كثرة مال ينفعه دينًا ودنيا، فكيف بما لا منفعة فيه؟ وفي التقييد بقوله: «ثلاث ليا» تتميم ومبالغة في سرعة الإنفاق، فلا تكون «لا» في قوله: «أن لا يمر» زائدة كما في قوله تعالي: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ علي ما ذهب إليه المالكى في الشواهد والتوضيح. وقوله: «إلا شىءٌ أُرصِدُه» أي أعده وأحفظه، استثناء من قوله: «شىءٌ» وجاز؛ لأن المستثنى منه مطلق عام، والمستثنى مقيد خاص. ووجه رفعه أن المستثنى منه في سياق النفي؛ لما مر أن جواب «لو» هاهنا في تقدير النفي كما في قوله تعالي: ﴿ويأبي الله إلا أن يتم نوره﴾ علي أنه يجوز أن يحمل علي النفي الصريح في «أن لا يمر» وعلي حمل - «إلا» علي الصفة.
[ ٥ / ١٥٢٢ ]
مَلَكانِ يَنزِلانِ، فيقولُ أحدُهما: الهُمَّ أعطِ مُنفِقًا خلفًا، ويقول الآخرُ: اللهُمَّ أعطِ مُمْسِكًا تلَفًا». متفق عليه.
١٨٦١ - وعن أسماءَ، قالتْ: قال رسولُ الله ﷺ: «أنْفقِي ولاتُحْصِي فيُحصى اللهُ عليكِ، ولا تُوعي فيُوعي الله عليكِ، ارْضَخي ما استَطعتِ». متفق عليه.
١٨٦٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال اللهُ تعالي: أَنْفِقْ يا بنَ آدمَ أُنفِقْ علَيكَ». متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الثانى عن أبي هريرة ﵁ قوله: «ما من يوم» «ما» بمعنى ليس، و«يوم» اسمه، و«من» زائدة، و«يصبح العباد» صفة «يوم»، و«ملكان» مستثنى من متعلق محذوف هو خبر «ما» المعنى: ليس يوم موصوف بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان يقولان: كيت وكيت. فحذف المستثنى منه، ودل عليه بوصف الملكين بـ «ينزلان». ونظيره في مجئ الموصوف مع العفة بعد إلا في الاستثناء المفرغ قولك: ما اخترت إلا رفيقًا منكم، التقدير: ما اخترت منكم أحدًا إلا رفيقًا، وهو من أمثلة «كتاب المفتاح». قوله «خلفا» «نه»: أي عوضًا، يقال: خلف الله لك خلفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا، أي أبدلك بما ذهب منك، وعوضك منه. «وأعط» الثاني مشاكلة للأول. الحديث الثالث عن أسماء: قوله: «ولا تحصى» «تو»: الإحصاء الإحاطة بالشىء حصرًا وتعددًا، والمراد به ها هنا عد الشىء للتبقية، وادخاره للاعتداد به، وترك الإنفاق منه في سبيل الله. وقوله: «فيحصى الله عليك» محتمل لوجهين: أحدهما أنه يحبس عنده مادة الرزق، ويقلله بقطع البركة حتى يصير كالشىء المعدود، والآخر: أنه يحاسبك عليه في الآخرة. قوله: «ولا توعى» الإيعاء: حفظ الأمتعة بالوعاء، وجعلها فيه. والمراد به أن لا تمنعي فضل الزاد عمن افتقر إليه، فيوعي الله عنك، أي يمنع عنك فضله، ويسد عليك باب المزيد. أقول: ويمكن أن تنزل هاتان القرينتان أعنى «لا تحصى فيحصى الله عليك ولا توعى فيوعي الله عليك» علي نفي تينك القرينتين، أعنى: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وممسكًا تلفًا. ويقال: إنه لم يعلم من قوله: «أعط منفقًا خلفًا» كمية الإنفاق، فبين بقوله: «لا تحصى» أن المراد منه الكثرة دون القلة؛ لأن الإيعاء من العبد: الإمساك، ومن الله: التلف إما بالحادثة، أو الوارثة. ففيه المشاكلة بين قوله: «فيحصى الله عليك»، وبين قوله: «فيوعى الله عليك»، لأن الأصل أن يقال: فيوعى الله عنك - كما مر - فلما بين لها حالة الإعسار والإنفاق فيها، أتبعها بحالة الإعسار، أي لا تتركى الإنفاق حالئذ ما استطعت. والرضخ: العطية القليلة. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «أنفق» «غب»: نفق الشيء مضى ونفد، ونفقت الدابة نفوقًا إذا ماتت، ونفقت الدراهم: إذا فنيت. أقول: فقوله: «أنفق عليك»
[ ٥ / ١٥٢٣ ]
١٨٦٣ - وعن أبي أُمامةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا بنَ آدمَ! إنْ تبذُلِ الفَضْلَ خيرٌ لكَ، وإنْ تُمْسِكهُ شرٌّ لكَ، ولا تُلامُ علي كفَافٍ، وابدأْ بمنْ تَعُولُ». رواه مسلم.
١٨٦٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ البَخيلِ والمتصدِّقِ، كمثَلِ رجُلينِ عليهِما جُنَّتانِ من حديدٍ، قد اضطُرَّت أيديهما إلي ثُديِّهما وتراقيهما، فجعلَ المتصدِّقُ كلما تصدَّقَ بصدقةٍ انبسَطتْ عنه، والبخيلُ كلما همَّ بصدقةٍ قَلصَتْ، وأخذَتْ كلُّ حلْقة بمكانها». متفق عليه.
