الفصل الأول
٢٠٣٦ - عن عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يَصُومُ حتى نَقُولَ: لا يُفطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نقولَ: لا يصوُمُ، وما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ استكملَ صيامَ شهرٍ قطُّ إِلا رمضانَ، وما رأيتهُ في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبانَ.
وفي رواية، قالت: كان يصومُ شعبانَ كلَّه، وكان يصومُ شعبانَ إِلا قليلا متفق عليه.
_________________
(١) الفصل الثالث الحديث الأول عن مالك: قوله: «ولا يصلي أحد عن أحد»، «حس»: وبه قال الشافعى، وأصحاب أبي حنيفة، وذهب قوم إلي أنه يصوم عنه وليه، وبه قال أحمد. وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلا كل واحد يومًا جاز. وقال: واتفق أهل العلم علي أن من مات وعليه صلاة، فلا كفارة لها، وهو قول الشافعى ﵁. وقال أصحاب أبي حنيفة ﵏: إنه يطعم، وقال قوم: يصلي عنه. باب صيام التطوع الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة رضي الله عتها: قوله: «حتى نقول» «تو»: الرواية بالنون، وقد وجدت في بعض النسخ بالتاء علي الخطاب، كأنها قالت: حتى تقول أيها السامع لو أبصرته، والرواية أيضًا بنصب «نقول» وهو الأكثر في كلا مهم. ومتهم من رفع المستقبل في مثل هذا الموضع. قوله: «أكثر» ثانى مفعولي «رأيت» والضمير في «منه» راجع إلي رسول الله ﷺ و«في شعبان» متعلق بـ «صيامًا» المعنى كان رسول الله ﷺ يصوم في شعبان، وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه. قوله: أكان يصوم شعبان كله وكان يصوم شعبان إلا قليلا، «مح»: «كان» الثانى تفسير للأول
[ ٥ / ١٦٠٣ ]
٢٠٣٧ - وعن عبد الله بن شقيقٍ، قال: قلتُ لعائشَة: أكان النبيُّ ﷺ يصومُ شهرًا كله؟ قالت: ما عَلِمْتُهُ صامَ شهرًا كلَّه إِلا رمضانَ، ولا أفطرهُ كلَّه حتى يصومَ منه، حتى مضى لسبيلهِ. رواه مسلم.
٢٠٣٨ - وعن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ، عن النبيِّ ﷺ، أنه سألهُ، أو سألَ رجلًا وعِمْرانُ يسمعُ، فقال: «يا أبا فلان! أما صُمْتَ من سرَرِ شعبانَ؟» قال: لا. قال: «فإذا أفْطَرْتَ فصُمْ يومين» متفق عليه.
_________________
(١) وبيان قولها «كله»، أي غالبه. وقيل: كان يصومه في وقت، ويصوم بعضه في سنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما. أقول: لفظة «كله» تأكيد لإرادة الشمول، ورفع التجوز من احتمال البعض، فتفسيره بالبعض مناف له، ولو جعل «كان» الثانى وما يتعلق به استئنافًا ليكون بيانًا للحالتين: حالة الإتمام وحالة غيره، لكان أحسن وأغرب، فلو عطف بالواو لم يحمل إلا علي هذا التأويل. الحديث الثانى عن عبد الله بن شقيق: قوله: «ولا أفطره كله حتى يصوم منه» (حتى» الأولي بمعنى «كى» كقولك: سرت حتى أدخل البلد، بنصب إذا كان دخولك مترقبًا، لما يوجد، كأنك قلت: سرت كى أدخلها، أو كان منقضيًا إلا أنه في حكم المستقبل من حيث أنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقبًا. وتحريره: أن «حتى» الأولي غاية عدم العلم باستمرار الإفطار المستعقب للصوم، والثانية غاية لعدم علمه بالحالتين من الصيام والإفطار، والاستمرار هو مستفاد من النفي الداخل علي الماضى. والحديث وارد علي هذا؛ لأنه ﷺ حين عزم أن لا يصوم الشهر كله كان مترقبًا أن يصوم بعضه، و«حتى» الثانية غاية لما تقدم من الجمل كلها. و«مضى لسبيله» كناية عن الموت، واللام في «لسبيله» مثلها في قولك: لقيته لتلات بقين من الشهر، تريد مستقبلًا لثلاث. وفائدة الكناية: أنه ﷺ لم يكن لبثه في الدنية إلا لأداء الرسالة التي أمر بتبليغها، فلما أدى ما عليه تركها ومضى إلي مأواه ومستقره. الحديث الثالث عن عمران بن حصين: قوله: «أنه سأله» الضمير الأول لرسول الله ﷺ، والثانى لعمران. «نه» و«مح»: سرار الشهر - بالفتح والكسر - وكذا سرره، وهو آخر ليلة يستمر الهلال بنور الشمس. قالوا: كأن هذا الرجل قد أوجب صوم يومين علي نفسه بنذر، فلما فاته قال له: إذا أفطرت من رمضان فصم يومين وقيل: لعل ذلك عادة له قد اعتادها، فبين له بهذا القول أن صومه غير داخل في جملة القسم المنهي عنه بقوله: «لا يقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين».
