[ ١ / ١٧ ]
١ - كِتَابُ الإيمَانِ
(كِتَابُ الإيمَانِ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١ - قال عمرُ بن الخَطَّاب - ﵁ -: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله - ﷺ - إذْ طلعَ علينا رجل شديدُ بياضِ الثيابِ، شديدُ سوادِ الشَّعرِ، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يعرفُهُ منا أحد، حتى جلسَ إلى النبيِّ - ﷺ -، وأسندَ رُكبتَيْه إلى رُكبتَيْهِ ووضَعَ يدَيْهِ على فَخِذَيْهِ، فقال: يا محمَّدُ! أخبرني عن الإيمان، فقال: "الإيمانُ أنْ تُؤمنَ بالله وملائكتِهِ وكتبهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخرِ، وتؤمِنَ بالقَدَرِ خيرهِ وشرِّه"، فقال: صدقتَ، قال: فأخبرْني عن الإسلام، قال: "الإِسلامُ أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ إلاّ الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلًا"، قال: صدقتَ، قال: فأخبرْني عن الإحسان، قال: "الإحسانُ أنْ تعبدَ الله كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لمْ تكُنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ"، قال: فأخبرني عنِ السَّاعة، قال: "ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ السَّائلِ"، قال: فأخبرْني عن أَمَاراتِها، قال: "أنْ تلدَ الأَمَةُ ربتها، وأنْ ترى الحُفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاءَ الشَّاءَ يتطاولونَ في البنيانِ"، ثمَّ انطلقَ، فلبثْتُ مليًّا، ثمَّ قال لي: "يا عمرُ! أتدري مَنِ السَّائلُ؟ "، قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: "فإنَّهُ جبريلُ أتاكُمْ يُعلمُكُم أَمْرَ دينِكُم".
[ ١ / ١٩ ]
ورواه أبو هريرة - ﵁ -، وفي روايته: "وأنْ ترَى الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ البُكْمَ مُلوكَ الأرض في خمسٍ لا يَعلمُهُن إلَاّ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية.
"من الصحاح":
" قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: بينما نحن عندَ رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم": (بينما) ظرف كـ (وسط) في زمان أو مكان حسب المضاف إليه، وإذا قُصِدَ إضافة (بين) إلى أوقات مضافة إلى جملة، حذف الأوقاتَ، وعوَّض عنها الألف أو (ما)، فيقال: (بينما) منصوب المحل، والعامل فيه معنى المفاجأة التي تضمنه (إذ) في قوله:
"إذ طلع علينا رجل"، والمعنى: بين أوقات جَلستنا عند رسول الله - ﷺ - فاجأنا طلوعُ رجل علينا وظهوره، وهو جبرائيل ﵇.
يدلُّ على أن الملك يقتدر بقدرة الله تعالى على التشكل شكل البشر ليستأنسَ به القوم.
"شديد بياض الثياب": بإضافة (الشديد).
فيه إرشادٌ إلى استحباب النظافة بأبلغ الوجوه في مجالس السادات والعلوم، واستحباب البياض في الثياب.
"شديد سواد الشعر": بالإضافة أيضًا. وفيه إرشادٌ إلى أن العلم ينبغي أن يُطلَب في عنفوان الشباب؛ لأن سواد الشعر يكون في زمان الشباب.
وقُدم البياض على السواد؛ لشرفه، ولئلا يفتتحَ بغتة بلون مستوحش.
"لا يُرى عليه أثر السفر": من شعث وقشف ونحوهما. فيه إشار إلى أن إزالة أثرِ السفرِ مقدَّمٌ على حضور مجالس السادات.
[ ١ / ٢٠ ]
"ولا يعرفه منا"؛ أي: من الصحابة "أحد" وإلا فالرسول - ﷺ - قد كان يعرفه.
"حتى جلس"؛ أي: الرجل "إلى النبي - ﷺ - "؛ أي: إلى جانبه أو معه، (حتى) متعلق بمحذوف تقديره: استأذن وأتى حتى جلس، أو متعلق بقوله: طلع، و(جلس) بمعنى: قرب بقرينة (إلى)؛ أي: حتى قرب إلى النبي - ﷺ -؛ أي: جلس بقربه.
"وأسندَ ركبتيه إلى ركبتيه"؛ أي: ألصقهما إلى رُكبتي النبي - ﷺ -. فيه إشارةٌ إلى أن هذه الجلسة كانت كجلسة المتشهد، إلا أنه كان مفترش القدمين يتحقق إسناد الركبتين.
"ووضع"؛ أي: جبرائيل ﵇ "يديه على فخذيه"؛ أي: فخذي النبي - ﷺ - طلبًا لإحضاره؛ ليكون أبلغَ في الاستماع إلى كلام جبرائيل ﵇.
وقيل: الضمير في (فخذيه) راجعٌ إلى جبرائيل، وهذا أقربُ إلى التواضع؛ لأنه جاء على صورة المتعلم، ومن شأنه التواضعُ وتوقيرُ المعلم.
وفي هذا رخصةُ دنوِّ السائل من المسؤول لأجل الاستكشافِ بهيئة الأدب.
"فقال: يا محمد أخبرني"؛ أي: أعلمني "عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله"؛ أي: تصدق جزمًا بوجوده بأنه موجودٌ واحدٌ قديم أزلي متصفٌ بما يليق به من صفات الكمال.
"وملائكته"؛ أي: تعتقد بأنهم عباد الله لا يَفتُرون عن عبادته لحظةً، جمع (ملك)، أصله: (مَأْلَك) من (الألوكة)، وهي الرسالة، فقُدِّم اللامُ على الهمزة، فصار (ملأكًا)، ثم حُذِفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وإذا جُمعَ رُدَّت، والتاء لتأكيد الجمع.
[ ١ / ٢١ ]
"وكتبه": جمع كتاب، وهو يشمل كلَّ كتاب أُنزِل على الرسل؛ أي: تعتقد بوجودها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، والكتبُ المنزلة مئة وأربعة كتب، منها عشرُ صحائف أُنزِلت على آدم ﵇، وخمسون على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم ﵇، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
"ورسله": جمع رسول؛ أي: تعتقد بأنهم مبعوثون إلى الخلق بالحقِّ، وبينهم تفاوتٌ في الفضل، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ونبينا محمد - ﷺ - أفضلُ من جميعهم وأكمل.
وعدد الرسل في حديث أبي ذر - ﵁ -: ثلاث مئة وثلاثة عشر، وعدد الأنبياء: مئة وأربعة وعشرون ألفًا.
وإنما قدم الملائكة على الكتب والرسل رعاية للترتيب الواقع، فإنه تعالى يرسل الملك بالكتاب إلى الرسل، لا للتفضيل.
"واليوم الآخر"؛ أي: القيامة، وُصِف به لتأخُّره عن أيام الدنيا، أو لأنه أخر إليه الحساب، والإيمانُ به تصديقُ ما فيه من الأحوال والأهوال.
"وتؤمن بالقدر؛ خيرِه وشرِّه": بالجر بدلٌ من (القدر) بدلَ البعض؛ أي: تعتقد بأن كلَّ ما يجري في العالم من الخير والشر والنفع والضر ونحو ذلك بقضاء الله تعالى وقدره.
أعاد ذكر الإيمان هنا لزيادة الاهتمامِ به نفيًا لقول القدرية، وإنما لم يذكر القضاء؛ لأن الإيمان بالقدر مستلزمٌ للإيمان بالقضاء.
والفرق بين القضاء والقدر: أن القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدرَ تعلُّقُ تلك الإرادة
[ ١ / ٢٢ ]
بالأشياء في أوقاتها الخاصة بها، وفي هذا مذاهبُ مختلفة من طوائف متفرقة موضعه علم الكلام.
"فقال"؛ أي: الرجل: "صدقت"؛ إظهارًا لصحة الجواب ومطابقته لما عنده، ولتأكيد ذلك عند السامعين.
"قال: فأخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام أن تشهد"؛ أي: تخبر قطعًا بعلمِ يقين "أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله"، قيل: لو أتى بالشهادتين بغير هذا اللفظ نحو: أشهد أن لا إله إلا الرحمن الرحيم، أو القدوس، أو نحوهما، وأشهد أن محمدًا نبي الله، لا يصح؛ لأن اسمَ الله علم للمعبود بالحقِّ الجامع بالكمالات اللائقة به، وغيرُهُ من الألفاظ العربية لا يؤدي معناه، والرسولُ أخصُّ من النبي، فلا يُستفادُ منه ما يستفاد من الرسول، وقِسْ عليه لو غيرَّ (محمد) باسم آخر.
"وتقيم الصلاة"؛ أي: تؤديها في أوقاتها مع المحافظة عليها بشرائطها، وإنما عبَّر عن الأداء بالإقامة إشارة إلى أن الصلاة عمادُ الدين، أو أراد أن تُعدَّل الأركان، من (أقام العود): إذا قوَّمه وسواه.
"وتؤتي الزكاة"؛ أي: تعطيها، وهي في الشرع: الطائفة من المال المزكى بها، وفي اللغة: النماء والطهارة، فإن المال بإعطائها يزيد ويطهر صاحبُها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
"وتصوم رمضان"؛ أي: شهره، والصوم لغة: الإمساك مطلقًا، وشرعًا: الإمساك عن المفطرات الثلاثة من أول النهار إلى آخره مع النية.
و(رمضان) من (الرمض)، وهو: شدة وقع حرِّ الشمس على الرمل وغيره، سمي به؛ لأنهم لما وضعوا أسماء الشهور العربية عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر، فسمي به.
[ ١ / ٢٣ ]
"وتحج البيت"؛ أي: تقصده؛ إذ الحجُّ لغة: القصد مطلقًا، وشرعًا: قصد معين، وهو زيارة الكعبة مع وقوف عرفة ومراعاة أركان الحج، و(البيت): اسم جنس، ثم غلب على الكعبة - شرفها الله تعالى - كالعَلَم لها.
"إن استطعت إليه"؛ أي: إلى البيت، أو إلى الحج؛ لدلالة (تحج) عليه، وهو متعلق بـ (سبيلًا)؛ لأنه بمعنى: موصل ومبلغ.
"سبيلًا": تمييز أو مفعول به، والكلامُ في الاستطاعة مذكورٌ في الفروع.
"قال: صدقت"، قيل في انحصار الأركان في الخمسة: إن الأعمال الشرعية؛ إما قولية وهي الإقرار باللسان، أو فعلية وهي إما إتيان وهو الصلاة، أو ترك وهو الصوم، وإما مالية وهي الزكاة، وإما جامعة للنفس والمال وهو الحج.
وفي قوله: (فأخبرني عن الإسلام) بفاء التعقيب إشارةٌ إلى أن الإيمان والإسلام شيئان متباينان؛ لأن سؤله عن الإسلامِ بعطف الفاء بعد سؤله عن الإيمان، وجوابه - ﷺ - عن الإيمان بما بطن من الاعتقاد، وعن الإسلام بما ظهر من الأعمال = دليلٌ واضح على تغايرهما؛ فالإيمانُ تصديقُ القلب للأشياء الستة، والإسلامُ أعمالُ الجوارح.
وذهب بعض المحدثين وجمهور المعتزلة إلى أنهما عبارتان عن شيء واحد، وهو مجموع التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان.
"قال: فأخبرني عن الإحسان"، يقال: (أحسن الشيء): إذا زينه وأجمله، كانه يقول: أخبرني عن الشيء الذي يزين أركان الإسلام ويحسِّنها، والمراد به: الإخلاص، فأشار - ﷺ - في جوابه إلى حسن الاستقامة على حسب الطاقة بأن "قال: الإحسانُ أن تعبدَ الله كأنك تراه"، وإلى المراقبة وحسن الطاقة بقوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ يعني: الإحسان عبادته تعالى على نعت الهيبة والتعظيم له
[ ١ / ٢٤ ]
كأنك تنظر إليه، فإنَّ إطاعةَ الملك في حضرته تزيدُ المطيعَ جدًا ونشاطًا في العمل وطمعًا في معروفه وخوفًا من تأديبه في تقصيره وتفريطه، وذلك واقعٌ لاطلاع الملك على حاله، وهو المراد من قوله: (فإنه يراك) بكلمة التحقيق.
وإنما قال في رؤبة العبد: (كأنك تراه) بكلمة التشبيه، وهو من باب التشبيه بالمخيَّل الذي لا وجودَ له، لاسيما عند من لا يجوِّز الرؤيةَ أصلًا، والجملة حال.
