الفصل الأول
٦٥٤ - عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة». رواه مسلم.
_________________
(١) الصبح». ليس هذا إنشاء أمر ابتدعه من تلقاء نفسه، بل كان سنة سمعها من النبي ﷺ، يدل عليه حديث أبي محذورة في الفصل الثاني في الحديث الثالث: قلت: «يا رسول الله! علمني سنة الأذان- إلي قوله –: «الصلاة خير من النوم» في غير ما شرع. ويحتمل أن يكون من ضروب الموافقة كما مر آنفًا في حديث ابن عمر، قال عمر ﵁: «أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة، فقال رسول الله ﷺ: يا بلال! قم فناد بالصلاة». الحديث الخامس: عن عبد الرحمن: قوله: «أرفع لصوتك» المفضل والمفضل عليه حالتان، يعني حالة جعل إصبعيه في أذنيه أرفع لصوته في غير تلك الحالة. ولعل الحكمة أنه إذا سد صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع، فيتحرى في استقصائه كالأطروش، بخلاف إذا تركهما خاليتين. باب فضل الأذان وإجابة المؤذن الفصل الأول الحديث الأول عن معاوية: قوله: «أطول الناس» «حس»: قال ابن الأعرابي: معناه أكثرهم أعمالًا، يقال: لفلان عنق من الخير أي قطعة. وقال غيره: أكثرهم رجاءًا؛ لأن من يرجى شيئًا طال إليه عنقه، فالناس يكونون في الكرب، يشرئبون أن يؤذن لهم في دخول الجنة. وقيل.
[ ٣ / ٩٠٩ ]
٦٥٥ - وعن أبي هريرة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين،. فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب، أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري: كم صلي؟». متفق عليه.
_________________
(١) معناه الدنو من الله. وقيل: أراد أنهم لا يلجمهم العرق، فإن الناس يوم القيامة يكونون في العرق بقد أعمالهم. وقيل: معناه أنهم يكونون رؤساء يومئذ، والعرب تصف السادة بطول العنق. وقيل: الأعناق الجماعة، يقال: جاء عنق من الناس، أي جماعة، ومعنى الحديث أن جمع المؤذنين يكون أكثر فإن من أجاب دعوتهم يكون معهم. وروى بعضهم: «إعناقًا» بكسر الهمزة، أي إسراعًا إلي الجنة. أقول: قوله: «أكثرهم أعمالًا» نحو قوله: ﷺ: «أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدا» أي أكثركن عطاء، سمي العمل بالعنق باعتبار ثقله، قال الله (تعالي) ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ فلما سمي العمل بالعنق جيء بقوله: «أطول الناس» كالترشيح لهذا المجاز، وكذلك اليد لما سمي بها العطاء أتبعها بالطول مراعاة للمناسبة. وقوله: «أكثرهم رجاء» كناية رمزية، ولذلك علل بقوله: «لأن من يرجى شيئًا طال إليه عنقه». وقوله: «الدنو من الله» هذا كناية تلويحية؛ لأن طول العنق يدل علي طول القامة، ولا ارتياب أن طول القامة ليس مطلوبًا بالذات، بل لامتيازهم عن سائر الناس وارتفاع شأنهم، كما وصفوا بالغر المحجلين للامتياز والاشتهار، وكذا قوله: «إنهم لا يلجمهم العرق» من هذه الكناية؛ لأن الوصف بطول القامة إما يكون للامتياز، وهو لرفعة الشأن كما سبق، أو للنجاة من المكروه. وقوله: «يكونون رؤساء»، فيه استعارة «الكشاف»: شبهوا بالأعناق، كما قيل: هم الرؤوس والنواصي والصدور. وقوله: «وقيل: الأعناق الجماعة» فعلي هذا الطول مجاز عن الكثرة؛ لأن الجماعة إذا توجهوا مقصدًا لهم امتداد في الأرض. وقوله: «إعناقًا» أي إسراعًا، فعلي هذا الطول يحتمل الحقيقة، ويجوز أن يقال: إن طول العنق عبارة عن عدم التشوير والخجل، فإن الخجل متنكس الرأس متقلص العنق. قال الله تعالي: ﴿لو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم﴾. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: «ضراط» شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له. وقوله: «حتى لا يسمع» كرر (حتى» خمس مرات، أولاهن والرابعة والخامسة بمعنى «لكي»، والثانية والثالثة دخلتا علي الجملتين الشرطيتين، وليستا للتعليل.
