(باب ما يقرأ بعد التكبير)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٧٠ - قال أبو هُرَيرَةَ - ﵁ -: كانَ رسول الله - ﷺ - يَسْكُتُ بين التَّكْبيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إسْكَاتَةً فقلت: بِأبي وَأُمِّي يا رَسُولَ الله! إسْكَاتُكَ بين التَّكْبيرِ وَالقِرَاءَةِ ما تَقُولُ؟، قال: أقولُ: "اللهم بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ كما بَاعَدْتَ بين المَشْرِقِ
[ ١ / ٤٨٢ ]
وَالمَغْرِبِ، اللهم نَقِّنِي من الخَطَايَا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ من الدَّنسِ، اللهم اغسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاء وَالثَّلْج وَالبَرَدِ".
"من الصحاح":
" قال أبو هريرة: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يَسكُت" من: أَسكَتَ بمعنى: سَكَتَ.
"بين التكبير وبين القراءة إسكاتة"، والمراد به: ترك الجهر، لا ترك الكلام أصلًا.
"فقلت: بأبي وأمي"، الباء: للتفدية؛ أي: أنتَ مُفدى بأبي وأمي.
"يا رسولَ الله! إسكاتك": منصوب بفعل مُضمَر؛ أي: أسألك عن إسكاتك.
"بين التكبير والقراءة ما تقول فيها؟ قال: أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني"؛ أي: طهِّرْني "من الخطايا والذنوب كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنسَ"؛ أي: الوَسَخ.
"اللهم اغسلْ خطاياي بالماء والثلج والبَرَد"، ذلك كلُّه مبالغة في التطهير؛ لا لأنه يحتاج إليها؛ أي: طهِّرْني من الخطايا بأنواع مغفرتك، التي هي في محو الذنوب بمثابة هذه الأشياء في إزالة الأدناس.
قيل: خص الثلج والبَرَد بالذِّكر؛ لأنهما ماءان مقطوران على خلقتهما، لم يُستعملا ولم تَنَلْهما الأيدي، ولم تَخُضْهُما الأَرْجُلُ كسائر المياه التي خالطت التراب، وجرت في الأنهار وجُمعت في الحِيَاض، فهما أحقُّ بكمال الطهارة.
* * *
٥٧١ - وقال عليّ بن أبي طالب - ﵁ -: كان رسولُ الله - ﷺ - إذا قامَ إلى
[ ١ / ٤٨٣ ]
الصَّلاةِ - وفي رواية: كان إذا افتتحَ الصلاةَ - كبَّرَ، ثمَّ قالَ: "وجَّهْتُ وجْهِيَ للذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ حنيفًا مسلمًا، وما أنا مِنَ المُشْركِينَ، إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحْيايَ ومَماتي لله رَبِّ العالمينَ لا شَريكَ لهُ، وبذلكَ أُمِرْتُ، وأنا منَ المُسلمينَ، اللَّهمَّ أنتَ المَلِكُ لا إله إلَّا أنتَ، سُبحانك وبحمْدِكَ، أنتَ رَبيَ وأنا عبدُكَ، ظلَمتُ نفْسي، واعترفْتُ بذَنْبي، فاغفِرْ لي ذُنوبي جميعًا، إنَّهُ لا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنتَ، واهْدِني لأحسَنِ الأخلاقِ، لا يهدي لأَحسَنِها إلَّا أنتَ، واصْرِفْ عنِّي سَيئَها، لا يَصْرِفُ عنِّي سَيئها إلَّا أنتَ، لبيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، والشَّرُّ ليسَ إليكَ، أنا بكَ وإليكَ، تَباركتَ وتعالَيْتَ، أستَغْفِرُكَ وأتُوبُ إليكَ"، وإذا ركعَ قال: "اللَّهمَّ لكَ ركَعْتُ، وبكَ آمنْتُ، ولكَ أسْلَمْتُ، خشعَ لكَ سَمْعي، وبَصَري، ومُخِّي، وعَظْمي، وعَصَبي"، وإذا رفعَ رأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قال: "اللَّهمَّ ربنا لكَ الحَمْدُ مِلءَ السَّماواتِ ومِلْءَ الأرضِ وما بينهُما، ومِلءَ ما شِئْتَ مِنْ شيءٍ بعدُ"، وإذا سجدَ قال: "اللَّهمَّ لكَ سَجدْتُ، وبكَ آمنْتُ، ولكَ أسلَمْتُ، سجَدَ وجْهِي للذي خلقَهُ وصوَّرَهُ، وشَقَّ سَمْعَهُ وبصَرَهُ، فتباركَ الله أحسَنُ الخالِقينَ"، ثمَّ يكونُ مِنْ آخِرِ ما يقوله بين التشَهُّدِ والتَّسْليم: "اللهمَّ اغفرْ لي ما قَدَّمْتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ، وما أعْلَنْتُ، وما أسْرَفْتُ، وما أنتَ أعلم بهِ منِّي، أنتَ المُقَدِّمُ وأنتَ المُؤخِّرُ، لا إله إلَّا أنتَ".