[ ٥ / ١٦٠٤ ]
٢٠٣٩ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضلُ الصيامِ بعد رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعدَ الفريضة صلاةُ الليلِ» رواه مسلم.
٢٠٤٠ - وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: ما رأيتُ النبيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صيامَ يومٍ فضلَه علي غَيرِه إِلَاّ هذا اليومَ: يوم عاشوراءَ، وهذا الشهرَ، يعني شهر رمضان. متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «شهر الله المحرم» أي صيام شهر الله المحرم، يريد أنه يوم عاشوراء، أضاف الشهر إلي الله تعظيمًا وعطف «المحرم» إليه بيانًا تفخيمًا له. وفي قوله: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» للعلماء مقال. ولعمرى! إن صلاة التهجد لو لم يكن فيها فضل سوى قوله تعالي: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ وقوله: ﴿تتجافي جنوبهم عن المضاجع - إلي قوله - فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وغيرها من الآيات لكفاه تقدمًا ومزية. وينصره ما ذكره شارح مسلم، قال: في الحديث حجة لأبي إسحاق المروزى من أصحابنا، ومن وافقه: أن صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب. وقال أكثر أصحابنا: الرواتب أفضل؛ لأنها تشبه الفرائض، والأول أقوى وأوفق لنص الحديث. والله أعلم. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: «فضله علي غيره» في بعض نسخ المصأبيح «فضله» - بسكون الضاد ونصب اللام - وتؤيده رواية شرح السنة «ما كان النبي ﷺ يتحرى صوم يوم يبتغى فضله إلا صيام رمضان، وهذا اليوم يوم عاشوراء» «مظ»: «فضله» بدل من قوله: «صيام يوم» والتقدير: يتحرى فضل صيام يوم علي غيره، والتحرى طلب الصواب، والمبالغة في طلب شيء، والمعنى ما رأيته يبالغ في تفضيل يوم علي يوم إلا عاشوراء ورمضان، وذلك؛ لأن رمضان فريضة، وعاشوراء كانت فريضة ثم نسخت. وأقول: علي هذا المبدل هنا ليس في حكم المنحى؛ لاستدعاء الضمير ما يرجع إليه نحو قولك: زيد رأيت غلامه رجلًا صالحًا. وفي أكثر النسخ «فضله» - بتشديد الضاد -. قيل: هو بدل من «يتحرى» والحمل علي الصفة أولي؛ لأن قوله: «هذا اليوم» مستثنى، ولا بد من مستثنى منه، وليس ها هنا إلا قوله: «يوم» وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالمعنى: ما رأيته ﷺ يتحرى في صيام يوم من الأيام صفته أنه مفضل علي غيره إلا صيام هذا اليوم، فإنه كان يتحرى في تفضيل صيامه مالم يكن يتحرى في تفضيل غيره، ونحوه في اعتبار المستثنى منه قوله: «ما من أيام أحب إلي الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة». وقوله:
[ ٥ / ١٦٠٥ ]
٢٠٤١ - وعنه، قال: حينَ صامَ رسولُ الله ﷺ يوم عاشوراءَ وأمر بصيامِه قالوا: يارسولَ اللهِ! إِنَّه يومٌ يُعظِّمُه اليهودُ والنَّصارى. فقال رسول الله ﷺ: «لئنْ بَقيتُ إلي قابلٍ، لأصومَنَّ التاسعَ» رواه مسلم.
٢٠٤٢ - وعن أمِّ الفَضلِ بنتِ الحارثِ: أنَّ ناسًا تمارَوا عندَها يومَ عرفَةَ في صيامِ رسولِ الله ﷺ، فقال بعضُهم، هو صائمٌ، وقال بعضهُم: ليس بصائمٍ، فأرسلت إليهِ بقدحِ لبنٍ وهوَ واقفٌ علي بعيرِه بعرَفةَ فشرِبَه. متفق عليه.
_________________
(١) «هذا الشهر» عطف علي قوله: «هذا اليوم»، ولا يستقيم إلا بالتأويل، إما أن يقدر في المستثنى منه «وصيام شهر فضله علي غيره» وهو من اللف التقديرى، وإما أن يعتبر في الشهر «أيامه يومًا فيومًا موصوفًا بهذا الوصف». «تو»: «عاشوراء» اليوم العاشر من المحرم. قيل: ليس فاعولاء - بالمد- في كلامهم غيره، وقد يلحق به تاسوعاء، وذهب بعضهم: أنه أخذ من العشر الذي هو من إظماء الإبل، ولهذا زعموا: أنه اليوم التاسع، والعشر ما بين الوردين، وذلك ثمإنية أيام، وإنما جعل التاسع؛ لأنها إذا وردت الماء ثم لم ترد ثمإنية أيام، فوردت التاسع، فذلك العشر، ووردت تسعًا إذا وردت اليوم الثامن. وفلان يحم ربعا، إذا حم اليوم الثالث، وعاشوراء من باب الصفة التي لم يرد لها فعل، والتقدير: يوم مدته عاشوراء، أو صفته عاشوراء. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: «لئن بقيت إلي قابل لأصومن التاسع» «مظ»: لم يعش رسول الله ﷺ إلي القابل، بل توفي في الثانى عشر من ربيع الأول، فصار اليوم التاسع من المحرم صومه سنة وإن لم يصمه رسول الله ﷺ؛ لأنه عزم علي صومه. «تو»: قيل: أريد بذلك أن يضم إليه يومًا آخر ليكون هدية مخالفًا لهدى أهل الكتاب وهذا هو الوجه؛ لأنه وقع جوابًا لقولهم: «إنه يوم يعظمه اليهود». «حس»: اختلف أهل العلم في يوم عاشوراء، فقال بعضهم: هو اليوم العاشر، وقال بعضهم: هو اليوم التاسع، روى ذلك عن ابن عباس. واستحب جماعة من العلماء أن يصوم اليوم التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود، وإليه ذهب الشافعى ﵁. الحديث السابع عن أم الفضل بنت الحارث وهي امرأة العباس: قوله: «إن ناسًا تماروا» إلي آخره. «مظ»: صوم يوم عرفة سنة لغير الحاج، وأما للحاج، فقال الشافعى ومالك: ليس بسنة لهم كي لا يضعفوا عن الدعاء بعرفة. وقال إسحاق بن راهويه: إنه سنة لهم. وقال أحمد: إن لم يضعفوا صاموا.
