الفصل الأول
١٧٢٢ - عن أنس، قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ علي أبي سيف القين، وكان ظئرًا لإبراهيم، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا بن عوف! إنها رحمة» ثم أتبعها بأخرى، فقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». متفق عليه.
١٧٢٣ - وعن أسامة بن زيد، قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه: أن ابنًا لي
_________________
(١) باب البكاء علي الميت الفصل الأول الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: «ظئرًا لإبراهيم» «نه»: الظئر المرضعة غير ولدها، ويقال للذكر أيضًا. «فا»: المظأرة عطف الناقة علي غير ولدها، يقال: ظأرها وأظأرها، وهي ظئور وظئير. قوله: «يجود بنفسه» «نه»: أي يخرجها ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله يجود به. قوله: «تذرفان» «نه»: ذرفت العين تذرف إذا جرى دمعها. وقوله: «وأنت يا رسول الله» فيه معنى التعجب، والواو تستدعى معطوفًا عليه، أي الناس لا يصبرون علي المصائب، ويتفجعون، وأنت تفعل كفعلهم، أي لا ينبغى لك أن تتفجع، كأنه استغرب ذلك منه؛ لأنه يدل علي ضعف النفس، والعجز عن مقاومة المصيبة بالصبر، يخالف ما عهده منه من الحث علي الصبر، والنهي عن الجزع. وأجاب عنه بقوله: «إنها رحمة» أي الحالة التي تشاهدها منى يا بن عوف رقة ورحمة علي المقبوض، تنبعث عن التأمل فيما هو عليه، لا فيما توهمت من الجزع وقلة الصبر. وقوله: «ثم أتبعها بأخرى» قيل: يحتمل أن يتبع الدمعة الأولي بالأخرى، وأن يتبع الكلمة المذكورة وهي «إنها رحمة» بكلمة أخرى وهي «إن العين تدمع والقب يحزن»؛ فإن الفاء في قوله: «فقال» للتعقيب. ويحتمل أن يكون قوله: «إنها رحمة» كلمة مجملة فعقبها بالتفصيل، وهي قوله: «إن العين تدمع، والقب يحزن» وينصر هذا التأويل قوله في الحديث الآتي: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده» أي الدمعة التي تراها العين أثر رحمة جعلها الله في قلوب عباده. الحديث الثاني عن أسامة ﵁: قوله: «قبض» «نه»: قبض المريض إذا توفي، وإذا
[ ٤ / ١٤١٥ ]
قبض فأتنا. فأرسل يقرئ السلام، ويقول: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد ابن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلي رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء». متفق عليه.
١٧٢٤ - وعن عبد الله بن عمر، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلي الله وعليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود،
_________________
(١) أشرف علي الموت، أرادات. أنه في حال القبض ومعالجة النزع. قوله: «وكل عنده» أي كل من الأخذ والإعطاء عند الله مقدر مؤجل؛ فـ «ما» في «ما أخذ، وما أعطى» يحتمل أن تكون مصدرية، وموصولة. والعائد محذوف. قوله: «فلتصبر ولتحتسب» يجوز أن يكون أمرًا للغائب المؤنث أو الحاضر علي قراءة من قرأ «فبذلك فلتفرحوا» فعلي هذا المبلغ من رسول الله ﷺ ما تلفظ به في الغيبة، والمراد بالاحتساب أن يجعل الولد في حسابه لله تعالي: فيقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وهو معنى قوله سابقًا: «إن لله ما أعطى، وله ما أخذ». قوله: «تقعقع» «نه»: أي تضطرب وتتحرك، والقعقعة حكاية حركة لشيء يسمع له صوت، كالسلاح والشن اليابس. وقوله: «إنما يرحم الله» يعني هذا تخلق الله تعالي، وإنما يرحم الله من عباده من اتصف بأخلاقه، ويرحم من عباده. «من» في «من عباده» بيإنية، حال من المفعول، وهو «الرحماء» قدمها إجمالًا وتفصيلًا ليكون أوقع. الحديث الثالث عن عبد الله ﵁: قوله: «في غاشية» «تو»: هي الداهية من شر، أو مرض، أو مكروه. والمراد بها هاهنا: ما كان يتغشاه من كرب الوجع الذي به لا حال الموت؛ لأنه برأ من ذلك المرض. «خط»: أراد بالغاشية القوم الحضور عنده الذين هم غاشية، أي يغشونه للخدمة والزيارة. «مح»: قوله ﷺ: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» وفي رواية «ببعض بكاء أهله» وفي رواية «ببكاء الحي» وفي رواية «يعذب في قبره بما نيح عليه» وفي رواية «من يبك عليه يعذب». وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄، وأنكرت عائشة ﵂، ونسبتهما إلي النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن
[ ٤ / ١٤١٦ ]
فلما دخل عليه وجده في غاشية، فقال: «قد قضى؟» قالوا: لا، يا رسول الله! فبكى النبي ﷺ، فلما رأي القوم بكاء النبي ﷺ بكوا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا» وأشار إلي لسانه «أو يرحم، وإن الميت ليعذب ببكاء أهله». متفق عليه.
١٧٢٥ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا دعوى الجاهلية». متفق عليه.
١٧٢٦ - وعن أبي بردة، قال: أغمي علي أبي موسى، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، ثم أفاق، فقال: ألم تعلمي؟! وكان يحدثها أن رسول الله ﷺ قال: «أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق». متفق عليه. ولفظه لمسلم.