[ ٣ / ٩١٠ ]
٦٥٦ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا أنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». رواه البخاري.
٦٥٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلي علي صلاة، صلي الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة». رواه مسلم.
_________________
(١) قوله: «يخطر الشيطان» قال في «أساس البلاغة»: خطر الرجل برمحه إذا مشى به بين الصفين، وهو يخطر في مشيه يهتز. قال الحماسي: ذكرتك والخطى يخطر بيننا، المعنى الشيطان يدخل ويحجز بينهما بوسوسة القلب، فلا يتمكن من الحضور في الصلاة، كقوله (تعالي): ﴿أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ يعني يميته، فلا يتمكن من إخلاص القلب، وإسناد الحيلولة إلي الله تعالي مجاز عند المعتزلة، لأن الحائل هو الشيطان، وإسناده إلي الله (تعالي): لتمكينه تعالي إياه منها، وبالعكس عند أهل السنة. و«يظل» - بفتح- الظاء من الظلول، كي يصير من الوسوسة بحيث لا يدري كم صلي، ومعنى التثويب سبق في الفصل الثاني. الحديث الثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: «مدى صوت المؤذن» «تو»: أي غاية صوته، إنما ورد البيان علي الغاية مع حصول الكناية بقوله: «لا يسمع صوت المؤذن» تبينهًا علي أن آخر ما ينتهي إليه صوت المؤذن يشهد له كما يشهد له الأولون، وفيه حث علي استفراغ الجهد في رفع الصوت بالأذان. «قض»: غاية الصوت يكون أخفي لا محالة، فإذا شهد له من بعد عنه وصول إليه من صوته فلأن يشهد له من هو أدنى منه وسمع منادي صوته أولي. وقوله: «إلا شهد له» «تو»: المراد من شهادة الشاهدين له- وكفي بالله شهيدًا- اشتهاره يوم القيامة فيما بينهم بالفضل وعلو الدرجة، وكما أن الله تعالي يهين قومًا ويفضحهم بشهادة الشاهدين، فكذلك يكرم قومًا تكميلًا لسرورهم وتطييبًا لقلوبهم. الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: «الوسيلة» «نه»: وهي في الأصل ما يتوسل به إلي الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل، وإنما سميت تلك المنزلة من الجنة بها لأن الواصل إليها يكون قريبًا من الله تعالي فائزًا بلقائه، مخصوصًا من بين سائر الدرجات بأنواع المكرمات، وأما الوسيلة المذكورة في الدعاء المروي عنه بعد فقيل: هي شفاعة، يشهد لها قوله في آخر الدعاء: «حلت له شفاعتي».
[ ٣ / ٩١١ ]
٦٥٨ - وعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قال المؤذن الله أكبر، الله أكبر؛ فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال أشهد أن محمد رسول الله؛ قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال: حي الصلاة؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي علي الفلاح؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر؛ قال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله؛ قال: لا إله إلا الله من قلبه، دخل الجنة». رواه مسلم.
_________________
(١) وقوله: أن أكون أنا هو» قيل: إن «هو» خبر كان، وضع بدل إياه، وقد سبق بحثه، ويحتمل أن يكون «أنا» للتأكيد، بل يكون مبتدأ و«هو» خبره، والجملة خبر «أكون». ويمكن أن يقال: إن هذا الضمير وضع موضع اسم الإشارة، أي أكون أن ذلك العبد، كما في قول رؤية: فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق قيل له: إن أردت الخطوط فقل: كأنها وإن أردت السود والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك. الحديث الخامس عن عمر ﵁: قوله: «إذا قال المؤذن» إذا شرطية، وقوله: «فقال» عطف علي الشرط، وجزاء الشرط قوله: «دخل الجنة»، والمعطوفات بـ «ثم» مقدرات بحرف الشرط والفاء، ويجوز أن يكون «فقال» جوابًا للشرط، وكذا «قال» في المعطوفات، وإنما وضع الماضي موضع المستقبل لتحقيق الموعود، قوله: «لا حول» «غب»: الحال لما يختص به الإنسان وغيره من الأمور المعتبرة في نفسه وجسمه، أو ما يتصل به، والحول ما له من القوة في أخذ هذه الأحوال، ومنه قيل: لا حول ولا قوة إلا بالله. «مظ»: أي لا حركة ولا حيلة ولا خلاص من المكروه، ولا قوة علي الطاعة إلا بتوفيق الله. أقول: إن الرجل إذا دعى بالحيعلتين كأنه قيل له: أقبل بوجهك وشراشرك علي الهدى عاجلًا، وعلي الفلاح آجلًا، أجاب بأن هذا أمر عظيم، وخطب جسيم، وهي الأمانة التي عرضت علي السماوات والأرض، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، فكيف أحملها مع ضعفي وتشتت أحوالي؟ ولكن إذا وفقني الله بحوله وقوته لعلي أقوم بها. «مح»: يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله إلا في الحيعلتين فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. لكل من سمعه من متطهر ومحدث، وجنب وحائض، وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة، فمن سمع أسباب المنع أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله، أو نحوهما، ومنها أن يكون في صلاة فيسمع المؤذن لم يوافقه فإذا سلم أتى بمثله. فإذا فعله في الصلاة فهل يكره؟ فيه قولان للشافعي، أظهرهما يكره؛ لأنه إعراض عن الصلاة، ولكن لا تبطل صلاته لأنه أذكار. فلو
[ ٣ / ٩١٢ ]
٦٥٩ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلت له شفاعتي يوم القيامة» رواه البخاري.