_________________
(١) مشاكلة؛ لأن إنفاق الله تعالي لا ينقص من خزانته شيئًا. قال: «يد الله ملأي، لا تغيضها نفقة سحا الليل والنهار»، وإليه يلمح قوله تعالي: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾. الحديث الخامس عن أبي أمامة: قوله: «إن تبذل الفضل» مبتدأ و«خير» خبر، أي بذل الزيادة علي قدر الحاجة خير لك، وإمساكه شر لك، وإن حفظت من مالك قدر حاجتك لا لوم عليك، وإن حفظت ما فضل علي قدر حاجتك، فأنت بخيل، والبخيل ملوم. قوله: «وابدأ بمن تعول» «نه»: يقال: عال الرجل عياله يعولهم: إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وغيرهما. فإن قلت: قوله: «ابدأ بمن تعول» إن تعلق بقدر حاجة العيال وكفافهم، لا يستقيم؛ لأن البدءَ يقتضى الترتيب، والانتهاء إلي غير العيال، وكذا إن تعلق بالفضل عن كفافهم؛ لما يلزم منه أن ما يفضل عنهم ينفق عليهم. قلت: الوجه أن يفسر الفضل بما يزيد علي ما يحصل منه الكفاف، فحينئذ يبدأ بالأهم فالأهم. ويؤيد هذا التأويل حديث أبي هريرة «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» وعلي هذا يحسن قوله: «ولا تلام علي كفاف» أي لا تذم إن حفظت رأس مال تنفق من ربحه، فكأنه ﷺ رخص هذا القدر من المال، لمن لاقوة له في التوكل التام. وإنما سمى كفافًا؛ لأنك تكف به وجهك عن الناس، قاله في الفائق. وقيل: الكفاف: ما لا يفضل عن الشىء، ويكون بقدر الحاجة إليه. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «جنتان» «نه»: أي وقايتان. ويروى بالباء الموحدة، تثنية جبة اللباس، وكذا في شرح السنة روى بهما. «مح»: «جنتان» بالنون في هذا الموضع بلا شك ولاخلاف. أقول: وهو أنسب؛ لأن الدرع لا يسمى جبة بالباء بل بالنون، وأنشد الأعشى:
[ ٥ / ١٥٢٤ ]
١٨٦٥ - وعن جابرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الظُّلْمَ؛ فإِنَّ الظُّلْمَ ظُلماتٌ يومَ القيامةِ. واتقوا الشُّحَّ؛ فإِنَّ الشُّحَّ أهلَك مَنْ كانَ قبلكم: حمَلهم علي أنْ سَفكوا دِماءَهم، واستَحلُّوا محارِمهُم». رواه مسلم.
_________________
(١) كذت المقدم غير لابس جنة بالسيف تضرب معلما أبطالها «خط»: وحقيقة المعنى: أن الجواد إذا هم بالنفقة، اتسع لذلك صدره وطاوعته يداه، فامتدتا بالعطاء والبذل، والبخيل يضيق صدره وتُقْبَض يده عن الإنفاق في المعروف. أقول: ومن هذا ظهر أن «جعل» بمعنى طفق. ودل علي خبره قوله: «كلما» أي جعل السخى يتسع صدره كلما أراد التصدق، وأوقع المتصدق مقابلا للبخيل، والمقابل الحقيقى السخى: إيذانًا بأن السخاوة هي ما أمر به الشرع، وندب إليه من الإنفاق، لا ما يتعاناه المبذرون، وخص المشبه بهما بلبس الجنتين من الحديد، إعلامًا بأن القبض والشح من جملة الإنسان وخلقته، ومن ثم أضاف الشح إليه في قوله تعالي: ﴿ومن يوق شح نفسه﴾. وأن السخاوة من عطاء الله وتوفيقه يمنحها من يشاء من عباده المخلصين، وخص اليد بالذكر؛ لأن السخى والبخيل يوصفان ببسط اليد وقبضها، فإذا أريد المبالغة في البخل، قيل: يده مغلولة إلي عنقه، وثديه وتراقيه. وإنما عدل من الغل إلي الدرع لتصوير معنى الانبساط والتقلص، والأسلوب من التشببه المفرق، شبه السخى الموفق إذا قصد التصدق يسهل عليه ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع ويده تحت الدرع، فإذا أراد أن يخرجها منها وينزعها يسهل عليه، والبخيل علي عكسه، والله أعلم. الحديث السابع عن جابر: قوله: «اتقوا الظلم» «مح»: عن القاضى عياض: هو علي ظاهره، فيكون ظلمات علي صاحبه لا يهتدى يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا، كما أن المؤمن يسعى بنور هو مسبب عن إيمانه في الدنيا. قال الله تعالي: ﴿نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم﴾. ويحتمل أن الظلمات هنا الشدائد، وبه فسر قوله تعالي ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ أي شدائدهما. وأقول: أفرد المبتدأ وجمع الخبر دلالة علي إرادة الجنس، واختلاف أنواع الظلم الذي هو سبب لأنوع الشدائد، في القيامة من الوقوف في العرصات، والحساب، والمرور علي الصراط، وأنواع العقاب في النار، ثم عطف الشح الذي هو نوع من أنواع الظلم علي الظلم ليشعر أن الشح أعظم أنواعه؛ لأنه من نتيجة حب الدنيا وشهواتها، ومن ثم علله بقوله: «فإن الشح أهلك من كان قبلكم» ثم علله بقوله: «حملهم علي أن سفكوا الدماء» علي سبيل الاستئناف؛ فإن
[ ٥ / ١٥٢٥ ]
١٨٦٦ - وعن حارثةَ بنِ وهب، قال: قال رسول الله ﷺ: «تصدَّقوا فإِنَّه يأتي عليكم زمانٌ يمشي الرَّجلُ بصدَقتِه فلا يجدُ مَنْ يقبلُها، يقولُ الرَّجلُ: لو جئتَ بها بالأمس لقبِلتُها، فأمَّا اليوْمَ فلا حاجةَ لي بها». متفق عليه.
١٨٦٧ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رجلٌ: يارسولَ الله! أيُّ الصَّدَقةِ أعظمُ أجرًا؟ قال: «أنْ تصدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفَقْرَ، وتأمُلُ الغِنى، ولاتُمهِلْ؛ حتى إذا بلغتِ الحُلقومَ قلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا وقدْ كانَ لفُلانٍ». متفق عليه.
_________________
(١) استحلال المحارم جامع لجميع أنواع الظلم من الكفر والمعاصى، وعطفه علي سفك الدماء من عطف العام علي الخاص عكس الأول. وإنما كان الشح سبب سفك الدماء واستحلال المحارم؛ لأن في بذل الأموال ومواساة الإخوان التحاب والتواصل، وفي الإمساك والشح التهاجر والتقاطع، وذلك يؤدى إلي التشاجر والتغاور من سفك الدماء، واستباحة المحارم، فظهر منها أن السياق وارد في الشح، وذكر الظلم توطئة وتمهيدًا لذكره، فكان إيراد هذا الحديث في هذا الباب أحرى وأولي من ذكره في باب الظلم. الحديت الثامن عن حارثة: قوله: «يأتى عليكم زمان» الخطاب لجنس الأمة، والمراد بعضهم، كما في قوله تعالي: ﴿ويقول الإنسان أإذا مامت لسوف أخرج حيَّا﴾، «الكشاف» لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم، صح إسناده إلي جميعهم، كما يقولون: بنو فلان قتلوا فلانًا، وإنما القاتل رجل منهم. ولعل ذلك الزمان زمن ظهور أشراط الساعة، كما ورد في الصحيح: «لاتقوم الساعة حتى يكثر المال فيفيض حتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه». الحديت التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «وأنت صحيح شحيح» أي تصدق في حال صحتك، واختصاص المال بك، وتشح نفسك بأن تقول: لا تتلف مالك كيلا تصير فقيرًا؛ فإن الصدقة في هذه الحالة أشد مراغمة للنفس. و«فلان» كناية عن الموصى له. وقوله: «ولا تمهل» عطف علي «تصدق» وكلاهما خبر مبتدأ محذوف، أي أفضل الصدقة أن تتصدق حال حياتك، وصحتك مع احتياجك إليه، واختصاصك به، لا في حال سقمك، وسياق موتك، لأن المال حينئذ خرج منك، وتعلق بغيرك. ويشهد لهذا التأويل حديث أبي سعيد في الفصل الثانى من هذا الباب «لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته».