_________________
(١) يكون ذلك من قول النبي صلي الله وعليه وسلم، واحتجت بقوله تعالي: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ قالت: وإنما قال النبي ﷺ في يهودية: «إنها تعذب وهم يبكون عليها» يعنى تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء. واختلف العلماء فيه، ذهب الجمهور إلي أن الوعيد في حق من أوصى بأن يبكى عليه، ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحتهم؛ لأنه بسببه. وأما من بكوا عليه وناحوا من غير وصية، فلا؛ لقوله تعالي: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. «خط»: يشبه أن يكون هذا من حيث أن العرب كانوا يوصون أهاليهم بالبكاء والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وموجودًا في أشعارهم كثيرًا، فالميت تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إليهم في وقت حياته. وقيل: المراد بالميت من أشرف علي الموت، وبالتعذيب أنه إذا حضره الموت، والناس حوله يصرخون ويتفجعون، فيزيد كربه وتشتد عليه سكرات الموت، فيصير معذبًا به، فيكون ذلك حالا لا سببًا، أي أنه ليعذب عن بكائهم عليه، لا ببكائهم عليه. وهذا الوجه ضعيف؛ وهذا لما في رواية «ببكاء الحى»، وفي رواية «يعذب في قبره بما نيح عليه». الحديث الرابع، والخامس عن أبي بردة ﵁: قوله: «تصيح برنة» «مح»: هي بفتح الراء وتشديد النون، وهي صوت مع البكاء فيه ترجيع. قوله: «وكان يحدثها» حال، والعامل «قال» ومفعول «ألم تعلمى» مقول القول، يعنى ألم تعلمى أن رسول الله ﷺ قال: «أنا برئ»؟
[ ٤ / ١٤١٧ ]
١٧٢٧ - وعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلي الله وعليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها؛ تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». رواه مسلم.
_________________
(١) فتنازعا فيه. قوله: «حلق» أي حلق شعره عند المصيبة. «وصلق» «نه»: هو الصوت الشديد يريد رفعه في المصائب، وعند الفجيعة بالموت، ويدخل فيه الموت. ويقال بالسين. و«خرق» أي شق ثوبه علي المصيبة، وكان ذلك في أغلب الأحوال من صنيع النساء. الحديث السادس عن أبي مالك: قوله: «في أمتي، ومن أمر الجاهلية، ولا يتركونهن» يحتمل وجوهًا من الإعراب أحسنها: أن يكون «في أمتي» خبرًا لـ «أربع» أي خصال أربع كائنة في أمتي. «ومن أمر الجاهلية، ولا يتركونهن» حالان من الضمير المتحول إلي الجار والمجرور، المعنى: أن هذه الخصال تدوم في الأمة لا يتركونهن بأسرهم تركهم لغيرها من سنن الجاهلية، فإنهم إن تركهن طائفة باشرهن آخرون. قوله: «الفخر في الأحساب» قال ابن السكيت: الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن لآبائه شرف، والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء. «فا»: الفخر بها هو تعداد الرجل من مآثره ومآثر الآباء، ومنه قولهم: من فات حسب نفسه لم ينتفع بحسب أبيه. «مظ»: الطعن: العيب، وما هو أن يحقر آباء غيره، ويعظم آباءه، اللهم إلا بالإسلام والكفر. أقول: ويجوز أن يكني بالطعن في أنساب الغير عن الفخر بنسب نفسه، فيجتمع له الحسب والنسب، وأن يحمل علي الطعن في نسب نفسه، أن يقال: لي حسب؛ [والأدردفي] النسب، قال: إنا بنى نهشل لا ندعى لأب والاستقساء بالنجوم: طلب السقيا، وتوقع الأمطار عند وقوع النجوم والأنواء، كما كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا. قوله: «قبل موتها» أي قبل حضور موتها. «تو»: إنما قيد ليعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب وهو يأمل البقاء، ويتمكن من تأتى العمل الذي يتوب منه، ومصداق ذلك قوله تعالي: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهو كفار﴾. وقوله: «تقام» يحتمل أنها تحشر، ويحتمل أنها تقام علي تلك الحالة بين أهل النار وأهل الموقف، جزاء علي قيامها في المناحة. وهو الأمثل.
[ ٤ / ١٤١٨ ]
١٧٢٨ - وعن أنس، قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقى الله واصبري». قالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي ﷺ. فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولي». متفق عليه.
١٧٢٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم». متفق عليه.
_________________
(١) قوله: «ودرع من جرب» الدرع قميص النساء، والسرابيل أيضًا قميص لكن لا يختص بهن، يعني يسلط علي أعضائها الجرب والحكة، فتطلي مواقعه بالقطران ليداوى، فيكون الدواء أدوى من الداء؛ لاشتماله علي درع القطران، وحرقته، إسراع النار في الجلود، واللون الوحش، ونتن الريح. والقطران: ما يتجلب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف. «تو»: خصت درع الجرب؛ لأنها كانت تخرج بكلماتها المرقة قلوب ذوات المصيبات وتحرك بها بواطنهن، فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، وخصت أيضًا بسرابيل من قطران؛ لأنها كانت تلبس الثياب السود في المآتم، فألبسها الله السراويل لتذوق وبال أمرها. فإن قلت: ذكر الخلال الأربع، ولم يرتب عليها الوعيد سوى النياحة، فما الحكمة فيه؟ قلت: النياحة مختصة بالنساء، وهن لا ينزجرن من هجيراهن انزجار الرجال، فاحتجن إلي مزيد الوعيد. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: «اتقي الله» توطئه لقوله: «واصبري» كأنه قيل: لا تجزعي وخافي غضب لله، واصبري حتى تثأبي، فكان من جوابها «إليك عني» أي تنح عني، وباعدني. وفائدة قوله: «فلم تجد عنده بوابين» أنها حين قيل لها: إنه النبي ﷺ استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أن نبى الله ﷺ كمثل الملوك والعظماء، له حاجب يمنع الناس من الوصول إليه، فقالت معتذرة: اعذرني من تلك الردة وخشونتها، فكان ظاهر الجواب غير ما ذكر من قوله: «الصبر عند الصدمة الأولي» ولكن أخرجه مخرج الأسلوب الحكيم، أي دعي الاعتذار مني، فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا الله، وانظري إلي تفويتك من نفسك الثواب الجزيل، والكرامة، والفضل من الله تعالي بالجزع وعدم الصبر عند فجاءة الفجيعة. «نه»: الصدم: ضرب الشيء الصلب بمثله، المعنى: الصبر عند قوة المصيبة وشدتها يحمد ويثاب عليه؛ لأنه إذا طالت الأيام فيصير الصبر طبعًا فلا يؤجر عليه. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فيلج النار إلا تحلة» «شف»: إنما
[ ٤ / ١٤١٩ ]
١٧٣٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ لنسوة من الأنصار: «لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه، إلا دخلت الجنة». فقالت امرأة منهن: أو اثنان يا رسول الله؟ قال: «أو اثنان». رواه مسلم. وفي رواية لهما: «ثلاثة لم يبلغوا الحنثَ».