[ ٥ / ١٦٠٦ ]
٢٠٤٣ - وعن عائشةَ، قالتْ: ما رأيتُ رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قطُّ. رواه مسلم.
٢٠٤٤ - وعن أبي قتادةَ: أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ، فقال: كيفَ تصومُ؟ فغضِبَ رسولُ الله ﷺ من قوله، فلمَّا رأي عمرُ غضَبَه، قال: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًا، نعوذُ باللهِ من غضبِ اللهِ، وغضب رسوله، فجعل عمرُ يُرددُ هذا الكلام حتى سكنَ غضبُه. فقال عمرُ: يا رسول اللهِ! كيفَ منْ يصومُ الدَّهرَ كلَّه؟ قال: «لاصامَ ولا أفطرَ» أو قالَ: «لم يصُمْ ولم يُفطِرْ». قال: كيف منْ يصومُ يومينِ ويُفطرُ
_________________
(١) الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر» «مظ»: أي في عشر ذى الحجة. اعلم أن صوم تسعة أيام من أول ذى الحجة سنة؛ لقوله ﷺ: «ما من أيام أحب إلي الله أن يتعبد له فيها من عشر ذى الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر». وقولها: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط» لا ينفي كونها سنة؛ لأنه ﷺ ربما صامها ولم تعرف عائشة، وإذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولي بالقبول. الحديث التاسع عن أبي قتادة: قوله: «فقال كيف تصوم» «حس»: يشبه أن يكون الذي سأل عنه من صوم الدهر، هو أن يسرد صيام أيام السنة كلها، لا يفطر فيها إلا الأيام المنهي عنها. «مح»: قال العلماء: سبب غضبه ﷺ أنه كره مسألته؛ لأنه خشى من جوابه مفسدة، وهي أنه ربما اعتقد السائل وجوبه، أو استقله، أو اقتصر عليه، والنبي ﷺ إنما لم يبالغ في الصوم، ويقتصر علي ما كان عليه من صوم أيام قلائل؛ لشغله بمصالح المسلمين وحقوقهم، وحقوق أزواجه، وأضيافه ولئلا يقتدى به كل أحد، فيؤدى إلي الضرر في حق بعضهم. وكان حق السائل أن يقول: كم أصوم، أو كيف أصوم فيخص السؤال بنفسه، ليجيبه بما يقتضيه حاله، كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم. قوله: «لا صام ولا أفطر» «حس»: معناه الدعاء عليه زجرًا له، ويجوز أن يكون إخبارًا. «مظ»: يعنى هذا الشخص كأنه لم يفطر؛ لأنه لم يأكل شيئًا، ولم يصم؛ لأنه لم يكن بأمر الشارع. قال الشافعى، ومالك: هذا في حق من صام جميع أيام السنة، حتى يومى العيد وأيام التشريق؛ لأن صومها محرم، فأما من لم يصمها فلا بأس عليه في صوم غيرها؛ لأن أبا طلحة الأنصاري، وحمزة بن عمرو الأسلمى كانا يصومان الدهر غير هذه الأيام، ولم ينكر عليهما رسول الله ﷺ، أو علة النهي أن يصير الرجل بصوم الدهر كله ضعيفًا عاجزًا عن الجهاد وقضاء الحقوق.
[ ٥ / ١٦٠٧ ]
يومًا؟ قال: «ويُطيقُ ذلكَ أحدٌ؟» قال: كيفَ مَنْ يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا؟ قال: «ذلكَ صومُ داودَ». قال: كيفَ مَنْ يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومينِ؟ قال: «وددْتُ إني طُوِّقتُ ذلكَ». ثم قال رسول الله ﷺ: «ثلاثٌ من كل شهرٍ، ورمضانُ إلي رمضانَ، فهذا صيامُ الدهر كلِّه. صيامُ يوم عرَفةَ أحتسبُ علي الله أن يُكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه، وصيامُ يوم عاشوراءَ أحتسِبُ علي اللهِ أن يُكفِّرَ السَّنةَ التي قبلَه» رواه مسلم.