[ ٥ / ١٥٢٦ ]
١٨٦٨ - وعن أبي ذرٍّ، قال: انتهيت إلي النبي ﷺ وهوَ جالسٌ في ظلِّ الكعبةِ، فلمَّا رإني قال: «هُمُ الأخسَرونَ وربِّ الكعبةِ». فقلتُ: فِداكَ أبي وأُمي، مَنْ هُمْ؟ قال: «هم الأكثرونَ أموالًا، إلا مَنْ قالَ: هكذا وهكذا وهكذا، من بينِ يديهِ ومِنْ خَلفِهِ وعنْ يَمينهِ وعنْ شِمالِهِ، وقليلٌ ما هُمْ». متفق عليه.
الفصل الثاني
١٨٦٩ - عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «السخِيُّ قريبٌ من اللهِ، قريبٌ من الجنَّةِ، قريبٌ من النَّاسِ، بعيدٌ من النَّار. والبخيلُ بعيدٌ من الله، بعيدٌ من
_________________
(١) الحديث العاشر عن أبي ذر: قوله: «هم الأخسرون» «هم» ضمير مبهم يفسره ما بعده من الخبر، كقولك: هي العرب تقول ما شاءت. و«الأخسرون» فيه نوع إبهام، فبين بقوله: «هم الأكثرون» ونحُوه في الإبهام والتبيين - اللهم إلا أن يحمل علي التغليظ - قولهُ تعالي: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا﴾ فالمكثوون هم المنهمكون في الدنيا، المتهالكون فيها، الذين ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾، واسثنى منه من يستفرغ جهده في الإنفاق ويبذل طاقته فيه. قوله: «قال هكذا» «نه»: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه علي غير الكلام، فيقول: قال بيده، أي أخذ، وقال برجله، أي مشى، وقال بالماء علي يده، أي قلب، وقال بثوبه، أي رفعه، كل ذلك علي المجاز والاتساع. و«قال» في الحديث بمعنى أشار، و«هكذا» صفة مصدر محذوف، أي أشار بيده إشارة مثل هذه الإشارة. وقوله: «من بين يديه» بيان للإشارة، والأظهر أن يتعلق بالفعل لمجىء «وعن يمينه» وأنها للمجاورة والبعد. وخص «عن» باليمين والشمال؛ لأن الغالب في الإعطاء صدوره عن اليدين. وقوله: «وقليل ما هم» «ما» زائدة مؤكدة للقلة «وهم» مبتدأ و«قليل» خبره مقدم عليه، قدم اختصاصًا، وأن الأكثر من المكثرين ليسوا علي هذه الصفة، والله أعلم. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁ قوله: «السخى قريب من الله» التعريف في السخى والبخيل للعهد الذهنى، وهو ما عرف شرعًا أن السخى من هو؟ والبخيل من هو؟ وذلك أن من أدى زكاة ماله، فقد امتثل أمر الله وعظمه، وأظهر الشفقة علي خلق الله وواساهم بماله،
[ ٥ / ١٥٢٧ ]
الجنَّةِ، بعيدٌ من النَّاسِ، قريب من النَّار. ولجاهِلٌ سخيٌّ أحبُّ إِلي الله من عابدٍ بخيلٍ». رواه الترمذي [١٨٦٩].
١٨٧، - * وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لأنْ يتصدَّقَ المرءُ في حياتهِ بدرهم خيرٌ لهُ من أن يتَصدَّقَ بمائةٍ عندَ موته». رواه أبو داود. [١٨٧،]
١٨٧١ - وعن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ «مثلُ الذي يتَصدَّقُ عندَ موتهِ أو يُعتِقُ، كالذي يُهْديِ إِذا شَبِع». رواه أحمد، والنسائي، والدارمي، والترمذي وصححه. [١٨٧١]
١٨٧٢ - وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: (خَصلتانِ لا تجتمعانِ
_________________
(١) فهو قريب من الله وقريب من الناس، فلا يكون منزله إلا الجنة، ومن لم يؤدها فأمره علي عكس ذلك، ولذلك كان العابد البخيل أحط مرتبة من الجاهل السخي، وكان يقتضي التطابق بين القرينتين أن يقال: «ولجاهل سخي أحب إلي الله من عالم بخيل»، أو «عابد سخي أحب إلي الله من عابد بخيل» فخولف ليفيد أن الجاهل غير العابد السخيِّ أحبُّ إلي الله من العالم العابد البخيل، فيا لها من حسنة غطت علي عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة عفت حسنتين خطرتين!. الحديث الثانى عن أبي سعيد: قوله: «عند موته» أي عند احتضاره الموت، أوقع هذه الحياة مقابلا لقوله: «في حياته» إشارة إلي أن الحياة الحقيقية التي يعتد فيها بالتصدق هي أن يكون المرءُ صحيحًا شحيحًا، يخشى الفقر، الحديث كما مر. وقوله: «بمائة» يريد بها الكثرة، كما يراد بدرهم القلة، ويشهد له ما جاء في بعض النسخ «بماله» بدل «بمائة» أي بجميع ماله. الحديث الثالث عن أبي الدرداء قوله «كالذي يهدى إذا شبع» شبه ترك تأخير الصدقة عن أوانه بمن تفرد بالأكل واستأثر لنفسه، ثم إذا شبع يؤثره علي غيره، وإنما يحمد إذا كان عن إيثار، كما قال تعالي ﴿ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ وما أحسن موقع «يهدى» في هذا المقام، ودلالتها علي الاستهزاء والسخرية بالمهدى. الحديث الرابع عن أبي سعيد: قوله «خصلتان لا تجتمعان» مبتدأ موصوف والخبر محذوف، أي فيما أحدثكم به خصلتان لا تجتمعان، كقوله تعالي: ﴿سورة أنزلناها﴾ أي فيما أوحينا
[ ٥ / ١٥٢٨ ]
في مؤمنٍ: البخلُ، وسوء الخُلُقِ». رواه الترمذي. [١٨٧٢]
١٨٧٣ - وعن أبي بكرِ الصدِّيقِ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا يدخلُ الجنَّةَ خِبٌّ ولابخيلٌ ولا منَّانٌ». رواه الترمذي.