وفي روايةٍ: "والشرُّ ليسَ إليكَ، والمَهدِيُّ مَنْ هدَيتَ، أنا بكَ وإليكَ، لا مَنْجا مِنكَ ولا ملْجأ إلَّا إليكَ، تباركتَ وتعالَيْتَ".
"وقال عليّ بن أبي طالب: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم إذا قام إلى الصَّلاة قال، وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاةَ كبَّر ثم قال: وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض"؛ أي: صَرَفتُ وجهي وعملي ونيَّتي إلى
[ ١ / ٤٨٤ ]
الذي خلقهما، وأعرضت عما سواه.
"حنيفًا": نُصب على الحال من ضمير (وجهت)؛ أي: مائلًا عن كل دينٍ باطلٍ إلى الإسلام ثابتًا عليه، وهو عند العرب قد غلب على مَن كان على مِلَّة إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وقيل: هو المُسلِم المستقيم.
"وما أنا من المشركين، إن صلاتي"؛ أي: عبادتي
"ونُسُكي"؛ أي: تقرُّبي، أو حَجِّي، وجمعَ بينهما كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
"ومحياي"؛ أي: حياتي.
"ومماتي"؛ أي: موتي.
"لله" تعالى، لا تصرُّفَ لغيره فيهما، أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي ما أموت عليه خالصةٌ لوجه الله.
"ربِّ العالمين، لا شريكَ له، وبذلك أُمرت وأنا من المسلمين"؛ أي: المنقادين والمطيعين لله.
"اللهم أنتَ المِلكُ لا إلهَ إلَّا أنتَ سبحانك": اسمٌ أُقيم مقامَ المصدر، وهو التسبيح، منصوب بفعل مضمر، تقديره: أُسبحك تسبيحًا، أُنزِّهك تنزيهًا من كل السوء والنقائص، وأُبعدك ممَّا لا يليق بحضرتك من أوصاف المخلوقات من الأهل والولد.
"وبحمدك"، قيل: تقديره: أُسبحك تسبيحًا ملتبسًا ومقترنًا بحمدك؛ فالباء للملابسة، والواو زائدة.
وقيل: الواو بمعنى: مع؛ أي: أُسبحك مع حمدك، أو وبحمدك أُسبحك؛ أي: لك الحمد على توفيقك إياي على تسبيحك.
"أنت ربي وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي" بالغفلة.
[ ١ / ٤٨٥ ]
"واعتَرفتُ"؛ أي: أَقررتُ "بذنبي فاغفرْ لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يَغفر الذنوبَ إلَّا أنت، واهدِني لأحسن الأخلاق"، اللام بمعنى (إلى)؛ يعني: أعطِني أحسنَ الأخلاق في عبادتك.
"لَّا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرفْ عني سيئَها"؛ أي: سيئَ الأخلاق.
"لا يصرف عني سيئَها إلَّا أنت، لبَّيك" معناه: دوامًا على طاعتك وإقامةً عليها مرةً بعد أخرى، من (ألبَّ بالمكان): أقام به، وألَبَّ على كذا: إذا لم يفارقه، ولم يُستعمل إلَّا مثنى بمعنى التكرير للتكثير، فلذلك وجب إضمار ناصبه، كأنه قال: ألبَّ إلبابًا بعد إلباب، وقيل: معناه: اتجاهي إليك، من قولهم: داري تَلُبُّ دارَك؛ أي: تواجهها.
"وسعدَيك"؛ أي: ساعدتُ طاعتَك مساعدةً بعد مساعدة، وهما الموافقة.
"والخير كلُّه في يديك"؛ أي: كلُّه عندك كالشيء المُوثوق به المقبوض عليه، لا يُدرَك منه شيءٌ ما لم تسبق به كلمتُك.
"والشر ليس إليك"؛ أي: لا يُتقرَّب به إليك أو لا يُنسَب إليك على الانفراد، وهذا لرعاية الأدب.
"أنا بك وإليك"؛ أي: أنا أعوذ بك وأتوجَّه إليك.
"تباركتَ" من: البركة، وهي الكثرة؛ أي: زاد خيرُك وكَثُرَ في خلقك.
