الفصل الأول
٤٧٤ - عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه». متفق عليه.
_________________
(١) الحديث الثالث عن أبي رافع: قوله: «أزكى وأطيب وأطهر» التطهر مناسب للظاهر، والتزكية والتطيب للباطن، فالأولي لإزالة الأخلاق الذميمة، والأخرى للتحلي بالشيم الحميدة. الحديث الرابع عن الحكم: قوله: «أو قال: بسؤرها» شك الراوي أنه ﷺ قال: بفضل طهور المرأة أو بسؤرها. وهو بالهمز: بقية الشيء الطاهر وقد سبق في الحديث العاشر من الفصل الأول من باب الغسل أن الماء الذي غمس فيه الجنب يده طاهر مطهر. الحديث الخامس ظاهر. باب أحكام المياه الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: «الدائم» «فا»: هو الساكن، دائم الماء يدون، وأدمته أنا، ومنه: يدوم الطائر، وهو أن يترك الخفقان بجناحيه في الهواء، ودوام الشيء مكثه
[ ٣ / ٨٢٤ ]
وفي رواية لمسلم، قال: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة» قال: يتناوله تناولًا.
_________________
(١) وسكونه. «قض»: «الذي لا يجري» صفة ثإنية تؤكد الأولي، و«ثم يغتسل فيه» عطف علي الصلة، وترتيب الحكم علي ذلك يشعر بأن الموجب للمنع أنه يتنجس به، فلا يجوز الاغتسال به، وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن الجاري لا يتنجس إلا بالتغير. أقول: لعله امتنع من العطف علي «يبولن» وارتكب هذا [التعسف] للاختلاف بين الإنشائي والإخباري، والمعنى عليه أظهر فيكون «ثم» مثل الواو في «لا تأكل السمك وتشرب اللبن» عطف الاسم علي الفعل علي تأويل الاسم، أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما؛ لأن الاغتسال في الماء الدائم وحده غير منهي، أو مثل الفاء في قوله تعالي: ﴿ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾، أي لا يكن من أحد البول في الماء الموصوف ثم الاغتسال فيه، فـ «ثم» استبعادية، أي يبعد من العاقل الجمع بين هذين الأمرين. فإن قلت: علام تعتمد في نصب «يغتسل» حتى يتمشى لك هذا المعنى؟ قلت: إذا قوى المعنى لا يضر الفرع؛ لأنه حينئذ من باب: [أحضر الوغى]. «مح»: الرواية «يغتسل» مرفوع، أي لا تبل ثم أنت تغتسل، وذكر أبو عبد الله بن مالك أنه يجوز جزمه عطفًا علي موضع «يبولن» ونصبه بإضمار «أن»، وإعطاء «ثم» حكم واو الجمع، قال: أما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه، سواء أريد الاغتسال منه أم لا. أقول: في قوله: «أما النصب فلا يجوز» نظرًا؛ لما جاء في التنزيل: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ والواو للجمع، والمنهي هنا الجمع والإفراد، بخلاف قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. «مظ»: وجه النهي عن البول في الماء الواقف أن الماء إن كان دون القلتين يتنجس، وإن كان قلتين فلعله يتغير فيتنجس، وإلا فيتنجس بسبب تعاقب الناس عليه بالبول تأسيًا بفعله. «حس»: وفيه دليل علي أن الجنب إذا أدخل يده فيه لتناول الماء لا يتغير به حكم الماء، وإن أدخل فيه ليغسلها من الجنابة تغير الحكمة. «وفي رواية لمسلم» أي لمسلم روايتين: إحداهما متفق عليها، وثإنيتهما هذه.
[ ٣ / ٨٢٥ ]
٤٧٥ - وعن جابر. قال: نهي رسول الله ﷺ أن يبال في الماء الراكد. رواه مسلم.
٤٧٦ - وعن السائب بن يزيد، قال: ذهبت بي خالتي إلي النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وجع. فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة ثم توضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلي خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة. متفق عليه.
