(باب الدعاء في التشهد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٦٦٤ - قالت عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يَدْعُو في الصلاة: "اللهمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ منْ عذابِ القَبْرِ، وأعوذُ بِكَ منْ فتنةِ المَسيح الدَّجَّال، وأَعوذُ بِكَ مِنْ فتنةِ المَحْيَا وفتنةِ المَماتِ، اللهمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنَ المَأثَم والمَغْرَمِ"، فقالَ له قائلٌ: ما أكثرَ ما تستعيذُ مِنَ المَغْرَمَ!، فقال: "إنَّ رجلًا إذا غَرِمَ حدَّثَ فكَذَبَ وَوَعَدَ فأخْلَفَ".
"من الصحاح":
" قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال"، سُمي مسيحًا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة؛ أي: ذاهبة، أو ممسوح عن كل خير؛ أي: مُبعَد عنه.
أو هو فعيل بمعنى: فاعل، من: المساحة؛ لأنه يمسح الأرضَ بتردُّده فيها؛ أي: يُقدِّرها وَيعدُّها بالذراع والشِّبر، ويقطعها بحيث لا يكون بلد إلا دخلَه غيرَ مكة والمدينة.
"وأعوذ بك من فتنة المحيا" المراد منه: الابتلاء مع زوال الصبر والرضا، والوقوع في الآفات، والإصرار على الفساد، وترك متابعة طريق الهُدَى.
"وفتنة الممات": سؤال مُنكَر ونكير مع الحَيرة في جوابهما، والخوف من عذاب القبر وما فيه من أنواع العقاب.
[ ٢ / ٣٥ ]
"اللهم إني أعوذ بك من المَأثَم": وهو الأمر الذى يَأئَم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، وضعًا للمصدر موضعَ الاسم.
"والمَغْرَم": مصدر كـ (الغَرَامة)، وُضع موضعَ الاسم أيضًا، يريد به: مَغْرَم الذنوب والمعاصي، وقيل: المَغْرَم هو الدَّين.
"فقال له قائل: ما أَكثَرَ ما تستعيذ"، (ما) الأولى: للتعجب، والثانية: مصدرية؛ أي: ما أكثرَ استعاذتك "من المَغْرَم! فقال" ﵊: "إن الرجلَ إذا غَرِمَ"؛ أي: لزمه دَينٌ.
"حدَّث فكَذَبَ"؛ لأنه إذا تقاضاه رَبُّ الذَين ولم يحضره ما يؤدِّي دَينَه يَكذِب؛ ليتخلصَ من يده، ويقول له: لي مالٌ غائبٌ إذا حضرَ أؤدِّي دَينَك.
"ووعد" بأن يقول: أعطيك غدًا أو في المدة الفلانية.
"فأَخلَفَ" في وعده.
٦٦٥ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فليتعوَّذْ بالله من أَرْبَعٍ: مِنْ عذابِ جهنَّمَ، ومِن عذابِ القَبْرِ، وَمِنْ فتنةِ المَحْيا والمَماتِ، ومِنْ شَرِّ المَسيح الدَّجَّالِ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا فرغَ أحدُكم من التشهُّد الأخير فَلْيتعوَّذْ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ المسيح الدجال".
٦٦٦ - وعن ابن عبَّاس: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان يُعَلِّمهم هذا الدُّعاءَ، كما يُعَلِّمهم السورةَ مِنَ القرآنِ يقولُ: "قولوا: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنْ عذابِ
[ ٢ / ٣٦ ]
جهنَّمَ، وأعوذُ بِكَ مِنْ عذابِ القبرِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ، وأعوذُ بِكَ من فتنةِ المَحْيا والمَماتِ".
"وعن ابن عباس: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعلِّمهم هذا الدعاءَ كما يعلِّمهم السورةَ من القرآن، يقول: قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات"، ذهب طاوس إلى وجوب هذا الدعاء فيها، والجمهور على أنه مستحب.
٦٦٧ - وقال أبو بكر - ﵁ - للنبيِّ - ﷺ -: علِّمني دعاءً أَدْعُو به في صَلاتي، قالَ: "قُلْ: اللهمَّ إنِّي ظلَمتُ نفسي ظُلمًا كبيرًا، ولا يَغفرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ، فاغفِرْ لي مغفرةً من عندِك وارْحَمْني، إنَّكَ أنتَ الغَفور الرَّحيم".