_________________
(١) إليك و«البخل وسوء الخلق» خبر مبتدأ محذوف، والجملة مبينة. ويجوز أن يكون خبرًا، والبخل وسوء الخلق مبتدأ «تو»: المراد من ذلك اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية فيهما بحيث لا ينفك عنهما ولا ينفكان عنه. فأما من فيه بعض هذا، أو بعض ذلك، أو ينفك عنه في بعض الأوقات، فإنه بمعزل عن ذلك. وأقول: ويمكن أن يحمل «سوء الخلق» علي ما يخاف الإيمان؛ فإن الخلق الحسن هو ما يمتثل به العبد أوامر الشرع، ويجتنب عن نواهيه، لا ما يتعارف بين الناس؛ لما ورد عن عائشة ﵂ «وكان خلقه القرآن». فإفراد «البخل من سوء الخلق وهو بعضه، وجعله معطوفًا عليه، يدل علي أنه أسوؤها وأشنعها؛ لأن «البخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس». الحديث، ويؤيد هذا التأويل حديث أبي هريرة «لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا» رواه النسائي. الحديث الخامس عن أبي بكر: قوله: «خب» «نه»: الخب - بالفتح - الخداع، وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وقد تكسر خاؤه. وأما المصدر فبالكسر. قيل: (المنان» يتأول علي وجهين: أحدهما من المنة التي هي الاعتداد بالصنيعة، وهي إن وقعت في الصدقة أبطلت الأجر، وإن كانت في المعروف كدرت الصنيعة. وثإنيهما: من المن وهو القطع والنقص من الحق، والخيانة، والقطع من التواد والمحبة. «خط»: أي لا يدخل الجنة مع هذه الخصلة حتى يجعل طاهرًا منها، إما بالتوبة في الدنيا أو بأن يعفو الله عنه. أو بأن يعذبه ثم يدخله الجنة. «تو»: أي لا يدخل الجنة مع الداخلين في الرعيل الأول، من غير ما بأس، بل يصاب منه بالعذاب. هذا هو السبيل في تأويل أمثال هذه الأحاديث لتوافق أصول الدين. وقد هلك في التمسك بظواهر أمثال هذه النصوص الجم الغفير من المبتدعة، ومن عرف وجوه القول، وأساليب البيان من كلام العرب هان عليه التخلص بعون الله عن تلك الشبهة. أقول: ويؤيد التأويل بالعفو قوله تعالي: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ إخوانًا علي سرر
[ ٥ / ١٥٢٩ ]
١٨٧٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «شَرُّ ما في الرجلِ شُحٌّ هَالعٌ، وجُبنٌ خالعٌ» رواه أبو داود. [١٨٧٤]
وسنذكر حديث أبي هريرة: «لا يجتمعُ الشحُّ والإِيمان». في «كتابِ الجهادِ» إِن شاء اللهُ تعالي.
_________________
(١) متقابلين﴾ فإنه وارد علي سبيل الامتنان عليهم، ولذلك جمع ضمير الواحد المعظم؛ ليدل علي فخامة شأن النزع، يعنى مثل هذا النزع مختص بنا، ولا يصدر إلا عنا. الحديت السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «شح هالع» «تو»: الشح: بخل مع حرص، فهو أبلغ في المنع من البخل، فالبخل يستعمل في الضنة بالمال، والشح في ساتر ما تمتنع النفس عن الاسترسال فيه من بذل مال، أو معروف، أو طاعة. الهلع: أفحش الجزع. وهلع – بالكسر - فهو هلع وهلوع، ومعناه: أنه يجزع في شحه أشد الجزع علي استخراج الحق منه. وقوله: «شح هالع» أي ذو هلع، كما يقال: يوم عاصف، وليل نائم، ويحتمل أيضًا أن يقول: هالع لمكان خالع للازدواج. وأقول: يحتمل أن يحمل علي الإسناد المجازى، فيسند إلي الشح ماهو مسند إلي صاحبه مبالغة، وعلي الاستعارة المكنية. بأن يشبه الشح بإنسان ثم يوصف بما يلازم الإنسان من الهلع. والهلع: ما فسره الله تعالي، سئل أحمد بن يحيى عن الهلوع، فما زاد علي ما فسره الله تعالي من قوله: ﴿إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا﴾. قوله: «وجبن خالع» «نه»: أي شديد، كأنه يخلع فؤاده من شدة خوفه، وهو مجاز عن الخلع والمراد به: ما يعرض من أنواع الأفكار، وضعف القلب عند الخوف. أقول: الفرق بين وصف الشح بالهلع، والجبن بالخلع، هو أن الهلع في الحقيقة لصاحب الشح، فأسند إليه مجازًا، فهما حقيقتان، لكن الإسناد مجازى، وليس كذلك الخلع؛ إذ ليس مختصًا لصاحب الجبن حتى يسند إليه مجازًا، بل هو وصف للجبن، لكن علي المجاز حيث أطلق وأريد به الشدة، وإلي هذا المعنى ينظر قول الشيخ التوربشتى ويحتمل أن يقال هالع لمكان خالع؛ للازدواج أي المشاكلة. «تو»: وإنما قال: «شر ما في الرجل» ولم يقل في الإنسان لأحد الوجهين: إما لأن الشح والجبن مما تحمد عليه المرأة ويذم به الرجل، أو لأن الخصلتين تقعان موقع الذم من الرجال فوق ما تقعان من النساء.
