الفصل الأول
٤٥١ - عن أبي هريرة [﵁]، قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم
_________________
(١) الحديث الثاني عن علي ﵁. قوله: «لو كنت مسحت» قد تقرر أن «لو» لامتناع الشيء لامتناع غيره، فالمعنى أنه لم يجزئك الغسل، لأنك في زمان الغسل ما مسحت بالماء علي ذلك الموضع، وفيه [أنه يلزمه] الغسل جديدًا وقضاء الصلاة. الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: «كانت الصلاة» يعني ليلة المعراج؛ لأن الله تعالي فرض علي هذه الأمة خمسين صلاة، لا أنهم صلوا خمسين، والحديث مشهور. باب مخالطة الجنب الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: «وأنا جنب» «نه»: أجنب يجنب إجنابًا، إذا صار جنبًا، والجنابة الاسم، وهي في الأصل البعد، وسمي الإنسان جنبًا لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، وقيل: لمجانبة الناس. قوله: «فانسللت» «نه»: أي مضيت وخرجت بتأن وتدريج. «مظ»: «الرحل» أي ما بين
[ ٣ / ٨١٦ ]
جئت، وهو قاعد. فقال: «أين كنت يا أبا [هريرة]؟» فقلت له، فقال: «[سبحان الله! إن] المؤمن لا ينجس». هذا لفظ البخاري، ولمسلم معناه، وزاد بعد قوله: فقلت له: لقد لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. وكذا البخاري في رواية أخرى.
٤٥٢ - عن ابن عمر، قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ: «توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم». متفق عليه.
٤٥٣ - (٣) وعن عائشة، ﵂. قالت: كان النبي ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة. متفق عليه.
٤٥٤ - (٤) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود؛ فليتوضأ بينهما وضوءًا». رواه مسلم.
٤٥٥ - (٥) وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ يطوف علي نسائه بغسل واحد. رواه مسلم.
_________________
(١) الرحل، وهو ما كان مع المسافر من الأقمشة، والرحل أيضًا الموضع الذي نزل فيه القوم. «حس»، فيه جواز مصافحة الجنب ومخالطته، وهو قول عامة أهل العلم، واتفقوا علي طهارة عرق الجنب والحائض. وفيه دليل علي جواز تأخير الاغتسال للجنب، وأن يسعى في حوائجه. «قض»: يمكن أن يحتج به علي من قال: الحدث نجاسة حكمية، وأن من وجب عليه وضوء أو غسل فهو نجس حكمًا. [الحديث الثاني عن ابن عمر﵄- قوله: «توضأ، واغسل» عطف «واغسل» علي «توضأ» وفيه دليل علي أن الواو لمطلق الجمعية؛ لأن الغسل مقدم علي الوضوء، ولذا قدم الوضوء اهتمامًا بشأنه وتبركًا] الحديث الثالث، والرابع عن أبي سعيد قوله: «توضأ وضوء» إنما أتى بالمصدر تأكيدًا؛ لئلا يتوهم أن المراد بالوضوء غير المتعارف، كما في الأصل، وهذا يعضده الحديث السابق: «توضأ وضوءه للصلاة». الحديث الخامس عن أنس: قوله: «يطوف بغسل واحد» «مح»: فإن قيل: أقل القسم ليلة لكل امرأة، فكيف طاف علي الجميع في ليلة واحدة؟ والجواب أن القسم في حقه ﷺ هل كان واجبًا دائمًا؟ فيه خلاف. قال أبو سعيد الاصطخري: لم يكن واجبًا، وإنما كان القسم بالسوية منه تكرمًا وتبرعًا، والأكثرون علي أنه واجب، فعلي هذا كان طوافه ﷺ عليهن برضاهن، وأما الطواف بغسل واحد فيحتمل أنه ﷺ توضأ بينهما.
[ ٣ / ٨١٧ ]
٤٥٦ - (٦) وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله ﷿ علي كل أحيانه. رواه مسلم.
