(باب القراءة في الصَّلاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٧٧ - قال رسول الله - ﷺ -: "لا صلاةَ لمْن لمْ يقرأْ بفاتِحَةِ الكِتابِ".
[ ١ / ٤٩١ ]
ويروى: "لِمَنْ لمْ يقرأْ بأُمَ القُرآنِ فصاعِدًا".
"من الصحاح":
" عن عبادة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، "ويروى: لمن لم يقرأ بأم القرآن"، سُميت الفاتحة به؛ لِمَا ذكرْنا أنها أولُه وأصلُه.
"فصاعدًا" من: الصعود، وهو الارتقاء من سفل إلى علو، ومعناه هنا: الزائد، نُصب على الحال؛ أي: حالَ كون قراءته زائدًا على أم القرآن.
* * *
٥٧٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: "مَنْ صلَّى صلاةً لم يَقْرأْ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهيَ خِداج ثلاثًا، غيرُ تمامٍ"، وقيل لأبي هريرة - ﵁ -: إنَا نكونُ وراءَ الإمام؟، قال: اقْرَأ بها في نفَسِكَ، فإني سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: "قال الله - ﷿ -: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْني وبينَ عَبْدي نِصْفَيْنِ، ولعَبْدِي ما سألَ، وإذا قالَ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حَمَدني عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ الله: أَثنَى عليَّ عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: الله تعالى مَجَّدَنِي عَبْدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بَيْني وبَيْنَ عَبْدي، ولعَبْدِي ما سألَ، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لِعَبْدِي، وَلعَبْدِي ما سألَ".
"وعن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: مَن صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ"؛ أي: صلاتُه ناقصةٌ.
"ثلاثًًا"؛ أي: قالها ثلاثًا.
"غير تام"، قيل: تأكيد، وقيل: هو من قول المصنف، ذكره تفسيرًا للخِدَاج.
[ ١ / ٤٩٢ ]
"فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراءَ الإمام، قال: اقرَأْ بها"؛ أي: بأم القرآن "في نفسك"؛ أي: سرًّا غير جهر، وإليه ذهب الشَّافعي.
"فإني سمعتُ النبيَّ - ﵊ - يقول: قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاةَ"؛ أي: الفاتحةَ؛ سُميت صلاةً لِمَا فيها من القراءة، وكونها جزءًا من أجزائها.
"بيني وبين عبدي نصفَين"، وحقيقة القِسمة هنا راجعة إلى المعنى، لا إلى مَتلوّ اللفظ؛ لأنَّ نصفَها ثناءٌ، وهو إلى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ونصفَها دعاء ومسألةٌ؛ وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولو كان من قسمة الحروف لَزادَ النصف الأخير زيادةً بينةً.
"ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي".
"وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنَى عليَّ عبدي".
"وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجَّدني عبدي"، التمجيد: نسبة إلى المجد، وهو الكَرَم، وقيل: العَظَمة.
"وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ "؛ أي: نطلب العونَ على الأمور منك.
"قال: هذا بيني وبين عبدي"؛ لأنَّ قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له تعالى، و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للعبد، "ولعبدي ما سأل. وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ "؛ يعني به: كل فعل وقول ونية برضاء الله تعالى.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من الأنبياء والأولياء.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: اليهود.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ يعني: النصارى.
[ ١ / ٤٩٣ ]
"قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل": وهذا يرشد إلى سرعة إجابته تعالى.
* * *
٥٧٩ - وعن أنس: أن النَّبيَّ - ﷺ - وأبا بكرٍ وعمرَ - ﵄ - كانوا يفتَتِحُونَ الصَّلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"وعن أنس - ﵁ -: أن النَّبيَّ - ﵊ - وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاةَ"؛ أي: يبتدئونها "بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "؛ أي: لا بسورة أخرى.
وقيل: معناه: أنهم يسُّرون بالبسملة كما يسرُّون بالتعوُّذ، ثم يجهرون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
وهذه الأحاديث تدل على وجوب قراءة الفاتحة على مَن يَقدِر عليها.
* * *
٥٨٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمنُوا، فإنَّه مَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غفِرَ له ما تقدمَ مِن ذنبه".
وفي روايةٍ: "إذا أمَّنَ القارِئُ فأمِّنُوا، فإنَّ الملائكةَ تؤمِّنُ، فمنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكة غفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ".
وفي روايةٍ: "إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإن الملائكةَ تقولُ: آمين، وإن الإمامَ يقولُ: آمين، فمَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمِينَ الملائكةِ غفِرَ لَهُ ما تقدمَ مِنْ ذَنْبهِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا
[ ١ / ٤٩٤ ]
أمَّنَ" بتشديد الميم "الإمامُ فأمِّنُوا"؛ أي: قولوا: آمين، مقارنًا لتأمين الإمام.