_________________
(١) تنصب الفاء الفعل المضارع بتقدير «أن» إذا كان بين ما قبلها وما بعدها سببية، ولا سببية ههنا، إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سببًا لولوج أبيهم النار، فالفاء بمعنى الواو الذي للجمعية، وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار. ونظيره ما ورد ما من عبد يقول في صبح كل يوم ومساء كل ليلة: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الارض ولا في السماء وهو السميع العليم» فيضره شيء بالنصب، وتقديره: لا يجتمع قول عبد هذه الكلمات في هذه الأوقات ومضرة شيء إياه. أقول: إن كانت الرواية علي النصب، فلا محيد عن ذلك، والرفع يدل علي أنه لا يوجد ولوج النار عقيب موت الأولاد إلا مقدارًا يسيرًا. ومعنى وفاء التعقيب كمعنى الماضي في قوله تعالي: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ في أن ما سيكون بمنزلة الكائن، وأن ما أخبره الصادق عن المستقبل كالواقع. قوله: «تحلة القسم» التحلة: مصدر كالتعزة، بمعنى التحليل. «نه»: أراد بالتحلة ﴿وإن منكم إلا واردها كان علي ربك حتمًا مقضيًا﴾ كما يقال: ضربته تحليلًا، إذا لم يبالغ في ضربه، وهو مثل في القليل المفرط في القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر به قسمه. «تو»: قيل: القسم يضمر بعد قوله: «وإن منكم إلا واردها» أي وإن منكم والله إلا واردها. وقيل: موضع القسم مردود إلي قوله: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾. أقول: لعل المراد بالقسم ما دل علي القطع والبت من الكلام؛ فإن قوله تعالي: «كان علي ربك حتمًا مقضيًا» تذييل وتقرير لقوله: «وإن منكم إلا واردها» فهو بمنزلة القسم، بل هو أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات، ولفظة «كان»، و«علي» وتأكيد الحتم بالمقضي. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فتحتسبه» أي فتصبر راجية لرحمة الله وغفرانه، ليست هذه الفاء كما في «فيلج» بل هي للتسبيب للموت، وحرف النفي منصب علي السبب والمسبب معًا. قوله: «أو اثنان» عطف علي قوله: «ثلاثة» أي قل يا رسول الله: أو اثنان، ونظيره قوله
[ ٤ / ١٤٢٠ ]
١٧٣١ - وعنه، قال: قال: رسول الله ﷺ: «يقول الله: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة». رواه البخاري.
الفصل الثانى
١٧٣٢ - عن أبي سعيد الخدري. قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة. رواه أبو داود. [١٧٣٢]
١٧٣٣ - وعن سعد بن أبي وقاص [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ: «عجب للمؤمن: إن إصابة خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى في اللقمة يرفعها إلي في امرأته». رواه البيهقي في «شعب الإيمان».
_________________
(١) تعالي حاكيًا عن إبراهيم: «ومن ذريتي» فإنه عطف علي الكاف في قوله تعالي: «إني جاعلك للناس إمامًا». قوله «لم يبلغوا الحنث» «نه»: أي لم يبلغوا مبلغ الرجال، ويجرى عليهم القلم، فيكتب عليهم الحنث وهو الإثم. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: «صفيه» «نه»: صفي الرجل الذي يصافيه الود ويخلصه له، فعيل بمعنى فاعل، أو مفعول. وإنما قيد بـ «أهل الدنيا»؛ ليؤذن بأن الصفاء إذا كان من أهل الآخرة، كان جزاؤه وراء الجنة، وهو رضوان الله، ورضوان من الله أكبر. الفصل الثانى الحديث الأول والثانى عن سعد ﵁: قوله: «عجب للمؤمن» أصله أعجب عجبًا، فعدل عن النصب إلي الرفع للثبات، كقولك: سلام عليك. وقوله: «إن أصابه» إلي آخره بيان للتعجب. قوله: «حمد الله وصبر» «مظ»: وتحقيق الحمد عند المصيبة؛ لأنه يحصل بسببه ثواب عظيم، وهو نعمة يستوجب الشكر عليها. أقول: وتوضيحه قول القائل: فإن مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضر أعقبه الأجرا ويحتمل أن يراد بالحمد الثناء علي الله تعالي بقوله: «إنا لله وإنا إليه راجعون». قوله: «فالمؤمن يؤجر» الفاء جزاء شرط مقدر، يعنى إذا أصابته نعمة فحمد أجر، وإذا
[ ٤ / ١٤٢١ ]
١٧٣٤ - وعن أنس، قال: قال: رسول الله ﷺ: «ما مِنْ مُؤمنٍ إِلَاّ وله بابان: بابٌ يصعَدُ منه عملُه، وبابٌ ينزلُ منه رِزقُه. فإِذا ماتَ بكيَا عليهِ، فذلكَ تولُه تعالي: ﴿فما بكتْ عليهمُ السماء والأرضُ﴾». رواه الترمذيُّ. [١٧٣٤]
١٧٣٥ - وعن ابن عباسٍ، قال: قال: رسول الله ﷺ: «من كان له فرطانِ منْ أمَّتي أدخلَه الله بهما الجنة». فقالت عائشةُ: فمنْ كان له فرط من أُمَّتِكَ؟ قال: «ومن كان له فرطٌ يامُوفَّقة!» فقالت: فمن لم يكن له فرطٌ من أمتك؟ قال: «فأنا فرط أمَّتي، لن يُصابوا بمثلي». رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ.