_________________
(١) «قض»: «لا يغتسل أحدكم في الماء وهو جنب» وتقييد الحكم بالحال يدل علي أن المستعمل في غسل الجنابة إذا كان راكدًا لا يبقى علي ما كان، وإلا لم يكن للنهي المقيد فائدة، وذلك إما بزوال الطهارة كما قاله أبو حنيفة، أو بزوال الطهورية كما قال الشافعي في الجديد. «مح»: هذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه؛ لمفهوم الحديث، ولكن الأولي اجتنابه. وإن كان قليلًا جاريًا، فقيل: يكره، والمختار أنه يحرم؛ لأنه ينجسه. وإن كان كثيرًا راكدًا فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم، ولو قيل: يحرم لم يكن بعيدًا؛ فإن النهي يقتضي التحريم علي المختار، إذ ربما أدت إلي تنجسه بالإجماع لتغيره، أو إلي تنجسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك طرفه بتحرك الطرف الآخر ينجس بوقوع نجاسة فيه، وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب المختار أنه يحرم البول فيه؛ لأنه ينجسه. قال أصحابنا وغيرهم: التغوط في الماء كالبول فيه وأقبح. الحديث الثاني، والثالث عن السائب بن يزيد: قوله: «وجع» الوجع المرض، وجع فلان يوجع [وينجع] وياجع فهو وجع، أي مريض. وقوله: «فشربت من وضوئه» «قض»: يجوز أن يكون المراد به فضل وضوئه، وأن يكون المراد ما انفصل من أعضاء وضوئه، وعلي هذا يكون دليلًا علي طهارة المستعمل، وللمانع أن يحمله علي التداوي. «وخاتم النبوة» أثر كان بين كتفيه، نعت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يعلم بها أنه النبي الموعود المبشر به في تلك الكتب، وصيانة لنبوته عن تطرق التكذيب والقدح إليها، صيانة الشيء المستوثق بالختم. قوله: «زر الحجلة» «تو»: الرواية بتقديم الزاي المنقوطة علي الراء المهملة المشددة، و«الحجلة» - بتحريك الجيم- قيل: إن المراد به واحد الأزرار التي يشد بها حجال العرائس من الكلل والستور، وهذا بعيد من طريق البلاغة، قاصر في التشبيه والاستعارة، ثم إنه لا يلائم الأحاديث المروية في خاتم النبوة. وقيل: إن المراد منه بيضة الحجلة، وهي القبجة، وهذا القول يوافق الأحاديث الواردة في هذا الباب، غير أن الزر بمعنى البيضة لم يوجد في كلام العرب.
[ ٣ / ٨٢٦ ]
الفصل الثاني
٤٧٧ - عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث».
_________________
(١) وقيل: إنما هو «رز» بتقديم الراء المهملة، مأخوذ من قولهم: رزت الجرادة، وهو أن تدخل ذنبها في الأرض لتلقى بيضها، وهذا أشبه بما في الحديث، إلا أن الرواية لم تساعده، والذي ينصر القول الثاني ما رواه الترمذي في كتابه عن جابر بن سمرة: «كان خاتم رسول الله ﷺ بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة». أقول: في قوله: «قاصر عن التشبيه والاستعارة» نظر؛ لأن الاستعارة هي ذكر أحد طرفي التشبيه، والمراد به الطرف الآخر، وهاهنا الطرفان مذكوران، فلا يكون استعارة، ولا يجب في التشبيه أن يكون المشبه موافقًا للمشبه به في جميع الأوصاف، فيكفي في «خاتم النبوة» أن يكون شيئًا ناتئًا من الجسد، له نوع مشابهة بزر الحجلة، كما في قوله تعالي: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾، فإن خلقه من تراب بيان لما شبه به عيسى بآدم، وآدم مخلوق من تراب حقيقة، وعيسى مخلوق منه حقيقة بوسائط كثيرة، وقول ابن المعتز: كأن البرق مصحف قار فانطباقًا مرة وانفتاحًا ولم ينظر إلي شيء من أوصاف المشبه والمشبه به سوى الهيئة من انقباض بعد انبساط. الفصل الثاني: الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: «وما ينوبه» مجرور عطف علي سبيل البيان، نحو: أعجبني زيد وكرمه، ناب المكان وانتابه، إذا تردد إليه مرة بعد مرة، ونوبة بعد نوبة. «خط»: وفيه دليل علي أن سؤر السباع نجس، وإلا لم يكن لمسألتهم عنه ولا لجوابه إياهم بهذا الكلام معنى، وذلك لأن المعتاد من طباع السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول، وقلما تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها. «قض»: «القلة» الجرة التي يستقي بها، سميت بذلك لأنها تقل باليد. وقيل: «القلة» ما يستقله البعير، وفي تقدير القلتين بالأمناء خلاف، فقيل: خمسمائة رطل، وقيل: ستمائة، وقيل: خمسمائة من، وسند جميع ذلك مذكور في الكتب الفقهية، فليطلب منها. والحديث بمنطوقه يدل علي أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة، فإن قوله: «لم يحمل» معناه لم يقبل،
[ ٣ / ٨٢٧ ]
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. وفي أخرى لأبي داود: «فإنه لا ينجس». [٤٧٧]
٤٧٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قيل يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة- وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ - فقال رسول الله ﷺ: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء». رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي [٤٧٨].