"فإن الملائكةَ يُؤمِّنون معكم، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة"؛ أي: في الإخلاص والخشوع، وقيل: في الإجابة، وقيل: في الوقت؛ وهو الصحيح.
اختُلف في هؤلاء الملائكة؛ قيل: هم الحَفَظَة، وقيل: غيرهم.
"غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه".
وفي رواية: "إذا أمَّنَ القارئ فأَمِّنُوا؛ فإن الملائكةَ تؤمِّن، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه".
وفي رواية: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين" مدًّا وقصرًا، معناه: اسمعْ واستَجِبْ، أو معناه: كذلك فَلْيكنْ، أو اسم من أسمائه تعالى (١).
"فإن الملائكة تقول: آمين، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه".
* * *
٥٨١ - وعن أبي مُوسَى الأَشْعَري، عن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا صلَّيْتُمْ فأقِيمُوا صفوفَكُمْ، ثمَّ لْيؤمَّكُمْ أحدَكُمْ، فإذا كَبَّرَ فكبرُوا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقُولُوا: آمين يُجبْكُمُ الله، فإذا كَبَّرَ وركعَ فكبرُوا وارْكَعُوا، وإذا قالَ: سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَه فقولُوا: اللَّهمَّ رَبنا لَكَ الحَمْدُ، يسمَعِ الله لَكُمْ".
وفي روايةِ: "وإذا قرأَ فأنْصِتُوا".
"وعن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم
_________________
(١) جاء على هامش "غ": "وهو اسم مبني على الفتح، مثل: أين، وكيف؛ لالتقاء الساكنين".
[ ١ / ٤٩٥ ]
أنه قال: إذا صلَّيتُم فأقِيموا"؛ أي: سوُّوا "صفوفَكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبروا"، يريد: أن موافقةَ الإمام واجبةٌ.
"وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين يُجبْكم الله" بالجزم: جواب الأمر بالقول.
"وإذا كبَّر وركع فكبروا واركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمعِ الله لكم" بكسر العين؛ أي: يَقْبَلْه، وكان مجزومًا لجواب الأمر، حُرِّك بالكسر.
قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكتفي الإمام بقوله: سمع الله لمن حمده، ولا يقول: ربنا لك الحمد؛ لأنَّ القِسمةَ بين الذِّكرين تقطع الشركة.
"وفي رواية: فإذا قرأ فأنصتوا"؛ أي: اسكتوا.
قال أبو حنيفة: لا يقرأ المأمومُ خلفَ الإمام، بل يسكت (١).
* * *
٥٨٢ - عن أبي قَتادة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يقرأُ في الظُّهْرِ في الأُولَيَيْنِ بأُمِّ الكِتابِ وسُورتَيْنِ، وفي الرَّكعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بأُمِّ الكِتابِ، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحيانًا، ويُطيلُ في الرَّكعةِ الأُولى ما لا يُطيلُ في الرَّكعةِ الثَّانية، وهكذا في العَصْرِ، وهكذا في الصُّبْحِ.
"وعن أبي قتادة: أن النَّبيّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ في الظُّهر في الأوليين بأمِّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأمِّ الكتاب، ويُسمعنا الآيةَ أحيانًا": يحتمل أنه - ﵊ - كان يُسمعهم إياها ليعلموا السورةَ التي هو فيها، فيقرؤوا نحوَها من السُّوَر في نحوها من الصلوات.
_________________
(١) في "م" زيادة: "وعند الشَّافعي يجب عليه قراءة الفاتحة".
[ ١ / ٤٩٦ ]
"ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يُطِيل": يحتمل أن تكون (ما) نكرة موصوفة؛ أي: تطويلًا لا يطيله "في الركعة الثَّانية"، وأن يكون مصدرية؛ أي: غير إطالته في الركعة الثَّانية.
"وهكذا في العصر، وهكذا في الصُّبح".
* * *
٥٨٣ - قال أبو سعيدٍ الخُدري: كنَّا نَحزرُ قِيامَ رسولِ الله - ﷺ - كما في الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيامَهُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ قِراءةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَة - وفي روايةٍ: في كُلِّ ركعةٍ قَدْرَ ثلاثينَ آية - وفي الأُخْرَيَيْنِ قدر النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وفي الرَّكعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على قَدْرِ قِيامِهِ في الأُخرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وفي الأخْرَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على النِّصْفِ مِنْ ذلك.
"وقال أبو سعيد الخُدري: كُنَّا نَحزِر"؛ أي: نُقدِّر، من (الحَزْر): التقدير.