[ ٥ / ١٥٣٠ ]
الفصل الثالث
١٨٧٥ - عن عائشة ﵂ أنَّ بعضَ أزواج النبيِّ ﷺ قلنَ للنبي ﷺ أينا أسرعُ بكَ لُحوقًا؟ قال: أطولُكُنَّ يدًا، فأخذوا قصبةً يذرعونها، وكانت سودةُ أطوَلهُنَّ يدًا، فعلما بعدُ أنما كانَ طولُ يدِها الصدقةَ، وكانت أسرَعنَا لحوقًا بهِ زينبُ، وكانت تحبُّ الصدقة. رواه البخاري. وفي روايةِ مسلم، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «أسرعُكُنَّ لحوقًا بي أطولُكنَّ يدًا». قالت: وكانت يتطاولْنَ أيَّتهُنَّ أطولُ يدًا؟ قالت: فكانت أطولَنا يدًا زينب؛ لأنَّها كانت تعملُ بيدِها وتتصدَّق.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديت الأول عن عائشة ﵂: قوله: «أينا أسرع بك لحوقًا؟» أي تدركك بالموت من بعض الأزواج، ومنه حديث فاطمة ﵂ «إنك أول أهلي لحوقًا بى فضحكت». قوله: «فأخذوا قصبة» والظاهر فأخذن، وإنما عدل إلي ضمير المذكر تعظيمًا لشأنهن، كقوله تعالي: «وكانت من القانتين» وقول الشاعر. وإن شئت حرمت النساء سواكم قوله: «فعلمنا بعد» تعنى فهمنا من قوله: «أطولكن يدًا» ابتداءً ظاهره، فأخذنا لذلك قصبة نذرع بها يدًا يدًا لننظر أينا أطول يدًا، فلما فطنا بمحبتها الصدقة، وعلمنا أنه ﷺ لم يرد باليد العضو، وبالطول طولها، بل أراد العطاء وكثرته، أجريناه علي الصدقة، فاليد هنا استعارة للصدقة والطول ترشيح لها؛ لأنه ملاتم للمستعار منه. ولو قيل: أكبركن لكان تجريدًا لها. قوله: «أيتهن» في موضع نصب، إما حال أو مفعول له، أي كانت تتطاولن أيديهن ناظرات، أو لينظرن أيتهن أطول يدًا. قوله: «فكانت أطولنا يدًا زينب». فإن قلت: لم قدم «أطولنا» وجعله اسمًا، وآخر «زينب» وجعلها خبرًا، وعكس في رواية البخاري، وجعل «سودة» اسمًا و«أطولهن» خبرًا؟ قلت لاختلاف الحالتين، ولذلك ذكر في إحدى الروايتين «سودة»، وفي أخراهما «زينب»، فقدم الطول هنا، لما كان الاهتمام بشأنه في المباراة التي تلوح من قوله «يتطاولن». ومثل هذا التقديم قوله تعالي: ﴿إن خير من استأجرت القوى الأمين﴾. «الكشاف»: فإن قلت: كيف جعل «خير من استاجرت» اسمًا، «والقوى الأمين» خبرًا؟ قلت هو مثل قوله:
[ ٥ / ١٥٣١ ]
١٨٧٦ - وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ، قال: «قال رجل: لأتَصدَّقنَّ بصدقَةٍ، فخرجَ بصدقتهِ فوضعَها في يدِ سارقٍ، فأصبحوا يَتحدَّثون: تُصُدِّقَ الليلةَ علي سارقٍ، فقال: اللهمَّ لك الحمدُ، علي سارقٍ؟! لأتصَدَّقنَّ بصدقةٍ، فخرجَ بصدقتهِ فوضعَها في يدِ زإنيةٍ، فأصبحوا يَتحدَّثون: تُصُدِّقَ الليلةَ علي زإنيةٍ. فقال: اللهمَّ لكَ الحمدُ، علي زإنيةٍ؟! لأتَصدَّقنَّ بصدقةٍ، فخرجَ بصدقةٍ فوضعهًا في يدِ غَنيٍّ، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلةَ علي غنيٍّ. قال: اللهمَّ لكَ الحمدُ، علي سارقٍ وزإنيةٍ وغنيٍّ؟ فأتيَ، فقيلَ له: أمَّا صَدَقتُكَ علي سارقٍ فلعلَّه أن يستعِفَّ عن سرقتهِ، وأمَّا الزإنيةُ فلعلَّها أن تَستَعِفَّ عن زِناها، وأما الغَنيُّ فلعلَّهُ يعتبرُ فينفق مِمَّا أعطاهُ اللهُ» متفق عليه، ولفظه للبخاري.
_________________
(١) ألا إن خير الناس حيا وهالكا أسير ثقيف عندهم في السلاسل في أن العناية هي سبب التقديم. وقد صدقت، حتى جعل لها ماهو أحق بأن يكون خبرًا اسمًا. وعلم من هذا أن في رواية البخاري الحاضرات من أزواج النبي ﷺ بعضهن؛ لأن سودة توفيت قبل عائشة، وبعد غيرها ﵅ في سنة أربع وخمسين من الهجرة، وعائشة في سنة سبع أو ثمان وخمسين من الهجرة. وإن ما رواه مسلم كانت الحاضرات كلهن؛ لأن زينب بنت جحش توفيت قبل أزواج النبي ﷺ في سنة عشرين، وقيل: إحدى وعشرين. قوله: «لأنها كانت تعمل» تعليل كالبيان لقوله: «يتطاولون»؛ لأنه يحتمل أن يكون التطاول هنا حسيًا بأن تقول كل واحدة منهن: أنا أطول منك يدًا، أو معنويًا بأن تقول كل واحدة أنا أكثر منك عطاء. فبين بالتعليل أنه كان معنويًا. الحديث الثانى عن أبي هريرة ﵁: قوله: «تصدق الليلة علي سارق» إخبار في معنى التعجب، أو الإنكار. وقوله: «اللهم لك الحمد علي سارق» أي علي تصدقى علي سارق، إما وارد شكرًا أو تعجبًا، أما الأول: فأن يجري الحمد علي الشكر. وذلك أنه لما جزم علي أن يتصدق علي مستحق ليس بعده بدلالة التنكير في «صدقة»، وأبرز كلامه في معرض القسمية تأكيدًا وقطعًا للقول به، فلما جوزى بوضعه علي يد سارق حمد الله، بأنه لم يقدر أن يتصدق علي من هو أسوأ حالا من السارق. وأما الثانى فأن يجرى الحمد علي غير الشكر، وأن يعظم الله تعالي عند رؤية العجب، كما يقال: سبحان الله عند مشاهدة ما يتعجب منه، وللتعظيم قرن به لفظة «للهم»، فكما تعجبوا من فعله، قالوا: «تصدق الليلة علي سارق».
[ ٥ / ١٥٣٢ ]
١٨٧٧ - وعنه عن النبيِّ ﷺ، قال: «بينا رجلٌ بفلاةٍ من الأرضِ فسمعَ صوتًا في سحابةٍ: اسقِ حديقة فلان: فتنحَّى ذلك السَّحابُ فأفرغَ ماءهُ في حَرَّة، فإذا شَرْجةٌ من تلك الشراجِ قد استوعبَت ذلك الماءَ كلَّه، فتتبع الماء فإذا رَجلٌ قائمٌ في حديقتهِ، يُحوِّلُ الماء بمسِحاتهِ، فقالَ له: يا عبد الله ما اسمُك؟ قال: فُلان؟ الاسمُ الذي سمعَ في السَّحابةِ، فقال له: يا عبدَ اللهِ! لمَ تسألُني عن اسمي؟ فقال: إني سمعتُ صوتًا في السَّحابِ الذي هذا ماؤُهُ، يقول: اسقِ حديقةَ فُلانِ لاسمكَ، فما تصنعُ فيها؟ قال: أمَّا إذا قُلتَ هذا؛ فإني أنظُرُ إلي ما يخرُجُ منها فأتصدَّقُ بثلُثِه وآكلُ أنا وعيالي ثُلُثًا، وأَرُدَّ فيها ثُلُثَه». رواه مسلم.