قيل: ترك قوله: (صدقت) في هذا الجواب وقعَ من إغفال بعض الرواة، وفي "كتاب مسلم" مذكور في الأجوبة الثلاثة.
"قال: فأخبرني عن الساعة"؛ أي: عن وقت قيام الساعة، وإنما استعيرت لاسم يوم القيامة؛ لأن [في] ذلك اليوم ساعةً حقيقة يقع فيها أمر عظيم، فلقلةِ الوقتِ سميت بها.
"قال: ما المسؤول عنها"؛ أي: عن الساعة، أراد النبي - ﷺ - به نفسه.
"بأعلمَ من السائل"؛ يعني: كلانا في عدم علمها سواء، بل هو مختصٌ بالثه تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، والغرضُ منه قطعُ الطمع عن معرفة وقتها؛ لأنهم لا يزالون يسألون رسول الله - ﷺ - عنها، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣].
"قال: فأخبرني عن أماراتها"؛ أي: علاماتها.
"قال: أن تلد الأمة": عن مولاها.
"ربتها": أنَّثَها على إرادة البنت، فتناول الابن بطريق الأولى، أو على تأويل النفس والتسمية، أو على كراهة إطلاق الرب تعظيمًا لجلال رب العباد، وإن جاز إطلاقه مضافًا إلى غيره.
ويروى: (ربها)؛ أي: سيدها سمي المولود به؛ لأنه صار سببًا لعتقها، أو
[ ١ / ٢٥ ]
لأنه مولاها بعد الأب لأنه كهو في النسب، والمراد: أنه يكثر السبي والتسري، وذلك دليلٌ على استعلاء الدين واستيلاء المسلمين الدال على التراجع والانحطاط المؤذن بقرب القيمة.
وقيل: المراد به أنهم يكتفون عن الحرائر بالسرائر، حتى يكثر الاستيلاد، فتعتق الأمة به، فإن العتق بعد موت السيد بسبب الاستيلاد مخصوصٌ بشريعة نبينا - ﷺ -، وإن وُجِد الاستيلاد بدونه في الأمم السالفة.
"وأن ترى الحفاة": جمعْ الحافي، وهو: الذي لا شيءَ في رجله من نعل وغيره.
"العراة": جمع العاري، وهو: المتجرد عن الثياب.
"العالة": جمع عائل، وهو: الفقير المراد بهم العاجزون المقصودون في الدين كعجزهم في السير والعيش.
"رعاء": جمع راع.
"الشاء": جمع شاة؛ يعني: ملوكًا، عبَّر عن الخلق بالشاء؛ لكونهم في العجز كالشاء.
"يتطاولون في البنيان"؛ أي: حال كونهم متفاخرين بارتفاع أبنيتهم؛ يعني: من أماراتها أن تفوَّض الإمارة إلى الأراذل والأجلاف، فحينئذٍ ينعكس الزمان، ويتذلل الأشراف.
"قال"؛ أي: عمر.
"ثم انطلق"؛ أي: ذهب ذلك الرجل.
"فلبثت"؛ أي: مكثت بعد ذهابه.
"مليًا"؛ أي: حينًا، صفة مصدر محذوف؛ أي: لبثًا مليًّا، ولم أستخبر عن السائل استهابةً لحضرة النبوة.
[ ١ / ٢٦ ]
"ثم قال لي"؛ أي: رسول الله - ﷺ -: "يا عمر! أتدري"؛ أي: أتعلم "من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم"، وفيه رعاية الأدب التام حيث أحال العلم إلى الله ورسوله، وأشارت إلى أن وظيفة المتعلم عند شيخه هي الاعترافُ بالجهل واستخراج ما عند شيخه، لا المبادرة في الجواب.
"قال: فإنه جبرائيل أتاكم": جملة استئنافية؛ أي: أتى مجلسكم.
"يعلمكم دينكم" جملة حالية من الضمير المرفوع في (أتاكم)؛ أي: عازمًا تعليمكم، أو مفعول له بتقدير اللام. المراد به تثبيتهم على علمهم؛ لأنهم كانوا عالمين بدينهم قبله وإنما سأل عن أمارتها؛ لأنه لمَّا لم يكن الاهتمام بها إلا لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، جعل ذلك من الدين.
"ورواه"؛ أي: هذا الحديث "أبو هريرة - ﵁ - " كما روى عمر، ولكن: "في روايته" نقصان ما بعد العالة، وبعد قوله: "وأن ترى الحفاة العراة العالة" زيادة: "الصم": جمع الأصم، وهو الذي لا يسمع، أراد بهم الصم عن المواعظ والآيات، وهم الذين لا يهتدون ولا يقبلون من صمم العقل.
"البكم": جمع الأبكم، وهو الأخرس، والمراد بهم: البكم عن تعرُّف أحوال الطلمة ودفعهم عن المظالم.
"ملوك الأرض" فإنهم ملكوها من المشرق إلى حدود المغرب، وفيهم هذه الصفات المذكورة إلا نادرًا، وهذا بخلاف العرب فإنهم في الزمن الذي كانوا فيه ملوك الأرض كانت الأرض ممتلئة عدلًا وأمنا كما هي ممتلئة من المذكورين اليوم ظلمًا وجورًا.
"في خمس" متعلق بـ (أعلم) أو منصوب المحل على الحال، والعامل فيه (ترى)؛ أي: تراهم ملوك الأرض متفكِّرين في خمس "لا يعلمهن إلا الله" إذ من شأن الملوك الجهَّال الفكر في أشياء لا تعنيهم، كاهتمامهم بأن القيامة متى تقوم؟
[ ١ / ٢٧ ]
والقَطْر متى ينزل؟ وما تلد خليلتي؟ وأيُّ شيء يصيبني غدًا أخير أم شر؟، وكم يكون عمري؟ وأين تكون وفاتي؟ ويتخذون لذلك منجِّمين ورمَّالين.
والمراد بـ (خمس): خمس كلمات، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ بيان لها؛ أي: علم قيامها عنده ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾؛ أي: المطر إذا شاء ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. "الآية" من قول المؤلف منصوب بتقدير: أعني.
* * *
٢ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بنيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحجِّ، وصَوْمِ رمضان".
"وعن ابن عمر - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: بني الإسلام على خمس"؛ أي: خمس خصال.
"شهادة" بالجر بدل عن (خمس)، وبالنصب بتقدير أعني، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهي شهادة.
"أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، ولم يذكر الاستطاعة هنا لشهرتها "وصوم رمضان" فإن قيل: لم قدَّم الحج على الصوم هنا؟ أجيب: بأن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، وقد وقع الترتيب في الحديث السابق عليه.
وقد عُلم ترتيب وجوب هذه الأركان مما روي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: بعث الله - ﷺ - بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدَّق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدَّقوا زادهم الزكاة، فلما صدَّقوا به زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم الدين جعل هذه الأركان
[ ١ / ٢٨ ]
الخمسة أصولًا للإسلام وما عداها من أحكام الشريعة فرعًا لها.
ومثال الإسلام كقصر، وهذه الأركان كالأسطوانة لذلك القصر، وما بقي من أحكام الشريعة كجدار سطح ذلك القصر وكالجدار التي حواليه، فمَن حفظ هذه الأركان الخمسة وسائر أحكام الشريعة يكون قصرُ إسلامه تاما كاملًا.
* * *
٣ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الإيمانُ بِضعٌ وسبعونَ شُعبةً، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأَذى عن الطَّريق، والحياءُ شُعبة مِنَ الإيمانِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الإيمان بِضع" بكسر الباء: اسم لعدد مبهم من الثلاثة إلى التسعة "وسبعون شعبة"؛ أي: قطعة، يعني بها خصلة، ولما كان الأعمال الصالحة خُلُقًا لأهل الإيمان، وأنها من جملة الدلائل عليه، أطلق اسم الإيمان عليها مجازًا.
لم يُعلم بالتعيين كمية ما أراد النبي - ﷺ - من البضع، وقد جاء في بعض الروايات: (الإيمان سبع وسبعون شعبة).
"فأفضلها"؛ أي: أفضل الشعب وأعلاها منزلة: "قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى"؛ أي: تنحية ما يتأذى به مرورًا وإزالته "عن الطريق" كالشوك والحجر ونحو ذلك، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -: "بينما رجل يمشي في الطريق إذا وجد غصن شوك فأخَّره، فشكر الله تعالى له"؛ أي: رضي عنه بسبب تنحيته الأذى عن الطريق وغفر له.
"والحياء" وهو انقباض النفس عن شيء وتركُه حذرًا عن اللوم فيه، والمراد به هنا هو الحياء الإيماني، وهو ما يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفًا من الله تعالى.
[ ١ / ٢٩ ]
"شعبة من الإيمان" وإنما خصه بالذكر؛ لأنه كالداعي إلى سائر الشعب؛ لأن الحَييَّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فينزجر عن المعاصي.
وأما الحياء النفساني فهو الذي خلقه الله تعالى في النفوس كلها، كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس.
* * *
٤ - وقال: قال رسول الله - ﷺ -: "المُسلمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمونَ مِنْ لِسانِهِ ويده، والمُهاجِرُ مَنْ هجَرَ ما نَهى الله عنه".
"وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: المسلم"؛ أي: المسلم الكامل في إسلامه "من سلم المسلمون من لسانه ويده" بأن لا يتعرض لهم بما حرِّم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإنما خصَّ اللسان واليد لأن أكثر الإيذاء يحصل بهما.
"والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"؛ يعني: المهاجر في الحقيقة مَن اجتنب عما نهى الله عنه؛ لأن فضله على الدوام، وفضل الهجرة من مكة كان في وقت.
* * *
٥ - وقال: "لا يُؤمِنُ أحدكمْ حتَّى أكون أحبَّ إليهِ مِنْ والده، وولده، والناس أجمعين"، رواه أنس.
"وعن أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يؤمن أحدكم"؛ أي: لا يكون مؤمنًا كاملًا "حتى كون أحب إليه، بالحب الاختياري الحاصل من الإيمان "من والده وولده والناس أجمعين، مثلًا لو أمره رسول الله - ﷺ - بقتل أبويه وأولاده الكافرين، أو بأن يقاتل الكافر حتى يكون شهيدًا، لأحبَّ أن يختار ذلك
[ ١ / ٣٠ ]
لعلمه أن السلامة في امتثال أمره - ﷺ -، لا بالحب الاختياري الطَّبْعي؛ لأن حب الإنسان نفسَه وولده ووالده أمرٌ غريزي ولا سبيل إلى قلبه، إذ لا تكلَّفُ نفس إلا وسعها.
* * *
٦ - وقال: "ثلاث مَنْ كُنَّ فيهِ وجدَ حَلاوةَ الإيمانِ: مَنْ كانَ الله ورسولُهُ أحبَّ إليهِ ممَّا سِواهُما، ومَنْ أحبَّ عبدًا لا يُحبُّهُ إلا لله، ومَنْ يكرهُ أنْ يَعُودَ في الكُفْر بعدَ إذْ أنقذَهُ الله منهُ كما يكرهُ أنْ يُلقى في النَّارِ"، رواه أنس.
"وعنه أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثلاث"؛ أي: ثلاث خصال "من كن فيه"؛ أي: من اجتمعت فيه هذه الخصال "وجد حلاوة الإيمان" وهي استلذاذ الطاعة وتحمُّل المشاق في طلب رضاه.
"من كان الله ورسوله أحب إليه": بالحب الاختياري المذكور "مما سواهما" وإنما لم يقل: ممن سواهما؛ لتعمَّ ذا لعقل وغيره، وإنما ثنَّى الضمير فيه مع أنه ذم - ﷺ - رجلًا خطب بحضرته فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، إيذانًا بأن وجدان الحلاوة يتوقف على المحبتين معًا، وأن إحداهما بدون الأخرى غير مفيدة، وثَمَّ إرشاد بأن كل واحد من العصيانين مستقل في تحصيل الغواية.
"ومن أحب عبدًا" أراد به الموسوم بعبودية الله أعم من الحر والمملوك.
"لا يحبه إلا لله" فالاستثناء مفرَّغٌ، ولا يَرِدُ الاعتراض بقوله - ﷺ - لعائشة في حق أسامة: "أحبيه فإني أحبه"؛ لأنه لا منافاة بينهما؛ لأن محبة الشيء لأجل محبة الرسول - ﷺ - لأجل الله؛ لأن محبتهما متلازمان.
"ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه"؛ أي: أنجاه من الكفر.
[ ١ / ٣١ ]
اعلم أنه إن أُريدَ بالعود العودُ الحقيقي وهو الرجوع إلى الكفر، لم يتناول هذا إلا مَن كان له سابقة كفر، ويكون تخويفًا للصحابة؛ لأنهم كانوا كفارًا فأسلموا، وفي نفوس بعضهم حب ما اعتاده من قبلُ، فحذرهم الرسول - ﷺ - من ذلك، وإن أريد به مجرد المصير والتحول، كقوله تعالى في قصة شعيب: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] فهو شامل للكل.
"كما يكره أن يلقى في النار" وفيه تنبيه على أن الكفر كالنار، وهو كذلك لأنه جازّ إليها، فباعتبار عدم كونه نارًا حقيقةً جعله مشبَّها وجعل النار الحقيقية مشبَّها بها؛ إذ العود إليه كالإلقاء فيها؛ لأن عاقبة الكفار دخول النار.
* * *
٧ - وقال: "ذاقَ طعْمَ الإِيمانِ مَنْ رضيَ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ رسولًا"، رواه العبَّاس بن عبد المطَّلِب.
"وعن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ذاق طعم الإيمان" أثبت للإيمان طعمًا بطريق الاستعارة وذكر (١) الذوق الذي هو يلائم المستعار منه؛ فالاستعارة ترشيحية؛ أي: وجد الإيمان.
"من رضي بالله"؛ أي: اكتفى به "ربًا"، ولم يتخذ إلهًا غيره، نصب على التمييز.
"وبالإسلام دينًا"؛ أي: رضي بكون الإسلام دينه ولم يبتغ دينًا غيره.
"وبمحمد رسولًا"؛ أي: رضي من الرسل والأنبياء بمحمد - ﷺ - ولم يتخذ سواه رسوله ونبيه، فالحاصل أنه لا بد في الإيمان من الرضاء بكل واحد من
_________________
(١) في "غ": "وذلك".
[ ١ / ٣٢ ]
الباعث والمبعوث له (١) بنعوتها الثلاثة؛ أعني: الربوبية والرسالة والدينية.
* * *
٨ - وقال: "والذي نفسُ محمدٍ بيده"، لا يسمعُ بي أحدٌ مِنْ هذهِ الأمَّةِ يهوديٌّ أو نصراني، ثمَّ يموتُ ولمْ يُؤمِن بالذي أُرْسِلْتُ بهِ إلَاّ كانَ مِنْ أصحابِ النَّار"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: والذي نفس محمد بيده"؛ أي: بقدرته وأمره، والواو للقسم، أراد بالنفس النفس الإنسانية وأعم منها، واليد هي النعمة؛ أي: نفس محمد كائنة بنعمته.
"لا يسمع بي"؛ أي: بمبعثي أو بنبوتي "أحد من هذه الأمة" المراد به أمة الدعوة، فاللام للاستغراق أو للجنس.
"يهودي ولا نصراني" صفتان لـ (أحد)، أو بدلان عنه بدل البعض عن الكل.
"ثم يموت ولم يؤمن"؛ أي: يموت غير مؤمن "بالذي أرسلت به" وهو القرآن، أو الدين الحنيفي.
"إلا كان من أصحاب النار" فيه إشارة إلى أن الإيمان بجميع أحكام الإسلام واجب فيكفَّر من قال: آمنت بان محمدًا رسول الله ولكنه إلى بعض الناس؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]؛ أي: إلا لتكون رسولًا للناس كافة.
وكذا من قال: آمنت أنه كافة للناس ولكن أعظِّم أمر السبت، أو أحرم لحم الإبل، كما كان في دين موسى - ﵇ -، أو ما أشبه ذلك من تحليل
_________________
(١) في "غ": "والمبعوث والمنعوت".
[ ١ / ٣٣ ]
حرام أو عكسه؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]؛ يعني: اقبلوا جميع ما أمركم محمد - ﷺ - واتركوا ما نهاكم.
ويحتمل أن يكون [المراد] بالأمة: المعاصرين، وأما من سيوجد بعدهم فمندرجٌ في ذلك قياسًا على المعاصرين كما في سائر أحكام الإيمان، صمانما خضَت اليهود والنصارى بالذكر؛ لأنهما أهلا كتابي التوراة والإنجيل، وهم أشرف وأخص ممن لم يكن لهم كتاب من الأمم الباقية، فإذا كانوا كفارًا بترك الإيمان لمحمد فغيرهم كان أولى بذلك.
* * *
٩ - وقال: "ثلاثةٌ لهم أجرانِ: رجلٌ مِنْ أهلِ الكتابِ آمنَ بنبيهِ وآمنَ بمحمدٍ، والعبدُ المملوكُ إذا أدَّى حقَّ الله وحقَّ مَواليهِ، ورجلٌ كانتْ عندهُ أمَةٌ يَطؤها، فأدَّبها فأحسنَ تأدِيبَها وعلَّمَها فأحسنَ تعليمَها، ثمَّ أعتَقَها فتزوجَها، فلهُ أَجران"، رواه أبو موسى الأَشْعَري - ﵁ -.
"وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثلاثة"؛ أي: ثلاثة أشخاص، مبتدأ خبره: "لهم أجران: رجل من أهل الكتاب" المراد بهم النصارى؛ لأن اليهود لا يثابون على دينهم؛ لأن الإيمان بعيسى ﵇ كان واجبًا عليهم.
"آمن بنبيه"؛ يعني: بعيسى ﵇.
"وآمن بمحمد" - ﷺ - بعد مبعثه، فإن له أجرين: أجر على العمل بدين نبيه، وأجر على الإيمان بمحمد - ﷺ - والعمل بدينه، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤].
[ ١ / ٣٤ ]
ويجوز أن يُجرى على عمومه؛ إذ لا يبعد أن يكون الإيمان به - صلى الله تعالى عليه وسلم - سببًا لقبول أعماله في دينه وإن كان منسوخًا، كما ورد في الخبر أن مبرات (١) الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم، وإنما لم يقل: وبمحمد، مع أنه أخصر، إيذانًا باستقلال كل منهما بالإيمان.
"والعبد المملوك" قيد بالمملوك لأنه المراد لا مطلق العبد.
"إذا أدى حق الله"؛ أي: قضى ما فرض الله من الصلاة وغيرها، قدَّم (حق الله) بالذكر لأنه أهم، إذ ليس لمولاه منعه عن أداء حقوق تعالى، وأما النوافل فلا بد فيه من إذن السيد.
"وحق مواليه" من الخدمة والطاعة، وإنما قال: (مواليه) دون مولاه؛ لأن العبد يتداوله أيدي الناس غالبًا.
"ورجل كانت عنده أمة يطؤها"؛ أي: يجامعها، فيه إشارة إلى أنه ليس له أن يَحرِم أمته عن الوطئ صيانة لها عن الزنا؛ لأنها تشتهي كما تشتهي الحرة.
"فأدبها" الأدب: حسن الأحوال في القيام والقعود واجتماع الخصال الحميدة.
"فأحسن تأديبها" المراد بإحسانه أن يكون باللطف والتأني لا بالعنف.
"وعلمها"؛ أي: ما لا بد من الفرائض، ترك المفعول الثاني لقصد التعميم والاختصار.
"فأحسن تعليمها، ثم أعتقها" ابتغاءً لمرضاة الله تعالى، ذُكر بـ (ثم) لتراخيه عن التأديب والتعليم.
"فتزوجها" ذكر بالفاء ليدل على أن للمعتِق تزوُّجَها من غير تربُّصٍ، سواءٌ
_________________
(١) في"غ": "ثواب".
[ ١ / ٣٥ ]
كانت أم ولد له أو لم تكن.
"فله أجران" أجز لتعليمها وتأديبها، وأجر لعتقها وتزوجها، وقيل: أجر لإعتاقها وأجر لتزوَّجها، فيكون ذكر الأوصاف قبلهما؛ لأنها داعية إليهما غالبًا.
وإنما خص هذا الأخير بقوله: (فله أجران)؛ لأن جهة الأجر فيه متعددة، فكانت مظنة أن يستحق أكثر من ذلك، ويجوز أن يعود قوله: (فله) إلى كل واحد من الثلاث؛ يعني: الرجلين والعبد المملوك.
* * *
١٠ - وقال: "أُمِرتُ أنْ أُقاتلَ النَّاسَ حتَّى يَشهدوا أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ الله، ويُقيموا الصَّلاة، ويُؤْتوا الزكاة، فإذا فَعَلوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُم وأموالَهُم إلا بحقّ الإسلام، وحسابُهم على الله"، رواه ابن عمر - ﵄ -.
"وعن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس"؛ أي: أمرني الله بأن أقاتلهم، "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" وإنما خصهما بالذكر: إما لأن هذا الحديث ورد قبل وجوب الصوم والحج، وإما لعظم شأنهما وصعوبة موقعهما على الطباع لتكرارهما، مع أن النفس مجبولة على حب المال فكانتا مظنتي التفويط.
"فإذا فعلوا ذلك" المذكور من الشهادة والصلاة والزكاة.
"عصموا"؛ أي: حفظوا "مني دمائهم" من السفك، "وأموالهم" من النهب.
"إلا بحق الإسلام" استثناء مفرغ؛ أي: إذا فعلوا ذلك عصموهما، ولا يجوز لنا تعرُّضهما بسبب من الأسباب، إلا بسبب حق الإسلام من استيفاء قصاصِ نفسٍ أو طرفي إذا قتل أو قطع، ومن أخذ مالٍ إذا غصب، وإلى غير ذلك من الحقوق
[ ١ / ٣٦ ]
الإسلامية، أو استثناء من الدماء والأموال بحذف موصوف؛ أي: إلا دماءً ومالًا ملتبسين بحق الإسلام.
"وحسابهم على الله" مما يسترون به في غير الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر.
وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملاتهم جارية على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن المُظْهِرَ لشعار الدين يجري عليه حكمه، ولم يستكشف من باطن أمره والله يتولى حسابه.
* * *
١١ - وقال: "مَنْ صَلَّى صلاتَنا، واستقبلَ قِبلتَنا، وكلَ ذَبيحتَنا، فذلكَ المسلمُ الذي لهُ ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رسولهِ، فلا تُخْفِرُوا الله في ذِمَّتهِ"، رواه أنسَ - ﵁ -.
"وعن أنس - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: من صلى صلاتنا"؛ أي: مثل صلاتنا، ولا توجد الصلاة الشرعية إلا من معترف بالتوحيد والنبوة، فلذا جعل عَلَمًا لإسلامه، ولم يتعرض للزكاة وغيرها من الأركان استغناءً بالصلاة التي هي عنوان الدين، أو لتأخّر وجوب تلك الفرائض عن زمان صدور هذا القول.
"واستقبل قبلتنا": وإنما ذكر الاستقبال مع أن صلاتنا مشروطة به ترغيبًا للناس عليه لاحتمال صدور الحديث وقت تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، أو لأن صلاتنا تشابه صلاة غيرنا في كثير من أعمالها وقبلتنا ليست كذلك.
"وأكل ذبيحتنا"؛ أي: مذبوحتنا، وهي فعيلة بمعنى المفعول، والتاء للجنس كما في الشاة، وقيل: للتأنيث؛ لأنه لم يُذكر موصوفها معها.
"فذلك"؛ أي: من جمع هذه الثلاثة "هو المسلم الذي له ذمة الله"؛ أي: عهده وأمانه.
[ ١ / ٣٧ ]
"وذمة رسول الله" لا يستباح منه ما حرم عن المسلمين، وإنما ذكر ذمة رسوله ليعلم أن له ذمتين فيمسك عن التعرض له بأبلغ الوجوه.
"فلا تخفروا الله في ذمته" الضمير فيه لله أو للمسلم، والإخفار: إزالة الخفرة، وهو العهد؛ يعني: لا تزيلوا عهد الله في حقِّ مَن في أمانه.
وبهذا قال أبو حنيفة: إذا صلى كافر بجماعة يحكم بإسلامه.
ثم هذه العصمة ثابتة له بشرط أن لا يكون عليه شيء من حقوق الإسلام، أما إذا كانت فلا، وكذا من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا له ذمة الله، ولكن بصفة النقصان من استيفاء قصاص نفس أو طرف أو قطع، ومن أخذ مالي إذا غصب، إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية، فإنه إذا قُتل فلا قصاص فيه ولا دية؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] جعل التحرير كل الجزاء (١).