_________________
(١) أصابته مصيبة فصبر أجر، فهو مأجور في كل أموره الدينية - حتى الشهوإنية - ببركة إيمانه، وإذا قصد بالنوم زوال التعب للقيام إلي العبادة عن نشاط وفرح كان النوم طاعة، وعلي هذا الأكل وجميع المباحات. الحديث الثالث عن أنس ﵁ قوله: «فما بكت عليهم السماء والأرض» «الكشاف»: هذا تمثيل وتخييل، مبالغة في فقدان من درج وانقطع خبره، وكذلك ما روى عن ابن عباس ﵄ من بكاء مصلي المؤمن وآثاره في الأرض، ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل. ونفي ذلك في قوله تعالي: «فما بكت عليهم السماء والأرض» تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض. الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: «فرطان» قيل: الفرط - بالتحريك من يتقدم القافلة، فيطلب الماء والمرعى، ويهيء لهم ما يحتاجون إليه في المنزل. فعل بمعنى فاعل، يستوى فيه الواحد والجمع، مثل تبع وتابع، المعنى: أن الطفل المتوفي يتقدم والديه، فيهيء لهما في الجنة منزلا ونزلا، كما يتقدم فُرّاط القافلة ويعدون لهم ما يفتقرون إليه من الأسباب، ويعينون لهم المنازل. قوله: «يا موفقة» يعني وفقك الله علي السؤال حين تفضل علي العباد، ويسهِّل عليهم بحصول ذلك المعنى من ولد واحد، وحتى تفضل علي من لا ولد له بفرط مثلي، ونعم الفارط أنا. قوله: «لن يصابوا بمثلي» وأنشدت فاطمة الزهراء ﵂. ماذا علي من شم تربة أحمد أن لايشم مدى الزمان غواليا صبَّت علي مصائب لو أنها صبَّت علي الأيام عدن لياليا
[ ٤ / ١٤٢٢ ]
١٧٣٦ - وعن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال: رسول الله ﷺ «إذا مات ولدُ العبد، قال الله تعالي لملائكته: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولونَ: نعم. فيقولُ: قبضتم ثمرةَ فُؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقولُ: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنو لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد». رواه أحمدُ، والترمذيُّ. [١٧٣٦]
١٧٣٧ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «من عزى مصابًا، فله مثل أجره». رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم الراوي، وقال: ورواه بعضُهم عن محمد ابن سوقة بهذا الإسناد موقوفًا. [١٧٣٧]
١٨٣٨ - وعن أبي برزة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من عزى ثكلي كُسيّ بُردًا في الجنَّة». رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ غريب.
_________________
(١) الحديث الخامس عن أبي موسى: قوله: «قبضتم ولد عبدي» مرجع السؤال إلي تنبيه الملائكة علي ما أراد الله سبحانه من التفضل علي عبده الحامد؛ لأجل تصبره علي المصائب، وعدم تشكيه، بل إعداده إياها من جملة النعماء التي يستوجب الشكر عليها ثم استرجاعه، وأن نفسه ملك الله وإليه المصير في العاقبة، قال أولا: «ولد عبدي»، أي فرع شجرته، ثم ترقى إلي «ثمرة فؤاده» أي نقاوة خلاصته؛ فإن خلاصة الإنسان الفؤاد، والفؤاد إنما يعتد به لما هو مكان اللطيفة التي خلق لها، وبها شرفه وكرامته، فحقيق لمن فقد مثل تلك النعمة الخطيرة، ويلقاها بمثل ذلك الحمد، أن يكون محمودًا حتى المكان الذي يسكن فيه، فلذلك سمي بيت الحمد. الحديث السادس عن عبد الله ﵁: قوله: «من عزَّى مصابًا» «نه»: التعزى: الانتماء والانتساب إلي القوم، والعز أو العزوة اسم لدعوى المستغيث، وقيل: التعزي التآسي والتصبر عند المصيبة، أن يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون». ويقول المعزِّي: أعظم الله جزاءك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك. الحديث السابع عن أبي برزة: قوله: «ثكلي» الثكل: فقد الولد، يقال: امرأة ثاكل، وثكلي، ورجل ثاكل، وثكلان.
[ ٤ / ١٤٢٣ ]
١٧٣٩ - وعن عبد الله بن جعفرٍ، قال: لما جاء نعيُ جعفرٍ، قال النبي ﷺ: «اصنَعوا لآل جعفرٍ طعامًا، فقد أتاهُم ما يشغلُهم». رواه الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه.
الفصل الثالث
١٧٤٠ - عن المغيرة بن شعبةَ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «منْ نيحَ عليه، فإنه يعذَّبُ بما نيحَ عليه يوم القيامة». متفق عليه.