_________________
(١) قال: حي علي الفلاح، أو الصلاة خير من النوم، بطلت صلاته إن كان عالمًا بتحريمه، لأنه كلام آدمي. وقال القاضي عياض: اختلفوا هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم الأول فقط؟ الحديث السادس عن جابر: قوله: «اللهم رب هذه الدعوة التامة» «تو»: قيل: إنما وصف الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله (﷿» يدعى بها إلي عبادته، وهذه الأشياء وما والاها هي التي تستحق صفة الكمال والتمام، وما سوى ذلك من أمور الدنيا يعرض النقص والفساد. ويحتمل أنها وصفت بالتمام لكونها محمية عن النسخ والإبدال، باقية إلي يوم التناد. ومعنى قوله ﷺ: «والصلاة القائمة» أي الدائمة التي لا تغيرها ملة، ولا تنسخها شريعة. «وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته» الموصول مع الصلة إما بدل، أو نصب علي المدح، أو رفع بتقدير أعني أو هو، ولا يجوز: أن يكون صفة للنكرة، وإنما نكر لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل: مقامًا أي مقام، مقامًا يغبطه الأولون والآخرون، محمودًا يكل عن أوصافه ألسنة الحامدين. «شف»: المراد بوعده تعالي نبيه ﷺ قوله تعالي: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ روي عن ابن عباس رضي الله عن أنه قال: هذه الآية: أي مقامًا يحمدك فيه الأولون والآخرون، ويشرف علي جميع الخلائق، يسأل فيعطى، ويشفع فيشفع، أي ليس أحد إلا تحت لوائك. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي». أقول: -وبالله التوفيق- إن قوله: الله أكبر إلي قوله: محمد رسول الله، هي الدعوة التامة، وكلمة التوحيد الباقية الدائمة، كما قال الله (تعالي): ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾ أي عقب إبراهيم، وقوله: حي علي الصلاة، هو المشار إليه بقوله: الصلاة القائمة في قوله تعالي: ﴿ويقيمون الصلاة﴾ فإن المكلف إذا أقبل عليها بكليته، ويحافظ بتعديل أركانها، ويصونها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها- كانت قائمة مستقيمة، من أقام العود إذا قومها، فهاتان الكلمتان وسيلتان إلي طلب الفلاح، والفوز في العقبى بالدرجات العالية المشار إليها بقوله: آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، والمقام المحمود الذي يقوم فيه لشفاعة الأولين والآخرين، وبخلاصهم من كرب يوم القيامة، وإيصالهم إلي جناب، ونعيم، ولقاء رب العالمين، جعلنا الله (سبحانه) بفضله الكريم وكرمه الجسيم من زمرتهم، ومن المنخرطين في مسلكهم، ويرحم الله عبدًا قال: آمينا.
[ ٣ / ٩١٣ ]
٦٦٠ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار. فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلي الله عليه سلم: «علي الفطرة». ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ: «خرجت من النار» فنظروا إليه فإذا هو راعي معزى. رواه مسلم.
٦٦١ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبه ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينا، غفر له ذنبه» رواه مسلم.