٢٠٤٥ - وعنه، قال: سُئلَ رسولُ الله ﷺ عن صوم الاثنينِ. فقال: «فيهِ وُلدْتُ، وفيهِ أُنزِلَ علي» رواه مسلم.
_________________
(١) قوله: «وددت أنى طوقت ذلك» أي لم تشغلنى الحقوق عن ذلك حتى أصومَ، لا أنه ﷺ لم يكن يطيق؛ لأنه ﷺ كان يطيقه وأكتر منه، ولأنه كان يواصل ويقول: «إنى لست كأحدكم، إنى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقيني». قوله: «فهذا صيام الدهر» أدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وذلك أن «ثلاث» مبتدأ و«من كل شهر» صفته، أي صوم ثلاثة أيام يصومها الرجل من كل شهر صيام الدهر كله، إنما طرح التاء اعتبارًا للتالي. «الكشاف» في قوله: ﴿أربعة أشهر وعشرًا﴾. قيل: «عشرًا» ذهابًا إلي الليالي والأيام داخلة معها، ولا تراهم يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلي الأيام، تقول: «صمت عشرًا» ولو ذكرت خرجت من كلا مهم. قوله: «أحتسب علي الله» «نه»: الاحتساب في الأعمال الصالحة. هو البدار إلي طلب الأجر، وتحصيله باستعمال أنواع البر، والقيام بها علي الوجه المرسوم فيها طلبًا للثواب المرجو فيها. وأقول: كان الأصل أن يقال: أرجو من الله أن يكفر، فوضع موضعه «أحتسب» وعداه بـ «علي» الذي للوجوب علي سبيل الوعد، مبالغة لحصول الثواب. «مح»: قالوا: والمراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم تكن رفعت الدرجات. «مظ»: قيل في تكفير ذنوب السنة التي بعدها: هو أنه تعالي يحفظه من أن يذنب فيها. وقيل: يعطى من الرحمة والثواب ما يكون كفارة السنة الثانية إن اتفق فيها ذنب. الحديث العاشر عن أبي قتادة ﵁: قوله: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي» أي فيه
[ ٥ / ١٦٠٨ ]
٢٠٤٦ - وعن مُعاذَةَ العَدَويَّةِ، أنَّها سألتْ عائشة: أكان رسول الله ﷺ يصومُ من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ؟ قالتْ: نعم. فقلتُ لها؟ من أيِّ أيامِ الشهرِ كانَ يصومُ؟ قالتْ: لم يكُنْ يبالي من أي أيام الشهرِ يصومُ. رواه مسلم.
٢٠٤٧ - وعن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، أنه حدَّثه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «منْ صامَ رمضانَ، ثم أتبعَه ستًا من شوَّال، كانَ كصيامِ الدهرِ» رواه مسلم.
٢٠٤٨ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: نهي رسولُ الله ﷺ عن صوم يومِ الفطرِ والنَّحرِ. متفق عليه.
٢٠٤٩ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا صوم في يومينِ: الفطرِ
_________________
(١) وجود نبيكم، وفيه نزول كتابكم، وثبوت نبوته، فأي يوم أفضل وأولي للصيام منه؟ فاقتصر علي العلة، أي سلوا عن فضيلته؟ لأنه لا مقال في صيامه، فهو من الأسلوب الحكيم. الحديث الحادى عشر والثانى عشر عن أبي أيوب ﵁: قوله: «إنه حدثه» الضمير الأول لأبي أيوب، والثانى يجوز أن يكون للراوى، وأن يكون للحديث، أي حدث حديثًا ثم بينه بقوله: «إن رسول الله ﷺ» الحديث علي سبيل البدل. قوله: «كان كصيام الدهر»؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فأخرجه مخرج التشبيه للمبالغة، والحث علي صيام الست. «حس»: قد استحب قوم صيام ستة أيام من شوال، والاختيار أن يصوم من أول الشهر متتابعة، وإن صامها متفرقة جاز. وحكى مالك الكراهة في صيامها عن أهل العلم. «مح»: قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحدًا من أهل العلم يصومها. قالوا: يكره لئلا يظن وجوبه. الحديث الثالث عشر والرابع عشر عن أبي سعيد: قوله: «نهي رسول الله ﷺ» هذا الحديث مروى من حيت المعنى، والذي يتلوه مروى من حيث اللفظُ، وما نص عليه، ولعل العدول عن قوله: «نهي عن صوم العيدين» إلي ذكر الفطر والنحر للإشعار بأن علة الحرمة هي الوصف بكونه يوم فطر ويوم نحر، والصوم ينافيهما. «حس»: اتفق أهل العلم علي أن صوم يوم العيد لايجوز، ولو نذر صومه لاينعقد عند أكثر العلماء. وقال أصحاب أبي حنيفة: ينعقد، وعليه صوم يوم آخر.
[ ٥ / ١٦٠٩ ]
٢٠٥٠ - وعن نُبَيشَةَ الهُذليِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «أيَّامُ التشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذكرِ اللهِ» رواه مسلم.
٢٠٥١ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «لايصومُ أحدُكم يوم الجمعةِ إلَاّ أنْ يصومَ قبلَه أو يصومَ بعدَه» متفق عليه.
٢٠٥٢ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا تختصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ من بين الليالي، ولا تختصُّوا يوم الجمعةِ بصيامٍ من بين الأيَّامِ؛ إلَاّ أنْ يكونَ في صومٍ يصومُه أحدُكم» رواه مسلم.