* * *
١٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتى أعرابيٌّ النبيَّ - ﷺ - فقال: دلُّنِي على عَمل إذا عملتُهُ دخلتُ الجنَّةَ، قال: "تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومُ رمضانَ"، فقال: والذي نفسي بيدِهِ، لا أزيدُ على هذا، ولا أنقُصُ منه، فلما ولَّى قال النبيُّ - ﷺ -: "مَنْ سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى رجل مِنْ أهلِ الجنَّةِ فلينظُرْ إلى هذا".
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: أتى أعرابي النبي - ﷺ - فقال: دلُّني" بضم الدال وفتح اللام: أمرٌّ من دلَّ يَدُلُّ: إذا أرشد؛ أي: أرشدني.
"على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال"؛ أي: النبي - ﷺ -: "تعبد الله":
_________________
(١) في "ت": "كالجزاء" بدل "كل الجزاء".
[ ١ / ٣٨ ]
خبر بمعنى الأمر؛ أي: اعبده، وكذا ما عطف عليه، أو في تأويل المصدر بتقدير: أن، فيكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك العمل أن تعبد الله؛ أي: توحِّده.
"ولا تشرك به شيئًا": جملة حالية؛ أي: غير مشرك به، المراد به التحذير عن الرياء فإنه شرك خفي.
أو كما قالت اليهود والنصارى في حق عزير والمسيح، وإنما لم يذكر - ﷺ - شهادة كونه رسول الله مع أن دخول الجنة لا يتحقق بدون الاعتراف برسالته - ﷺ -؛ لأن السائل لعله كان مسلمًا مقرًا برسالته - ﷺ - بدليل سؤاله عما يُدخل الجنة من العمل، فذكر التوحيد يكون لشرفه وكونه أصلًا، أو لأن التوحيد لا يعتبر بدونها فذكره مغن عن ذكرها.
"وتقيم الصلاة المكتوبة"؛ أي: المفروضة.
"وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال"؛ أي: الأعرابي: "والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا"؛ أي: لا أزيد على هذا المذكور من عند نفسي شيئًا، "ولا أنقص منه"، أو المعنى: لا أزيد على هذا السؤال وأنقص في العمل مما سمعته، أو يكون الرجل وافدًا فيكون معناه: لا أزيد على ما أسمع في تبليغه ولا منه أنقص.
"فلما ولى"؛ أي: أدبر وذهب.
"قال النبي - ﷺ -: من سره أن ينظر" - فاعل (سر) - "إلى رجل من أهل الجنة" والجملة شرطية وجواب الشرط: "فلينظر إلى هذا"؛ أي: إلى هذا الرجل.
وإنما حكم بكونه من أهل الجنة مع قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ومع قوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالخواتم"؛ لأنه حصل
[ ١ / ٣٩ ]
له غلبة الظن بدوام الرجل على الخير، أو لعله علم ذلك بالوحي.
* * *
١٣ - عن سُفيان بن عبد الله الثَّقَفِي قال: قلتُ: يا رسولَ الله قُلْ لي في الإسلامِ قولًا لا أَسالُ عنهُ أحدًا غيركَ، قال: "قُلْ: آمنتُ بالله، ثُمَّ اسْتَقِمْ".
"عن سفيان بن عبد الله الثقفي - ﵁ - أنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام"؛ أي: فيما يكمل به الإسلام.
"قولًا"؛ أي: قولًا جامعًا لأصوله وفروعه أستغني به بحيث "لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: قل: آمنت بالله"؛ أي: اشهد بوحدانيته وصدِّقه في جميع مأموراته.
"ثم استقم"؛ أي: الزم القيام على ذلك ممتثلًا أمر الله مجتنبًا نهيه.
قيل: عطفُ الاستقامة على الإيمان بكلمة النزاخي دليل على أن الكفار غير مكلَّفين بفروع الإسلام بل بأصوله فقط، فإذا آمنوا كلفوا بفروعه أيضًا.
وقيل: (ثم) هنا للتراخي الرتبي؛ لأن درجة الاستقامة قاصية لا ينالها أحد، قال - ﷺ -: "شيبتني سورة هود"؛ لأنه أمر بالاستقامة فيها بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].
* * *
١٤ - عن طلْحة بن عُبيد الله - ﵁ - قال: جاءَ رجلٌ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسِ، نسمعُ دَويَّ صوتِه ولا نفقَهُ ما يقولُ، حتَّى دنا، فإذا هو يسألُ عنِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "خمسُ صلَواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ"، فقال: هلْ عليَّ غيرهُنَّ؟ فقال: "لا، إلا أنْ تطوَّعَ"، قال: "وصيامُ شهرِ رمضانَ"، قال: هلْ عليَّ غيرُه؟ قال: "لا، إلَاّ أنْ تطوَّعِ"، قال: وذكرَ لهُ رسولُ الله - ﷺ - الزَّكاةَ، فقالَ: هَلْ عليَّ
[ ١ / ٤٠ ]
غيرُها؟ فقال: "لا إلَا أنْ تطَوَّعَ". قال: فأدبرَ الرجلُ وهو يقولُ: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "أفلَحَ الرَّجلُ إنْ صدقَ".
"عن طلحة بن عبيد الله أنه قال: جاء رجل" يقال له: ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد.
"إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد" وهو في الأصل: ما ارتفع من الأرض، ضد التهامة، وهي الغور، وكل ما ارتفع من تهامة الأرض إلى أرض العراق نجد، كذا في "الصحاح".
"ثائر الرأس" بالرفع: صفة (رجل)، من ثار الغبار: إذا ارتفع وانتشر؛ أي: منتشر شعر الرأس بحذف المضاف، إذ من عادة أهل البادية انتشار الشعر، وبالنصب: حال لوصفه، وإنما لم يتقدم على ذي الحال وهو منكَّر؛ لأنه قد تخصَّصَ بالصفة وهي: (من أهل نجد).
"نسمع دوي صوته"؛ أي: خفيف صوته؛ لأن الدوي: الصوت الذي ليس بالعالي كصوت النحل.
"ولا نفقه"؛ أي: لا نفهم من البعد "ما يقول" لضعف صوته.
"حتى دنا"؛ أي: قرب من النبي - ﷺ - "فإذا هو"؛ أي: الرجل "يسأل عن الإسلام"؛ أي: عن فرائضه لا عن حقيقته، ولهذا لم يذكر الشهادتين فيه.
"فقال رسول الله - ﷺ -: خمس صلوات"؛ أي: هي خمس صلوات "في اليوم والليلة" ولم يبين أوقاتها وكمية ركعاتها وكيفيتها واختصاص البعض بالليل والبعض بالنهار؛ لشهرتها وعلم السائل بها.
"فقال"؛ أي: الرجل: "هل علي غيرهن" من الصلوات؟
"فقال: لا" ليس عليك غيرهن "إلا أن تطوَّع، بحذف إحدى التائين، وهو من الطاعات: ما يفعله الرجل عن طوعه ورغبته من غير أن يوجبه الشرع.
[ ١ / ٤١ ]
"قال: وصيام شهر رمضان": عطف على (خمس).
"قال: هل علي غيره؟ "؛ أي: هل علي صوم فرض سوى شهر رمضان؟ "قال: لا إلا أن تطوع"
"قال"؛ أي: الرواي "وذكر رسول الله - ﷺ - الزكاة فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: لا إلا أن تطوع" ولم يذكر الحج هنا لاحتمال أنه سقط ذكره من بعض الرواة.
"قال"؛ أي: الراوي: "فأدبر الرجل"؛ أي: ذهب "وهو" يحلف "ويقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح الرجل"؛ أي: دخل في الفلاح وهو الظفر بالمراد الصالح "إن صدق" إنما حكم - ﷺ - بكونه من أهل الجنة مطلقًا في رواية أبي هريرة، وهنا علق الفلاح بصدقه.
وقد روي أن الحديثين واحد؛ لأنه يحتمل أنه قال بحضور الأعرابي لئلا يغتر فيتكل عليه، فلما ذهب قال: (من سره. . .) إلخ، ويحتمل أنه كان قبل أن يُطلعه الله على صدقه ثم أطلعه الله عليه.
وأيضًا لا يلزم من كون الرجل من أهل الجنة أن يكون مفلحًا؛ لأن المفلح هو الناجي من السخط والعذاب، وكل مؤمن من أهل الجنة، وليس كل مؤمن بمفلح.
وأيضًا إنما يَرِدُ هذا إذا كان اللام في (الرجل) للعهد، وإذا كان لتعريف الجنس فلا.
* * *
١٥ - وعن ابن عبَّاس أنَّه قال: إنَّ وفدَ عبدِ القَيْسِ لمَّا أتَوا النبيَّ - ﷺ - قال: "مَنِ القومُ - أو: مَنْ الوفدُ -؟ "، قالوا: ربيعةُ، قال: "مرحبًا بالقومِ - أو: بالوفدِ -
[ ١ / ٤٢ ]
غيرَ خَزايا ولا نَدامَى"، قالوا: يا رسولَ الله اإنَّا لا نستطيعُ أنْ نأتيكَ إلَاّ في الشهر الحرام، وبيننا وبينكَ هذا الحيُّ من كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرنا بأمرٍ فَصْلٍ نُخبرُ بهِ مَنْ وراءنَا، وندخُلُ بهِ الجنَّةَ، وسألوهُ عنِ الأشربةِ، فأمرهُم بأربعٍ، ونهاهُم عن أربع: أمرهُمْ بالإيمانِ بِالله وحدَه، فقال: "أتدرونَ ما الإيمانُ بِالله وحده؟ "، قالوا: الله ورسولهُ أعلمُ، قال: "شهادةُ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصيامُ رمَضانَ، وأنْ تُعطُوا من المَغْنَم الخُمُس"، ونهاهُمْ عن أربَعٍ: عنِ الحَنتم، والدُّبَّاء والنَّقيرِ، والمُزفَّت، وقال: "احفظوهنَّ، وأخبروا بهنَّ مَنْ وَراءكم".
"عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: إن وفد": جمع وافد، من وَفَدَ فلان على الأمير: إذا ورد إليه رسولًا.
"عبد القيس": اسم قبيلة معروفة، وهم يتفرقون قبائل كثيرة، إحدى قبائلهم ربيعة؛ يعني: الجماعة الذين أرسلهم قومهم إلى النبي - ﷺ - ليتعلموا الدين.
"لما أتوا النبي - ﷺ - " وأُخبر - ﷺ - بقدومهم.
"قال: من القوم؟ أو: من الوفد؟ ": شك من الراوي.
"قالوا"؛ أي: الوفد: "ربيعة"؛ أي: نحن ربيعة، أو وفد ربيعة.
"قال: مرحبًا": هو مفعول به لمقدَّرٍ، والباء في: "بالقوم أو بالوفد" زائدة؛ أي: أتى القوم موضعًا رحبًا؛ أي: واسعًا لا ضيقًا، أو مفعول مطلق فالباء للتعدية؛ أي: أتى الله بالقوم مرحبًا.
"غير": منصوب على الحال من (القوم)، "خزايا": جمع خزيان، من الخزي وهو الذل والإهانة.
"ولا ندما": جمع ندمان، من الندامة، وإنما قال لهم ذلك لأنهم دخلوا
[ ١ / ٤٣ ]
في الإسلام طوعًا لم يصبهم مكروه من حرب أو سبي يخزيهم، أو لأن الوفد قد يلحقه نقيصة من قِبَل مَن وفد عليه، أو ندامة أو خيبة من سفره حيث لم يجد قضاء حاجته.
والمعنى: ما كنتم بالإتيان إلينا خاسرين خائبين كبعض الأمراء إذا أتاهم وفد فلا يعطونهم حقهم ولا يقضون حاجتهم.
"قالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام" قالوا ذلك اعتذارًا إليه - ﷺ - عن عدم الإتيان في غير هذا الوقت؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضًا ويكفُّون عن ذلك في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب تعظيمًا لها، وكان هذا في أول الإسلام، فنسخ بقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
"وبيننا وبينك هذا الحي" يريد به بطنًا من بطون مضر، فتكون (من) في: "من كفار مضر" تبعيضية، أو يريد به نفس مضر فتكون (من) للتبيين؛ أي: هذا الحي الذي هو مضر، وهو اسم قبيلة، وكان بينهم وبين قبيلة الوفد عداوة.