١٧٤١ - وعن عمرَةَ بنت عبد الرحمن، أنها قالتْ: سمعتُ عائشةَ، وذُكرَ لها أنَّ عبد الله بن عمر يقولُ: إنَّ الميتَ ليعذبُ ببكاء الحي عليه، تقولُ: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب؛ ولكنَّه نسيَ أو أخطأ، إنَّما مرَّ رسولُ الله ﷺ علي يهودية يُبكى علَيها، فقال: «إنَّهم ليبكون عليها وإنها لتُعذَّبُ في قبرها». متفق عليه. [١٧٤١]
١٧٤٢ - وعن عبد الله بن أبي مليكةَ، قال: توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة، فجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس، فإني لجالسٌ بينهما، فقال عبد الله بنُ
_________________
(١) الحديث الثامن عن عبد الله: قوله: «نعى جعفر» «نه»: يقال: نعى الميت ينعاه نعيًا ونعيًا، إذا أذع موته، وأخبر به وإذا ندبه. الفصل الثالث الحديث الأول من المغيرة: قوله: «بما نيح عليه» الباء يجوز أن تكون سببية، و«ما» مصدرية، وأن يكون الجار والمجرور حالا، و«ما» موصولة، أي يعذب ملتبسًا بما ندب عليه من الألفاظ: يا جبلاه، يا كهفاء، ونحوهما علي سبيل التهكم، ويعضده حديث النعمان، وسيأتي عن قريب. الحديث الثاني عن عمرة: قوله: «تقول: يغفر الله» حال من مفعول «سمعت». وقوله: «وذكر لها) إلي آخره يحتمل أن يكون حالا من المفعول والفاعل. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: «فإني لجالس» والظاهر أن يقال: وإني لجالس، ليكون
[ ٤ / ١٤٢٤ ]
عمرَ لعمرو بن عثمان وهو مواجهُه: ألا تَنهي عن البُكاءِ؟ فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الميت ليُعذَّبُ ببكاء أهله عليه». فقال ابن عباس: قد كان عمرُ يقولُ بعض ذلك. ثم حدثَ، فقال: صدرتُ مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء، فإذا هو بركب تحت ظل سمرةٍ، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرتُ، فإذا هو صهيبٌ. قال: فأخبرته، فقال: ادعُه، فرجعت إلي صهيبٍ، فقلتُ: ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلمَّا أن أصيب عمرُ دخل صُهيبٌ يبكي، يقول: واأخاه، واصاحباهُ. فقال عمر: يا صهيبُ! أتبكي عليّ وقد قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الميت ليُعذَّبُ ببكاء أهله عليه»؟. فقال ابن عباس: فلمَّا مات عمرُ ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله عمرَ، لا والله ما حدَّثَ رسول الله ﷺ أنَّ الميتَ ليُعذَّبُ ببكاءِ أهله عليه؛ ولكن: إنَّ الله يزيدُ الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه. وقالت عاثشةُ: حسبُكم القرآنُ: (ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى). قال ابن عباس عند ذلكَ: والله أضحك وأبكي. قال ابن أبي مليكةَ: فما قال ابنُ عمر شيئًا. متفق عليه.
_________________
(١) حالأ، والعامل «حضر» والفاء تستدعي الاتصال؛ لقوله: «فجئنا لنشهدها». قوله: «ويرحم الله عمر» من الآداب الحسنة علي منوال قوله تعالي: «عفا الله عنك لم أذنت لهم» فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: «ويرحم الله عمر» تمهيدًا، ودفعًا لما يوحش من نسبته إلي الخطأ. قوله: «ولا تزر وازرة وزر أخرى» الوزر والوقر أخوان، وزر الشيء إذا حمله. والوزارة صفة للنفس. والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما يأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولي، والجارَ بالجارِ. قوله: «والله أضحك وأبكى» تقرير لنفي ما ذهب إليه ابن عمر من أن الميت يعذب ببكاء الأهل. وذلك: أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من الله، يظهرها فيه، فلا أثر لها في ذلك، فعند ذلك سكت ابن عمر، وأذعن. فإن قلت: كيف لم يؤثر ذلك في حق المؤمن، وقد أثَّر في حق الكافر؟ قلت: المؤمن الكامل لا يرضى بالمعصية مطلقًا، سواء صدرت منه أو من غيره، بخلاف الكافر. ومن ثم قالت الصديقة ﵂: «حسبكم القرآن» أي كافيكم أيها المؤمنون من القرآن هذه الآية «ولا تزر وازرة وزر أخرى» أنها في شأنكم، وما ذكر رسول الله ﷺ من قوله: «إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله» في شأن الكفار. وفيه أن المؤمن
[ ٤ / ١٤٢٥ ]
١٧٤٣ - وعن عائشة، قالت: لما جاء النبي ﷺ قتلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة، جلسَ يُعرَفُ فيه الحزنُ، وأنا أنظُرُ من صائر الباب - تَعني شقِّ الباب - فأتاهُ رجلٌ فقال: إنَّ نساء جعفرٍ، وذكر بكاءهنَّ، فأمرَهُ أن ينهاهُنَّ، فذهب، ثمَّ أتاهُ الثانيةَ لم يُطِعْنَهُ، فقال: «انههُنَّ»، فأتاهُ الثالثةَ، قال: والله غلبننا يارسولَ الله! فزعمتُ أنه قال: «فاحثُ في أفواههِنَّ التراب» فقلت: أرغَمَ اللهُ أنفكَ، لم تفعل ما أمركَ رسولُ الله ﷺ، ولم تترك رسول اللهِ ﷺ من العناءِ. متفق عليه.