وحديث ابن عباس سنذكره في كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالي.
الفصل الثاني
٤٥٧ - عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول الله! إني كنت جنبًا، فقال: «إن الماء لا يجنب» رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وروى الدارمي نحوه [٤٥٧].
٤٥٨ - وفي «شرح السنة» عنه، عن ميمونة، بلفظ «المصابيح».
_________________
(١) الحديث السادس عن عائشة: قوله: «علي كل أحيانه» «مح»: الذكر نوعان: قلبي، ولسإني، والأول أعلاهما، وهو المراد في الحديث، وفي قوله تعالي: ﴿اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾، وهو أن لا ينسى الله علي كل حال، وكان النبي ﷺ حظ وافر من هذين النوعين، إلا في حالة الجنابة ودخول الخلاء، فإنه يقتصر فيهما علي النوع الأعلي، الذي لا أثر فيه للجنابة، ولذلك إذا خرج من الخلاء يقول: «غفرانك». الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: «اغتسل في جفنة» حال، أي مدخلة يدها في جفنة، ليطابق قوله: «إن الماء لا يجنب». «تو»: أي الماء إذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس، وإنما قال ذلك لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام وقد أمروا بالاغتسال من الجنابة، كما أمروا بتطهير البدن عن النجاسة، فربما سبق إلي فهم بعضهم أن العضو الذي عليه الجنابة في سائر الأحكام كالعضو الذي عليه النجاسة، فيحكم بجنابة الماء من غمس عضو الجنب فيه، كما يحكم بنجاسته من غمس النجس فيه، فبين لهم أن الأمر بخلاف ذلك- انتهي كلامه. فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث وبين حديث حميد في الفصل الثالث: «نهي رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة»؟ قلت: هذا الحديث يدل علي الجواز، وذلك علي ترك الأولي، فالنهي تنزيه لا تحريم.
[ ٣ / ٨١٨ ]
٤٥٩ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة، ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل. رواه ابن ماجه، وروى الترمذي نحوه [٤٥٩].
وفي «شرح السنة» بلفظ «المصابيح».
٤٦٠ - وعن علي، قال: كان النبي ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه- أو يحجزه- عن القرآن شيء ليس الجنابة رواه أبو داود، والنسائي. وروى ابن ماجه نحوه [٤٦٠].
٤٦١ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن». رواه الترمذي [٤٦١].
_________________
(١) الحديث الثاني عن عائشة: قوله: «يستدفئ بي» أي يطلب مني الحرارة، ومنها قوله تعالي: ﴿ولكم فيها دفء﴾ أي تتخذون من أوبارها وأصوافها ما تستدفئون به. وفيه أن بشرة الجنب طاهرة؛ لأن الاستدفاء إنما يحصل من مس البشرة البشرة. الحديث الثالث عن علي ﵁: قوله: «ويأكل معنا اللحم» لعل انضمام أكل اللحم مع قراءة القرآن للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء أو مضمضة كما في الصلاة. «تو»: «ليس» بمعنى «إلا»، تقول: ما جاءني القوم ليس زيدًا. ويضمر اسمها فيها، وينصب خبرها بها، كأنك قلت: ليس الجائي زيدًا، مكان قولك: جاءني القوم ليس زيدًا. «حس»: اتفقوا علي أن الجنب لا يجوز له قراءة القرآن، وهو قول ابن عباس. وقال عطاء: الحائض لا تقرأ
[ ٣ / ٨١٩ ]
٤٦٢ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». رواه أبو داود [٤٦٢].
٤٦٣ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب». رواه أبو داود، والنسائي [٤٦٣].