"قيامَ رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم في الظُّهر والعصر، فحَزَرْنا"؛ أي: قدَّرْنا "قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قَدْرَ قراءة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة".
وفي رواية: "في كل ركعة قَدْرَ ثلاثين آية، وفي الأُخريين قَدْرَ النصف من ذلك، وفي الركعتين الأوليين من العصر على قَدْر قيامه في الأُخريين من الظّهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك".
* * *
٥٨٤ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يقرأُ في الظُّهْرِ بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىي﴾ - ويروى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - وفي العَصْرِ نَحْوَ ذلك، وفي الصُّبْح أطولَ مِنْ ذلك.
[ ١ / ٤٩٧ ]
"قال جابر بن سَمُرة: كان النَّبيّ - ﵊ - يقرأ في الظُّهر بـ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١].
"ويروى: بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصُّبح أطولَ من ذلك".
* * *
٥٨٥ - وقال جُبَيْر بن مُطْعِمْ: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقرَأُ في المغرِب بالطُّور.
"وقال جُبير بن مُطعِم: سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطُّور": وهذا يدل على أن وقت المغرب باقٍ إلى غروب الشفق؛ لأنَّه - ﵊ - كان يقرأ على التأنِّي، و(سورة الطور) إذا قَرَأَ على التأنِّي يَقرُب الفراغ منها من غروب الشفق.
* * *
٥٨٦ - وقالت أم الفَضْل بنت الحارِث: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقرأُ في المغربِ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾.
"وقالت أم الفضل بنت الحارث": هي أخت ميمونة زوجة النَّبيّ ﵊.
"سمعتُ النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾.
* * *
٥٨٧ - وقال جابر: كانَ مُعاذُ بن جَبَلٍ يُصلِّي مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - ثمَّ يأتِي قَوْمَهُ فيُصَلِّي بهِمْ الصلاةَ، فصلَّى ليلةً مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - العِشَاءَ، ثمَّ أَتى قَوْمَهُ فأَمَّهُمْ فافتَتَحَ
[ ١ / ٤٩٨ ]
سُورةَ البقرةِ، فانْحَرَفَ رجلٌ فسلَّمَ ثمَّ صلَّى وحدَهُ وانصرفَ، فبلغَ ذلكَ مُعاذًا فقال: إنه مُنافِق، فبلغَ ذلكَ الرجُلَ، فأتَى النَّبيِّ - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله!، إنَّا قَوْمٌ نعملُ بأَيْدينا ونَسْقي بنواضحِنا، وإنَّ مُعاذًا صلَّى بنا البارحةَ فقرأَ البقرةَ فتجوَّزْتُ، فزعم أنِّي مُنافِقٌ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: "يا معاذُ!، أفتَّانٌ أنت؟ - ثلاثًا - اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ونحوهما".
"وقال جابر: كان معاذ بن جبل يصلِّي مع النَّبيّ ﵊، ثم يأتي قومَه فيصلِّي بهم، فصلَّى ليلة مع النَّبيّ - ﵊ - العشاءَ، ثم أتى قومَه فأمَّهم": هذا يدل على جواز اقتداء المُفترِض بالمتنفِّل، وبه قال الشَّافعي.
"فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل"؛ أي: مالَ عن الصفِّ وخرجَ منه، والرجل حزم بن أبي كعب (١) الأنصاري.
"فسلَّم، ثم صلَّى وحده"؛ أي: استأنَفَ الصلاةَ منفردًا؛ لأنَّه لم يَعلَم أنه لو فارَقَ بالنية وانفرد وأتَمَّ بلا استئناف لَجازَ له ذلك.
"وانصرفَ"؛ أي: خرجَ من المسجد.
"فبلغَ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك"؛ أي: قولُ معاذ أنه منافق.
"الرجلَ، فأتى"؛ أي: الرجلُ "النَّبيّ - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله! إنَّا قومٌ نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا" جمع: ناضحة، أنثى: ناضح، وهو ما يُستَقى عليه من البعير.
"وإن معاذًا صلَّى بنا البارحةَ"؛ أي: الليلةَ الماضيةَ.
_________________
(١) في جميع النسخ: "حزام بن أبي بن كعب".
[ ١ / ٤٩٩ ]
"فقرأ البقرة، فتجوَّزت من صلاتي"؛ أي: اختصرتها وخفَّفتها، وقيل: أي: ترخَّصت بترك متابعته، وقيل: من (الجَوز) بمعنى: القطع، وهذا يدل على أن للمأموم إذا عَرَضَ له أمرٌ أن يخرجَ من إمامة الإمام ويتمَّها لنفسه.