_________________
(١) كما يقال: فلان لا يحتمل ضيمًا إذا امتنع عن قبوله، ودفع عن نفسه، وذلك إذا لم يتغير بها، فإن تغير بها كان نجسًا، لقوله ﷺ: «خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه». وبمفهومه علي أن ما دونه ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير؛ لأنه ﷺ علق عدم التنجس ببلوغه قلتين، والمعلق بشرط عدم عند عدمه، فيلزم تغاير الحالتين في التنجس وعدمه، والمفارقة بين الصورتين حال التغير منتفية إجماعًا، فتعين أن يكون حين ما لم يتغير، وذلك ينافي عموم الحديث المذكور، فمن قال بالمفهوم وجوز تخصيص المنطوق به كالشافاعي خصص عمومه به، فيكون كل واحد من الحديثين مخصصًا للآخر، ومن لم يجوز ذلك لم يلتفت إليه، وأجرى الحديث علي عمومه، كمالك فإنه قال: لا ينجس الماء إلا بالتغير قل أو كثر. «مظ»: الماء الكثير عندنا قدر قلتين، وعند أبي حنيفة الكثير هو الغدير العظيم الذي لو حرك أحد جوانبه لم تتحرك الجوانب الأخر. أقول: قوله: «لم يحمل» يحتمل أنه لضعفه لم يحمله، ولقوته لم يقبل، ويرحج الثاني الرواية الثانية: «فإنه لا ينجس». الحديث الثاني عن أبي سعيد: قوله: «من بئر بضاعة» «تو»: بضاعة دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم، و«الحيض» جمع حيضة- بكسر الحاء- الخرقة التي تستسفرها المرأة في المحيض، و«النتن» الرائحة الكريهة، والمراد هاهنا الشيء المنتن، كالعذرة، والجيفة. ووجه معنى «يلقى فيها» أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحل بها أهل البادية، فتلقى تلك القاذورات بأفنية منازلهم،
[ ٣ / ٨٢٨ ]
٤٧٩ - وعن أبي هريرة، قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: «هو الطهور ماؤه، والحل ميتته». رواه مالك، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
_________________
(١) فيكسحها السيل فيلقيها في البئر، فعبر عنه القائل علي وجه يوهم أن الإلقاء من الناس كان لقلة تدينهم، وهذا مما لا يجوزه مسلم، بل لا يرتضيه الكافر، فأنى نظن ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم وأطهرهم؟ وعلي هذا النحو فسره الخطابي. والتعريف في «الماء» للعهد الخارجي، أي الماء المسئول عنه طهور لا ينجسه شيء لكثرته، ثم لكونه في حكم المياه الجاري؛ فإن السيل إذا ألقى في مثل تلك البئر قذرًا أو نتنًا ثم طفح عليها احتمل بعبابه ما ألقى فيها، فلا يسلب عنه إذا حكم الطهورية. أقول: قوله: «في حكم المياه الجارية» إلي آخره تحكم لتصحيح مذهبه في الماء الكثيرة. «حس»: هذا الحديث غير مخالف لحديث ابن عمر في القلتين؛ لأن ماء بئر بضاعة كان كثيرًا لا يتغير بوقوع هذه الأشياء فيه، وسئل قيم بئر بضاعة عن عمقها، فقال: أكثر ما يكون الماء فيها إلي العانة، قيل: فإذا نقض كان دون العورة، قال أبو داود: مددت ردائي عليها فإذا عرضها ستة أذرع. ولما كان ماء البئر المسئول عنه كثيرًا، وسألوه عنه ليعموا حكم مثل هذا الماء في الطهارة والنجاسة أخرج النبي صلوات الله عليه الجواب عليه، وقال: «إن الماء طهور»، وفي قوله: «إن الماء طهور» دليل علي أن غير الماء لا يطهر؛ حتى لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة؛ لأن اسم الماء لا يقع عليه، وإن كان مشتدًا فهو خمر نجس، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: يجوز الوضوء بجميع الأنبذة. وقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز بنبيذ التمر عند عدم الماء. واحتجوا بما روى عن أبي زيد عن ابن مسعود قال: «سألني رسول الله ﷺ ليلة الجن ما في إداوتك؟ قلت: نبيذ، فقال: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منه»، قال: وهذا حديث غير ثابت؛ لأن أبا زيد مجهول، وقد صح عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: «لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ» قال: وإن ثبت فلم يكن ذلك نبيذًا متغيرًا، بل كان ماء معدًا للشرب نبذ فيه تمرات ليجتذب ملوحته، ويدل علي ما ذكرنا قوله تعالي: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾، عدل تعالي من الماء عند عدمه إلي التيمم، فلا يجوز أن يتخللهما شيء. الحديث الثالث عن أبي هريرة: قوله: «هو الطهور ماؤه» نقل الواحدي عن الزجاج أنه قال:
[ ٣ / ٨٢٩ ]
٤٨٠ - وعن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: «ما في إداوتك؟» قال: قلت: نبيذ. قال: «تمرة طيبة وماء طهور». رواه أبو داود، وزاد أحمد، والترمذي: فتوضأ منه. [٤٨٠]
وقال الترمذي: أبو زيد مجهور.
_________________
(١) الطهور اسم للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهرًا في نفسه، مطهرًا لغيره؛ لأن عدولهم عن صيغة فاعل إلي فعول أو فعيل لزيادة معنى؛ لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعإني، فكما لا يجوز التسوية بين صابر وصبور، وشاكر وشكور، كذلك في طاهر وطهور، والشيء إذا كان طاهرا في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه، حتى يصفه بطهور لزيادة، وإذا نقلنا الطاهر إلي طهور لم يكن إلا لزيادة معنى، وذلك المعنى ليس إلا التطهير. فإن قيل: بناء الطهور من: طهر يطهر طهارة، وهو لازم، فكيف يجوز تعديته بتطهير غيره؟ قلنا: النظر في هذه اللفظة أدى إلي أن فيه معنى التطهير؛ لأنه لا يجوز إطلاقه علي الماء الذي ليس بمطهر، لأن العرب لا تسمى الشيء الذي لا يقع به التطهير طهورًا، فمن هذا الوجه يجب أن يعلم، لا من التعدي واللزوم. أقول: وكان من ظاهر الجواب عن سؤاله أن يقال: نعم، فأطنب وزاد في الجواب، وأخرج الجملتين مخرج الحصر، حيث عرف [خبريهما]، يعني ماء البحر لسعته وغزارته حكمه حكم سائر المياه في طهوريته، وحل ميتته، لا يتجاوز إلي النجاسة والحرمة، فاعلم هذا الجواب بأن الزيادة علي ما يقتضي الحال ذكره من شأن الهادي المرشد، والحكيم العارف بالأدواء والدواء. «حس»: في الحديث فوائد: منها أن التوضؤ بماء البحر يجوز مع تغير طعمه ولونه، ومنها أن الطهور هو المطهر؛ لأنه ﷺ سئل عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته، ولولا أنهم عرفوه من الطهور لكان لا يزول إشكالهم بقوله: «هو الطهور ماؤه». وقيل: الطهور ما يتكرر منه التطهير، كالصبور والشكور، وهو قول مالك، جوز الوضوء بالماء المستعمل. ومنها أن حكم جميع حيوان البحر إذا ماتت سواء في الحل؛ لقوله تعالي: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾. «مظ»: الحوت حلال: والضفدع حرام بالاتفاق، والسرطان حرام في أصح القولين، وكذلك ما يعيش في الماء والبر، فأما ما لا يعيش في البر ففيه ثلاثة أقوال، ثالثها ما يؤكل شبيهه في البر حلال، وما لا فحرام.