_________________
(١) الحديث الخامس عشر عن نبيشة: قوله: «أيام التشريق» «نه»: «أيام التشريق» هي ثلاثة أيام تلي عيد النحر، سميت بذلك من تتشريق اللحم - وهو تقديده، وبسطه في الشمس ليجف - لأن لحوم الأضاحى كانت تشرق فيها بمنى. وقيل: سميت به؛ لأن الهدى والضحايا لاتنحر حتى تشرق الشمس، أي تطلع. «شف»: إنما عقب الأكل والشرب بذكر الله؛ لئلا يستغرق العبد في حظوظ نفسه، وينسى في هذه الأيام حق الله تعالي. أقول: هو من باب التتميم صيانة، فإنه ﷺ لما أعاد في الخبر ذكر الأيام، وأضاف الأكل والشرب إليها، أوهم أنها لاتصلح إلا للدعة والأكل والشرب؛ لأن الناس أضياف الله في هذه الأيام، فتدارك بقوله: «واذكروا الله»؛ لئلا يستغرق أوقاتهم باللذات النفسإنية، فينسوا نصيبهم من الروحإنية، نظيره في التتميم للصيانة قول الشاعر: فسقى ديارك غير مفسدها صوب السحاب وديعة تهمى «حس»: اتفق أهل العلم علي أن صيام أيام التشريق لا يجور لغير المتمتع، واختلفوا في المتمتع إذا لم يجد الهدي. الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: «ولا تختصوا يوم الجمعة» «يوم» نصب مفعول به، كقوله: ويوم شهدناه. والاختصاص لازم ومتعد، وفي الحديث متعد. قال المالكى: المشهور في اختص أن يكون موافقًا لخص في التعدى إلي مفعول، وبذلك جاء قوله تعالي: ﴿يختص برحمته من يشاء﴾ وقول عمر بن عبد العزيز: «ولم يختص قومًا»، وقد يكون «اختص» مطاوع «خص»، فلا يتعدى، كقولك: خصصتك بالشىء فاختصصت به. قوله: «إلا أن يكون في صوم يصومه» التقدير: إلا أن يكون يوم الجمعة واقعًا في يوم صوم يصومه.
[ ٥ / ١٦١٠ ]
٢٠٥٣ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «من صام يومًا في سبيل اللهِ بَعَّدَ اللهُ وجهَه عن النَّارِ سبعينَ خريفًا» متفق عليه.
٢٠٥٤ - وعن عبد الله بنِ عمرِو بن العاصِ، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عبدَ الله؟ أَلَمْ أخبرْ أنَّكَ تصومُ النهارَ وتقومُ الليلَ؟» فقلتُ: بلي يا رسول الله! قال: «فلا
_________________
(١) «مظ»: قيل: علة النهي ترك موافقة اليهود في يوم واحد من بين أيام الأسبوع، يعنى عظمت اليهود السبت، فلا تعظموا أنتم الجمعة خاصة بصيام وقيام. وأقول: لو كانت العلة مخالفة اليهود لكان الصوم أولي؛ لأنهم يستريحون فيه ويتنعمون بالأكل والشرب، ومصداقه حديث أم سلمة في الفصل الثالت من هذا الباب، ولكن العلة ورود النص. وتخصيص كل يوم بعبادة ليس ليوم آخر، فإن الله تعالي قد استأثر الجمعة بفضائل لم يستأثر بها غيرها، فجعل الاجتماع فيه للصلاة فرضًا علي العباد في البلاد، فلم ير أن يخصه بشيء من الأعمال سوى ما خصه به، ثم خص بعض الأيام بعمل دون ما خص به غيره، ليختص كل منها بنوع من العمل، ليظهر فضيلة كل بما يختص به. وقال الشيخ محيى الدين النواوي: في هذا الحديث نهي صريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي، وهذا متفق علي كراهته، واحتج به العلماء علي كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب، قاتل الله واضعها! فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة، وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات في تقبيحها وتضليل مبتدعها أكثر من أن يحصى ذكره في شرح صحيح مسلم. الحديث السابع عشر عن أبي سعيد: قوله: «من صام يومًا» إلي آخره. «مظ» يعنى من جمع بين تحمل مشقة الصوم ومشقة الغزو يكون له هذا التشريف، وأما لو كان في السفر فإن لم يلحقه ضعف يمنعه عن الجهاد، فالصوم أفضل. «شف»: ويحتمل أن يكون معناه من صام يومًا لله ولوجهه. «نه»: الخريف الزمان المعروف ما بين الصيف والشتاء، ويراد به السنة؛ لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى الخريف انقضى السنة. أقول: إنما خص بالذكر دون سائر الفصول؛ لأنه زمان بلوغ الثمار، وحصاد الزرع، وحصول سعة العيش. الحديث الثامن عشر عن عبد الله بن عمرو: قوله: «بلي» جواب عما يلزم من قوله: «ألم أخبر»؛ لأنه ﷺ إنما أخبر عما فعله من الصيام والقيام، كأنه قيل: ألم تصم النهار، أو لم تقم الليل؟ فقال: بلي. قوله: «وإن لزورك» «نه»: الزور الزائر، وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم، كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم. وقد يكون الزور جمع زائر، كراكب وركب.
