الفصل الأول
١٤٨٠ - عن عائشة ﵂، قالت: إن الشمس خسفت علي عهد رسول الله ﷺ، فبعث مناديًا: الصلاة جامعة، فتقدم فصلي أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. قالت عائشة: ما ركعت ركوعًا قط ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه. متفق عليه.
_________________
(١) أجعله عيدًا. وقوله: «جعله الله لهذه الأمة» حكم ذكر بعد ما يشعر بالوصف المناسب، وهي قوله: «يوم الأضحى»؛ لأن فيه معنى التضحية، كأنه قيل حكم الله تعالي علي هذه الأمة بالتضحية يوم العيد، ومن ثم حسن قول الصحابي: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة؟ قوله: «منيحة أنثى» «نه»: منحة النوق أن يعطى الرجل ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطى لينتفع بوبرها أو صوفها زمانًا، ثم يردها. وأقول: وصف «منيحة» بـ «أنثى» فيه دلالة أن المنيحة قد يكون ذكرًا وأنثى، وإن كان فيه علامة تإنيث، كما يقال: حمامة أنثى، وحمامة ذكر، ومنه قوله تعالي: ﴿قالت نملة﴾ فإن تإنيث الفعل دل علي أنها كانت أنثى علي ما سبق بيانه، ويعضده ما روى ابن الأثير في النهاية «من منح منحة ورق، أو منح لبنًا، كان له عدل رقبة»، ولعل المراد من المنيحة ها هنا ما يمنح بها، وإنما منعه؛ لأنه لم يكن عنده شيء سواها ينتفع به. باب صلاة الخسوف الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة: قوله: «الصلاة جامعة» «مظ»: الصلاة مبتدأ و«جامعة» خبره،
[ ٤ / ١٣١٠ ]
١٤٨١ - وعنها، قالت: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته. متفق عليه.
١٤٨٢ - وعن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس علي عهد رسول الله ﷺ فصلي رسول الله ﷺ معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم قام فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله». قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: «إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار
_________________
(١) يعنى الصلاة تجمع الناس في المسجد. ويجوز أن يكون التقدير: الصلاة ذات جماعة، أي تصلي جماعة لا منفردًا كالسنن الرواتب، فالإسناد مجازي، كطريق سائر، ونهر جار، وصلاة الكسوف والخسوف ركعتان بالصفة التي ذكرت عند الشافعي وأحمد ﵄. وأما عند أبي حنيفة فهي ركعتان، في كل ركعة ركوع واحد، وسجودان، كسائر الصلوات. وتصلي الخسوف والكسوف بالجماعة عند الشافعي وأحمد، وفرادى عند أبي حنيفة. وأما عند مالك فيصلي كسوف الشمس جماعة، وخسوف القمر فرادى، وركوعها كسائر الصلوات. الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: «انخسفت الشمس» «انخسفت» كذا في البخاري، وفي مسلم «انكسفت»، وفي «شرح السنة» (خسفت». «حس»: يقال: حسفت الشمس، وكسفت، ومن الناس من يغلب في القمر لفظ الخسوف، وفي الشمس لفظ الكسوف. قوله: «آيتان من آيات الله» «حس». زعم أهل الجاهلية أن كسوف الشمس والقمر يوجب حدوث تغير في العالم من موت، وضرر، ونقص، ونحوها. فأعلم النبي ﷺ أن ذلك باطل، وأنهما آيتان من آيات الله، وخلقان مسخران، ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة علي الدفع عن أنفسهما. وأمر بالفزع عند كسوفهما إلي ذكر الله تعالي وإلي الصلاة إبطالًا لقول الجهال. وقيل: إنما أمر بالفزع إلي الصلاة؛ لأنهما آيتان دالتان علي قرب الساعة. قال تعالي: ﴿فإذا برق البصر وخسف القمر﴾ وقيل: آيتان تخوفان عباد الله؛ ليفزعوا إلي الله تعالي ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾. قوله: «تكعكعت» «حس»: أي تأخرت، يقال: تكعكع وكع عن الأمر إذا أحجم.
[ ٤ / ١٣١١ ]
فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع. ورأيت أكثر أهلها النساء». قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن»: قيل: يكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلي إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط». متفق عليه.