"فزعم أني منافق، فقال - ﵊ -: يا معاذُ! أفتَّان أنتَ؟ ثلاثًا": استفهام على وجه التوبيخ والإنكار، وأصل الفتنة: الامتحان والابتلاء؛ أي: أتَصرِف النَّاسَ عن دينهم وتَحمِلَهم على الضلال؟!
"اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوهما": يدل على سُنِّية تخفيفِ الإمامِ الصلاةَ، وأن يقتديَ بأضعفهم.
* * *
٥٨٨ - وقال البَرَاء: سمعتُ النَّبيّ - ﷺ - يقرأُ في العِشاءَ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وما سمعتُ أحدًا أحسنَ صوتًا منهُ.
"وقال البراء: سمعتُ النَّبيّ - ﵊ - يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وما سمعتُ أحدًا أحسنَ صوتًا منه".
* * *
٥٨٩ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ رسول الله - ﷺ - يقرأُ في الفَجرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونَحْوِهَا.
"وقال جابر بن سَمُرة: كان رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونحوها".
* * *
٥٩٠ - وعن عَمْرو بن حُرَيْثٍ - ﵁ -: أنَّهُ سَمعَ النَّبيَّ - ﷺ - يقرأُ في الفَجْرِ
[ ١ / ٥٠٠ ]
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
"وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبيَّ - ﵊ - يقرأ في الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، يريد: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ".
* * *
٥٩١ - وعن عبد الله بن السَّائب - ﵁ - قال: صلَّى لنا رسولُ الله - ﷺ - الصُّبْحَ بمكَّةَ، فاستفتحَ سُورَةَ (المؤمنين) حتَّى جاءَ ذِكْرُ موسى وهارونَ - أو ذِكْرُ عيسى - أخذَتِ النَّبيَّ - ﷺ - سَعْلَةٌ فَرَكَعَ.
"وعن عبد الله بن السَّائب أنه قال: صَلَّى لنا رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم الصبحَ بمكة، فاستفتح سورةَ المؤمنين" أراد: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١].
"حتى جاء ذكرُ موسى وهارون" أراد به: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾.
"أو ذكر عيسى" أراد به: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠].
"أخذَتِ النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم سَعْلَةٌ"، وهي فَعْلَة من: السُّعال، وهو صوت يكون من وجع الحلق واليبوسة فيه.
قيل: إنما أخذتْه بسبب البكاء؛ أي: بَكَى حتَّى غلبَ عليه السعالُ، ولم يتمكن من إتمام السورة، "فركع".
* * *
٥٩٢ - قال أبو هريرة - ﵁ -: كانَ النَّبيّ - ﷺ - يَقْرَأُ في الفَجْرِ يومَ الجُمُعَةِ بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الرَّكْعَةِ الأُوْلَى، وفي الركعة الثَّانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ
[ ١ / ٥٠١ ]
حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾.
"وقال أبو هريرة: كان النَّبيّ - ﵊ - يقرأ في الفجر يومَ الجمعة: بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الركعة الأولى، وفي الثَّانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ".
* * *
٥٩٣ - وقال عُبَيْد الله بن أبي رافعٍ: صلَّى لنا أبو هريرة - ﵁ - فيه الجُمعة فقرأَ سُورةَ الجُمعةِ في السَّجْدَةِ الأُولَى، وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فقال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقرأُ بهِمَا يومُ الجُمعة.
"وقال عبيد الله بن أبي رافع: صَلَّى بنا أبو هريرة يومَ الجمعة، فقرأ سورةَ الجمعة في السجدة الأولى"؛ أي: في الركعة الأولى.
"وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فقال: سمعتُ رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ بهما يومَ الجمعة".
* * *
٥٩٤ - وقال النُّعمانُ بن بشيرٍ: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يقرأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإذا اجتمعَ العيدُ والجُمعةُ في يومٍ واحدٍ قرأَ بهما في الصَّلاتَيْنِ.
"وقال نعمان بن بشير: كان رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وإذا اجتمع العيد والجمعة في يومٍ واحدٍ قرأ بهما"؛ أي: بتلك السورتَين "في الصلاتين".
* * *
[ ١ / ٥٠٢ ]
٥٩٥ - وسأل عمرُ بن الخطَاب - ﵁ - أبا واقدٍ اللَّيثيُّ - ﵄ -: ما كانَ يَقرأُ بِهِ رسولُ الله - ﷺ - في الأضحى والفطرِ؟، فقال: كانَ يقرأُ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
"وسأل عمرُ بن الخطاب أبا واقد": لم يُعرَف اسمه ولا اسم أبيه.