[ ٥ / ١٦١١ ]
تفعل، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فإنَّ لجسدِكَ عليكَ حقًا، وإنَّ لعينكَ [عليك] حقًا، وإنَّ لزوجِكَ عليكَ حقًا، وإنَّ لزوركَ عليك حقًا. لا صامَ من صامَ الدَّهَر. صومُ ثلاثة أيامٍ من كل شهرِ صوم الدَّهرِ كلّه. صُمْ كلَّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ، واقرأ القرآن في كل شهرٍ». قلتُ: إني أطيق أكثر من ذلكَ. قال: «صُم أفضلَ الصومِ صومَ داود: صيامَ يومٍ، وإفطار يومٍ. واقرأ في كل سبع ليالٍ مرَّة، ولا تَزدْ علي ذلكَ» متفق عليه.
الفصل الثاني
٢٠٥٥ - عن عائشة، قالتْ: كان رسول الله ﷺ يَصُوم الاثنين والخميسَ. رواه الترمذيُّ، والنسائي. [٢٠٥٥]
٢٠٥٦ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «تُعرضُ الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائمٌ» رواه الترمذي. [٢٠٥٦]
٢٠٥٧ - وعن أبي ذّر، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر! إذا صُمتَ من الشهرِ أيَّامٍ، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرةَ» رواه الترمذي، والنسائي. [٢٠٥٧]
٢٠٥٨ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسولُ الله ﷺ يصومُ من غُرَّةِ كل شهرٍ ثلاثة أيام، وقلما كان يُفطِرُ يوم الجمعة. رواه الترمذي، والنسائي. رواه أبو داود إلي ثلاثة أيام.
_________________
(١) قوله: «لا صام من صام الدهر» «مح»: يحتمل أن يكون خبرًا لا دعاء، ومعنى «لا صام» أنه لايجد من مشقته ما يجدها غيره. «قض»: فكأنه لم يصم؛ لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد منه رياضة وكلفة يتعلق بها مزيد ثواب. أقول: هذا التأويل يخالف سياق الحديث؛ لأن السياق في رفح التشديد ووضع الإصر، ألا ترى كيف نهاه أولًا عن صوم الدهر كله، ثم حثه علي صوم داود بقوله: «صم أفضل الصوم صوم داود»؟ والأولي أن يجرى «لاصام» علي الإخبار أنه ما امتثل أمر الشارع، «ولا أفطر» لأنه لم يطعم شيئًا، كما سبق في حديث قتادة. الفصل الثاني الحديث الأول إلي الرابع عن عبد الله بن مسعود: قوله: «وقلما كان يفطر يوم الجمعة»
[ ٥ / ١٦١٢ ]
٢٠٥٩ - وعن عائشةَ، قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يصومُ منَ الشهرِ السَّبتَ والأحد والاثنينِ، ومن الشهر الآخر الثلاثاءَ والأربعاءَ والخميسَ. رواه الترمذي. [٢٠٥٩]
٢٠٦٠ - وعن أمِّ سلمة، قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يأمرُني أن أصوم ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، أوَّلُها الاثنينُ والخميسُ. رواه أبو داود، والنسائي. [٢٠٦٠]
٢٠٦١ - وعن مسلمٍ القرشي، قال: سألتُ - أو سُئل - رسولُ الله ﷺ عن صيام الدهرِ فقال: «إنَّ لأهلكَ عليكَ حقًا، صُمْ رَمضانَ والذي يليهِ، وكلَّ أربعاءَ وخميسٍ، فإذًا أنتَ قدْ صُمْتَ الدَّهرَ كلَّهُ» رواه أبو داود، والترمذي.
_________________
(١) «مظ»: تأويله أنه كان يصومه منضمًا إلي ما قبله، أو إلي ما بعده، أو أنه مختص برسول الله ﷺ كالوصال. «قض»: يحتمل أن يكون المراد منه أنه كان ﷺ يمسك قبل الصلاة، ولا يتغدى إلا بعد أداء الجمعة، كما روى عن سهل بن سعد الساعدى ﵁. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: «السبت والأحد والاثنين» «مظ»: أراد ﷺ أن يبين سنة صوم جميع أيام الأسبوع، فصام من شهر السبت، والأحد، والاثنين، ومن شهر الثلاثاء، والأربعاء، والخميس. وإنما لم يصم جميع هذه السنة متوالية كيلا يشق علي الأمة الاقتداء، ولم يكن في هذا الحديث ذكر يوم الجمعة، وقد ذكر في حديث آخر قبيل هذا. الحديث السادس عن أم سلمة ﵂: قوله: «أولها الاثنين والخميس» «شف»: القياس من جهة العربية الاثنان بالألف مرفوعًا علي أنه خبر للمبتدأ الذي هو أولها، لكن يمكن أن يقال: جعل اللفظ المبنى علمًا لذلك اليوم، فأعرب بالحركة لا بالحرف، أو يقال: تقديره «أولها يوم الاثنين» فحذف المضاف، وأبقى المضاف إليه علي حاله. وأقول: يمكن أن يقال: إن «أولها» منصوب، وكذا «الاثنين» بفعل مضمر، أي اجعل أولها الاثنين أو الخميس. وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتى حيث قال: صوابه أولها الاثنين أو الخميس، والمعنى أنها تجعل أول الأيام الثلاثة الاثنين أو الخميس؛ وذلك لأن الشهر إما أن يكون افتتاحه من الأسبوع في القسم الذي بعد الخميس، فيفتتح صومها في شهرها، وذلك بالخميس، وإما أن يكون بالقسم الذي بعد الاثنين، فيفتتح في شهرها ذلك بالخميس، وكذلك وجدت الحديث فيما نرويه من كتاب الطبرانى. الحديث السابع عن مسلم: قوله: «فإذا أنت قد صمت» هذا لفظ الترمذي وأبي داود. «الفاء» جزاء شرط محذوف، أي إنك ان فعلت ما قلت لك، فأنت قد صمت الدهر كله، و«إذن» جواب جىء به تأكيدًا للربط.