١٧٤٤ - وعن أمِّ سلمةَ، قالت: لما ماتَ أبو سلمة قلت: غريبٌ، وفي أرض غربةٍ، لأبكينَّه بكاءً يُتحدَّثُ عنه فكنتُ قد تهيَّأتُ للبكاء عليه، إِذْ أقبلتِ امرأةٌ تريد أن
_________________
(١) إذا رضي به، فلا يؤمن عليه. ولما كان الغالب علي الفاروق الخوف، وكان حازمًا، والحزم كما ورد سوء الظن، خاف علي نفسه، فقال ما قال، وأصاب المحز، والصديقة ﵂ لمحت إلي مقام الرجاء وحسن الظن بالمؤمنين، فطبقت المفصل. «ولكل وجهة هو موليها» والله أعلم. الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: «يعرف فيه الحزن» حال، أي جلس حزينًا، وعدل إلي قوله: «يعرف» ليدل علي أنه ﷺ كظم الحزن كظما، وكان ذلك القدر الذي ظهر فيه من جِبلَّة البشرية. قوله: «من صائر الباب» أي زى صير كلابن وتامر. وفي الحديث: «من اطلع صير باب فقد دمر» أي من شقه فدخل. قوله: «وذكر بكاءهن» حال عن المستتر في «فقال» وحذفت ﵂ خبر «إن» من القول المحكي عن جعفر بدلالة الحال، يعني قال ذلك الرجل: إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا، مما حظره الشرع من البكاء الشنيع، والنياحة الفظيعة، إلي غير ذلك. قوله: «لم يطعنه» حكاية لمعنى قول الرجل، أي فذهب ونهاهن، تم أتى النبي ﷺ، وقال: «نهيتهن فلم يطعنني» يدل عليه قوله في المرة الثالثة. «والله غلبننا». وقوله: «زعمت» أي ظننت. «مج»: الزعم يطلق علي القول المحقق، وعلي الكذب، والمشكوك فيه، وينزل في كل موضع علي ما يليق به. قوله: «فقلت» أي قالت عائشة للرجل: آذاك الله، فإنك آذيت رسول الله ﷺ، وما كففتهن عن البكاء. الحديث الخامس عن أم سلمة: قوله: «غريب» لأنه كان مكيًا ومات بالمدينة، وقوله:
[ ٤ / ١٤٢٦ ]
تُسعدَني*، فاستقبلها رسولُ الله ﷺ فقال: «أتريدينَ أن تُدخلي الشيطان بيتًا أخرجَهُ الله منه؟!» مرتين، وكففت عن البكاء فلم أبكِ. رواه مسلم.
١٧٤٥ - وعن النُّعمان بن بشيرٍ، قال: أُغمِي علي عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرةُ تبكي: واجبلاه! واكذا! واكذا! تُعدِّد عليه، فقالَ حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيلَ لي: أنت كذلك؟ زاد في روايةٍ: فلمَّا ماتَ لم تبكِ عليه. رواه البخاري.
١٧٤٦ - وعن أبي موسى، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «ما مِنْ ميتٍ
_________________
(١) «لأبكينه» جواب قسم محذوف، والفاء متصلة بقوله: «قلت» أي قلت عقيب ما تهيأت للبكاء. ولا يجوز أن يتصل بالمقول إلا مع الواو ليكون حالًا. قوله: «أخرجه الله منه مرتين» يحتمل أن يراد بالمرة الأولي يوم دخوله في الإسلام، وبالثانية يوم خروجه من الدنيا مسلمًا. وأن يراد به التكرير، أي أخرجه الله تعالي إخراجًا بعد إخراج؛ كقوله تعالي: «ثم ارجع البصر كرتين» وقوله تعالي في وجه «الطلاق مرتان» أي مرة بعد مرة. وقوله: «وكففت» معطوف علي محذوف، أي قال رسول الله ﷺ كذا، فانزجرت وكففت. الحديث السادس عن النعمان: قوله: «واجبلاه» حال، والقول محذوف، أي تبكى قائلة واجبلاه، توطئة لها كقوله تعالي: «لسانًا عربيًا». قوله: «قيل لي كذلك» أي لما قلت «واجبلاه» أي أنت كذا، أي جبل كهف يلجأون إليك، علي سبيل الوعيد والتهكم، كما في قوله تعالي: «ذق إنك أنت العزيز الكريم». هذا الحديث ينصر مذهب عمر ﵁ في حديث عبد الله بن أبي مليكة. الحديث السابع عن أبي موسى ﵁: قوله: «ما من ميت يموت» هو كقول ابن
[ ٤ / ١٤٢٧ ]
يموت فيقومُ باكيهِم فيقول: واجبلاه! واسيداه! إِلا وكَّل اللهُ به ملكين يلهزانِه، ويقولان: أهكذا كنت؟» رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ حسن.
١٧٤٧ - وعن أبي هريرةَ، قال: ماتَ ميِّتٌ من آل رسول الله ﷺ فاجتمع النساءُ يبكينَ عليه، فقامَ عمرُ ينهاهُنَّ ويطردُهُنَّ. فقال رسول الله ﷺ: «دعهنَّ فإنَّ العين دامعةٌ، والقلب مصاب، والعهد قريب». رواه أحمدُ، والنسائيُّ. [١٧٤٧]
١٧٤٨ - وعن ابن عباس، قال: ماتت زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ، فبكت النساء، فجعل عمرُ يضربهُنَّ بسوطِهِ، فأخرَّهُ رسولُ الله ﷺ يبدهِ، وقال: «مهلا ياعمر!» ثمَّ قال: «إياكن ونعيق الشيطان» ثمَّ قال: «إنهُ مهما كان من العين ومن القلب؛ فمن الله ﷿ ومن الرحمة، وما كانَ من اليدِ ومن اللسانِ؛ فمن الشيطان». رواه أحمد. [١٧٤٨].
_________________
(١) عباس ﵄: «يمرض المريض، ويضل الضالة» فسمى المشارف للموت والمرض والضلال، ميتًا ومريضًا وضالة، وهذه الحالة هي الحالة التي ظهرت علي عبد الله بن رواحة، قوله: «يلهزانه» «نه»: أي يدفعانه ويضربانه، واللهز: الضرب بجمع الكف في الصدر، ولهزه بالرمح إذا طعنه به. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: «فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب» وكان من الظاهر أن يعكس؛ لأن قرب العهد مؤثر في القلب بالحزن، والحزن مؤثر في البكاء، لكن قدم ما يشاهد، ويستدل به علي الحزن الصادر من قرب العهد. وفيه أنهن لم يكن يردن علي البكاء النياحة والجزع. الحديث التاسع عن ابن عباس رضي انه عنهما: قوله: «مهلا» مصدر، عامله محذوف. الجوهرى: المهل – بالتحريك - التؤدة والتباطؤ، يقال: مهّلته وأمهلته، أي سكّتنه وأخرته. ومهلا يستوى فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث. قوله: «نعيق الشيطان» «نه»: يقال: نعق الراعى بالغنم ينعق نعيقًا فهو ناعق إذا دعاها لتعود إليه. و«مهما» حرف الشرط، تقول: مهما يفعل أفعل. قيل: إن أصلها «ما ما» فقلبت الألفة الأولى هاء، ومحله رفع، بمعنى أيما شيء كان من العين، فمن الله.