"اللَّيثي"؛ أي: هو من قبيلة لَيث بن بكر.
"ما كان يقرأ به رسولُ الله - صلَّى الله تعالى عليه وسلم في الأضحى والفطر"؛ أي: أيَّ شيء يقرأ فيهما؟
"فقال: كان يقرأ فيهما بـ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (١).
* * *
٥٩٦ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - قرأَ في ركعتي الفجرِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
"وقال أبو هريرة - ﵁ -: أن رسولَ الله - صلَّى الله تعالى عليه وسلم قرأ في ركعتَي الفجر" أراد به: سُنَّة الفجر.
" ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
* * *
٥٩٧ - وقال ابن عباسٍ: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يقرأُ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ والتي في آل عمران: ﴿تعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
"وقال ابن عباس - ﵁ -: كان رسولُ الله صلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في ركعتَي الفجر": أراد به: السُّنَّة أيضًا.
[ ١ / ٥٠٣ ]
"بـ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ والتي"؛ أي: التي "في آل عمران، أولها: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٩٨ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: كانَ رسول الله - ﷺ - يَفتَتِحُ صلاتَهُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ضعيف.
"من الحسان":
" عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان النَّبيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "؛ أي: يَجهَر به في أول الفاتحة بحيث يُسمَع، وهذا مذهب الشَّافعي، ومذهب أبي حنيفة: الإسرار به.
(ضعيف)؛ لأنَّه تفرد لإخراجه أبو عيسى لا غير.
* * *
٥٩٩ - عن وائل بن حُجْر أنه قال: سمعتُ النَّبيّ - ﷺ - قرأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقالَ: "آمين" مدَّ بها صوْتَهُ.
"وعن وائل بن حُجْر أنه قال: سمعت النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: آمين، مدَّ بها صوتَه" فيه: دليل على أنه يجهر بها، وبه قال الشَّافعي.
* * *
٦٠٠ - وعن أبي زُهير النُّميري أنه قال: خرجْنَا معَ رسولِ الله - ﷺ - ذاتَ ليلةٍ، فأتَيْنَا على رجلٍ قد ألحَّ في المَسألةِ، فقال النَّبيّ - ﷺ -: "أَوْجَبَ إن خَتَم! "،
[ ١ / ٥٠٤ ]
فقالَ رجلٌ من القومِ: بأيِّ شيءٍ يختمُ؟، قال: "بآمين".
"وعن أبي زهير النُّمَيري أنه قال: خرجْنَا مع رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ، فأَتَيْنا على رجل قد ألحَّ"؛ أي: بالَغَ "في المسألة من الله تعالى"؛ أي: في الدعاء والسؤال منه تعالى.
"فقال النَّبيّ - ﵊ -: أَوْجَبَ"؛ أي: أوجبَ إجابةَ دعائه.
"إن خَتَمَ"؛ أي: المسألةَ.
"فقال رجل من القوم: بأيِّ شيءٍ يختم؟ قال: بآمين": وهذا يدل على أن مَن دعا يُستحب أن يقول بعد دعائه: آمين، وإن كان الإمامُ يدعو للقوم يكفي له تأمينُ القوم.
* * *
٦٠١ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - قرأَ في صلاةِ المغربِ بسورةِ الأعرافِ، فرَّقَها في ركعتين.
"عن عائشة ﵂: أن رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في ركعتين"؛ أي: قرأ بعضَها في ركعة وبعضَها الآخر في أخرى، وذلك يحتمل أنه - ﵊ - قرأ قليلًا منها في الركعة الأولى، فأدرك بذلك الركعةَ في الوقت، ثم قرأ باقيها في الثَّانية، ولا بأسَ بوقوع الثَّانية خارجةً منه.
أو أطلق الراوي (سورة الأعراف) وأراد بعضها، هذا إن قلنا: إن وقت المغرب مضيَّق، وإلا كان ذلك لبيان الجواز واتساع الوقت، كما قال به قوم.
* * *
[ ١ / ٥٠٥ ]
٦٠٢ - وقال عُقْبة بن عامر: كنتُ أقودُ لرسول الله - ﷺ - ناقتَهُ في السفَرِ، فقالَ لي: "يا عقبةُ! ألا أُعَلِّمُك خيرَ سورتينِ قُرِئتَا؟ " فَعَلَّمني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، قال: فَلَمْ يَرَني سُرِرْتُ بهما جِدًّا، فلمَّا نزلَ لصلاةِ الصبح صلَّى بهما صلاةَ الصُّبح للناسِ، فلمَّا فرغَ التفتَ إليَّ فقالَ: "يا عقبةُ!، كيفَ رأيتَ؟ ".