[ ٥ / ١٦١٣ ]
٢٠٦٢ - وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ نهي عن صومِ يومِ عرفةَ بعرفةَ. رواه أبو داود. [٢٠٦٢]
٢٠٦٣ - وعن عبد الله بن بُسْرٍ، عن أُختِهِ الصمَّاءِ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تصوموا يومَ السبتِ إلا فيما افتُرضَ عليكُم، فإِنْ لم يجِد أحدُكم إِلَاّ لحاءَ عِنَبَةٍ، أو عودَ شجرةٍ فليمضغهُ» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٢٠٦٣]
٢٠٦٤ - وعن أبي أُمامةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صامَ يومًا في سبيل الله جعل الله بينه ربين النارِ خنْدقًا، كما بينَ السَّماءِ والأرض» رواه الترمذي.
_________________
(١) الحديث الثامن والتاسع عن عبد الله بن بسر: قوله: «لاتصوموا يوم السبت» قالوا: المراد بالنهي إفراد السبت بالصوم لا الصوم مطلقًا، لما سبق في حديث أبي هريرة في الجمعة. والداعى إليه مخالفة اليهود، وفي معنى المستثنى ما وافق سنة مؤكدة، كما إذا كانت السبت يوم عرفة أو عاشوراء؛ للأحاديث الصحاح التي وردت فيها. وقوله: «فيما افترض عليكم» يتناول المكتوبة، والمنذورة،. وقضاء الفائت الواجب، وصوم الكفارة، واتفق الجمهور علي أن هذا النهي والنهي عن إفراد الجمعة نهي تنزيه وكراهة، لاتحريم. قوله: «إلا لحاء عنبة» «تو»: اللحاء ممدود، وهو قشر الشجر، والعنبة: هي الحبة من العنب، وبناؤها من نوادر الأبنية، وأريد بالعنبة ها هنا الحبة والقضابة منها علي الاتساع. الحديث العاشر عن أبي أمامة: قوله: «خندقًا» وهو استعارة تمثيلية عن الحاجز المانع، شبه الصوم بالحصن، وجعل له خندقًا حاجزًا بينة وبين النار التي شبهت بالعدو، ثم شبه الخندق في بعد غوره بما بين السماء والأرض.
[ ٥ / ١٦١٤ ]
٢٠٦٥ - وعن عامر بن مسعودٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: «الغنيمةُ الباردة الصومُ في الشتاء» رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديثٌ مرسلٌ.
٢٠٦٦ - وذكر حديث أبي هريرة: مامن أيامٍ أحبُّ إلي الله في «باب الأضحية».
الفصل الثالث
٢٠٦٧ - عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قدمَ المدينةَ، فوجدَ اليهودَ صيامًا يومَ عاشوراء، فقال لهم رسولُ الله ﷺ: «ما هذا اليوم الذي تصومُونَه»؟» فقالوا: هذا يومٌ عظيمٌ: أنجى الله فيهِ موسى وقومَه، وغَرَّقَ فرعونَ وقومَه؛ فصامه موسى شكرًا، فنحنُ نصومُه. فقال رسولُ الله ﷺ: «فنحنُ أحقُّ وأولي بموسى منكم» فصامَه رسول الله ﷺ، وأمرَ بصامه. متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الحادى عشر عن عامر: قوله: «الغنيمة الباردة» «فا»: الغنيمة الباردة هي التي تجىء عفوًا من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب، ويباشر حر القتال. وقيل: هي الهيئة الطيبة مأخوذ من العيش البارد. والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب والهناة، أن الهواء والماء لما كان طيبهما ببردهما خصوصًا، في بلاد تهامة والحجاز. قيل: هواء بارد وماء بارد علي سبيل الاستطابة، ثم كثر حتى قيل: عيش بارد، وغنيمة باردة، وبرد أمرنا تم كلامه. والتركيب من قلب التشبيه؛ لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة، كقول الشاعر: لعاب الأفاعى القائلات لعابه أي لعاب القلم: وفيه من المبالغة أن الأصل في التشبيه أن يلحق الناقص بالكامل، كما يقال: زيد كالأسد، فإذا عكس وقيل: الأسد كزيد، ويجعل الأصل كالفرع، والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلي الدرجة القصوى في المبالغة، والمعنى أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش، أو تصيبه لذعة الجوع من طول اليوم. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: «فصامه رسول الله ﷺ» فيه إشكالان، أحدهما: أنهم يؤرخون الشهور علي غير ما يؤرخه العرب، والآخر: أن مخالفتهم، والتحرى عن اجتناب ما يرومونه من تعظيم الأيام بالصوم مطلوب، فكيف بالحديث؟ والجواب عنه: أنه لايبعد أن يتفق عاشوراء ذاك العام اليوم الذي أنجاهم الله من فرعون، وعن الثانى: أن
[ ٥ / ١٦١٥ ]
٢٠٦٨ - وعن أمِّ سلمةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يصومَ يومَ السبت ويوم الأحد أكثرَ ما يصومُ من الأيَّامِ، ويقولُ: «إنَّهُما يوما عيدٍ للمشركينَ فأنا أحِبُّ أن أخالفهم» رواه أحمد. [٢٠٦٨]
٢٠٦٩ - وعن جابر بن سمُرةَ، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يأمرُ بصيام يوم عاشوراء، ويحثَّنا عليه، ويتعاهدنا عندَه، فلمَّا فُرِضَ رمضان لم يأمُرنا، ولم يَنهنَا عه، ولم يتعاهدْنا عندَه. رواه مسلم.