١٤٨٣ - وعن عائشة نحو حديث ابن عباس، وقالت: ثم سجد فأطال السجود، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا
_________________
(١) قوله: «لأكلتم منه» الخطاب عام في كل جماعة يتأتى منهم السماع والأكل إلي يوم القيامة، بدليل قوله: «ما بقيت الدنيا». «قض»: ووجه ذلك إما بأن يخلق الله تعالي مكان كل حبة تقتطف حبة أخرى، كما هو المروي في خواص ثمر الجنة، أو بأن يتولد منه مثله في الزرع فيبقى نوعه ما بقيت الدنيا، فيؤكل منه. «مظ»: وسبب تركه ﷺ تناول العنقود أنه لو تناوله ورآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، فيرتفع التكليف. قال تعالي" ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها﴾. قوله: «ولم أر كاليوم منظرًا» أي لم أر منظرًا مثل المنظر الذي رأيته اليوم أي منظرًا هولًا وفظيعًا. والفظيع: الشديد الشنيع. قوله: «وتكفرن الإحسان» أي إحسان العشير. والجملة مع الواو مبينة للجملة الأولي علي طريقة أعجبني زيد وكرمه، والخطاب في «لو أحسنت» عام لكل من يتأتى منه الإحسان. الحديث الرابع عن عائشة: قوله: «أغير من الله» «نه» الغيرة هي الحمية والأنفة، يقال: غرت علي أهلي، أغار غيرة، فأنا غائر. وغيور للمبالغة. «نه»: «أن يزني» متعلق بـ «أغير» – وحذف الجار من «أن» قياس مستمر – ونسبة الغيرة إلي الله تعالي مجاز محمول علي غاية إظهار غضبه علي الزإني، وإنزال نكاله عليه. ووجه اتصال هذا المعنى بما قبله هو أنه ﷺ لما خوف أمته من الكسوفين، وحرضهم علي الفزع والالتجاء إلي الله تعالي بالتكبير والدعاء، والصلاة، والتصدق، أراد أن يردعهم عن المعاصي كلها، فخص منها الزنا، وفخم شأنها في الفظاعة، وندب أمته بقوله: «يا أمة محمد» ونسب الغيرة إلي الله تعالي. ولعل تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب، لأن أصل الغيرة أن يستعمل في الأهل والزوج، فامتنع من نسبة ذلك إلي الله تعالي تنزيهًا لجنابه الأقدس عنه. ويجوز أن تكون نسبة هذه الغيرة إلي الله تعالي من باب الاستعارة المصرحة التبعية، شبه حالة ما يفعل الله تعالي مع عبده الزإني من الانتقام وحلول العقاب عليه بحالة ما يفعل السيد بعبده الزإني من الزجر والتعزير، ثم كرر الندبة ليتعلق به ما ينتسبه به علي سبب الندبة، والفزع إلي الله تعالي من علم بالله تعالي وبغضبه، فقال: «يا أمة محمد – إلي قوله: لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا». والقلة ها هنا بمعنى العدم، كما في قوله: «قليل التشكي» أي عديمه، وقوله تعالي: ﴿فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرا﴾ وأنشد صاحب الكشاف:
[ ٤ / ١٣١٢ ]
رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا»، ثم قال: «يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا». متفق عليه.
١٤٨٤ - وعن أبي موسى، قال: خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد، فصلي بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله، وقال: «هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته،؛ ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك، فافزعوا إلي ذكره ودعائه واستغفاره» متفق عليه.
١٤٨٥ - وعن جابر، قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ، فصلي بالناس ست ركعات بأربع سجدات. رواه مسلم.