"وقال عقبة بن عامر: كنت أقود لرسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ناقتَه في السفر، فقال لي: يا عقبةُ! ألا أعلِّمك خير سورتَين قُرِئتا؟ فعلَّمَني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ".
تخصيصهما [منه]- ﵊ - بالخيرية باعتبار حال الراوي وما هو فيه من الوقت؛ فإنَّه كان في سفر وقد أظلم عليه الليل، ورآه مفتقرًا إلى تعلُّم ما يستعيذ به من شرِّ الليل، ولم يَرَ أسهلَ تعلُّمًا وأوفرَ حظًّا في الاستعاذة من هاتين؛ لوجازة لفظهما، واشتمالهما على المعنى الجامع، ولم يفهم عقبة المعنى المراد من تخصيصه - ﵊ - إياهما، ولذا قال: "فلم يَرَني"؛ أي: النَّبيّ ﵊ "سُرِرتُ بهما جدًّا"؛ وذلك لظنه أن الخيريةَ إنَّما تقع بالطول والقِصَر.
"فلما نزل - ﷺ - لصلاة الصبح صَلَّى بهما صلاةَ الصبح للناس"؛ تنبيهًا إلى أنهما يسدَّان مسدَّ الطويلتين.
"فلما فرغ" من الصَّلاة "التفتَ إلي فقال: يا عقبة! كيف رأيتَ؟ "؛ أي: كيف رأيتَني قرأتُهما في صلاة الصبح لعِظَم قَدْرهما، فلو لم تكونا عظيمتَي القَدْر لَمَا قرأتُهما فيها؟
* * *
[ ١ / ٥٠٦ ]
٦٠٣ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ النبيُّ - ﷺ - يقرأُ في صلاةِ المغربِ ليلةَ الجمعةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
"وقال جابر بن سَمُرة: كان النَّبيّ - ﵊ - يقرأ في صلاة المغرب ليلةَ الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
أعلم أن هذا وأشباهَه ليس على الدوام، بل يقرأ في كل وقت شيئًا؛ ليَعلَم النَّاسُ جوازَ ما يقرأ.
* * *
٦٠٤ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ما أُحصِي ما سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقرأُ في الركعتين بعدَ المغربِ وفي الركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
"وقال عبد الله بن مسعود: ما أُحصِي ما سمعتُ رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم"، (ما) الأولى: نافية، والثانية: موصولة؛ أي: لا أَقدِر أن أعدَّ المرات "التي كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: وهذا كناية عن الكثرة.
* * *
٦٠٥ - وقال سليمانُ بن يسارٍ، عن أبي هريرة - ﵁ -: ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبهَ صلاة برسولِ الله - ﷺ - من فلانٍ، قال سليمانُ: صلَّيتُ خلْفَهُ، فكانَ يُطيلُ الركعتينِ الاُولَيَيْنِ من الظهرِ، ويُخَفِّفُ الأخريينِ، ويُخَفِّف العصرَ، ويقرأُ في الركعتينِ الأوليينِ من المغربِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وفي العشاءِ بوسَطِ المُفَصَّلِ،
[ ١ / ٥٠٧ ]
وفي الصُّبح بطِوالِ المُفَصَّلِ.
"وقال سليمان بن يسار، عن أبي هريرة: ما صلَّيتُ وراءَ أحدٍ أشبهَ صلاةً برسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم من فلان"، قيل: هو عليٌّ، وقيل: أمير بالمدينة، وقيل: عمر بن عبد العزيز.
"قال سليمان: فصلَّيت خلفَه"؛ أي: خلفَ ذلك الفلان.
"وكان يطيل الركعتين الأُوليين من الظُّهر، ويخفِّفُ الأُخريين، ويخفِّف العصر، ويقرأ في الركعتين الأُوليين من المغرب بقِصَار المفصَّل": وهو السبع الأخير، سُمي به لكثرة فصوله؛ أي: سُوَره، وقِصَاره مثل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
"وفي العشاء بأوساط المفصَّل"، أوساطه مثل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١].
"وفي الصبح بطِوَال المفصَّل"، طواله مثل: (سورة محمد) و(القمر).
وقيل: طِوَاله من سورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١]، إلى سورة ﴿عَمَّ﴾، وأوساطه: من ﴿عَمَّ﴾ إلى ﴿وَالضُّحَى﴾، وقِصَاره: من ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى آخر القرآن.