"وتعاليتَ"؛ أي: تعظَّمت عن توهُّم الأوهام وتهوّر الأفهام.
"أستغفرك وأتوب إليك، وإذا ركع قال: اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ"؛ أي: لك ذللتُ وانقدتُ، أو لك أخلصتُ وجهي، أو لك خَذلتُ نفسي وتَركتُ أهواءَها.
"خشعَ"؛ أي: خضعَ وتواضَعَ وأطاعَ لك "سمعي وبصري": هذا غاية
[ ١ / ٤٨٦ ]
الخشوع لله تعالى بذِكر معظم بنيَّة الحيوان، وتخصيص السمع والبصر من بين الحواس؛ لأنَّ أكثرَ الآفات بهما، فإذا خشعتا قلَّت الوساوس.
"ومُخّي وعظمي وعصبي": وهم عُمُد بنيَّة الحيوان وأطنابها، والعَصَب خزانة الأرواح النفسانية أيضًا، واللحم والشحم غادِ ورائحٌ.
"وإذا رفع رأسَه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض وما بينهما، وملءَ ما شئتَ من شيء بعدُ"؛ أي: بعدَ السماواتِ والأرضِ، هذا غاية الحمد لله تعالى؛ حيث حمدُه ملء مخلوقاته الموجودة، وملء ما يشاء من خلقه من المعدومات الممكنة المغيَّبة.
"وإذا سجد قال: اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقَه وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين"؛ أي: المصوِّرين والمقدِّرين.
"ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهُّد والتسليم: اللهم اغفرْ لي ما قدمتُ" من سيئة "وما أخَّرتُ" من عمل، قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾، أو المراد بهما: جميع ما فَرَطَ مني، أو ما قدمتُ قبل النبوة وما أخرتُ بعدها، أو ما أخَّرتَه في علمك ممَّا قضيتَه عليّ.
"وما أسررتُ وما أعلنتُ وما أسرفتُ": مبالغة في طلب الغفران من الله تعالى، والإسراف: مجاوزة الحَدِّ.
"وما أنتَ أعلم به مني"؛ أي: من ذنوبي التي لا أعلمها.
"أنتَ المقدّم"؛ أي: الموفِّق لبعض عبادك على الطاعات.
"وأنتَ المؤخّر"؛ أي: الذي يخذل البعض عن الطاعات وعن التوفيق للخيرات، أو المعنى: أنت الرافع والخافض والمُعِز والمُذِلّ.
"لَّا إله إلَّا أنت".
[ ١ / ٤٨٧ ]
وفي رواية: "والشر ليس إليك، والمَهديُ مَن اهَدَيتَ، أنا بك وإليك، لا مَنْجَى منك": مقصور لا ممدود ولا مهموز، مصدر ميمي، أو اسم مكان؛ أي: لا مَهْرَبَ من عذابك.
"ولا مَلْجَأ" بالهمزة وبدونه؛ أي: لا مخلص لمن طالبته.
"إلَّا إليك تباركت".
* * *
٥٧٢ - عن أنس - ﵁ -: أنَّ رجُلًا جاءَ إلى الصَّلاةِ وقدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فقال: الله أكبرُ، الحمدُ لله حَمدًا كثيرًا طَيبًا مُباركًا فيه، فلمَّا قضَى رسولُ الله - ﷺ - صلاتَهُ، فقال: "أيكُمُ المُتكَلِّمُ بالكلماتِ؟، لقدْ رأيتُ اثنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونهَا، أيهُمْ يرفعُها".
"وعن أنس: أن رجلًا جاء إلى الصَّلاة وقد حَفَزَه"؛ أي: جَهَدَه النَّفَس من شدة السعي إلى الصَّلاة لإدراكها.
"فقال: الله أكبر، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"؛ أي: حمدًا جُعلت البركة فيه؛ يعني: حمدًا كثيرًا غايةَ الكثرة.
"فلما قضى رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم صلاتَه قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ لقد رأيتُ اثني عشر ملَكًا يبتدرونها"؛ أي: ثوابَ هذه الكلمات.
"أيُّهم يرفعها"؛ يعني: سبق بعضهم بعضًا في كتابة هذه الكلمات، ورفعها إلى حضرة الله تعالى؛ لعِظَم قَدْرها، وتخصيصُ العدد نؤمن به ونُفوِّض إلى عالمه.
* * *
[ ١ / ٤٨٨ ]
مِنَ الحِسَان:
٥٧٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ قال: "سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحمدكَ، وتباركَ اسمكَ، وتعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُك"، ضعيف.