_________________
(١) القرآن، إلا طرف آية، والأحسن أن يتطهر الجنب والحائض لذكر الله تعالي، فإن لم يجدا ماءًا فتيممًا. الحديث الرابع، الخامس عن عائشة ﵂: قوله: «وجهوا» «الجوهري»: الوجه والوجهة بمعنى، والهاء عوض من الواو، والمواجهة المقابلة، ووجهت وجهي لله، فعدى في الحديث «بعن» الدلالة علي معنى الصرف، يقال: وجه عنه، أي صرف عنه، ووجه إليه، أي أقبل. وفي إيراد اسم الإشارة إشارة إلي تحقير تلك البيوت، وتعظيم شأن المساجد، أي لا يصح ولا يستقيم أن تكون المساجد ممرًا لتلك البيوت، وقوله: «فإني لا أحل» إلي آخره بيان للوصف الذي يرد علي الحكم السابق، وعلة له، ولذلك وضع المسجد مقام الضمير. «حس»: لا يجوز للجنب ولا للحائض المكث في المسجد، وبه قال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وجوز الشافعي المرور فيه، وبه قال مالك، وجوز أحمد والمزني المكث أيضًا، وأولوا ﴿عابري سبيل﴾ بالمسافرين يصيبهم الجنابة فيتيممون ويصلون. وقال ابن الحاجب في تفريعة: الجنابة تمنع دخول المسجد وإن كان عابرًا علي الأشهر- انتهي كلامه. وفسروا ﴿عابري سبيل﴾ بالمسافرين. وأقول: الوجه أن يقدر مضاف، ويفسر ﴿عابري سبيل﴾ بالمار في المسجد، و﴿إلا﴾ بمعنى «غير» صفة لـ ﴿جنبًا﴾، أي لا تقربوا مواضع الصلاة جنبًا غير عابري سبيل، فيدل المفهوم علي جواز مرور الجنب في المسجد، فعلي هذا يحسن العطف بقوله: ﴿وإن كنتم مرضي أو علي سفر﴾ عليه لكونه في معنى الشرط، أي لا تقربوا موضع الصلاة إن كنتم مجنيين حتى تغتسلوا، وإن كنتم مرضي إلي آخره، فيطابق ما في المائدة: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضي﴾ الآية. فإن السابق في كليهما في شأن الواجدين للماء غير معذورين، واللاحق فيهما في المعذورين. الحديث السادس عن علي ﵁ قوله: «لا تدخل الملائكة» الشارحون: المراد بـ «الملائكة» الملائكة النازلون بالبركة والرحمة، الذين يطوفون علي العباد للزيارة واستماع الذكر، دون الكتبة؛ فإنهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين في أحوالهم السيئة والحسنة؛ لقوله تعالي: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، وقوله ﵊: «فإن معكم من لا
[ ٣ / ٨٢٠ ]
٤٦٤ - وعن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ». رواه أبو داود [٤٦٤].
_________________
(١) يفارقكم، فاتقوا الله واستحيوا منهم». أما امتناعهم عن البيت الذي فيه الصورة فلحرمة الصورة، ومشابهة ذلك البيت بيوت الأصنام، وهذا اللفظ عام، لكن خص بما هو منبوذ يوطأ ويداس؛ فإن الرخصة وردت فيه. وأما امتناعهم عن البيت الذي فيه كلب فلأنه نجس، حيث قال ﵊: «الكلب خبيث» والملائكة أشرف خلق الله، وهم المكرمون الممكنون من أعلي مراتب الطهارة، وبينهما تضاد كما بين النور والظلمة، ومن ساوى نفسه بالكلاب فحقيق أن ينفر عن بيته الملائكة، واستثنى عن عمومه كل الماشية، والزرع، والصيد؛ لمسيس الحاجة. وأما امتناعهم عن البيت الذي فيه الجنب، فلأنه ممنوع عن معظم العبادات، والمراد به الجنب الذي يتهاون في الغسل، ويؤخره حتى يمر عليه وقت الصلاة، ويجعل ذلك دأبًا وعادة له، فإنه مستخف بالشرع، متساهل في الدين، لا أي جنب كان؛ لما ثبت من تأخيره ﵊ غسل الجنابة من موجبه زمانًا، فإنه ﷺ كان يطوف علي نسائه بغسل واحد، وكان ينام بالليل وهو جنب. وأقول: لعل الاقتران في المذكور لعلة النجاسة عينًا أو حكمًا، فإن الشرك نجاسة ﴿إنما المشركون نجس﴾، حيث جعلوا الأصنام شركاء لله، والمصور يجعل نفسه شريكًا لله في التصوير، ومن امتنع من عبادة الله تعالي وتقاعد عنها وتكاسل فيها فهو ملحق بمن عبد غير الله تعالي تغليظًا؛ لن الخلق إنما خلقوا لعبادة