"فمرنا بأمر فصل" صفة لـ (أمر)، مصدر بمعنى فاصل؛ أي: فاصل بين الحق والباطل، أو المعنى: ذي فصل؛ أي: بين واضح ينفصل بها المراد ولا يشكل.
"نخبر": بالرفع صفة ثانية لـ (أمر) أو استئناف، وبالجزم جواب الأمر.
"به"؛ أي: بسببه.
"من ورائنا"؛ أي: خلفنا؛ يعني: من تركناهم في أوطاننا من قبائلنا وعشائرنا.
"وندخل به" عطف على (نخبر)؛ أي: ندخل بسبب قبول أمرك والعمل به "الجنة"، فإن دخول الجنة إنما هو بفضل الله، والعملُ الصالح سببه، كما أن
[ ١ / ٤٤ ]
الأكل سبب الشبع والمُشبع هو الله.
"وسألوه"؛ أي: الوفدُ النبيَّ - ﷺ - "عن الأشربة": جمع الشراب، وهو اسم لكل ما يشرب، وإنما سألوه عنها تورعًا منهم عن الشبهة، فإن العرب معتادة شرب الأنقعة والأنبذة، ويرونه نافعًا عن مضارِّ المياه والأهوية الردية في الأراضي الوخمة.
"فأمرهم بأربع" خصال "ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده" نصب على الحال؛ أي: واحدًا لا شريك له.
"قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم" تأدبًا بين يديه، وطلبا لسماع الكلمتين منه ﵇.
"قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" والمراد بالإيمان هنا الإسلام والتصديق بهاتين الشهادتين، فيتحقق الإيمان بهما.
"وإقام الصلاة" خبر مبتدأ محذوف.
وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: أمرهم بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان. . . إلى آخر الشهادتين، وأمرهم عقيب ذلك بأربع وهي: إقام الصلاة.
"وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم" الحاصل من المحاربة مع الكفار "الخمس" وفيه إشعار بأن الخمس واجب على المخاطَبين وغيرهم من الغانمين وإن لم يكن الإمام حاضرًا.
وإنما لم يذكر الحج لاحتمال أنه لم يكن واجبًا بعدُ أو لنسيان الراوي، أو ذكر إعطاء الخمس موضع الحج لمَّا رأى أن القوم إلى هذا الحكم أحوج، وذِكْرُ الأهم أولى من غيره.
"ونهاهم عن أربع: عن الحَنتم" وهو - بفتح الحاء المهملة -: جرة خضراء ينبذ فيها.
[ ١ / ٤٥ ]
"والدُّبَّاء" بضم الدال وتشديد الباء بالمد والقصر: القَرْع.
"والنقير" أصله: نخلة أو خشبة ينقر فيتخذ منه أوعية ينبذ فيها.
"والمزفت": الوعاء المطلي بالزفت، يعني: نهاهم عن أشربة الأواني الأربع؛ لأن في هذه الأربعة يصير الماء مسكرًا عن قريب؛ لأنها غليظة لا منفذ للريح فيها، ولا يترشح منها الماء، فيتغير عن زمان قريب.
"وقال: احفظوهن"؛ أي: هذه الكلمات المذكورة من الأوامر والنواهي واعملوا بهن "وأخبروا بهن من ورائكم" قيل: فيه دلالة على أن إبلاغ الخبر وتعليم العلم الشرعي واجب إذ الأمر للوجوب.
* * *
١٦ - وعن عُبادة بن الصَّامِت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - وحوله عِصابةٌ من أصحابهِ: "بايعوني على أنْ لا تُشرِكوا بالله شيئًا، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلوا أَولادكم، ولا تأتوا ببُهتانٍ تفترونه بينَ أيديكمْ وأرجُلِكُمْ، ولا تَعْصُوا في مَعْروفٍ، فمنْ وَفَى منكم فأجْرُهُ على اللهِ، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئًا فعُوقِبَ في الدُّنيا فهوَ كفَّارةٌ له، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئًا ثمَّ سَتَرهُ الله عليه فهُوَ إلى الله، إنْ شاءَ عَفا عنهُ، وإنْ شاءَ عاقَبَهُ، فبايعْناهُ على ذلك".
"وعن عبادة بن صامت أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: وحوله" الواو للحال، نُصب على الظرف خبر المبتدأ الذي هو: "عصابة" وهي بالكسر: الجماعة يشد بعضهم بعضا، مأخوذ من العصب: الشد، كأنهم يشد بعضهم بعضًا شدَّ الإعصاب.
وقيل: هي اسم جماعة من الرجال ما بين العشرة إلى أربعين.
"من أصحابه: بايعوني"؛ أي: اضمنوا وأقبلوا "إلي وتعاهدوا على هذه الأشياء.
[ ١ / ٤٦ ]
"على أن لا تشركوا بالله شيئًا، مفعول به أو مفعول مطلق، نحو: ما ضربت زيدًا شيئا، أي: لا تتخذوا إلهًا غيره.
"ولا تسرقوا"؛ أي: لا تأخذوا مال أحد خفية من حرزٍ.
"ولا تزنوا" الزنا مدًا وقصرًا: إيلاج فرج في فرج بلا علاقةِ نكاحٍ وملكِ يمينٍ وشبهة.
"ولا تقتلوا أولادكم" وإنما خص الأولاد لأن عادة العرب كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر، وربما يقتل الرجل البنت من خوف لحوق العار به بظهور الزنا عليها، فنهاهم عنه.
"ولا تأتوا ببهتان" الباء للتعدية؛ أي: بما يبهت المكذوب عليه؛ أي: يدهشه ويجعله متحيرًا لفظاعته فيبقى مبهوتا، والمراد: قذف أهل الإحصان.
"تفترونه" صفة بهتان؛ أي: تختلقونه.
"بين أيديكم وأرجلكم"؛ أي: من عند أنفسكم، فاليد والرجل كنايتان عن الذات والنفس إطلاقًا للبعض على الكل؛ لأن معظم أفعال الإنسان بهما.
وقيل: معناه: لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحًا يشاهد بعضهم بعضا، كما يقال: فعلت هذا بين يديك؛ أي: بحضرتك، وهذا النوع أشد البهت.
وقيل: معناه: لا تُلحقوا بالرجال الأولاد من غير أصلابهم، فإن إحداهن في الجاهلية كانت تلتقط المولود وتقول لزوجها: هو ولدي منك، فعبر بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تُلحقه بزوجها كذبا؛ لأن بطنها الذي يحمله بين يديها، وفرجها الذي تلده منه بين رجليها.
"ولا تعصوا في معروف"؛ أي: لا تخالفوا أمرَ مَن يأمركم بالمعروف، وهو ما عرف أنه من أوامر الشرع وما فيه خير وثواب، وإنما قيَّد النهي عن العصيان بكونه في معروف؛ لأن عصيان مَن يدعو إلى المعصية لازم.
[ ١ / ٤٧ ]
"فمن وفى منكم" بذلك؛ أي: بالانتهاء عن المنهيَّات المذكورة.
"فأجره"؛ أي: ثوابه "على الله، ومن أصاب"؛ أي: فعل "من ذلك"؛ أي: من المنكرات، حال من "شيئًا".
"فعوقب" به "في الدنيا"؛ أي: أقيم عليه حد ذلك الفعل.
"فهو"؛ أي: عقابه في الدنيا بإقامة الحد عليه "كفارة له"؛ أي يكفِّر إثمه (١) ذلك، ولم يعاقب في الآخرة، وهذا خاصٌّ بغير الشرك، فإن المشرك لا يكفو عنه إئم شركه بقتله بالشرك في الدنيا.
وفي الحديث إرشاد إلى أن الأجر إنما يُنال بالوفاء بالجميع، وأن العقاب ينال بترك أيِّ واحد كان من الجميع.
"ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله"؛ أي: ذلك الشيء المصاب.
"عليه" ولم يهتك ستره بين الناس في الدنيا، ولم يُقَمْ عليه حد ذلك الفعل.
"فهو"؛ أي: المستور عليه مفوَّض أمره "إلى الله" يوم القيامة "إن شاء عفى عنه"؛ أي: ترك عقوبته عن الذنب "وإن شاء عاقبه" بقَدْرِ ذنبه.
"فبايعناه على ذلك"
وفي هذا دلالة صريحة على أنه لا يجب عليه تعالى عقاب عاصٍ، فهو دليل على المعتزلة؛ فإنهم يوجبون العقاب على الكبائر قبل التوبة، وإنما قدم العفو على العقاب لقوله تعالى: "سبقت رحمتي عذابي".
* * *
_________________
(١) في "غ". "إثم".
[ ١ / ٤٨ ]
١٧ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ - ﵁ - أنه قال: خرجَ رسولُ الله - ﷺ - في أَضْحَى - أو: فِطْر - إلى المُصلَّى، فمرَّ على النّساء فقال: "يا معشرَ النّساءِ تصدَّقْنَ، فإني أُريتُكنَّ أكثرَ أهلِ النارِ"، فقُلْنَ: وبمَ يا رسولَ الله؟ قال: "تُكثِرْنَ اللَّعْنَ، وتكفُرن العَشيرَ؛ ما رأيتُ مِنْ ناقِصاتِ عقل ودِينٍ أذْهبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازِم مِنْ أحداكنَّ"؛ قُلن: وما نُقصانُ ديننا وعَقْلنَا يا رسولَ الله؛ قال: "أليسَ شهادةُ المرأةِ مثلَ نصْفِ شهادةِ الرجل؟ "، قُلن: بلى، قال: "فذلك من نُقصان عَقْلِها"، قال: "أليسَ إذا حاضَتْ لم تُصَلِّ؟ ولم تَصُمْ؟ "، قُلن: بلى، قال: "فذلك من نُقصانِ دينها".
"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في أَضحًى" بفتح الهمزة والتنوين، واحده أضحاة لغة في أُضحية؛ أي: في عيد أضحية.
"أو فطر": شك من الراوي.
"إلى المصلى" وهو الموضع الذي يصلى فيه.
"فمر على النساء" يتعدى (مر) بـ (على) كما بالباء.
"فقال: يا معشر النساء"؛ أي: يا جماعة النساء.
"تصدقن"؛ أي أعطين الصدقة.
"فإني أريتكن": مجهول من أرى إذا أعلم، وله ثلاثة مفاعيل: أحدها التاء القائم مقام الفاعل، والثاني (كن)، والثالث: "أكثر أهل النار"؛ يعني: أعلمت بأنكن أكثر دخولًا في النار من الرجال.
"فقلن: وبم" أصله: (بما) حذفت ألف (ما) الاستفهامية بدخول حرف الجر، عطف على مقدر؛ أي: كيف يكون ذلك وبأي شيء أكثرنا في النار؟ "يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن": أصل اللعنة: الإبعاد والطرد من
[ ١ / ٤٩ ]
الخير، ويستعمل في الشتم والكلام القبيح لأحد، يعني: عادتكن كثرة الشتم وإيذاء الناس باللسان.
"وتكفرن العشير" اسم من المعاشرة، والمراد هنا الزوج؛ لأنه يعاشرها وتعاشره، من العشرة بمعنى الصحبة، وكفرانُها جحود نعمته، يعني: تنكرن حق أزواجكن ولا تؤدين حق إنعامهم عليكن، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومَن لم يشكر الله يستحق العذاب.
"ما رأيت" مفعوله الأول محذوف؛ أي: ما أبصرت أحدًا "من ناقصات عقل" صفة لمفعوله المحذوف "ودين أذهب" صفة أخرى له، ويجوز أن يكون "رأيت" بمعنى علمت و(من) زائدة لتأكيد النفي داخلة على المفعول الأول، ومفعوله الثاني (أذهب) أفعل التفضيل من الإذهاب لمكان اللام في: "للب الرجل" فمعناه: أكثر إذهابا للُّب، وهو العقل، وهذا جائز على رأي سيبويه كـ (هو أعطاهم للدراهم).
"الحازم" صفة (الرجل)؛ أي: الضابط لأمره، المحترز الآخذ بالثقة فيه، وذكرُه مع ذكر اللب مشعرٌ بأن فتنتهن عظيمة تذهب بعقول الألباب الحازمين، فما ظنك بغيرهم؟!
"من إحداكن" وإنما لم يقل: منكن؛ لأن الواحدة إذا كانت على هذه الصفة الذميمة فكونهن عليها أولى من غير عكس.
"قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها" اعلم أن العقل في الشرع عبارة عن معنًى في الشخص يعقله؛ أي: يمنعه عن الهلاك والخسران في الآخرة بعاقل، فمَن كان ذا تجربة في أمور ولم ينته عما هو سبب هلاكه وخسرانه في الآخرة فليس بعاقل، فالمراد بالعقل هنا العقل الديني.
[ ١ / ٥٠ ]
"قال أليس" اسمها ضمير الشأن وخبرها: "إذا حاضت" وإنما لم يقل: إن حاضت؛ لأن المرأة قلما تخلو عن الحيض، "لم تصل ولم تصم، قلن: بلى، قال: فذلك"؛ أي: كونها غير مصلية ولا صائمة "من نقصان دينها" والدين عبارة عن جميع الخصال الحميدة، وفيه دلالة على أن النقص عن الطاعات نقص من الدين.
* * *
١٨ - وقال رسول الله - ﷺ -: "قال الله تعالى: كذَّبني ابن آدمَ، ولم يكنْ له ذلك، وشَتمني، ولمْ يكنْ له ذلك، فأمَّا تكذيبهُ إيَّايَ فقوله: لن يُعيدَني كما بدأَني، وليسَ أولُ الخلق بأهونَ عليَّ من إعادتهِ، وأما شَتْمُهُ إيَّايَ فقوله: اتَّخذَ الله ولدًا، وأنا الأَحدُ الصَّمدُ، لم ألِدْ ولم أُولَد، ولم يَكُنْ لي كُفُوًا أحدٌ".
وفي رواية: "فسُبحاني أن أتَّخذَ صاحبةً أو ولدًا"، رواه ابن عباس - ﵄ -.
"وقال أبو هريرة: قال رسول الله - ﷺ -: قال الله تعالى: كذبني ابن آدم"؛ أي: نسبني إلى الكذب، وهو اختراع الكلام على خلاف الواقع.
"ولم يكن له ذلك" التكذيب؛ لأن لله تعالى أنعم أنواع الإنعام والفضل على العباد، فتكذيبهم ربَّهم يكون على غاية القبح.
"وشتمني" (الشتم): وصف الغير بما فيه نقصٌ وإزراء (١).
"ولم يكن له ذلك" الشتم.
"فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني" (الإعادة): هي الإيجاد بعد العدم المسبوق بالوجود؛ يعني: لن يحييني بعد موتي.
_________________
(١) في "ت": "وازدراء".
[ ١ / ٥١ ]
"كما بدأني"؛ أي: أوجدني عن عدم.
"وليس أول الخلق" يجوز أن يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: ليس الخلق الأول للمخلوقات، أو من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: ليس أول خلق الخلق.
"بأهون" الباء زائدة للتأكيد، من هان يهون: إذا سهُل الأمر؛ أي: ليس أسهل "علي من إعادته" بل الإعادة أسهل لوجود أصل البنية وأثرِها، فإنكارهم الأعادةَ بعد أن أقروا بالبداية تكذيب منهم إلى الله.
"وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا" كما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وكما قال الكفار: الملائكة بنات الله.
"وأنا الأحد" جملة حالية؛ أي: المنفرد بصفات الكمال من القدم والبقاء والتنزُّه عن المكان وغيره.
"الصمد" هو السيد الذي ليس فوقه أحد بحيث يصمده كلُّ أحد؛ أي: يقصده بقضاء الحوائج (١).
"الذي لم ألد"؛ أي: ولدًا قط؛ لأني (٢) منزَّهٌ مقدَّس عن الاحتياج بالزوج والولد.
"ولم أولد"؛ يعني: ليس لي أب ولا أم.
"ولم يكن لي كفوًا أحد"؛ أي: ليس أحد يماثلني ويشابهني في صفات الألوهية، فتوصيفهم ربهم بما لا يليق به شتم له، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
"وفي رواية ابن عباس - ﵄ - " في هذا الحديث بعد قوله: (اتخذ الله ولدًا):
_________________
(١) في "غ": "كل حوائجه".
(٢) في "غ": "لأنه".
[ ١ / ٥٢ ]
"فسبحاني"؛ أي: أنزِّه ذاتي تنزيهًا عن "أن أتخذ صاحبة"؛ أي: زوجة "أو ولدًا" شك من الراوي (١).
* * *
١٩ - وقال: "قال الله تعالى: يُؤْذيني ابن آدمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهرُ، أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وقال أبو هريرة - ﵁ - قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم"؛ أي: يقول في حقي ما أكرهه وأبغضه.
"يسب الدهر"؛ أي: يشتمه، وهو اسم لزمان مبدأ إيجاد العالم إلى انصرامه، وقد يعبَّر به عن المدة الطويلة.
"وأنا الدهر" بالرفع، قيل: هو الصواب؛ أي: حْالق الدهر ومقلِّبه، بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فما يصيبه من حوادث الدهر هو مني؛ لأن الدهر لا يقدر على إيصال نفع وضر، أو مصدر بمعنى الفاعل؛ أي: أنا الداهر المتصرف المدبر لما يحدث، ويروى بالنصب على الظرفية مقدَّما على فعله وهو: "أقلب"؛ أي: أقلب "الليل والنهار" في الدهر، وإنما عقَّب قوله: (أنا الدهر)، بقوله: (أقلب الليل والنهار)، لرفع وَهم أن الدهر حقيقة به (٢) تعالى؛ خلافًا لمن زعم ذلك إذ مقلب الشيء ومصرِّفه يستحيل أن يكون نفسه.
* * *
_________________
(١) كذا قال، والظاهر أن (أو) للنوع، يدل عليه ما في "جامع الحميدي": (ولا ولدًا). انظر: "مرقاة المفاتيح" (١/ ١٧٠).
(٢) في "ت": "حقيقته" مكان "حقيقة به".
[ ١ / ٥٣ ]
٢٠ - وقال: "قال الله تعالى: أَنا أغنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّرْكِ، مَنْ عمِلَ عَملًا أشركَ فيه معِي غيْري؛ تركتُهُ وشِرْكهُ"، رواه أبو هُريرة - ﵁ -.
"وقال أبو هريرة - ﵁ -: قال رسول الله - ﵊ -: قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء" أفعل التفضيل من غَني به عنه غنية؛ أي: استغنى به عنه، وإضافته إما للزيادة المطلقة من غير أن يكون في المضاف إليهم شيء مما يكون في المضاف؛ أي: أنا أغنى من بين الشركاء (عن الشرك) وهو اسم المصدر الذي هو الشركة، وإما للزيادة على من أضيف إليه؛ أي: أنا أكثر الشركاء استغناء عن الشرك، فإن بعض الناس قد يكون غنيًا عن الشريك، ولكن لم يكن استغناؤه عنه في جميع الأوقات.
"من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري"؛ أي: لم يُخْلص العمل لي، بل كان للرياء والسمعة.
"تركته وشركه" الضمير راجع إلى (مَن)، والواو للمعية أو للعطف على الضمير المنصوب في (تركته)؛ أي: أجعله وعمله المشرك فيه مردودًا من حضرتي.
قيل: فيه دليل على أنه لا تجوز الأضحية بسُبعِ بدنة إذا كان فيها شِركةُ لحم، وأنه لا يجوز أكل ذبيحة ذكر عليها اسم الله وغيره كـ: بسم الله ومحمدٍ بالجر.
* * *
٢١ - وقال: "قال الله تعالى: الكِبرياءُ ردائي، والعظَمةُ إزاري، فمنْ نازَعَني واحدًا منهما أدخلتُهُ النَّار"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وقال أبو هريرة - ﵁ -: قال رسول الله - ﵊ -: قال الله
[ ١ / ٥٤ ]
تعالى: الكبرياء ردائي": قيل: الكبرياء هي الترفع عن الانقياد للغير بأن يرى لنفسه فضلًا وشرفًا عليه، وذلك لا يستحقه غير الله.
"والعظمة إزاري": وهي: أن يكون الشيء في نفسه كاملًا شريفًا مستغنيًا، والكبرياء أرفع منها، ولذلك مثلها بالرداء؛ لأنه أشرف من الإزار، فكبرياؤه تعالى: عبارة عن ألوهيته التي هي استغناؤه عما سواه، واحتياج ما سواه إليه، وعظمته وجوبه الذاتي الذي هو عبارة عن استغنائه تعالى عن الغير.
وإنما مثَّلهما بالإزار والرداء إبرازًا للمعنى المعقول في صورة المحسوس، فكما لا يشارك الرجل في ملبوسه من ردائه وإزاره، ويستقبح طلب الشركة فيهما، لا يمكن مشاركته تعالى في هذين الوصفين اللذين اختصَّ بهما، وإطلاقهما عليه تعالى من باب الكناية؛ فإنهم يكنون عن الصفة اللازمة بالثوب يقولون: شعار فلان الزهد ولباسه التقوى.
"فمن نازعني واحدًا منهما"؛ بأن استعظم نفسه، واستعلى على الناس "أدخلته النار": أعاذنا الله تعالى منه، وإنما قال: (واحدًا) دون واحدة؛ نظرًا إلى الرداء والإزار.
* * *
٢٢ - وقال رسول الله - ﷺ -: "ما أَحَدٌ أصبَرُ على أذًى يسمعه مِنَ الله تعالى، يَدَّعونَ له الولَد، ثم يُعافيهم ويرزُقهم"، رواه أبو موسى الأشعري - ﵁ -.
"وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﵊ -: ما أحدٌ أصبر"؛ أي: ليس أحدًا أشدُّ صبرًا.
"على أذى"؛ بمعنى: مؤذ، صفة محذوف؛ أي: على كلام مؤذ قبيح صادر عن الكفار.
[ ١ / ٥٥ ]
"يسمعه": صفة (أذى).
"من الله تعالى": متعلق بـ (أصبر)، والصبر من الله تعالى: حبس العقوبة عن مستحقها إلى وقت، ومعناه قريب من معنى الحلم، إلا أن المذنب لا يأمن في صفة الصبور، كما يأمن في صفة الحليم.
"يدعون له الولد": هذا بيان للأذى؛ يعني: ينسب بعضُ الكفار له ولدًا.
"ثم يعافيهم"؛ أي: يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا.
"ويرزقهم": فهذا كرمه، ومعاملته تعالى مع من يؤذيه، فما ظنكم بمعاملته تعالى مع من يحتمل الأذى منه، ويثني عليه؟
* * *
٢٣ - وعن مُعاذ - ﵁ - قال: كنت رِدْفَ النبيِّ - ﷺ - على حمارٍ، ليس بيني وبينه إلَاّ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فقال: "يا معاذُ! هلْ تدري ما حقُّ الله على عبادِه؟ وما حق العِبادِ على الله؟ "، قلتُ: الله ورسولهُ أعلم، قال: "فإنَّ حَقَّ الله على العباد أنْ يعبُدُوهُ، ولا يُشْرِكُوا به شيئًا، وحق العبادِ على الله أنْ لا يُعذِّبَ مَنْ لا يُشركُ بهِ شيئًا"، فقلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ به الناسَ؟ قال: "لا، فَيتَّكِلُوا".
"وعن معاذ - ﵁ - أنه قال: كنت رِدْف النبي ﵊": بكسر الراء وسكون الدال؛ بمعنى: الرديف الذي يركب خلف الراكب؛ يعني: كنت رادفًا خلف النبي - ﷺ -.
"على حمار ليس بيني وبينه إلا مُؤْخِرة الرحل": بسكون الهمزة بعد الميم المضمومة وكسر الخاء؛ أي: آخرة الرحل، وهي: الخشبات التي تكون على آخر الرحل يستند إليها الراكب، والمراد به: المبالغة في شدة قربه.
"فقال: يا معاذا هل تدري"؛ أي: هل تعلم؟
[ ١ / ٥٦ ]
"ما حق الله على عباده؟ "؛ أي: أيُّ شيء واجب لله تعالى عليهم؟
"وما حق العباد على الله تعالى؟ "؛ أي: أي شيء حقيق وجدير أن يفعل الله تعالى بهم؛ إذ لا يجب على الله تعالى شيء خلافًا للمعتزلة.
"قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه": هذا إرشادٌ إليه؛ لأن العبادة إنما تتحقق بامتثال الواجبات، والانتهاء عن المنهيات.