_________________
(١) مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم أو بها شبه الصاب فكيف بأن تلقى مسرة الساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب الحديث الخامس عن أبي موسى: قوله: «يخشى أن تكون الساعة» قالوا: هذا تخيل من الراوي وتمثيل منه، كأنه قال: فزعا فزع من يخشى أن تكون الساعة، وإلا فكان النبي ﷺ عالمًا بأن الساعة لا تقوم وهو بين أظهرهم، وقد وعد الله تعالي النصر وإظهار الأمر وإعلاء دينه علي الأديان كلها، ولم يبلغ الكتاب فيها أجله؛ وإنما كان فزعه عند ظهور الآيات كالخسوف، والزلازل، والريح، والصواعق، شفقًا علي أهل الأرض أن يأتيهم عذاب من عذاب الله، كما أتي من قبلهم من الأمم، لا عن قيام الساعة. وصرح المظهر: أن الراوي أخطأ فيه حيث قال: هذا ظن؛ لأن أبا موسى لم يعلم ما في قلب النبي ﷺ، وهذا الظن غير صواب. فإن قيل: يحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل أن يخبر الله تعالي رسوله بالنصر والظفر، فحينئذ يتوقع الساعة كل لحظة. قلنا: ليس كذلك؛ لأن إسلام أبي موسى كان بعد فتح خيبر، ورسول الله ﷺ قد أخبر بهذه الأشياء بعد فتح خيبر. وأقول: لعل فزع رسول الله ﷺ إنما كان لما كوشف به من الأهوال، ونزول العذاب، فذهل عما أخبر به، فخشي أن تكون الساعة. كما قال تعالي: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا﴾ وفسر أن الرسل من هول ذلك اليوم يفزعون، ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعد ما ترجع إليهم عقولهم بالشهادة علي أمتهم. ولو نسب هذا الذهول إلي الرواي بسبب ما شاهد من النبي ﷺ من تلك الحالة لجاز أيضًا. الحديث السادس والسابع عن جابر: قوله: «يوم مات إبراهيم» «مظ»: ظن بعضهم أن
[ ٤ / ١٣١٣ ]
١٤٨٦ - وعن ابن عباس، قال: صلي رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثمان ركعات في أربع سجدات.
١٤٨٧ - وعن علي مثل ذلك. رواه مسلم.
١٤٨٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة في حياة رسول الله ﷺ إذ كسفت الشمس، فنبذتها، فقلت: والله لأنظرن إلي ما حدث لرسول الله ﷺ في كسوف الشمس. قال: فأتيته وهو قائم في الصلاة رافع يده، فجعل يسبح ويهلل ويكبر ويحمد ويدعو حتى حسر عنها، فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلي ركعتين. رواه مسلم في «صحيحه» عن عبد الرحمن بن سمرة، وكذا في «شرح السنة» عنه. وفي نسخ «المصابيح» عن جابر بن سمرة.
١٤٨٩ - وعن أسماء بنت أبي بكر [﵄] قالت: لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس. رواه البخاري.
_________________
(١) انكساف الشمس يوم مات إبراهيم بن النبي ﷺ لموته. فقال النبي ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالي، لا يخسفان لموت أحد» كما تقدم. والمراد بقوله: «فصلي بالناس ست ركعات» أنه ﷺ صلي ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات فعند الشافعي وأكثر أهل العلم أن الخسوف إذا تمادى جاز أن تركع في كل ركعة ثلاث ركوعات وخمس ركوعات، وأربع ركوعات، كما في الحديث الآتي أنه ﷺ «صلي ثمان ركعات في أربع سجدان» يعني صلي ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات. الحديث الثامن عن عبد الرحمن: قوله «حسر عنها» أي أزيل وأذهب عن الشمس خسوفها، يعني دخل رسول الله ﷺ في صلاة الخسوف، ووقف في القيام الأول، وطول التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، حتى ذهب الخسوف، ثم قرأ القرآن، وركع وسجد، ثم قام في الركعة الثانية، وقرأ فيها القرآن، وركع وسجد، وتشهد وسلم. قوله: «في نسخ المصابيح: عن «جابر بن سمرة» يقول المؤلف: وجدت حديث عبد الرحمن ابن سمرة في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وفي الجامع، وفي شرح السنة بروايته، ولم أجد لفظ المصابيح في الكتب المذكورة برواية جابر بن سمرة. الحديث التاسع عن أسماء: قوله: «بالعتاقة» أي فك الرقاب من العبودية. الإعتاق، وسائر الخيرات مأمور بها في خسوف الشمس والقمر؛ لأن الخيرات تدفع العذاب.