الله، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وقرن بالكلب لخسته، وأنه مال إلي الطبيعة والعالم السفلي، ولم يرتفع إلي العالم العلوي ليشابه الملائكة المقربين، ﴿ولكنه أخلد إلي الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب﴾. الحديث السابع عن عمار ﵁: قوله: «المتضمخ» «تو»: الضمخ التلطخ والإكثار منه حتى يقطر، و«الخلوق» طيب يتخذ من الزعفران، وإنما استحق أن لا تقربه الملائكة لأنه توسع في الرعونة، وتشبه بالنساء، مع أنه خالف الرسول ﷺ ولم ينته عما نهاه عنه. أقول: أما اقتران الجنب بالكافر وتصريح الجيفة بدل الميت تغليظًا فقد سبق بيانه، وأما «المتضمخ بالخلوق» فإنه لما خالق السنة، وابتع هواه، وظن أن ما فعله حسن فهو بالمخالفة نجس ونزل منزلة جيفة الكافر، ووضع موضع الكلب في الحديث السابق. وفيه إشعار بأن من خالف الكتاب والسنة وإن كان في الظاهر مزينًا مطيبًا مكرمًا عند الناس فهو في الحقيقة أخس من الكلب، وأدون، والله أعلم.
[ ٣ / ٨٢١ ]
٤٦٥ - وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» رواه مالك والدارقطني [٤٦٥].
٤٦٦ - وعن نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة، فقضى ابن عمر حاجته، وكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل في سكة من السكك، فلقي رسول الله ﷺ وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب رسول الله ﷺ بيديه علي الحائط ومسح بهما علي وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه، ثم رد علي الرجل السلام، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا إني لم أكن علي طهر». رواه أبو داود [٤٦٦].
_________________
(١) الحديث الثامن عن عبد الله: قوله: «وأن لا يمس القرآن» أخرج الجملة مخرج الحصر، وخص (بما وإلا)، وقد صرح الزجاج في قوله تعالي: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ بأن هذا التركيب يفيد التأكيد والشمول، كما تفيده صيغ المؤكدات، فلا تحتمل المجاز. والحديث بيان لقوله تعالي: ﴿إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾ فإن الضمير في ﴿لا يمسه﴾ يحتمل أن يرجع إلي القرآن و«لا» ناهية و﴿المطهرون﴾ هم الناس، وأن يرجع إلي الكتاب المعني به اللوح المحفوظ، ولا نافية، «والمطهرون» هم الملائكة، فالحديث كشف عن المراد، وأن الهي وارد علي الناس، ويعضده مقام مدح القرآن الكريم، وبكونه ثابتًا في اللوح المحفوظ، يكون الحكم بقوله: ﴿لا يمسه﴾ مرتبًا علي الوصفين المناسبين للقرآن المشعرين بالعلية، والله أعلم. الحديث التاسع والعاشر، عن نافع: قوله: «في حاجة» أي في شأن حاجة، والتنكير فيها للشيوع، لعل ما بعدها يقيدها بقضاء الحاجة. وقوله: «أن قال» بدل من حديثه، أي كان من قوله كذا. و«خرج من غائط» أي فرغ منه، فتجوز فيه؛ لأن الخروج إنما يكون بعد الفراغ. و«ضرب بيديه» جواب «إذا»، و«حتى» هي الداخلة علي الجملة الشرطية ولعل هذا الحائط كان قد علاه الغبار؛ ليصح التيمم به عند الشافعي، وإلا فهو صحيح عند أبي حنيفة. وفيه أن من شرط ذكر الله أن يكون الذاكر طاهرًا كيف ما كان، وأن ذكر الله وإن لم يكن صريحًا- كما في السلام- ينبغي أن يكون علي الطهارة، فإن المراد هنا السلامة، لكنه مظنة لأن يكون اسمًا من أسماء الله تعالي. «حس»: فيه بيان أن رد السلام وإن كان واجبًا، فالمسلم علي الرجل في مثل
[ ٣ / ٨٢٢ ]
٤٦٧ - وعن المهاجر بن قنفذ: أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى يتوضأ، ثم اعتذر إليه، وقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا علي طهر». رواه أبو داود. وروى النسائي إلي قوله: حتى توضأ. وقال: فلما توضأ رد عليه [٤٦٧].