٦٦٢ - وعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ: «بين كل أذإنين صلاة، بين كل أذإنين صلاة» ثم قال في الثالثة: «لمن شاء». متفق عليه.
_________________
(١) الحديث السابع عن إنيس: قوله: «يغير إذا طلع الفجر»» كقوله (تعالي»: ﴿فالمغيرات صبحا﴾ والإغارة كبس القوم علي غفلة، وهي بالليل أولي، ولعل تأخيرها إلي الفجر لاستماع الأذان. وقوله: «فإن سمع أذانًا» أقام الأذان موضع الضمير إشعارًا بأن من حق الأذان وكونه من الدين الأمان وأن لا يتعرض أهله، ولا يغار عليهم، وقوله: «فسمع رجلا» الفاء فيه فصيحة، يعني ولما كان من عادته ﷺ أن يسمع الأذان قبل الإغارة استمع فسمع. «يغير» جيء بصيغة المضارع ليفيد الاستمرار لبيان عادته ودأبه. قوله: «علي الفطرة» أي أنت، أوقعتها علي الفطرة، والثاني أولي ليطابق «خرجت» يعني أوقعتها علي الفطرة التي فطر الناس عليها، ثم قوله بعد ذلك: «خرجت من النار» بعد استماعه كلمة التوحيد إشارة إلي استمراره علي تلك الفطرة، وعدم تصرف الوالدين فيه بالشرك. وأما قوله: «خرجت» بصيغة الماضي ففيه وجهان: إما قاله تفاؤلا، أو قطعًا؛ لأن كلامه ﷺ صدق، ووعد الله حق. والمعزى- بكسر الميم- والمعز واحد، وهما اسم جنس، وواحد المعزى ماعز، وهو خلاف الضأن. الحديث الثامن والتاسع عن عبد الله: قوله: «بين كل أذإنين» غلب الأذان علي الإقامة، وسماهما باسم واحد «خط»: حمل أحد الاسمين علي الآخر شائع: كقولهم: الأسودان التمر والماء، وإنما الأسود أحدهما. وكقولهم: سيرة العمرين، يريدون أبا بكر وعمر ﵄. ويحتمل أن يكون الاسم لكل واحد منها حقيقة؛ لأن الأذان في اللغة الإعلام، فالأذان إعلام بحضور الوقت، والإقامة أذان بفعل الصلاة. قيل: لا يجوز حمله علي ظاهره؛ لأن الصلاة واجبة بين كل أذإني وقتين، وقد خير رسول الله فقال في المرة الثالثة: «لمن شاء».
[ ٣ / ٩١٤ ]
الفصل الثاني
٦٦٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين». رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والشافعي، وفي أخرى له بلفظ «المصابيح» [٦٦٣].
_________________
(١) «مظ» حرض رسول الله ﷺ أمته علي صلاة النفل بين الأذإنين؛ لأن الدعاء لا يرد بينهما لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: «اللهم أرشد الأئمة» وفي «المصابيح» بلفظ الماضي في الصيغتين. «قض»: الإمام متكفل أمور صلاة الجمع فيتحمل القراءة عنهم، إما مطلقًا عند من لا يوجب القراءة علي المأموم، أو إذا كانوا مسبوقين، ويحفظ عليهم الأركان، والسنن، وعدد الركعات، ويتولي السفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء، والمؤذن أمين في الأوقات يعتمد الناس علي [صوته] في الصلاة، والصيام، وسائر (الوظائف) المؤقتة. وقوله: «أرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين» دعاء أخرجه في صورة الخبر تأكيدًا، وإشعارًا بأنه من الدعوات التي تتلقى بالمسارعة إلي إجابتها، وعبر بصيغة الماضي ثقة بالاستجابة، فكأنه أجيب سؤاله وهو يخبر عنه موجودًا، والمعنى أرشد اللهم الأئمة للعلم بما تكلفوه والقيام به والخروج من عهدته، واغفر للمؤذنين ما عسى يكون منهم من تفريط في الأمانة التي حملوها. «شف»: يستدل به علي تفضيل الأذان علي الإمامة؛ لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين. تم كلامه. ويمكن أن يجاب عنه بأن هذا الأمين يتكفل الوقت فحسب، وهذا الضامن متكفل لأركان الصلاة، ومتعمد إلي السفارة بين القوم وبين ربهم في الدعاء، فأين أحدهما من الآخر؟ فكيف لا والإمام خليفة الرسول ﷺ والمؤذن بلال ﵁؟ وكذا فرق بين الدعاء بالإرشاد وبينه بالغفران، لأن الإرشاد هي الدلالة الموصولة إلي البغية. والغفران مسبوق بالذنب. «خط»: في الحديث دلالة علي استحباب تولي الأذان وكراهة تولي الإمامة، لأن الدعاء بالإرشاد إنما يكون فيما فيه خطر أي أمر عظيم. قال أيضًا: ليس هذا الضمان مما يوجب الغرامة من هذا في شيء، يعني لا يلزم علي الإمام إثم بالإمامة بل يحصل له ثواب.