٢٠٧٠ - وعن حَفْصَةَ، قالت: أربعٌ لم يكن يدعُهنَّ النبي ﷺ: صيامُ عاشوراءَ، والعشرِ، وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وركعتان قبل الفجر. رواه النسائي.
٢٠٧١ - وعن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يُفطِرُ أيَّامَ البيضِ في حَضَرٍ ولا في سفَرٍ. رواه النسائي.
_________________
(١) المخالفة التي أمرنا بها هي ما أخطأوا فيه مكان التعظيم من اختيارهم يوم السبت، كما قال تعالي: ﴿إنما جعل السبت علي الذين اختلفوا فيه﴾ وقال ﷺ: «ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعنى الجمعة، فاختلفوا فيه» الحديث. الحديث الثانى عن أم سلمة ﵂: قوله: «يوما عيد للمشركين» سمى اليهود والنصارى مشركين - والمشرك هو عابد للصنم - إما لأن النصارى يقولون: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، وإما أنه سمى كل من يخالف دين الإسلام مشركًا علي التغليب. الحديث الثالث عن جابر ﵁: قوله: «ويتعاهدنا عنده» أي «ويحفظنا» ويراعى حالنا، ويتخولنا الموعظة. الحديث الرابع والخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: «أيام البيض» أي أيام الليالي البيض «نه»: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم أيام البيض هذا علي حذف المضاف إليه، يريد أيام الليالي البيض، وهي الثالت عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، سميت لياليها بيضًا؛ لأن القمر يطلع فيها من أولها إلي آخرها. وأكتر ما تجىء الرواية «الأيام البيض» والصواب أن يقال: أيام البيض بالإضافة؛ لأن البيض من صفة الليالي.
[ ٥ / ١٦١٦ ]
٢٠٧٢ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «لكلَّ شيءِ زكاة وزكاة الجسد الصوم» رواه ابن ماجه. [٢٠٧٢]
٢٠٧٣ - وعنه: أن النبي ﷺ كانَ يصوم يوم الاثنين والخميسِ. فقيلَ: يا رسول الله! إنَّكَ تصومُ يوم الاثنين والخميس. فقال: «إنَّ يومَ الاثنين والخميس يغفرُ اللهُ فيهما لكلِّ مسلمِ إِلَاّ ذا هاجرينِ، يقولُ: دعهُما حتى يصطلحا» رواه أحمد، وابن ماجه. [٢٠٧٣]
٢٠٧٤ - وعنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ صامَ يومًا ابتِغاءَ وَجْهِ اللهِ، بَعَّدَه الله من جهَّنم كبُعدِ غُرابٍ طائرٍ وهو فرخٌ حتى ماتَ هَرِمُا».
٢٠٧٥ - وروى البيهقى في «شعب الإِيمان» عن سلَمةَ بنِ قيس
_________________
(١) الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: «لكل شيء زكاة» أي صدقة، وصدقة الجسد ما يخلصه من النار بجنة الصوم. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «إلا ذا هاجرين» أي قاطعين، و«ذا» زائدة. وفي معناه قوله ﷺ: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئًا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا» وفي حديث آخر «اتركوا هذين حتى يفيئا»، ولابد هنا من تقدير من يخاطب بقوله: «اتركوا، وأنظروا، ودعهما» كأنه تعالي لما غفر للناس سواهما، قيل: اللهم اغفر لهما أيضًا، فأجاب دعهما، أو اتركوا، أو انظروا هذين حتى يصطلحا. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: «كبعد غراب طائر» «طائر» صفة «غراب» و«هو فرخ» حال من الضمير في «طائر» و«حتى مات» غاية الطيران، و«هرمًا» حال من فاعل «مات» مقابل لقوله: «وهو فرخ». وقيل: يضرب الغراب مثلًا في طول العمر، شبه بعد الصائم عن جهنم ببعد مسافة غراب طائر من أول عمره إلي آخره. هذا بحسب العرف، وإلا لا مناسبة بين البعدين.
[ ٥ / ١٦١٧ ]