الفصل الثالث
٤٦٨ - عن أم سلمة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يجنب، ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام، رواه أحمد [٤٦٨].
٤٦٩ - وعن شعبة، قال: إن ابن عباس ﵁ كان إذا اغتسل من الجنابة، يفرغ بيده اليمنى علي يده اليسرى سبع مرار، ثم يغسل فرجه، فنسى مرة كم أفرغ، فسألني: فقلت لا أدري. فقال: لا أم لك! وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض علي جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر. رواه أبو داود [٤٦٩].
_________________
(١) هذه الحالة مضيع حظ نفسه؛ فلا يستحق الجواب. وفيه دليل علي كراهة الكلام علي قضاء الحاجة، وعلي أن التيمم في الحضر لرد السلام مشروع. «مظ»: فيه دليل علي أن من قصر في جواب السلام بعذر يستحب أن يعتذر إليه، حتى لا ينسبه إلي الكبر، وعلي وجوب رد السلام؛ لأن تأخره للعذر يؤذن بوجوبه. الفصل الثالث الحديث الأول ظاهر. الحديث الثاني عن شعبة: قوله: «لا أم لك» «نه»: ولا [أبالك]، وهو أكثر ما يذكر في المدح، أي لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر في معرض الذم، كما يقال: لا أم لك، وفي معرض التعجب ودفعًا للعين، كقولهم: لله درك، في معنى جد في أمرك وشمر؛ لأن من له أب اتكل عليه في بعض شأنه. أقول: إنما جاء الفرق بين «لا أب لك» و«لا أم لك» لأن الأب إذا فقد دل علي استقلال الابن؛ لأنه هو القائم في أمر ولده ما دام حيًا، فإذا مات استقل هو بنفسه، لكن الأم منسوب إليها الرفق والشفقة، ففقدانها ذم له، وما في الحديث وارد علي الذم، لما أتبعه من قوله: «وما يمنعك أن تدري»، والواو في «وما يمنعك» عطف للجملة الاستفهامية علي جملة الدعاء، والجامع كونهما إنشائيتين.
[ ٣ / ٨٢٣ ]
٤٧٠ - وعن أبي رافع، قال: إن رسول الله ﷺ طاف ذات يوم علي نسائه، يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غسلًا واحدًا آخرًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب وأطهر». رواه أحمد، وأبو داود [٤٧٠].
٤٧١ - وعن الحكم بن عمرو، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وزاد: أو قال: «بسؤرها» وقال: هذا حديث حسن صحيح [٤٧١].
٤٧٢ - وعن حميد الحميري. قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة». زاد مسدد: وليغترفا جميعًا. رواه أبو داود، والنسائي، وزاد أحمد في أوله: «نهي أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله» [٤٧٢].
٤٧٣ - رواه ابن ماجه عن عبد الله بن سرجس [٤٧٣].