(باب مسح على الحُفَّيْن)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٥٧ - سُئِلَ عليُّ بن أبي طالب - ﵁ - عَن المَسْح على الخُفَّيْنِ، فقال: جَعلَ رسولُ الله - ﷺ - ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِر، ويومًا وليلةً للمُقيم.
"من الصحاح":
" سُئل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه عن المسح على الحُفَّيْن، فقال: جعل رسول الله - ﷺ - ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم"، وهو حجة على مالك، حيث لم يرَ للمقيم مَسْحًا، ولم يقيد للمسافر بمدة.
* * *
٣٥٨ - عن المُغيرة بن شُعبة - ﵁ -: أنَّه غَزا معَ رسولِ الله غَزْوَةَ تبوكَ، قال المُغيرةُ: فتبزَّزَ رسولُ الله - ﷺ - قِبَلَ الغائطِ، فحمَلْتُ معهُ إداوةً، فلمَّا رَجَعَ أخذتُ أُهريقُ على يَدَيْهِ مِنَ الإداوةِ، فغسلَ يَدَيْهِ ووجْهَهُ، وعليهِ جُبَّةٌ مِنْ صوفٍ، ذهبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِراعَيْهِ، فضاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فأخرجَ يَدَيْهِ مِنْ تحتِ
[ ١ / ٣٢٤ ]
الجُبَّةِ، وألقى الجُبَّة على مَنْكِبَيْهِ، وغسلَ ذِراعَيْهِ، ثم مسحَ بناصِيتِهِ وعلَى العِمامةِ، ثم أَهويتُ لأنزِعَ خُفَّيْهِ فقال: "دَعْهُمَا، فإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرتيْنِ"، فمسحَ عليهِما، ثمَّ ركِبَ ورَكبْتُ، فانتهَيْنَا إلى القَوْمِ وقدْ قامُوا إلى الصَّلاةِ يُصلِّي بهم عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ - ﵁ - وقدْ ركعَ بهم ركعةً، فلما أحسَّ بالنَّبيِّ - ﷺ - ذهبَ يتأخَّرُ، فأَوْمأ إليهِ، فأدركَ النَّبيُّ - ﷺ - إحدى الرَّكعتَيْنِ معهُ، فلمَّا سلَّمَ قامَ النَّبيّ - ﷺ - وقُمْتُ، فَرَكَعْنا الرَّكْعَةَ التي سَبَقَتْنا.
"وعن المغيرة بن شعبة أنَّه غزا مع رسول الله - ﷺ - غرْوة تبوك"، غيرُ منصرف للعلَمية والتأنيث، وإن جُعل اسمَ الموضعِ جاز الصرف.
"قال المغيرة: فتبرَّز رسول الله - ﷺ - قِبَلَ الغائط" بكسر القاف؛ أي: خرج إلى البرَاز للحاجة.
"فحملتُ معه إِداوة" بكسر الهمزة؛ أي: رَكْوَة ليتوضأ منها، وكان خروجه - ﵊ - لقضاء الحاجة.
"قبل الفجر"، وفيه دليل على استحباب تحصيل أسباب الصلاة من الوضوء وغيره قبل دخول الوقت.
"فلمَّا رجع"؛ أي: من قضاء الحاجة.
"أخذت"؛ أي: شرعت "أُهريقُ"؛ أي: أصبُّ الماء "على يديه من الإداوة، فغسلَ يديه"؛ أي: كفَّيه، "ووجهَه"، وفيه دليل على جواز الاستعانة في الطهارة.
"وعليه جُبَّةٌ من صوف"، فيه دليل أن لبس الصوف سنة.
"ذهب"؛ أي: شرع "يَحْسِر"؛ أي: يكشف كُميه "عن ذراعيه، فضاق كمُّ الجُبَّة"، بحيث ما قَدِرَ أن يُخرج يده إلى المِرفق عن كمِّ الجبة من غاية ضيقه.
[ ١ / ٣٢٥ ]
"فأخرج يديه من تحت الجُبَّة، وألقى الجُبَّة على منكبيه، وغسَلَ ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العِمامة ثم أهويتُ"؛ أي: قصدت من القيام إلى القعود، يعني: انحنيت.
"لأنزعَ خُفَّيه فقال: دعهما"؛ أي: اتركهما ولا تنزِعْهما عن رِجلَيَّ.
"فإنِّي أدخلتهما"؛ أي: لبستهما حال كون قدميَّ "طاهرتين"؛ يعني: كنت على وضوء كامل حين لبسْتُهما، فيجوز المسح عليهما.
"فمسح عليهما، ثم ركب وركبتُ، فانتهينا"؛ أي: وصلْنا "إلى القوم، وقد قاموا إلى الصلاة يصلي بهم عبد الرَّحْمَن بن عوف"؛ أي: كان هو إمامهم.
"وقد ركع"؛ أي: صلى "بهم" رَكعةَ.
"فلمَّا أحسَّ" عبدُ الرَّحْمَن.
"بالنبي - ﷺ - "؛ أي: علمَ مجيئَه.
"ذهب يتأخَّر"؛ أي: عزم على أن يتأخر من موضعه ليتقدم النَّبِيّ ﵊.
"فأومأ"؛ أي: أشار ﵊ "إليه" أن يكون على حالة.