١٨٧٨ - وعنه، أنَّهُ سمعَ النبيَّ ﷺ يقول: «إِنَّ ثلاثةً من بني إسرائيل: أبرَصَ، وأقرَعَ، وأعمى. فأراد الله أن يبتَلِيَهُمْ؛ فبعثَ إليهم مَلَكًا، فأتى الأبرصَ فقال:
_________________
(١) تعجب من فعل نفسه، وقال: «الحمد لله علي سارق» أي أتصدقت علي سارق، ولذلك سلي بقوله: «أما صدقتك علي سارق فلعله يستعف عن سرقته». قوله: «فأتى» أي فأرى في المام. قوله: «يعتبر» «غب»: أصل العبر: تجاوز من حال إلي حال، والاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلي ما ليس بمشاهد، يريد أن الغنى إذا نظر إلي تصدقه، اقتدى به وتجاوز عما كان فيه من صفة البخل إلي صفة السماحة. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁ قوله: «حديقة» وهي البستان الذي يدور عليه الحائط. و«الحرة» الأرض ذات الحجارة السود، و«الشرجة» - بإسكان الراء - مسيل الماء إلي السهل من الأرض: «المسحاة» المجرفة من الحديد. قوله: «فلان» الاسم الذي سمع فلان ليس مقولا لصاحب الحديقة؛ لأنه صرح باسمه، لكن رسول الله ﷺ كنى عن اسمه بفلان، ثم فسره بقوله: «الاسم الذي سمع»، والقائل في قوله: «اسق حديقة فلان لاسمك» هو ذلك السامع، ولابد من إضمار القول، التقدير: قال الهاتف: اسق حديق زيد مثلا، وقلت: أنا فلان لأجل اسمك أي بدله. قوله: «أرد فيها ثلثه» أي أرد في الحديقة الأصل الذي زرعته فيها؛ ليكون قنية للبذر بعد تصدقى الثلث، وأكلي الثلث الآخر. الحديت الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فأراد الله أن يبتليهم» من جوز دخول الفاء في خبر «إن» فلا إشكال في أنه خبر «إن»، ومن لم يجوزه يقدر الخبر، أي إن فيما أقص عليكم قصة ثلاثة نفر، فالفاء لتعقيب المفسر المجمل، كما في قوله تعالي: ﴿فإن فاءوا فإن الله
[ ٥ / ١٥٣٣ ]
أيُّ شىءٍ أحبُّ إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، ويَذهبُ عني الذي قد قَذَرَني الناسُ» قال: «فمسحَه فذهبَ عنهُ قذَرُهُ، وأُعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا. قال: فأي المال أحبُّ إليك؟ قال: الإِبلُ - أو قال: البقرُ -» شك إسحق «إلا أنَّ الأبرصَ والأقرعَ، قال أحدُهما: الإبلُ، وقال الآخرُ: البقرُ. قال: فأعطِيَ ناقةً عشراءَ، فقالَ: باركَ اللهُ لك فيها». قال: «فأتى الأقرعَ، فقال: أيُّ شيءٍ أحبُّ إليكَ؟ قال: شعرٌ حسنٌ، ويَذهبُ غني هذا الذي قدْ قذَرني الناسُ». قال: «فمسحَه؛ فذهبَ عنه»، قال: «وأُعطِيَ شَعْرًا حسنًا. قال: فأيُّ المالِ أحبُّ إليكَ؟ قال: البقرُ. فأُعطِيَ بقرةً حاملًا، قال: باركَ اللهُ لك َفيها». قال: «فأتى الأعمى، فقال: أيُّ شىءٍ أحبُّ إِليكَ؟ قال: أنْ يَرُدَّ اللهُ إِليَّ بصري، فأبصرُ به الناسَ»، قال: «فمسَحه؛ فرَدَّ اللهُ إِليه بَصره.
_________________
(١) غفور رحيم﴾ ولو رفع «أبرص» وما عطف عليه بالخبرية تعين للتفسير وقوله: «يذهب عنى» عطف علي قوله: «لون حسن» علي تقدير «أن» كقوله: أحضر الوغى. قوله «قذرنى» أي كرهنى، يقال: قذرت الشىء أقذره إذا كرهته واجتنبته. قوله: «فذهب عنه قذره وأعطى لونًا حسنًا» قدم هنا ذهاب القذر علي إعطاء الحسن علي الترتيب في الوجود؛ لأن إعطاء الحسن مسبوق بذهاب القذر، وقدم الحسن علي ذهاب القذر؛ لأن الحسن هو المقصود بالذات والأهم بالطلب؟ ولأنه إذا جاء الحسن ذهب القذر لا محالة، بخلافه إذا ذهب القذر فقد يتخلف عنه الحسن، فلذا عقب الذهاب بالحسن في الثاني. قوله: «شك إسحاق» وهو إسحاق بن عبد الله، أحد رواة هذا الحديث. وقوله: «إلا أن الأبرص» استثناء من قوله: «شك» أي شك إسحاق في ذلك، لكن لم يكن يشك في أن الأبرص أو الأقرع انفرد كل واحد منهما في طلب الإبل، أو البقر. ثم بنى علي هذا الاحتمال قوله: «فأعطى ناقة» أي الأبرص. قوله: «العشراء» - بالضم وفتح الشين والمد - التي أتى علي حملها عشرة أشهر، ثم اتسع فيه، فقيل لكل حامل: عشراء. قوله: «شاة والدًا» وهي التي قد عرف منها كثرة الولد. وقوله: «فأُنتج هذان» هكذا هو الرواية، وهي قليلة الاستعمال، والمشهور نتج، ومعناه: تولي الولادة، وهي النتج والانتاج. ومعنى «ولدَّها» بتشديد اللام انتج، والناتج للإبل كالقابلة للنساء. قوله: «هذان» أي الأبرص والأقرع. و«هذا» أي الأعمى. قوله: «في صورته» أي الملك جاء في صورته التي جاء الأبرص أول مرة.