* * *
٦٠٦ - وقال عُبادة بن الصَّامت: كنا خلفَ النبيّ - ﷺ - في صلاةِ الفجرِ، فقرأَ فَثَقُلَتْ عليهِ القراءةُ، فلمَّا فرغَ قالَ: "لعلَّكم تَقْرَؤونَ خلفَ إمامِكُمْ؟! "، قلنَا: نعمْ يا رسولَ الله، قال: "لا تَفعلوا إلَّا بفاتِحَةِ الكتابِ، فإنَّه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها" وفي روايةٍ قال: "وأنا أقولُ مالي يُنازِعُنِي القرآنُ!، فلا تَقْرؤوا بشيءٍ من القرآنِ إذا جهرتُ إلَّا بِأُمِّ القرآنِ".
[ ١ / ٥٠٨ ]
"وقال عُبادة بن الصَّامت: كُنَّا خلف النَّبيّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم في صلاة الفجر، فقرأ، فثَقُلَتْ عليه القراءةُ"؛ أي: تعسَّرت؛ لشغل أصوات المأمومين بالقراءة.
"فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم يا رسولَ الله! قال: لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب"؛ فإنَّه لا صلاةَ لمن لم يقرأ بها.
"وفي رواية: قال: وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن؟! "؛ أي: ينازعني مَن ورائي فيه بقراءتهم على التغالُب؛ يعني: تشوِّش قراءتهم على قراءتي.
"فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ إلَّا بأم القرآن"، ذهب الشافعي به إلى أن المأمومَ يقرأ الفاتحة خلف الإمام، قلنا: هذا محمول على ابتداء الإسلام.
* * *
٦٠٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن النبيَّ - ﷺ - انصرفَ من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءةِ، فقال: "هل قرأَ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "، فقالَ رجلٌ: نعم يا رسولَ الله، قال: "إنِّي أقولُ: ما لي أُنازَعُ القرآنَ! "، قال: فانتهى النَّاسُ عن القراءةِ مع النبيِّ - ﷺ - فيما جهرَ فيه بالقراءة من الصلاةِ حينَ سَمِعُوا ذلكَ من رسولِ الله - ﷺ -.
"وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم انصرف"؛ أي: فرغَ "من صلاةِ جهرَ فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "؛ يعني: الآن.
"فقال رجل: نعم يا رسول الله! قال: إنِّي أقول: ما لي أُنازَع القرآنَ؟! " قيل: على صيغة المجهول؛ أي: أُداخَل في القراءة وأُشارَك فيها وأُغالَب عليها؛ وذلك لأنهم جهروا بالقراءة خلفه، فشغلوه، كأنهم نازَعُوه.
[ ١ / ٥٠٩ ]
"قال" أبو هريرة: "فانتهى النَّاس عن القراءة"؛ أي: تركوها.
"مع رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فيما جهر فيه بالقراءة من الصَّلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم" ومَن قال بقراءتها خلفَ الإمام في الجهرية حملَه على ترك الصوت في القراءة خلفَه.
* * *
٦٠٨ - وقال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ المُصلِّي يُنَاجي ربَّه، فلينظرْ ما يُناجيه به، ولا يجهرْ بعضُكم على بعضٍ بالقرآنِ".
"عن البَيَاضي أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إن المصلِّي مناجٍ ربَّه": اسم فاعل من (ناجَى): إذا جرى سِرٌّ وكلامٌ خفيٌّ بين اثنين.
"فَلْينظرْ ما يناجيه به" (ما): استفهامية، والضمير في (ما يناجيه) راجع إلى (الربِّ)، وفي (به) إلى (ما)؛ يعني: فَلْيتأملْ في جواب ما يناجيه به من القول على سبيل التعظيم، ومواطأة القلب اللسانَ، والإقبال إلى الله تعالى، وذلك إنَّما يحصل إذا لم ينازعه صاحبُه بالقراءة.
"ولا يَجهَرْ بعضُكم على بعض بالقرآن"، عدَّى بـ (على) لإرادة معنى الغَلَبة؛ أي: لا يَغْلِبْ ولا يُشوِّشْ بعضُكم بعضًا جاهرًا بالقراءة.
* * *
٦٠٩ - وعن أبي هريرة أنه قال: قال النَّبيُّ - ﷺ -: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤُتَمَّ بِهِ، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأَ فَأنصِتُوا".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم:
[ ١ / ٥١٠ ]
إنما جُعل الإمامُ لِيُؤتَمَّ"؛ أي: ليُقتدَى "به".
"فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأ فأَنْصِتُوا": يدل على أنه لا يقرأ خلفَ الإمام.
٦١٠ - وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: إني لا أستطيعُ أن آخُذَ من القرآنِ شيئًا، فعلِّمْنِي ما يُجْزِئني، قالَ: "قلْ: سُبحانَ الله، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم"، قال: يا رسولَ الله!، هذا للَّهِ، فما لي؟، قال: "قلْ: اللهمَّ ارحمني، وعافِنِي، واهدِنِي، وارزُقني".
"وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: جاء رجلٌ إلى النبي - ﵊ - فقال: إني لا أستطيع"؛ أي: في هذه الساعة "أن آخُذَ من القرآن شيئًا"، وقد دخلت عليَّ وقتُ الصلاة.
"فعلِّمْني ما يُجزِئني"؛ أي: في الصلاة.
"قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، قال الشافعي: مَن تعذَّر عليه تعلُّم الفاتحة؛ إما لضيق الوقت أو لبلادته، ولم يعلم شيئًا من القرآن بقَدْر آيات الفاتحة وجب عليه أن يأتي بالتسبيح والتهليل بدل الفاتحة، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمَه أن يتعلَّمَها.
وقيل: معناه: لا أستطيع أن آخذَ من القرآن حزبًا أتقرَّب بتلاوته إلى الله في آناء الليل وأطراف النهار؛ والمعنى الأول أنسب بالباب.
(قال: يا رسولَ الله! هذا لله"؛ أي: هذه الكلمات ذِكرُ الله تعالى.
"فمالي؟ " علِّمْني شيئًا يكون لي فيه دعاء واستغفار.
[ ١ / ٥١١ ]
"قال: قل: اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني".
٦١١ - وعن ابن عبَّاسٍ - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "سبُحان ربيَ الأَعلى".
"عن ابن عباس - ﵁ -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى": هذا الحديث - كما في الحديثين الأخيرين - يدل على استحباب الإجابة فيما يُقرَأ من القرآن في الصلاة وغيرها، وإليه ذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة: لا يجوز في الصلاة.
٦١٢ - ورُوِيَ عن أبي هُريرة - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ قرأَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقلْ: بلى، وأنا على ذلكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، ومَنْ قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقلْ: بلى، ومَنْ قرأَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقلْ: آمَنِّا بالله".
"ورُوي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: مَن قرأ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؛ أي: أقضى القاضين، يحكم بينك وبين أهل التكذيب بك يا محمد.
"فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومَن قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾؛ أي: الذي جعلَ خَلْقَ الإنسانِ مِن نطفةِ تُمْنَى في الرَّحِم ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقل: بلى، ومَن قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعدَ القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ " إذا لم يؤمنوا به، مع أنه معجزةٌ باهرةٌ من بين الكتب المُنزَلَة.
[ ١ / ٥١٢ ]
"فليقل: آمنا بالله".
٦١٣ - وعن جابرٍ قال: قرأ رسولُ الله - ﷺ - على أصحابهِ سورَةَ الرحمنِ فسكَتُوا، فقال: "لقدْ قرأتُها على الجنِّ فكانُوا أحسنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كلَّما أَتيتُ على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: لا بشيءٍ من نِعَمِكَ رَبنا نكذبُ، فَلَكَ الحَمْدُ"، غريب.
"وعن جابر أنه قال: قرأ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أصحابه سورة الرحمن، فسكتوا، فقال: لقد قرأتُها على الجن ليلةَ الجن فكانوا أحسنَ مردودًا": مفعول بمعنى المصدر؛ أي: أحسنَ ردًّا وإجابة "منكم"، وإنما نزَّلَ سكوتَهم منزلةَ إجابتهم من حيث اعترافُهم بأن في الإنس والجن مَن هو مكذِّب بآلاء الله، وكذلك في الجن مَن هو معترِف بذلك أيضًا، لكنَّ نفيَهم التكذيبَ عن أنفسهم باللفظ أيضًا أدلُّ على الإجابةِ وقَبولِ ما جاء به الرسول - ﵊ - من سكوت الصحابة أيضًا، فلذا قال:
(كانوا أحسنَ مردودًا منكم).
"كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ": الخطاب للإنس والجن: بأي نعمة مما أنعم الله عليكم تكذِّبون وتجحدون نِعَمَه بترك شكره وتكذيب رسله وعصيان أمره؟
"قالوا: لا بشيء مِن نِعَمِك ربنا نكذِّب"؛ أي: لا نكذِّب بشيءٍ منها.
"فلك الحمد. غريب".
[ ١ / ٥١٣ ]
شرح مصابيح السنة للإمام البغوي
تأليف
المحدث الفقيه ابن الملك الرومي محمد بن عبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني الرومي الحنفي
المتوفى سنة ٨٥٤ هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثاني]
[ ٢ / ٥٤٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٢ ]
شَرْحُ مَصَابِيحِ السُّنَّةِ لِلإمَامِ البَغَوِيِّ
[ ٢ / ٣ ]
تَابع (٤) كِتابُ الصَّلَاةِ