"من الحسان":
" عن عائشة أنها قالت: كان النَّبيّ - ﵊ - إذا افتتح الصلاةَ قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك"؛ أي: زاد بركة اسمك في السماوات والأرض؛ إذ وجدَ كلَّ خيرٍ مَن ذَكَرَ اسمَك.
"وتعالى جَدُّك"؛ أي: علا ورفع عظمتك على عظمة غيرك غايةَ العُلوّ والرِّفعة.
"ولا إله غيرك".
"ضعيف"، قيل: ضعَّفه عند قليل من الصحابة، لكنَّه حديثٌ حسن عالي الإسناد قوي عند أكثرهم، أخذ به عمر وعبد الله بن مسعود وغيرهما من فقهاء الصحابة، وذهب إليه الأجلَّة من العلماء، كأبي حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل.
* * *
٥٧٤ - عن جُبَيْر بن مُطْعِم: أنَّهُ رأى رسولَ الله - ﷺ - يُصَلِّي صَلاةً قال: "الله أكبرُ كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا ثلاثًا، وسُبحانَ الله بُكرةً وأَصيلًا ثلاثًا، أعوذُ بالله مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم، مِنْ نفخِهِ ونَفْثِهِ وهَمْزِه".
"عن جُبير بن مُطعِم: أنه رأى رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي صلاةً قال: الله أكبر كبيرًا": منصوب بإضمار فعل، أو على حال أو صفة
[ ١ / ٤٨٩ ]
لمحذوف؛ أي: تكبيرًا كبيرًا.
"الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا": صفة لموصوف مقدَّر؛ أي: حمدًا كثيرًا "ثلاثًا".
"وسبحان الله بُكرةً"؛ أي: في أول النهار "وأصيلًا"؛ أي: في آخر النهار، منصوبان على الظرف، والعامل (سبحان).
"ثلاثًا"، خصَّ هذين الوقتين؛ لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فيهما.
"أعوذ بالله من الشيطان من نَفْخِه": بدل اشتمال، وهو إثارته الشرَّ فيه من الخُيَلاء والغضب والكِبْر، سَمَّى ذلك نفخًا لِمَا يوسوس إليه الشيطان في نفسه، فيعظمها عنده، ويحقر النَّاسَ في عينيه حتَّى يدخله الزهو، ويبقى كالذي نُفخَ فيه.
"ونفثِه"؛ أي: ممَّا يأمر النَّاسَ وإنشاء الشِّعر المذموم ممَّا فيه هَجْوُ مُسلِمٍ أو كفرٌ أو فسقٌ؛ لأنَّه كالشيء الذي يُنفَث من الفم كالرُّقية.
وقيل: النَّفْث: السِّحر الذي هو من الضلالات الشيطانية، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤].
"وهَمْزِه"؛ أي: من جعلِه أحدًا مجنونًا، وقيل: الهَمْز: الوسوسة، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧].
* * *
٥٧٥ - عن سَمُرة بن جُنْدُب: أنَّهُ حفِظَ عن رسولِ الله - ﷺ - سكتتَيْنِ: سَكتَة إذا كَبَّرَ، وسَكْتَةً إذا فرغَ مِنْ قراءةِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فصدَّقَهُ أُبيُّ بن كَعْبٍ.
[ ١ / ٤٩٠ ]
"عن سَمُرة بن جُندب: أنه حفظَ عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم سكتتَين: سكتةً إذا كبَّر"، وفائدتها: أن يفرغَ المأمومُ من النيَّة وتكبيرة الإحرام؛ لئلا يفوتَه سماعُ بعض الفاتحة.
"وسكتةً إذا فرغ من قراءة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ "، والغرض منها: أن يقرأَ المأمومُ الفاتحةَ بعد فراغ الإمام منها، ويرجعَ الإمامُ إلى التنفُّس والاستراحة.
"فصدَّقه أُبي بن كعب"، وهاتان السكتتان سُنَّةٌ عند الشَّافعي وأحمد، والثانية مكروهة عند أبي حنيفة ومالك.
* * *
٥٧٦ - وقال أبو هُريرة - ﵁ -: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا نهضَ من الرَّكعةِ الثانيةِ استفتحَ القِراءةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولمْ يسكُت.
"وقال أبو هريرة: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم إذا نهضَ"؛ أي: قامَ "من الركعة الثَّانية" إلى الثالثة "استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يَسكُت"؛ وذلك لأنَّ هذا الموضعَ ليس من الموضعَين اللذَين روى فيهما السكتة.
* * *