[ ٤ / ١٤٢٨ ]
١٧٤٩ - وعن البخاري تعليقًا، قال: لما مات الحسنُ بن الحسنُ بن علي ضربت امرأتهُ القبَّةَ علي قبره سنةٌ ثم رفعَتْ، سمعت صائحًا يقول: الأهل وجدوا مافقدوا؟ فأجابهُ آخر: بل يئسِوا فانقلبوا.
١٧٥٠ - وعن عمران بن حصينٍ، وأبي برزة، قالا: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ في جنازةٍ، فرأي قومًا قد طرحوا أرديتهم يمشون في قُمُص، فقال رسولُ الله ﷺ: «أبفعلِ الجاهليَّة تأخُذون؟ أو بصنيع الجاهلية تشبَّهون؟ لقد هممْتُ أن أدعو عليكم دعوة ترجعونَ في غير صوركم». قال: فأخذوا أرديتهم، ولم يعودوا لذلك. رواه ابن ماجه. [١٧٥٠]
١٧٥١ - وعن ابن عمرَ، قال: نهي رسولُ الله ﷺ أن تُتَّبعَ جنازةٌ معهد رانَّةٌ. رواه أحمد، وابن ماجه.
_________________
(١) فإن قلت: نسبة الدمع من العين، والقول من اللسان، والضرب باليد إن كان من طريق الكسب، فالكل يصح من العبيد، وإن كان من طريق التقدير، فمن الله، فما وجه اختصاص البكاء بالله؟ قلت: الغالب في البكاء أن يكون محمودًا، فالأدب أن يسند إلي الله تعالي، بخلاف قول الخنا والضرب باليد عند المصيبات، فإن ذلك مذموم. الحديث العاشر عن البخاري: قوله: «هل وجدوا ما فقدوا؟» أي هل نفعها ضرب القبة، وإقامتها فيها سنة، بأن عاش الميت؟ فأجاب الآخر: لا، بل يئست، فانقلبت إلي أهلها خائبة. الحديث الحادى عشر عن عمران: قوله: «في قمص» حال متداخلة؛ لأن «يمشون» حال من الواو في «طرحوا» وهو من الواو في «يمشون». قوله: «ترجعون» «غب»: الرجوع العود إلي ما كان منه البدء، أو تقدير البدء مكانًا كان أو فعلا أو قولا، وبذاته كان رجوعه، أو بجزء من أجزائه، أو بفعل من أفعاله؛ فالرجوع العود، والرجع الإعادة، والرجوع هاهنا ليس علي مقتضى وضعه. فيحمل الكلام إما علي تضمين الرجوع معنى صار، كما هو في قوله تعالي: «أو لتعودُنَّ في ملتنا» وقد يستعمل «عاد» من أخوات «كان» بمعنى صار، فلا يستدعي الرجوع إلي حالة سابقة بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال إلي حال مستأنفة. وإما أن
[ ٤ / ١٤٢٩ ]
١٧٥٢ - وعن أبي هريرة، أنَّ رجلا قالَ له: ماتَ ابنٌ لي فوجدت عليه، هل سمعت من خليلكَ صلواتُ الله عليه شيئًا يطيبُ بأنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، سمعتُهُ ﷺ قال: «صغارُهم دعاميصُ الجنَّة، يلقى أحدُهم أباهُ فيأخذُ بناحيةِ ثوبه، فلا يفارقه حتى يُدخلَهُ الجنَّة». رواه مسلم، وأحمد واللفظُ له.
١٧٥٣ - وعن أبي سعيد، قال: جاءت امرأةُ إلي رسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! ذهب الرجالُ بحديثكَ، فاجعل لنا من نفسكَ يومًا نأتيك فيهِ تعلّمنا مما علمكَ الله. فقال: «اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا». فاجتمعْنَ، فأتاهُنَّ رسولُ اللهِ ﷺ فعلَّمهُنَّ مما علَّمَهُ الله، ثم قال: «ما منكن امرأةٌ تقدِّمُ بين يديها من ولدها ثلاثة، إلا كانَ لها حجابًا من النار» فقالت امرأةٌ منهنَّ: يارسولَ الله! أو اثنين؟ فأعادتها مرتين. ثم قال: «واثنينِ واثنينِ واثنين». رواه البخاري.
١٧٥٤ - وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «مامن مسلمينِ يُتوفي
_________________
(١) تحمل الصورة علي الحالة والصفة، أي ترجعون إلي غير الفطرة كما كنتم عليه، وفيه تشديد عظيم، فإذا ورد في مثل أدنى تغيير من وضع الرداء عن المنكب هذا الوعيد البليغ، فكيف بما يشاهد من الناس؟. الحديث الثانى عشر، والثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: «رانة» أي نائحة. «نه»: الرنين: الصوت، وقد رن يرن رنينًا. وقوله: «فوجدت عليه» أي حزنت عليه. قوله: «دعاميص الجنة» «نه»: هو جمع دعموص، وهي دويبة تكون في مسنتقع الماء، والدعموص أيضًا الدّخال في الأمور، أي أنهم سيّاحون في الجنة، دخّالون في منازلها، لا يمنعون من موضع، كما أن الصِّبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول علي المحرم ولا يحتجب منهم. الحديث الرابع عشر عن أبي سعيد ﵁: قوله: «ذهب الرجال بحديثك» أي أخذوا نصيبًا وافرًا من مواعظك، واستصحبوك معهم، ولما استلزمت المحادثة والمذاكرة استصحاب الذاكر والواعظ المستمع وملازمته إياه، قلن: «فاجعل لنا يومًا» أي نصيبًا، إطلاقا للمحل علي الحال. «ومن نفسك» حال من «يومًا» و«من» ابتدائية، أي اجعل لنا من نفسك نصيبًا ما، تعلمنا في بعض الأيام لعلمنا إلي آخره. الحديث الخامس عشر عن معاذ ﵁: قوله: «إياهما» تأكيد للضمير المنصوب في «أدخلهما». قوله: «بسرره» «نه»: هي ما تبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة. أقول: هذا تتميم ومبالغة للكلام السابق، ومن ثم صدره صلوات الله عليه بالقسم، أي إذا كان السقط الذي لا يؤبه به يجر الأم بما قد قطع من العلاقة بينهما، فكيف بالولد المألوف الذي هو فلذة الكبد؟.