[ ٣ / ٨٣٠ ]
٤٨١ - وصح عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ. رواه مسلم.
٤٨٢ - وعن كبشة بنت كعب بن مالك- وكانت تحت ابن أبي قتادة- أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرإني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا بنة أخي! قالت: فقلت:
_________________
(١) الحديث الرابع عن أبي زيد ﵁: قوله: «ليلة الجن» هي الليلة التي جاءت الجن رسول الله ﷺ، وذهبوا به إلي قومهم ليتعلموا منه الدين. و«الإداوة» المطهرة، و«النبيذ» التمر أو الزبيب المنبوذ في الماء؛ لتتغير ملوحته ومرارته بالحلاوة، وقد مر الكلام فيه آنفًا. «تو»: حديث نبيذ التمر قد روى عن ابن مسعود من غير وجه وروى عن ابن عباس عن ابن مسعود، وروي عن أبي رافع مولي عمر ﵁ عن ابن مسعود، وعن أبي زيد عن ابن مسعود، وفي أسإنيد سائر لأهل النقل فيها مقال، غير أن الحديث إذا روي من طرق شتى غلب علي ظن المجتهد كونه حقًا، لاسيما عند من يرى المسلمين كلهم عدولا في إخبار الديانات، والذي ذكره المؤلف من صحة حديث علقمة عن ابن مسعود هو علي ما ذكره، ولكنا نرى ترك القول بتلك الأحاديث مهما لم نجد إلي الجمع بينها وبين حديث علقمة عنه سبيلا، وقد وجدنا، وهو أن نقول: يحتمل أنه لم يكن مع رسول الله ﷺ عند مفاوضة الجن، ودعائهم إلي الإسلام، وكان قد خرج معه فأقعده بمدرجته، علي ما ذكر في الحديث عن ابن مسعود: فانطلقت معه إلي المكان الذي أراد، فخط لي خطًا، وأجلسني فيه، وقال لي: «لا تخرج من هذا»، فبت فيه حتى أتإني مع السحر. ويحتمل أنه لم يكن معه حين خرج، ثم لحقه بعد أن فرغ من دعوة الجن في ليلته، ثم كان الأمر علي ما ذكر في أحاديثه في ليلة الجن. وهذا الوجه أوثق؛ لما في بعض طرق حديث علقمة عن عبد الله، الذي استدل به المؤلف: أن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدنا ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل استطير ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات قوم، فلما كان في وجه الصبح- أو قال: في السحر- إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه، ولا تنافي بينه وبين قوله: قال في ليلة الجن؛ لأن سحر تلك الليلة كان مليلة الجن. وتعليل ترك العمل بحديث أبي زيد وغيره عن ابن مسعود بأن ذلك كان بمكة قبل استقرار الأحكام، وقبل نزول المائدة بسنين كثيرة، أوجه من الإقدام علي رد تلك الأحاديث، والله أعلم. الحديث الخامس عن كبشة بنت كعب: قوله: «فأصغى لها» أي أمالها، ليسهل عليه الشرب
[ ٣ / ٨٣١ ]
نعم. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات». رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
٤٨٣ - وعن داود بن صالح بن دينار، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلي عائشة. قالت: فوجدتها تصلي، فأشارت إلي: أن ضعيها. فجاءت هرة فأكلت منها. فلما انصرفت عائشة من صلاتها، أكلت من حيث أكلت الهرة. فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم». وإني رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها. رواه أبو داود. [٤٨٣].