"فأدرك النَّبِيّ - ﵊ - إحدى الركعتين معه"؛ يعني: اقتدى به في ركعتهم الباقية، وفيه دليل جواز اقتداء الأفضلٍ بالمفضول إذا عَلِمَ أركان الصلاة.
"فلمَّا سَلَّم قام النَّبِيّ - ﵊ - وقمتُ، فركعنا"؛ أي: صلَّينا "الركعة التي سبقَتْنا"؛ أي: فاتت عنا مع الإِمام.
وجاء في رواية أخرى: أنه - ﷺ - قال لهم بعد الفراغ منها: "أحسنتم، صلُّوا الصلاة لوقتها"، يعني: لا تؤخِّروها بعد دخول الوقت لانتظار الإِمام، وإنما
[ ١ / ٣٢٦ ]
يُستحب ترك انتظاره إذا عَلِموا أنَّه يجيء بعد مضيِّ زمان كثير، أو لم يعلموا متى يجيء، أما إذا علموا يُستحبُ الانتظار، وإن كان موضع الإِمام قريبًا من المسجد يُستحب إعلامُه وقتَ الصلاة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٥٩ - قال أبو بَكْرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -: أنَّهُ رخَّص للمُسافرِ ثلاثةَ أيّامٍ وليالِيَهُنَّ، وللمُقيمِ يومًا وليلةً، إذا تطهَّرَ فلبسَ خُفَّيْهِ أنْ يمسحَ عليهِما.
"من الحسان":
" قال أبو بَكْرة"، اسمه نُفيع بن الحارث.
"عن رسول الله - ﷺ - أنَّه أَرْخَصَ"؛ أي: جَوَّز "للمسافر ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهَّر فلَبسَ"، الفاء للتعقيب؛ أي: لبس "خُفَّيه" بعد تمام الطهارة.
"أن يمسَح عليهما" متعلِّق بأرخص.
* * *
٣٦٠ - وقال صَفوان بن عسَّال - ﵁ -: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يأْمُرُنا إذا كُنَّا سَفْرًا أنْ لا ننزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ إلَّا مِنْ جنابةٍ، ولكنْ مِنْ غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ.
"وقال صفوان بن عسَّال المُرَادي: كان رسول الله - ﷺ - يأمرُنا إذا كنا سَفْرًا" بسكون الفاء؛ بمعنى: مسافرين.
"أن لا ننزِعَ خِفَافنا" جمع خف، يعني: أن نمسحَ عليها.
[ ١ / ٣٢٧ ]
"ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ إلَّا من جَنَابة"، فإنَّه لا يجوز للمغتسل أن يمسحَ على الخُفِّ، بل يجب عليه النزعُ وغَسلُ الرجلين كسائر الأعضاء، ولما كان قوله: (إلَّا من جنابة) مؤذِنًا بإثبات النزع منها استدركه بالأحداث التي لم يُشرع فيها النزع؛ ليعلم اختصاص وجوب النزع بالجَنابة دون غيرها من أسباب الحدث، فقال:
"ولكن مِن غائط"، متعلق بمحذوف؛ أي: ولكن لا ينزعها من غائط.
"وبولٍ، ونومٍ" بل نتوضأ ونمسَح عليهما.
* * *
٣٦١ - عن المُغيرة بن شُعبة - ﵁ - أنَّه قال: وضَّأْتُ النَّبيَّ - ﷺ - في غزوةِ تبوك، فمسحَ أعلى الخُفِّ وأسفله.
قال الشيخ الإِمام - ﵁ -: هذا مرسلٌ لا يثبت، ورُوي متصلًا.
"عن المغيرة بن شعبة أنَّه قال: وَضَّأْتُ النبيَّ - ﵊ - "؛ أي: سكبتُ ماء الوُضوء على يديه.
"في غرْوة تبوك، فمسح أعْلَى الخُفِّ وأسفلَه"، وبهذا قال الشَّافعيّ، ومالك مسح أعلاه واجب، ومسح أسفله سُنة.
"وقال الشيخ الإمام ﵀: هذا مرسَل لا يثبُت"؛ أي: لم يثبت إسناده إلى المغيرة، وإنما رُوي مرسَلًا عن مولاه وزاد كاتب المغيرة، وهو تابعي رواه عنه - ﵊ - وترك ذكر المغيرة.
" وروي متصلًا".
* * *
[ ١ / ٣٢٨ ]
٣٦٢ - عن المُغيرة - ﵁ - قال: رأيتُ النَّبيَّ - ﷺ - يمسحُ على الخُفَّيْنِ على ظاهرهِما.
"عن المغيرة أنَّه قال: رأيتُ النَّبِيّ - ﵊ - يمسَح على الخُفَّين على ظاهرهما"، وهو مذهب أبي حنيفة.
* * *
٣٦٣ - وعن المُغيرة - ﵁ - قال: توضَّأ النَّبيّ - ﷺ - ومسحَ على الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ.
"وعن المغيرة أنَّه قال: توضَّأ النَّبِيّ - ﵊ -، ومسحَ على الجَوْرَبَين والنعلين"؛ أي: ونعليهما، فيجوز المسح على الجوربين المنعلين بحيث يمكن متابعة المشي عليهما.
قال الخطابي: معناه: والنعلين لبسُهما فوق الجوربين، وقد ضَعَّف أبو داود هذا الحديث.
* * *