[ ٥ / ١٥٣٤ ]
قال: فأيُّ المال أحبُّ إِليكَ؟ قال: الغنمُ. فأعطيَ شاةً والدًا. فأنتجَ هذانِ، وولَّد هذا؛ فكانَ لهذا وادٍ من الإِبلِ، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا واد من الغنم». قال: «ثمَّ إنَّه أتى الأبرص في صورته وهَيئتهِ، فقال: رجلٌ مسكينٌ قد انقطعتْ بيَ الحبالُ في سفَري، فلا بلاغَ لي اليومَ إلا بالله ثمَّ بكَ. أسألُكَ بالذي أعطاكَ اللونَ الحسنَ والجلدَ الحسنَ والمالَ، بعيرًا أتبلغُ بهِ ني سفَري. فقال: الحقوقُ كثيرةٌ. فقال: إنَّه كإني أعرِفُكَ، ألم تكنْ أبرصَ يقذَرُكَ الناسُ، فقيرًا فأعطاكَ الله مالًا؟ فقال: إنَّما ورِثتُ هذا المالَ كابرًا عن كابرٍ، فقال: إِنْ كنتَ كاذِبًا، فصيَّركَ اللهُ إلي ما كنتَ». قال: «وأتى الأقرعَ في صورته، فقال له مثلَ ما قال لهذا، وردَّ عليه مثلَ ماردَّ علي هذا، فقال: إنْ كنتَ كاذِبًا فصيَّركَ الله إلي ماكنتَ». قال: «وأتى الأعمى في صورته وهيئِتِه، فقال: رجلٌ مسكينٌ وابنُ سبيلٍ، انقطعت بي الحِبالُ في سفَري، فلا بلاغَ ليَ اليومَ إلا بالله ثمَّ بكَ. أسألُكَ بالذي ردَّ عليكَ بصركَ، شاةٌ أتبلغُ بها ني سفري. فقال: قد ْكنتُ أعمى فردَّ اللهُ إِليَّ بصري، فخُذْ ما شئتَ ودعْ ماشئتَ؛ فو الله لا أجهدُكَ اليوم بشيءٍ أخذتَه لله. فقال: أمسِكْ مالَكَ، فإِنَّما ابتُليتُم؛ فقدْ رُضِيَ عنكَ. وسخِطَ علي صاحِبيكَ». متفق عليه.
_________________
(١) قوله: «انقطعت بى الحبال» الباء للتعدية. «الحبال» جمع حبل، وهو العهد، والأمان، والوسيلة، وكل ما يرجو منه خيرًا وفرجًا، أو يستدفع به ضررًا. والحبل هنا السبب، فكأنه قال: انقطعت بى الأسباب. والبلاغ: الكفاية، قال الله تعالي: ﴿إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين﴾. والباء في «بالله» متصل بـ «بلاغ» أي ليس ما ما أبلغ به غرضي إلا بالله، و«ثم» في قوله: «ثم بك» للمرتبة في التنزل لا للترقى. وهذا وأمثاله من الملائكة معاريض في الكلام لا إخبار كما في قول إبراهيم: «هذا ربى، وإنى سقيم، وهي أختى» وقول الملائكة لداود ﴿إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة﴾ والباء في قوله: «بالذي» للقسم، والاستعطاف، أي أسالك بحق الذي، أو متوسلا بالذي، و«بعيرًا» مفعول «أسالك». قوله: «كابرًا عن كابر» حال، يقال: هو كبر قومه، أكبرهم في السن والرياسة، أو في النسب، وورثوا المجد كابرًا عن كابر. قوله: «إن كنت كاذبًا» هذا الشرط ليس علي حقيقته؛ لأن الملك لم يشك في كذبه بل هو مثل قول العامل إذا تسوف في عمالته: إن كنت عملت فأعطنى حقى. فعلي هذا تصييره علي ما
[ ٥ / ١٥٣٥ ]
١٨٧٩ - وعن أمِّ بُجيد، قالتْ: قلتُ: يا رسولُ الله! إذنَّ المسكينَ ليَقفُ علي بابي حتى استحييَ، فلا أجدُ في بيتي ما أدفعُ في يدِهِ. فقال رسولُ الله ﷺ: «ادفعى في يدِه ولو ظْلفًا مُحرَّقًا». رواه أحمدُ، وأبو داود، والترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. [١٨٧٩]
١٨٨٠ - وعن مولي لعثمانَ [﵁]، قال: أُهدِيَ لأمِّ سلمةَ بَضعةٌ منْ لحمٍ، وكان النبيُّ ﷺ يُعجبُه اللحمُ، فقالتْ للخادم: ضَعيهِ في البيتِ لعلَّ النبيَّ ﷺ يأكلهُ، فوَضعَتْهُ في كُوَّةِ البيتِ. وجاءَ سائلٌ فقام علي الباب، فقال: تصدَّقوا، باركَ اللهُ فيكم. فقالوا: باركَ اللهُ فيكَ. فذهبَ السَّائلُ، فدخلَ النبيُّ ﷺ فقال: «يا أمَّ سلَمةَ! هلْ عندكم شيءٌ أطْعَمُه؟» فقالتْ نعم، قالتْ للخادم: اذهبي فأتي رسولَ الله ﷺ بذلكَ اللحمِ. فذهبتْ، فلم تجدْ في الكُوَّةِ إِلَاّ قطعةَ مَرْوةٍ، فقال النبيُّ ﷺ: «فإنَّ ذلكَ اللحمَ عادَ مَروةً لمَّا لمْ تُعطوهُ السائلَ». رواه البيهقىُّ في «دلائل النبوَّة». [١٨٨٠]
١٨٨١ - وعن ابن عبَّاسٍ [﵄]، قال: قال النبيُّ ﷺ: «أَلا أُخبرُكم بشرِّ النَّاسِ مَنزِلًا؟» قيلَ: نعمْ، قال: «الذي يُسأَلُ باللهِ ولا يُعطي به». رواه أحمد.
_________________
(١) كان عليه مقطوع حصوله، ويؤيده قوله: «وسخط علي صاحبيك». قوله: «وأتى الأقرع في صورته» لم يذكر هنا الهيئة اختصارًا، أو سقط من الراوى، قوله: «لا أجهدك اليوم» أي لا أستفرغ طاقتى بمنع شىء أخذته لله، هذا علي عكس ما قال الأبرص والأقرع: الحقوق كتيرة، أي الموانع في الإعطاء كثيرة، فلا يتأتى لي أن أعطيك شيئًا. الحديث الخامس عن أم بجيد اسمها حواء بنت يزيد بن السكن: قوله: «محرقًا» تتميم لإرادة المبالغة في ظلف، كقولها: كأنه علم في رأسه نار. الحديث السادس عن مولي لعثمان: قوله: «وكان النبي ﷺ» جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، أي من عادته أن يعجبه اللحم، والخادم هو أحد الخدام، ويقع علي الذكر والأنثى؛ لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وطالق، ويدل علي أنها أنثى قوله: «ضعيه». «المروة»: حجر أبيض براق. وقيل: هي التي يقدح منها النار. الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: «بالله» الباء تحتمل أن تكون كالباء في كتبت بالقلم، أي يسأل بواسطة ذكر اسم الله، أو القسم والاستعطاف، يعنى قول السائل: أعطونى شيئًا بحق الله. وهذا مشكل، اللهم إلا أن يُتَّهم السائل بعدم الاستحقاق.