[ ٣ / ٩١٥ ]
٦٦٤ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أذن سبع سنين محتسبًا؛ كتب له براءة من النار». رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٦٦٤]
٦٦٥ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: «يعجب ربك من راعي غنم في رأسه شظية للجبل، يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله ﷿: انظروا إلي عبدي هذا، يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة». رواه أبو داود، والنسائي. [٦٦٥]
٦٦٦ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة علي كثبان المسك يوم القيامة: عبد أدى حق الله وحق مولاه، ورجل أم قومًا وهم به رضوان، ورجل ينادي بالصلوات الخمس كل يوم وليلة». رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
_________________
(١) الحديث الثاني عن ابن عباس: قوله: «محتسبًا» (فا) الاحتساب من حسب كالاعتداد من العدد، إنما قيل: احتسب العمل لمن ينوي به وجه الله لأن له حينئذ أن يعتد عمله، فجعله في حال مباشرة الفعل كأنه معتد. والحسبة اسم من الاحتساب، كالعدة من الاعتداد. ومنه حديث عمر: «احتسبوا يا أيها الناس أعمالكم، فإنه من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته». الحديث الثالث عن عقبة بن عامر: قوله: «يعجب ربك» «حس»: التعجب علي الله مجاز؛ لأنه لا يخفي عليه أسباب الأشياء والتعجب مما خفي سببه ولم يعلم، فاملعنى عظم ذلك عنده، وكبر لديه، وقيل: معناه الرضي. «نه» الشظية الفلقة من الحصى، والجمع الشظايا. أقول: الخطاب في قوله: «يعجب ربك» عام لكل من يتأتى منه السماع لفخامة الأمر، فيؤكد معنى التعجب، وقوله تعالي: «فانظروا» تعجيب للملائكة من ذلك الأمر بعد التعجيب لمزيد التفخيم، وكذا تسميته بالعبد وإضافته إلي الله (تعالي) والإشارة بهذا تعظيم علي تعظيم. وقوله: «يخاف منه» الأظهر أنه جملة مستأنفة وإن احتمل الحال، فهو كالبيان لعلة عبوديته، واعتزاله عن الناس حق اعتزال؛ لتخصيص ذكر الشظية مع المعزى دون الضأن. وفيه إشعار بأنه كان عالمًا بالله تعالي عارفًا لجلالته، وأنه من الذين قيل فيهم ﴿إنما يخشى الله من عبادة العلماء﴾ وأن اعتزاله عن الناس إنما هو للفتنة والفرار بدينه، كاعتزال الفتية إلي الكهف قائلين: ﴿ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا﴾ وكذلك أمنه الله مما كان يخافه، وزاد عليه بإدخاله الجنة. قيل: وفي الحديث دليل علي جواز الأذان والإقامة للمنفرد. الحديث الرابع عن ابن عمر ﵁: قوله: «كثبان» جمع كثيب، وهو ما ارتفع من
[ ٣ / ٩١٦ ]
٦٦٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس. وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وروى النسائي: إلي قوله «كل رطب ويابس»، وقال: «وله مثل أجر من صلي». [٦٦٧]
٦٦٨ - وعن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي. قال: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ علي أذانه أجرًا». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
_________________
(١) الرمل كالتل الصغير، عبر عن الثواب بكثبان المسك لرفعته وظهور فرحه، وروح الناس من رائحته، لتناسب حال هؤلاء الثلاثة، فإن فائدة أعمالهم متجاوزة إلي الغير. وصف المؤذن بالفعل المضارع تصويرًا لفعله، واستحضارًا له في ذهن السامع استعجابًا منه، وخص الإمام بالرضي دون المؤذن لأنه متكفل ومتول للسفارة بينهم وبين الله تعالي بالدعاء، وعليه اعتماد المأموم، تصلح صلاته بصلاح صلاته، وتفسد بفسادها. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «مدى صوته» «نه»: أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو قدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقام المؤذن ذنوب له تملأ تلك المسافة- لغفر الله له، فيكون هذا تمثلًا. قوله: «وشاهد الصلاة يكتب له» عطف علي قوله: «المؤذن يغفر له» وفيه إشعار بأن الجملة الثانية مسببة عن الأولي، وأن العطف بيان لحصول الجملتين في الوجود، وتفويض ترتب الثانية علي الأولي موكول إلي ذهن السامع الذكي، وإن كانت متأثرة عن الأولي ومسببة عنها بهذا الاعتبار كذلك الأولي متأثرة عن الثانية باعتبار مضاعفة الثواب، وإليه أشار من قال: يغفر للمؤذن لأن كل من سمع صوته أسرع إلي الصلاة، ثم غفرت خطاياه للصلاة المسببة لندائه، فكأنه لأجل إسراع الشاهد قد غفر للمؤذن، والله أعلم. فالضمير المجرور في «له» للشاهد لا للمؤذن كما يظن، ويشهد له حديث أبي هريرة: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف علي صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا» والله أعلم. الحديث السادس عن عثمان ﵁: قوله: «واقتد بأضعفهم» جملة إنشائية عطفت علي: «أنت إمامهم» وهي خبرية علي تأويل أمهم، عدل إلي الإسمية دلالة علي الثبات، وأن إمامته قد حصلت وهو ﷺ يخبر عنه، وفيه من الغرابة أنه جعل المقتدي مقتديًا تابعا، يعني كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك فاقتد أيضًا أنت ضعفه، واسلك سبيل التخفيف في القيام والقراءة. «تو»: إنما ذكره بلفظ الاقتداء تأكيدًا للأمر المحثوث عليه؛ لأن من شأن المقتدي أن
[ ٣ / ٩١٧ ]
٦٦٩ - وعن أم سلمة، ﵂، قالت: علمني رسول الله أن أقول عند أذان المغرب: «اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي». رواه أبو داود، والبيهقي في «الدعوات الكبير». [٦٦٩]
٦٧٠ - وعن أبي أمامة، أو بعض أصحاب رسول الله ﷺ، قال: إن بلالا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة. قال رسول الله ﷺ: «أقامها الله وأدامها». وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان. رواه أبو داود. [٦٧٠]
٦٧١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يرد الدعاء بين الأذان
_________________
(١) يتابع المقتدي به، ويجتنب خلافه. قيل: تمسك به من منع الاستئجار علي الأذان، ولا دليل فيه، لجواز أنه ﷺ أمره بذلك أخذًا بالأفضل. «خط»: أخذ المؤذن الأجر علي أذانه مكروه من مذاهب أكثر العلماء، قال الحسن أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله تعالي. وكرهه الشافعي ﵁. وقال: يرزقه الإمام من خمس الخمس من سهم رسول الله ﷺ فإنه مرصد لمصالح لدين. وأقول: لعل الكراهة لما أن المؤذن متبرع في نداء المصلين، وسبب في اجتماعهم، فإذا كان مخلصًا خلصت صلاتهم، قال الله تعالي: ﴿اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون﴾. «مظ» فهي أن الإمامة ينبغي أن تكون بإذن الحاكم، وأن يستحب للإمام التخفيف في الصلاة، واستحباب الأذان بغير أجرة. الحديث السابع عن أم سلمة: قوله: «هذا إقبال ليلك» المشار إليه ما في الذهن، وهو مبهم مفسر بالخبر. وقوله: «إدبار نهارك وأصوات دعائك» عطف علي الخبر. و«فاغفر لي» مرتب عليها بالفاء، نبه علي صدور فرطات من القائل في نهاره السابق، والثاني كالوسيلة لاشتماله علي ذكر اسم الله، والدعوة إلي الطاعة لطلب الغفران، والدعاة جمع داع، كقضاة جمع قاض. الحديث الثامن عن أبي أمامة ﵁: قوله: «فلما أن قال» لما الشرطية تستدعي فعلًا، فيكون التقدير: فلما انتهي إلي أن قال: وقد اختلف في «قال» متعد أو لازم، فمن جعله لازمًا يجعل المقول مصدرًا، ومن ذهب إلي أنه متعد فالمقول عنده مفعول به. قوله: «قال في سائر الإقامة» أي قال رسول الله ﷺ فيما سوى قد قامت الصلاة من ألفاظ الإقامة نحو ما قاله المؤذن، علي ما مر في الحديث الخامس من الفصل الأول من الباب. الحديث التاسع والعاشر عن سهل بن سعيد قوله: «عند البأس» البأس الشدة والمحاربة،
[ ٣ / ٩١٨ ]
والإقامة». رواه أبو داود، والترمذي. [٦٧١]
٦٧٢ - وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثنتان لا تردان: -أو قلما تردان – الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا». وفي رواية «وتحت المطر». رواه أبو داود، والدارمي؛ إلا أنه لم يذكر: «وتحت المطر». [٦٧٢]
٦٧٣ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رجل: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا. فقال رسول الله ﷺ: «قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط». رواه أبو داود.