"ولا يشركوا به شيئًا"، وفي عطفه بالواو دليلٌ على عدم الترتيب؛ إذ العبادةُ لا تتحقق إلا بعد عدم الإشراك، فالتقدير: أن لا يشركوا ويعبدوه، وإنما ذكر عدم الإشراك وإن كان مندرجًا تحت العبادة؛ لأن ترك الإشراك أصلُ العبادة، فكان مقصودًا لعظم شأنه.
"وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر"، الفاء جواب شرط محذوف تقديره: إذا كان كذلك، أفلا أبشر.
"به"؛ أي: بما ذكرت من حقِّ العباد على الله تعالى، "الناس؟ قال: لا"؛ أي: لا تبشرهم، "فيتكلوا" منصوب بتقدير (أن) بعد الفاء؛ لأنه جواب النهي؛ أي: فيعتمدوا عليه ويقعدهم ذلك عن العبادات.
روي: أن معاذًا روى هذا الحديث آخر عمره، وكان زمان النهي زمان استيلاء الكسل على النفوس، وغلبة التثاقل على الطِّباع بسبب عدم استقرار الشرع، فلما انتفى الكسل عن الطباع، ووقع الأمن عن ذلك، علم معاذ أمد النهي، فروى هذا الحديث.
٢٤ - وقال: "ما مِنْ أحدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلَاّ الله وأن محمدًا رسولُ الله، صدْقًا مِنْ قلبهِ، إلَاّ حرَّمهُ الله على النَّارِ"، رواه مُعاذٌ.
[ ١ / ٥٧ ]
"وعن أنس - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﵊ -: ما من أحد": (من) زائدة، و(أحد) مبتدأ.
"يشهد": صفة.
"أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صدقًا"؛ بمعنى: صادقًا، حال من ضمير (يشهد).
"من قلبه": صفة لـ (صدقًا)، قيَّده به؛ لأن الصدق قد لا يكون عن قلب - أي: عن اعتقاد - كقول المنافق، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
"إلا حرمه الله على النار": قيل: صدور هذا الحديث منه ﵊ يحتمل أن يكون قبل وجوب شيء من أركان الإسلام، أو يكون في حقِّ من تاب عن الكفر، فمات قبل أن يتمكن من الإتيان بفرض آخر، أو يكون الامتثال بالأوامر والانتهاء عن المعاصي مندرجًا تحت شهادته، والأقرب أن يراد بالتحريم: تحريم الخلود.
* * *
٢٥ - وعن أبي ذَرٍّ - ﵁ - قال: أَتيتُ النبيَّ - ﷺ - وعليه ثوبٌ أبيضُ وهو نائمٌ، ثم أتيتهُ وقد استيقظَ، فقال: "ما مِنْ عبدٍ قال: لا إله إلا الله، ثمَّ ماتَ على ذلك، إلَاّ دخلَ الجنَّة"، قلتُ: وإنْ زَنى، وإن سَرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ سَرق"، قلت: وإنْ زَنى وإن سَرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ سَرق"، قلت: وإنْ زَنى وإن سرق؟ قال: "وإنْ زَنى وإنْ سَرق، على رَغْم أنْفِ أبي ذر"، وكان أبو ذر إذا حدَّث بهذا الحديث قال: وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذَرٍّ.
"وعن أبي ذر - ﵁ - أنه قال: أتيت النبي - ﵊ - وعليه ثوب أبيض": حال من النبي - ﷺ -، فيه تقرير تثبت الراوي وإتقانه فيما يرويه عنه - ﷺ - في أذن
[ ١ / ٥٨ ]
السامعين وفي قلوبهم.
"وهو نائم"، فرجعت، "ثم أتيته": مرة أخرى، "وقد استيقظ"؛ أي: وجدته منتبهًا من النوم.
"فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله": وإنما لم يذكر: محمد رسول الله؛ لأنه معلوم أنه بدونه لا ينفع.
"ثم مات على ذلك"؛ أي: على الثبات على الإيمان، وفيه إشعارٌ بأن من ارتذَ عن دينه، ومات على الردة، لا ينفعه إيمانه في الزمان الماضي.
"إلا دخل الجنة"؛ أي: كان عاقبته دخول الجنة، وإن كان له ذنوبٌ كثيرة؛ لأن الله تعالى إن شاء عفا، وإن شاء عذَّب بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة. قال أبو ذر: "قلت: وإن زنى وإن سرق"؟ وتسمى هذا الواو واو المبالغة، ولا بد فيه من تقدير حرف الاستفهام، وإنما كان تعجب أبي ذر من هذا الحديث؛ لأجل أن الزنا والسرقة وغيرهما من الذنوب موجبة العقوبة، فكيف يدخله الجنة مع استحقاق العقوبة؟
"قال - ﷺ -: وإن زنى وإن سرق": فيه دلالةٌ على أن أهل الكبائر لا يُسلَب عنهم اسم الإيمان، فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة اتفاقًا، وعلى أنها لا تحبط الطاعات؛ لتعميمه - ﷺ - الحكمَ وعدم تفصيله.
"قلت: وإن زنى وإن سرق": تكرار أبي ذر هذا ليس للإنكار، بل لظنه أن الرسول - ﷺ - لعله يجيب بجواب آخر، فيجد فائدة أخرى.
"قال - ﷺ -: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال - ﷺ -: وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر"، يقال: رغم أنفه؛ أي: ألصقه بالرغام، وهو التراب، ويستعمل بمعنى: الذل؛ أي: على خلاف مراده، ولأجل مذلته.
وقيل: بمعنى كره؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب؛ أي: وإن كره
[ ١ / ٥٩ ]
أبو ذر ذلك؛ يعني: أتبخل يا أبا ذر برحمة الله تعالى؟ ورحمة الله واسعة على خلقه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، ففرح أبو ذر بهذا.
"وكان أبو ذر إذا حدث بهذا الحديث قال" تفاخرًا: "وإن رغم أنف أبي ذر"، وعدَّ قوله - ﷺ - له ذلك شرفًا وكرامة.
* * *
٢٦ - وعن عُبادة بن الصَّامت - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "من شهدَ أنْ لا إله إلَاّ الله وحدهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه وابن أمَتِه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروح منه، والجنةَ حقّ، والنارَ حق = أدخلَهُ الله الجنةَ على ما كانَ منَ العمل".
"وعن عبادة بن الصامت، عن النبي - ﷺ - أنه قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله": فيه إبطال قولِ النصارى بأنه ابنه، وبأنه هو الله، وإنما أضاف لفظ (العبد) إلى ظاهر الاسم دون ضميره؛ ليكون أصرح دلالة في إبطال مذهبهم.
"ورسوله": فيه إبطال مذهب اليهود المنكرين لرسالته.
"وابن أمته"؛ يعني: مريم، وهي أمة الله، وفيه إشارة إلى بطلان ما يقولونه من اتخاذ الله إياها صاحبة، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
"وكلمته": سماه كلمة مبالغةً؛ لأنه تكلَّم في غير أوانه، وهو حين كان في المهد، وأضيف إلى الله تعالى تعظيمًا، أو لأنه كان بالكلمة من غير واسطة أب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
"ألقاها إلى مريم"؛ أي: أوصلها إليها.
[ ١ / ٦٠ ]
"وروح منه": سماه روحًا؛ لأنَّ الله تعالى أحيا به الأمواتَ، فكان كالروح، أو لأنَّه حدث من نفخ الروح بإرساله جبرائيل إلى أمه، فنفخ في درعها مشقوقًا من قدامها، فوصل النفخ إليها، فحملت به مُقدَّسًا عن لوث النطفة، والتقلُّبِ في أطوار الخلقة، وفيه أقوال كثيرة تطلب في التفاسير.
"والجنة والنار حق": أفرد لفظًا (الحق)؛ لأنَّه مصدر يقع على القليل والكثير، أو لإرادة كلِّ واحدة منهما.
"أدخله الله تعالى الجنة على ما كان من العمل"؛ يعني: على أيِّ عمل كان سيئًا أو حسنًا.
* * *
٢٧ - وقال عمرو بن العاص - ﵁ -: أَتيتُ النبيَّ - ﷺ -، فقلت له: ابْسُطْ يمينكَ فلأَبايعْكَ، فبسطَ يمينَهُ، فقبضْتُ يدي، فقال: "ما لَكَ يا عمرو؟ "، قلت: أردتُ أنْ أشترطَ، قال: "تشترطُ ماذا؟ "، قلت: أنْ يُغفرَ لي، قال: "أما علمتَ يا عمرو! أنَّ الإسلامَ يهدِمُ ما كانَ قبلَهُ، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كانَ قبلَها، وأنَّ الحجَّ يهدمُ ما كان قبلَهُ؟ "، فبايعتُه.
"وقال عمرو بن العاص - ﵁ -: أتيت النَّبيَّ - ﷺ - فقلت: ابسط"؛ أي: امدد "يمينك فلأبايعك": الفاء فيه لو جُعِلت جوابَ الأمر، واللام لام كي، وهما للسببية، لاجتمع حرفا السببية، فيُجعَلُ أحدهما زائدًا؛ لئلا يجتمع حرفان لمعنى، وهو منصوب بإضمار (أن).
"فبسط يمينه، فقبضت يدي"؛ أي: إلى نفسي.
"فقال: مالك يا عمرو؟ "؛ أي: أي شيء ظهر في خاطرك حتَّى امتنعت عن المبايعة في الإسلام؟
[ ١ / ٦١ ]
"قلت: أردت أن أشترط" مفعوله محذوف؛ أي: شرطًا أو شيئًا.
"قال: تشترط ماذا؟ " قوله: (ماذا) حقه أن يكون مقدَّمًا على (تشترط)؛ لأنَّه متضمن معنى الاستفهام، وهو يقتضي الصدارة، فيُقدَّر أصل الكلام: ماذا تشترط؟ فحذف (ماذا)، وأعيد بعد (تشترط)؛ تفسيرًا للمحذوف.
"قلت: أن يغفر لي" إن أسلمت.
"قال - ﷺ -: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم"؛ أي: يمحو "ما كان قبله" من الكفر والمعاصي؟
قيل: سواء كان مظلمة إنسان من الدم والمال وغيرهما، أو كان شيئًا يكون بين العبد وبين الله تعالى من الزنا وشرب الخمر، وغير ذلك من الكبائر.
ولكن فيه نظر؛ لأنَّ الإسلام لا يهدم حقوق العباد إن كان المسلم ذميًّا في الأصل، سواء كان الحق عليه ماليًا أو غير مالي كالقصاص، وإذا كان حربيًا - وكان الحق ماليًا بالاستقراض أو بالشراء، وكان المال غير الخمر ونحوه - فإنَّه لا يسقط أيضًا بإسلامه.
"وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها" من الصغائر قطعًا؟ لا ما تتعلق به حقوق العباد، وما كان من الكبائر، فهي في مشيئة الله تعالى، لا يجوز القطع بأنها تُهدَم بالهجرة قطعًا.
"وأن الحج يهدم ما كان قبله" من الصغائر أيضًا؟ لا من حقوق العباد.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٨ - عن مُعاذ - ﵁ - قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أخبرني بعملٍ يُدخلُني الجنَّة، ويُباعدُني من النار، قال: "لقد سأَلتَ عن عظيمٍ، وإنَّه ليسيرٌ على مَنْ يسَّره الله عليه: تعبُدُ الله ولا تشركُ بهِ شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزكاةَ،
[ ١ / ٦٢ ]
وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ"، ثم قال: "ألا أدلّكَ على أبوابِ الخير؟ الصَّومُ جُنَّة، والصَّدقةُ تطُفئُ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرجلِ في جوفِ الليلِ"، ثمَّ تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتَّى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ "، ثم قال: "ألا أُخبرك برأْسِ الأمرِ وعَمودِهِ وذِرْوةِ سَنامِهِ؟ "، قلتُ: بلى يا رسولَ الله! قال: "رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعَمودُهُ الصَّلاةُ، وذِرْوةُ سَنامِهِ الجهادُ"، ثم قال: "ألا أُخبركَ بمِلاكِ ذلك كلِّه؟ "، قلت: بلى يا نبيَّ الله! فأخذَ بلِسانِه وقال: "كُفَّ عليكَ هذا"، فقلتُ: يا نبيَّ الله! إنَّا لَمُؤاخذون بما نتكلَّمُ به؟ قال: "ثكلتْكَ أُمُّك يا مُعاذُ! وهلْ يَكُبّ النَّاسَ في النَّارِ على وجُوهِهِمْ - أو: على مَنَاخِرِهم - إلَّا حصائدُ ألسنتهِم؟ ".