[ ٥ / ١٥٣٦ ]
١٨٨٢ - وعن أبي ذَرٍّ، أنَّه استأذنَ علي عُثمانَ، فأذنَ له وبيده عصاهُ، فقال عُثمانُ: يا كعبُ! إنَّ عبدَ الرَّحمنِ توُفي وتركَ مالًا، فما ترى فيه؟ فقال: إنْ كانَ يصلُ فيه حقَّ الله، فلا بأسَ عليه. فرفع أبو ذرٍّ عصاهُ فضربَ كعبًا، وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «ما أُحبُّ لو أَنَّ لي هذا الجبلَ ذهبًا أُنفِقُه ويُتقبَّلُ مني أَذَرُ خلفي منه ست أَواقِيَّ»، أنشدُكَ باللهِ يا عثمانُ! أسمعته؟! ثلاثَ مرَّاتٍ، قال: نعم. رواه أحمد [١٨٨٢].
١٨٨٣ - وعن عُقبةَ بن الحارِثِ، قال: صلّيتُ وراء النبيِّ ﷺ بالمدينة العصرَ، فسلَّم، ثمَّ قامَ مُسرعًا، فتخطَّى رقِابَ النَّاسِ إلي بعض حُجَرِ نسائه، فَفزعَ الناس منْ سُرعتِه، فخرجَ عليهِمْ، فرأي أنَّهم قدْ عجِبوا من سُرعتِه؛ قال: «ذَكَرتُ شيئًا من تبر عندنا فكرهتُ أنْ يحبِسنَي، فأمرتُ بقسمته». رواه البخاريُّ. وفي روايةٍ له، قال: «كنتُ خَلّقتُ في البيتِ تبرًا من الصَّدَقةِ، فكرِهتُ أنْ أُبيته».
١٨٨٤ - وعن عائشة [﵂]، أنَّها قالت: كانَ لرسولِ الله ﷺ عندي في مرضه ستَّةُ دنإنير أو سبعةٌ، فأمرني رسولُ الله ﷺ أن أفرقَها، فشغلَني وجَعُ نبيُ الله ﷺ ثم سألني عنها «ما فَعَلتِ الستةُ أو السَّبعةُ؟» قلتُ: لا واللهِ، لقدْ كانَ شغلَني
_________________
(١) الحديث الثامن عن أبي ذر: قوله: «فضرب كعبًا» فإن قلت: لم ضربه، وقد قيد ما ترك من المال بقوله: «إن كان يصل فيه حق الله» وقد ورد «ما أدى زكاته فليس بكنز»؟ قلت: إنما ضربه؛ لأنه نفي البأس علي سبيل الاستغراق حيث جعله مدخولا لـ «لا» التي لنفي الجنس، وكم من بأس، وأقله أنه يدخل الجنة بعد فقراء المهاجرين بزمان طويل، ويوقف للحساب، وما أشبهه. وقوله: «ويتقبل منى» تتميم لإرادة المبالغة في عدم المحبة. قوله: (أذر» مفعول «أحب» علي حذف «أن» ورفع الفعل، كقوله: أحضر الوغى. الحديث التاسع عن عقبة: قوله: «كرهت أن يحبسنى» أي يلهينى عن الله، ويحبسنى عن مقام الزلفي، كما قال في حديث انبجإنية أبي جهم. الحديث العاشر عن عائشة ﵂: قوله: «ما فعلت الستة» يجوز أن يروى بالنصب والرفع، والرفع أفصح كما جاء: ما فعل أبوأي، وما فعل النغير. ولا بد من محذوف أي ما فعلت بها؟ أأنفقت أم لا؟ فأجابت بلا، ثم اعتذرت مقسمة بالله. وفي وضع رسول الله ﷺ
[ ٥ / ١٥٣٧ ]
وجعُكَ. فدَعا بها، ثمَّ وضعَها في كفِه، فقال: «مَاظنُّ نبيٍّ لوْ لقيَ اللهَ ﷿ وهذِه عندَهُ؟!». رواه أحمد. [١٨٨٤]
١٨٨٥ - وعن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ دخلَ علي بِلالٍ، وعندَه صُبْرةٌ منْ تمرٍ، فقال: «ما هذا يا بلالُ؟» قال: شىءٌ ادَّخرْتُه لغَدٍ. فقال: «أما تخشى أنْ ترى له غدًا بُخارًا في نارِ جهنَّمَ يومَ القيامةِ؛ أنفِقْ بلالُ! ولا تخشَ من ذي العَرْشِ إقْلالأ» [١٨٨٥].
١٨٨٦ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «السَّخاءُ شَجرةٌ في الجنَّةِ، فمنْ كانَ سَخيًا أخذَ بغُصْنِ منها فلمْ يتركهُ الغُصْنُ حتى يُدخلَهُ الجنَّةَ. والشُّحُّ شجرةٌ في النَّارِ، فَمنْ كان شحيحًا أخذَ بغُصنٍ منها، فلم يتركهُ الغُصْنُ حتى يُدخِلَهُ النارَ». رواهما البيهقي في «شعب الإيمان» [١٨٨٦].
_________________
(١) الدنإنير في كفه، ووضع المظهر موضع المضمر، وتخصيص ذكر نبى الله، ثم الإشارة بقوله: «هذه» تصوير لتلك الحالة الشنيعة، واستهجان بها، وإيذان بأن حال النبوة منافية لأن يلقى الله ومعه هذا الدنيا الحقيرة، فالظن مضاف إلي الفاعل. وقوله: «لو لقى الله ﷿» حال من الفاعل. الحديث الحادى عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: «بخارًا في نار جهنم» أي أثره يصل إليك. فهو كناية عن قربه منها، كما أن قوله تعالي: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ كناية عن بعدها. وقوله: «وأنفق بلال» جملة مستأنفة مرتبة علي الأولي، فوض الترتيب إلي الذهن، أي فإن كان علي ما ذكر، فانفق يا بلال. والذي يقتضيه مراعاة السجع أن يوقف علي «إقلالا» وإن كتب بالألف، أو تغير إلي «بلالًا» ليزدوجا، كما في قولك: آتيك بالغدايا والعشايا. وقوله: «ارجعن مأزورات غير مأجورات» وما أحسن موقع ذى العرش في هذا المقام أي أتخشى أن يضيع مثلك من هو يدبر الأمر من السماء إلي الأرض؟ كلا. الحديث الثانى عشر عن أبي هريرة ﵁، قوله: «شجرة في الجنة» أي كالشجرة في الجنة. والتنكير للتعظيم. شبه السخاء بالشجرة في عظمها، وإنها ذات أغصان وشعب كثيرة، ثم حذفت أداة التشبيه، وجعلت نفس الشجرة، ثم زيد في المبالغة، ففرع علي السخاء المشبه ما يفرع علي المشبه به من التمسك، والأخذ بالغصن منها يؤديه إلي منبتها وأصلها. ويحتمل أن
[ ٥ / ١٥٣٨ ]
١٨٨٧ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «بادروا بالصدقةِ، فإنَّ البلاءَ لا يتخطَّاها». رواه رزين [١٨٨٧].