_________________
(١) و«حين يلحم» بدل منه، وفي الغريبين: ألحم الرجل واستلحم إذا أنشب في الحرب فلم يجد مخلصًا، ولحم إذا قتل، فهو ملحوم ولحيم. فسره القاضي وقال: لحمه إذا التصق اللحم بالعظم أو يهم بعضهم بقتل بعض، من: لحم فلان فهو ملحوم إذا قتل كأنه جعل لحمًا. أقول: قرن الدعاء بين الأذإنين عند حضور الشيطان بعد الأذان لإيقاع الخطرات والوساوس، ودفع المصلي إياه بالالتجاء والاستغاثة، كما قال الله (سبحانه وتعالي): ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ إلي آخره بالدعاء عند التحام البأس والمحاربة مع أعداء الدين؛ لكونهما مجاهدين في سبيل الله، وإلي المعنى الأول ينظر ما رويناه في الحديث الثاني من هذا الباب «فإذا قضي النداء أقبل- أي الشيطان- حتى إذا ثوب بالصالة أدبر» وإلي الثاني يلمح ما ورد في الحديث الثاني من باب الوضوء (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) وقد حققناه في موضعه. قوله: «وتحت المطر» روى شيخنا شيخ الإسلام في «العوارف»: كان رسول الله ﷺ يستقبل الغيث ويتبرك به، وقال: «حديث عهد بربه» وأنشد في الكتاب: تضوع أرواح نجد من ثيابهم عند القدوم لقرب العهد بالدار الحديث الحادي عشر ظاهر.
[ ٣ / ٩١٩ ]
الفصل الثالث
٦٧٤ - عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء». قال الراوي: والروحاء من المدينة: علي ستة وثلاثين ميلًا رواه مسلم.
٦٧٥ - وعن علقمة بن وقاص، قال: إني لعند معاوية، إذ أذن مؤذنه، فقال معاوية كما قال مؤذنه. حتى إذا قال: حي علي الصلاة؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما قال: حي علي الفلاح؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال بعد ذلك ما قال المؤذن. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك. رواه أحمد. [٦٧٥]
٦٧٦ - وعن أبي هريرة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ: «من قال مثل هذا يقينًا، دخل الجنة» رواه النسائي.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: «حتى يكون مكان الروحاء» يعني يبعد الشيطان من المصلي بعد ما بين المكإنين، أو التقدير يكون الشيطان مثل الروحاء في الحمودة والبعد. الحديث الثاني عن علقمة: قوله: «إلا بالله العلي العظيم» «نه»: هذه الزيادة نادرة في الروايات. الحديث الثالث، والرابع عن عائشة ﵂: قوله: «قال: وأنا وأنا» عطف علي قول المؤذن: أشهد، علي تقدير العامل لا الانسحاب، أي أنا أشهد كما تشهد، والتكرير في «وأنا» راجع إلي الشهادتين، وفيه أنه ﷺ كان مكلفًا بأن يشهد علي رسالته كسائر الأمة. الحديث الخامس عن ابن عمر: قوله: «في كل يوم» في حذف، أي كتب له بسبب تأذينه
[ ٣ / ٩٢٠ ]
٦٧٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ إذا سمع المؤذن يتشهد قال: «وأنا وأنا» رواه أبو داود. [٦٧٧]
٦٧٨ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ، قال: «من أذن ثنتي عشرة سنة؛ وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة، ولكل إقامة ثلاثون حسنة» رواه ابن ماجه. [٦٧٨]
٦٧٩ - وعنه، قال: كنا نؤمر بالدعاء عند أذان المغرب. رواه البيهقي في: «الدعوات الكبير».