_________________
(١) منه. وقوله: «من الطوافين» قال أبو الهيثم: الطائف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية. «تو»: ويحتمل أنه ﷺ قال هذا القول علي وجه البيان لقوله: «إنها ليست [بنجسة]» أي إنها تطوف عليكم في منازلكم، فتماسحونها بأيديكم وثيابكم، ولو كانت نجسة لأمرتم بالمجانبة عنها، وتخلية البيوت عنها، فشق ذلك عيكم. «مح»: في الروضة: سؤر الهرة طاهر لطهارة عينها، ولا يكره. ولو تنجس فمها ثم ولغت في ماء قليل فثلاثة أوجه، الأصح أنها إن غابت واحتمل ولوغها في ماء يطهر فمها ثم ولغت لم ينجسه، وإلا ينجسه. والثاني ينجسه مطلقًا، والثالث عكسه. أقول: قوله: «إنها من الطوافين عليكم» بعد قوله: «إنها ليست بنجس» من باب ترتيب الحكم علي الوصف المناسب إشعارًا بالعلية، وهذا الوصف أعني «الطوافين» يقتضي أن يكون سؤر الهرة علي تقدير نجاسة فمها معفوًا عنه للضرورة، إذ لا يمكن الاحتراز عنه كطين الشارع ونحوه، ويؤيده قول عمر في الحديث الأول في الفصل الثالث: «لا تخبرنا» كما سنقرره، وهذا هو المختار عند أبي حامد الغزالي، فإنه قال: والأحسن تعميم العفو للحاجة. «مظ»: سؤر الهرة مكروه عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي. ونداؤه لزوجة ابنه: «يا بنة أخي» علي عرف العرب، فإنها تنادي بعضهم لبعض بيا أخا فلان، وإن لم يكن أخًا بالحقيقة، ويجوز في تعارف الشرع أيضًا؛ لأن المؤمنين إخوة. الحديث السادس عن داود: قوله: «أن ضعيها» «أن» مفسرة؛ لأن في الإشارة معنى القول، ولقرب المسافة بين المتكلم والإشارة استثنى الرمز من المتكلم في قوله تعالي: ﴿ألا تكلم الناس
[ ٣ / ٨٣٢ ]
٤٨٤ - وعن جابر، قال: سئل رسول الله ﷺ: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «نعم، وبما أفضلت السباع كلها». رواه في «شرح السنة» [٤٨٤].
٤٨٥ - وعن أم هانئ، قالت: اغتسل رسول الله ﷺ هو وميمونة في قصعة فيها أثر العجين. رواه النسائي، وابن ماجه [٤٨٥].
الفصل الثالث
٤٨٦ - عن يحيى بن عبد الرحمن، قال: إن عمر خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا. فقال عمرو: يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمرو بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا، فإنا نرد علي السباع وترد علينا. رواه مالك [٤٨٦].
_________________
(١) ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ أي إشارة بيد أو رأس أو غيرهما. «الكشاف»: فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام، فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدى مؤدى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلامًا، وفيه دليل علي أن مثل هذه الإشارة جائزة في الصلاة. الحديث السابع عن جابر: قوله: «أفضلت» أي أبقت من فضالة الماء الذي تشربه، وهو مثل: أسأرت من السؤر. «تو»: كلمة «ما» في الموضعين بمعنى الذي، وقد رواه بعض الناس بالمد، ولا أراه إلا تصحيفًا. الحديث الثامن عن أم هانئ: قوله: «أثر العجين» الظاهر أن أثره في تلك القصة لم يكن كثرًا مغيرًا للماء. الفصل الثالث الحديث الأول عن يحيى بن عبد الرحمن قوله: «لا تخبرنا» يعنيى أن إخبارك به وعدم إخبارك سواء، فإن أخبرتنا بأسوأ الحال فهو عندنا سائغ؛ لأنا نخالط السباع، وهي واردة علينا، وأن الله تعالي قسم لها من هذا الماء ما أخذت بطونها، وقسم لنا ما بقى منها، فهو وضوؤنا وشرابنا. وإنما عدل إلي «ما أخذت في بطونها» من «ما شربتها» ليشعر بأن ما شربتها حقها الذي قسم الله لها، وما فضلت فهو حقنا.
[ ٣ / ٨٣٣ ]
٤٨٧ - وزاد رزين، قال: زاد بعض الرواة في قول عمر: وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا طهور وشراب».
٤٨٨ - وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر عن الطهر منها. فقال: «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غير طهور». رواه ابن ماجه [٤٨٨].
٤٨٩ - عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: لا تغتسلوا بالماء المشمش؛ فإنه يورث البرص. رواه الدارقطني [٤٨٩].