[ ٤ / ١٤٣٠ ]
لهما ثلاثةٌ، إلا أدخلهما اللهُ الجنة بفضل رحمتهِ إياهُما» فقالوا: يا رسول الله! أو اثنان؟ قال: «أو اثنان». قالوا أو واحد؟ قال: «أو واحد»، ثمَّ قال: «والذي نفسي بيده إنَّ السقط ليجرُّ أمه بسرره إلي الجنَّةِ إذا احتسبتَهُ». رواه أحمد، وروى ابن ماجه من قوله: «والذي نفسي بيده». [١٧٥٤]
١٧٥٥ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال: رسول الله ﷺ: «من قدَّمَ ثلاثة من الولَدِ لم يبلُغوا الِحنثَ؛ كانوا له حصنًا حصينًا من النَّار». فقال أبو ذَر: قدمت اثنين. قال: «واثنين» قال أبي بن كعب أبو المنذِرِ سيدُ القراءِ: قدمتُ واحدًا. قال: «وواحِدًا». رواه الترمذيّ، وابنُ ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [١٧٥٥]
١٧٥٦ - وعن قُرَّةَ المزَني: أنَّ رجلا كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابنٌ له. فقال له النبي ﷺ: «أتُحبُّه؟» فقال: يا رسول الله! أحبَّك اللهُ كما أُحبُّه. ففقدَه النبي ﷺ. فقال: «ما فعلَ ابنُ فلان؟» قالوا: يا رسول الله! ماتَ. فقال رسول الله ﷺ: «أمَا تُحِبُّ ألا تأتيَ بابًا من أبواب الجنَّةِ إلا وجدتَه ينتظرُك؟» فقال رجل: يا رسول الله! له خاصَّة، أم لكلنا؟ قال: «بل لكلِّكم». رواه أحمد.
_________________
(١) الحديث السادس عشر عن عبد الله: قوله: «فقال أبو ذر» أي قال أبو ذر: يارسول الله، زد في البشارة، فإني قدمت اثنين، فزاد، وقال: «اثنين» أي ومن قدم اثنين. و«أبو المنذر» بدل من قوله: «أبي بن كعب» أو مدح خبر مبتدأ محذوف. الحديث السابع عشر عن قرة: قوله: «إلا وجدته ينتظرك» أي مفتحًا لك مهيئًا لدخولك، كما قال تعالي ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ فاستعير للفتح الانتظار مبالغة. الحديث الثامن عشر عن علي ﵁: قوله: «إن السقط ليراغم ربه» أي يحاج ويغاضب. هذا تخييل علي نحو قوله ﷺ: «إن الله تعالي خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم! أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ فقالت: بلي» الحديث متفق عليه.
[ ٤ / ١٤٣١ ]
١٧٥٧ - وعن عليّ [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ السقط ليُراغمُ ربه إذا أدخل أبويه النار، فيقال: أيها السقط المراغم ربه! أدخل أبويك الجنة، فيجرهما بسرره حتى يدخلهما الجنة». رواه ابن ماجه. [١٧٥٧].
١٧٥٨ - وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «يقول الله، تبارك وتعالي: ابن آدم إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولي، لم أرض لك ثوابًا دون الجنة». رواه ابن ماجه.
١٧٥٩ - وعن الحُسين بن عليَّ، عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلمٍ ولا مسلمة يُصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها، فيحدث لذلك استرجاعًا، إلا جدد الله تبارك وتعالي له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها». رواه أحمد، والبيهقي في «شعب الإيمان». [١٧٥٩].
١٧٦٠ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا انقطعَ شِسْعُ أحدِكم فليسترجع، فإنه من المصائب». [١٧٦٠]
١٧٦١ - وعن أم الدرداء، قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعتُ أبا القاسم ﷺ يقولُ: «إن الله تبارك وتعالي قال: يا عيسي! إني باعثٌ من بعدك أمة إذا أصابهم ما يُحبون حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا عقل. فقال ياربّ! كيف يكون هذا لهم ولاحلم ولا عقل؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي». رواهُما البيهقي في «شعب الإيمان». [١٧٦١].
_________________
(١) الحديث التاسع عشر إلي الحادي والعشرين عن أم الدرداء: قوله: «ولا حلم ولا عقل» تأكيد لمفهوم «احتسبوا وصبروا» لأن معني الاحتساب أن يبعثه علي العمل الإخلاص، وابتغاء مرضات الله، لا الحلم والعقل، فحينئذ يتوجه عليه أنه كيف يصبر ويحتسب من لا عقل له ولا حلم؟ فيقال: إذا فني حلمه وعقله، يتحلم ويتعقل بحلم الله وعلمه. وفي وضع «علمي» موضع العقل إشارة إلي عدم جواز نسبة العقل - وهو القوة المتهيئة لقبول العلم - إلي الله، تعالي عن صفات المخلوقين علوًا كبيرًا. وإلي هذا المعني يلمح قوله ﷺ: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطي لله، فقد استكمل الإيمان» والله أعلم.
[ ٤ / ١٤٣٢ ]