[ ٤ / ١٣١٤ ]
الفصل الثاني
١٤٩٠ - عن سمرة بن جندب، قال: صلي بنا رسول الله ﷺ في كسوف لا نسمع له صوتًا، رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
١٤٩١ - وعن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: ماتت فلانة، بعض أزواج النبي ﷺ فخر ساجدًا، فقيل له: تسجد في هذه الساعة؟ فقال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم آية فاسجدوا»، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﷺ؟!. رواه أبو داود، والترمذي. [١٤٩١]
الفصل الثالث
١٤٩٢ - عن أبي بن كعب، قال: انكسفت الشمس علي عهد رسول الله ﷺ، فصلي بهم، فقرأ بسورة من الطول، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس
_________________
(١) الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن سمرة: قوله «بعض أزواج النبي» بيان أو بدل عن «فلانة». «مظ»: هي صفية زوج النبي ﷺ. قوله: «إذا رأيتم آية فاسجدوا» هذا مطلق، فإن أريد بالآية خسوف الشمس والقمر، فالمراد بالسجود الصلاة، وإن كان غيرها كمجيء الريح الشديدة والزلزلة وغيرهما، فالسجود هو المتعارف ويجوز الحمل علي الصلاة أيضًا؛ لما ورد «كان إذا حزبه أمر فزع إلي الصلاة». قوله: «وأي آية أعظم» قالوا: المراد بها العلامات المنذرة بنزول البلايا والمحن التي يخوف بها عباده، ووفاة أزواج النبي ﷺ من تلك الآيات؛ لأنهن ضممن شرف الزوجية إلي شرف الصحبة. وقد قال ﷺ: «أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتي أصحابي ما يوعدون» الحديث، فهن أحق بهذا المعنى من غيرهن، فكأن وفاتهن سالبة للأمنة، وزوال الأمنة يوجب الخوف. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن النعمان: قوله: «ركعتين ركعتين» «خط»: شبه أن يكون صلاها مرات، وكان إذا طالت مدة الخسوف مد في صلاته، وزاد في عدد الركوع، وإذا قصرت نقص،
[ ٤ / ١٣١٥ ]
كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلي كسوفها». رواه أبو داود. [١٤٩٢]
١٤٩٣ - وعن النعمان بن بشير، قال: كسفت الشمس علي عهد رسول الله ﷺ فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها، حتى انجلت الشمس. رواه أبو داود. وفي رواية النسائي: أن النبي ﷺ صلي حين انكسفت الشمس مثل صلاتنا يركع ويسجد. [١٤٩٣]
وله في أخرى: أن النبي ﷺ خرج يومًا مستعجلًا إلي المسجد، وقد انكسفت
_________________
(١) وكل ذلك جائز، يصلي علي حسب الحال، ومقدار الحاجة فيه. قال: ذهب أكثر أهل العلم إلي هذا، وإنه إذا امتد زمان الخسوف يزيد في عدد الركوع، أو في إطالة القيام والركوع، ويطول السجود كالركوع عند الشافعي. قوله: «ويسأل عنها» أي يسأل الله بالدعاء أن يكشف عن الشمس، أو يتجلي عنها الكسف، أو يسأل الناس عن انجلائها، أي كلما صلي ركعتين يسأل هل انجلت؟ فالمراد بتكرير الركعتين المرات. قوله: «ولكنهما خليقتان من خلقه تعالي»: «نه» الخلق الناس، والخليقة البهائم. وقيل: هما بمعنى واحد، أقول: المعنى الأول أنسب في هذا المقام، لأنه ﷺ رد زعم من يرى أثرهما في هذا العالم بالكون والفساد، أي ليس كما تزعمون، بل هما مسخران كالبهائم، دإنيان، مقهوران تحت قدرة الله تعالي، يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلي ذكره. ونظيره في إرادة التحقير ردًا لمن يقول بالتعظيم قوله تعالي: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا﴾ سماهم جنة، وهم ملائكة مكرمون؛ لأنهم نسبوا إلي الله تعالي. وقيل: فيهم الملائكة بنات الله، فعلي هذا هما مفتقران في انجلائهما عما يحدث الله فيهما من الكسف والخسف إلي دعوة بني آدم، كما مر في الحديث السابق «يدعو حتى انجلي كسوفها» وكما قال: «ويسأل عنها، هل انجلت الشمس». وقوله: «ما شاء» مفعول للمصدر المضاف إلي الفاعل، و«من» ابتدائية، أي خليقتان ناشئتان من خلق الله تعالي المتناول لكل مخلوق علي التساوي، بينه النبي ﷺ بهذا الكلام المفصح، علي أنه ليس لأحد القمرين تأثير في الوجود. وقوله: «حتى تنجلي» غاية لمقدر أي صلوا من ابتداء الخسوف منتهين إما إلي الانجلاء، أو إحداث الله تعالي أمرًا، وهذا المقدر يربط بين الشرط والجزاء، لما فيه من العائد إلي الشرط. والله أعلم.
[ ٤ / ١٣١٦ ]
الشمس، فصلي حتى انجلت، ثم قال: «إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم من عظماء أهل الأرض، وإن الشمس والقمر لا ينحسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما خليقتان من خلقه، يحدث الله في خلقه ما شاء، فأيهما انخسف فصلوا حتى ينجلي، أو يحدث الله أمرًَا».