"من الحسان":
" عن معاذ - ﵁ -: أنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلنى" بالرفع صفة (عمل)، وبالجزم جواب الأمر؛ أي: يدخلني ذلك العمل "الجنةَ، ويباعدني" - بالرفع فقط - "من النار، قال: لقد سألت عن عظيم"؛ أي: عن عمل عظيم من جهة معرفته؛ لأنَّ معرفة ذلك من علم الغيب لا يعلمه إلَّا الله.
"وإنه"؛ أي: ذلك العظيم.
"ليسير"؛ أي: سهل.
"على من يسَّره الله"؛ أي: جعله سهلًا "عليه".
فيه إشارة إلى أن أفعال العباد بإرادته تعالى، وأن تيسير العبادات على بعضٍ لطف وتعسيرَها على بعض خُذلان منه تعالى.
"تعبدُ الله": أمر بصيغة الخبر، وكذا ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف بتنزيله منزلةَ المصدر بـ (أن) المقدرة؛ أي: العمل الذي يدخلك الجنة: هو أن تعبد الله؛ أي: تطيعه في أوامره ونواهيه؛ لأنَّ العبادة هي الطاعة.
[ ١ / ٦٣ ]
وقيل: أي: توحده؛ لأنَّ التوحيد أصل العبادة، ويؤيد هذا قوله: "ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، وفيه بيان الأركان الخمسة، ودلالةٌ على أن المؤدي للفرائض مقتصرًا عليها يدخل الجنة، ويباعد عن النار.
"ثم قال: ألا أدلك؟ " قيل: الهمزة للاستفهام، و(لا) للنفي.
"على أبواب الخير": يمكن أن يقال: (بلى) كان موجودًا هنا، فنسيه الرواة بدليل وجوده مرتين بعد السؤالين الآخرين في هذا الحديث.
"الصوم جنة" هي بالضم: الترس والسترة؛ يعني: يقي صاحبه عن النار في العُقبى، كما يقيه عن سَورةِ الشهوة في الدُّنيا.
"والصدقة تطفئ الخطيئة"؛ أي: تمحوها وتزيلها.
"كما يطفئ الماء النار"، شبه الصدقةَ؛ لكثرة نفعها، أو لكونها ماحيةً السيئاتِ مطهرةً عن الآثامِ = بالماء الكثير النفع المطهر عن الأنجاس، وشبَّه الخطيئة بالنار؛ لأنها تأكل الحسنات على قول بعض: كما تأكل النار الخطيب.
"وصلاة الرجل": خبره محذوف؛ أي: صلاة الرجل.
"في جوف الليل" كذلك؛ يعني: تطفئ الخطيئة، وإنَّما خُصَّ الرجل؛ لأنَّ السائل كان رجلًا، وإلا فالحكم يشتمل الرجل والمرأة.
والمراد بالصلاة وأخواتها: النوافل، وإلا فالفرائض قد ذُكِرت قبلُ.
وإنَّما جعل ﵊ هذه الثلاثة من أبوابه؛ لأنَّه إذا اعتيد قلة الأكل بالصوم، انقمعت الشهوات، وانقلعت مواد الذنوب من أصلها، فإذا انضم إليه الصدقة والصلاة في جوف الليل الذي هو أبعدُ من الرياء، دخل المرءُ في الخير من كلِّ وجه، وأحاطت به الحسنات.
[ ١ / ٦٤ ]
"ثم تلا"؛ أي: قرأ رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - في بيان فضيلة المصلين ورفعة درجتهم بأنَّ استحقوا بسبب صلاة الليل أن يمدحهم الله في كتابه القديم: ﴿تَتَجَافَى﴾؛ أي: تتنحى ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: عن الفُرشِ والوساد؛ لترك النوم.
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾؛ أي: وهم داعون ربهم؛ لأجل خوفهم من سخطه، وطمعهم في رحمته.
"حتَّى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾؛ يعني: قرأ هذه الآية إلى قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
"ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر"؛ أي: أمر الدين، والمراد منه: أصل الأمر.
"وعموده": أراد به: ما يعتمد عليه الأمر، ويقوم به.
"وذروة سنامه؟ ": (الذروة) بالكسر والضم: أعلى الشيء، (السنام) بالفتح: ما ارتفع من ظهر الجمل وغيره.
"قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام"؛ فإنَّه من بين سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه، وعدم بقائه دونه، فكما لا أثرَ سائر الأعضاء بدون الرأس، كذلك لا أثرَ لسائر الأعمال بدون الإسلام؛ الذي هو كلمة الشهادة.
"وعموده الصَّلاة"؛ فإنَّها عمود الدين من جهة أن القوة له تحصل بالصلاة؛ لأنها هي العمل الظاهر الدائم العام بين جميع المسلمين الفارق بينهم وبين الكفار.
"وذروة سنامه الجهاد"؛ فإن الجهاد يحصل به للدين رفعة، وفيه إشارة إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره وتفوقه على سائر الأعمال.
[ ١ / ٦٥ ]
"ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ ": (ملاك) بالكسر، وقد يفتح أيضًا: ما يقوم به إحكام الشيء وتقويته وإكماله، من (ملك) - كـ (ضرب) -: إذا أحسن عجنَ الدقيق وبالغ فيه، و(ذلك): إشارة إلى ما ذُكِر من أول الحديث إلى هنا من العبادات؛ أي: ألا أخبرك بما تُحكَم به العبادات المذكورة، ويقوى به أمرها، ويتم به ثوابها.
"قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه" الباء زائدة؛ أي: أخذ ﵊ لسان نفسه.
"وقال: كفَّ عليك هذا": مفعول (كف)، إشارة إلى اللسان، والتقدير: كف اللسان عليك؛ أي: احفظه عن أن يوقع عليك ضررًا وهلاكًا وخسارًا في الدُّنيا، أو في الآخرة؛ يعني: لا تتكلم بما لا يعنيك؛ فإن من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه، كثر ذنوبه، وفي كثرة الكلام مفاسد لا تحصى.
وإنما أخذ - عليه الصَّلاة السلام - لسانه وأشار إليه من غير اكتفاء بالقول تنبيهًا على أن أمر اللسان صعب.
"فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون"؛ أي: هل يؤاخذنا ربنا "بما نتكلم به" من الكلام؟ "قال: ثكلتك" - من (ثكِل) كـ (علِم) -: إذا فقدت المرأة ولدها، ومات عنها؛ أي: فقدتك "أمك يا معاذ"، وهذا دعاء عليه من غير أن يراد وقوعه، بل يراد الحثُّ على التيقظ في الأمر، والتنبيه من الغفلة.
"وهل يكب النَّاس"؛ أي: هل يلقيهم "في النار على وجوههم أو على مناخرهم": شك من الراوي، جمع: منخر، وهو: ثقبة الأنف، والمراد هنا: الأنف؛ أي: على أنوفهم، والاستفهام للنفي، خصَّها بالكب؛ لأنَّه أول الأعضاء سقوطًا.
"إلَّا حصائد ألسنتهم": جمع (حصيدة) بمعنى المحصود، من حصد الزرع: إذا قطعه، وهذا مبالغة لشأن الكلام، والمراد: أن معظم أسباب الكبِّ في النار
[ ١ / ٦٦ ]
الكلامُ كالكفر والقذف وغيرهما، شبَّه ﵊ اللسانَ وما يُقطَع به من القول نحو المنجل وما يُقطَع به من النبات، وهو من بلاغة النبوة.
* * *
٢٩ - وقال - ﷺ -: "مَنْ أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكملَ الإيمانَ"، رواه أبو أُمامة - ﵁ -.
"وقال أبو أمامة: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله"، وإنَّما حذف المفاعيل من هذه الأفعال؛ ليذهب الوهمُ كلَّ المذهب، وإنَّما خصَّ الأفعال الأربعة؛ لأنَّ هذه الخصال حظوط نفسانية؛ إذ قلما يُمحضها الإنسان لله تعالى، فإذا محَّضها مع صعوبة تمحيضها كان تمحيضُ غيرها بالطريق الأولى، فلهذا أشار إلى استكمال الدين بتخليصها بقوله:
"فقد استكمل الإيمان"؛ يعني: من حصل فيه هذه الخصال المرضية، وزال منه الحظوظ النفسانية، وخلَّص أفعاله لله تعالى، فقد أكمل إيمانه.
* * *
٣٠ - وقال: "أَفْضَلُ الأَعمالِ الحُبُّ في الله، والبُغضُ في الله"، رواه أبو ذَر.
"وعن أبي ذر - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم -: أفضل الأعمال الحبُّ في الله والبغضُ في الله"؛ أي: في طريق الله، أو يكون (في) بمعنى: اللام الجارة، والمراد من الأعمال هنا: الباطنة؛ لئلا يعترض بقوله - ﵊ -: "أفضل الأعمال طول القيام".
* * *
[ ١ / ٦٧ ]
٣١ - وقال: "المُسلمُ من سَلِمَ المُسلمونَ من لِسانِه ويَدِه، والمُؤمن من أَمِنَه النَّاسُ على دِمائهم وأَموالهم، والمُجاهد من جاهد نفسَه في طاعة الله، والمُهاجر من هجَر الخَطايا والذنوب"، رواه فَضالة بن عُبيد - ﵁ -.
"وعن فَضالة بن عُبيدٍ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده": تقدم بيانه.
"والمؤمن من أمنه النَّاس"؛ أي: المؤمن الكامل هو الذي ظهرت أمانته وعدالته وصدقه بحيث لا يخاف منه الناس. "على دمائهم وأموالهم".
وفيه تنبيهٌ على اشتقاق هذين الاسمين من (السلم) و(الأمان)، فمن زعم أنه متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه، فإن لم يُوجَد، فهو كمن يزعم أنه كريم، ولا كرمَ له.
"والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله تعالى"؛ أي: المجاهد الكامل ليس من قاتل الكفار فقط، بل من قاتل نفسه بالمجاهدة في طاعة الله تعالى؛ لأنَّ نفس الرجل أشد عداوة معه من الكفار؛ لأنها تلازمه، وتمنعه عن الخيرات والطاعات.
وإليه أشار ﵊ بقوله: "أعدى عدوِّك نفسُك التي بين جنبيك"، ولا شك أن القتال مع الذي يلازمه أهم منه [مع] الذي هو أبعد منه، كما قال الله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]؛ عن بعض المحققين أن المراد بهم: نفوس المخاطبين؛ فإنَّها أقرب إليهم من كل قريب، وقد أمروا بقتال الأدنى فالأدنى.
وسمى - ﵊ - المجاهدةَ مع النفس الجهاد الأكبر حين رجوعه من غزوة تبوك بقوله - ﷺ -: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر".
[ ١ / ٦٨ ]
"والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب"؛ أي: تركها؛ لأنَّ الحكمة في الهجرة التمكُّن من الطاعات بلا مانع، والتبرُّئ عن صحبة الأشرار المؤثرة في اكتساب الخطايا، فالهجرة التحرز عنها، فالمهاجر الحقيقي هو المتجانب عنها.
والفرق بين الذنب والخطيئة: أنه أعم منها؛ لأنَّه قد يكون عن عمد؛ بخلاف الخطيئة.
* * *
٣٢ - وعن أنس - ﵁ - قال: قلَّما خَطَبنا رسولُ الله - ﷺ - إلَّا قال: "لَّا إيمانَ لمنْ لا أَمانةَ له، ولا دينَ لمنْ لا عَهْدَ لهُ".
"وعن أنس - ﵁ - أنه قال: قلما": هو يستعمل في النفي؛ أي: ما.
"خطبنا رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - ": (الخطبة): الموعظة والتذكير.
"إلَّا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له": هذا وعيد يقصد به الزجر، ونفي الفضيلة والكمال؛ يعني: من كان في نفسه خيانة مال أحد أو نفسه أو أهله، لم يكن إيمانه كاملًا.
ويحتمل أن يراد به الحقيقة، فمعناه: إذا اعتاد المرء هذه الأمور لم يؤمن عليه أن يقع في ثاني الحال في الكفر، كما قيل: من يرتعْ حول الحِمى يوشك أن يواقعه.
"ولا دين لمن لا عهد له"؛ يعني: من جرى بينه وبين أحد عهد وميثاق، ثم غدر ونقض العهد من غير عذر شرعي، فدينُهُ ناقص.
* * *
[ ١ / ٦٩ ]