"وقال أبو بكر - ﵁ - للنبي - ﵊ -: علِّمْني دعاءً أدعو به في صلاتي"؛ أي: عقيبَ التشهُّد؛ لأن ذلك هو محلُّ الدعاء.
"قال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كبيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ"؛ فإن غفرانَ جميع الذنوب لا يُتصوَّر إلا منه تعالى.
"فاغفرْ لي مغفرةً": التنوين يدل على أنه غفرانٌ لا يُكتَنَه كُنهُه، ثم وصفه بقوله:
"من عندك" مريدًا بذلك التعظيم؛ لأن ما يكون من عند الله لا يحيطه وصفُ واصفٍ، وقيل: معناه: مِن مَحْضِ فضلِك، لا باستحقاق مني.
"وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم".
[ ٢ / ٣٧ ]
٦٦٨ - عن عامر بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، أنه قال: كنتُ أرى رسولَ الله - ﷺ - يُسَلِّم عن يَمينهِ وعن يَسارِهِ حتى أَرى بَياضَ خدِّه.
"عن عامر بن سعد، عن أبيه أنه قال: كنتُ أرى رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياضَ خدِّه"؛ أي: صفحةَ وجهِه.
ويروى: "يُرى" مجهولًا؛ يعني: أنه كان إذا سلَّم عن يمينه يُرى صفحةُ وجهه، وإذا سلَّم عن اليسار يُرى صفحةُ وجهه منها أيضًا.
٦٦٩ - قال سَمُرَةُ بن جُنْدَبٍ: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا صلَّى صلاة أقْبَلَ علينا بِوَجْهِهِ.
"قال سَمُرة بن جُندب - ﵁ -: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلَّى صلاةً أقبلَ علينا بوجهه"؛ أي: يَصرِف وجهَه يمينًا ويسارًا عند التسليم.
٦٧٠ - وقال أنسٌ: كانَ النبيُّ - ﷺ - ينصرِفُ عن يَمينهِ.
"قال أنس - ﵁ -:: كان النبي - ﵊ - ينصرف عن يمينه"؛ يعني: أنه كان إذا أتمَّ الصلاةَ وأراد أن يقومَ وينصرفَ يَنصرفُ عن جانبه الأيمن تبرُّكا بالتيامُن؛ لأنه مستحبٌّ.
٦٧١ - قال عبدُ الله بن مَسْعود - ﵁ -: لا يجعلُ أحدُكم للشَّيطانِ شيئًا من
[ ٢ / ٣٨ ]
صلاتِهِ يَرى أنَّ حقًَّا عليهِ أنْ لا ينصرِفَ إلا عن يَمينهِ، لقدْ رأَيتُ النَّبيَّ - ﷺ - كثيرًا ينصرِفُ عن يَسارِهِ.
"وقال عبد الله بن مسعود: لا يجعل أحدُكم للشيطان شيئًا من صلاته يرى": بضم الياء؛ أي: يظنُّ، وبفتحها؛ أي: يعتقد.
"أن حقًّا عليه أن لا ينصرفَ"؛ أي: بعدَ الفراغ من صلاته "إلا عن يمينه"، فمن اعتقد أنه يجب عليه الانصرافُ من جانب الأيمن فقد اعتقد شيئًا غير ما فعلَه رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومَن اعتقد ذلك فقد تابَعَ الشيطانَ، فلم تكنْ صلاتُه كاملةً.
"لقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرًا ينصرف عن يساره".
٦٧٢ - وقال البَراءُ: كُنّا إذا صَلَّيْنا خلْفَ رسولِ الله - ﷺ - أحْبَبنا أنْ نكونَ عن يَمينِه، يُقْبلُ علَيْنا بوَجْهِهِ، قالَ: فسمعتُهُ يقولُ: "ربِّ قِني عذابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبادَكَ، أوْ تجمَعُ عبادَكَ".
"وقال البراء: كنا إذا صلَّينا خلفَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحبَبنا أن نكونَ عن يمينه؛ يُقبل علينا بوجهه" عند التسليم قبل أن يُقبلَ على مَن عن يساره.
"قال: فسمعته يقول" بعد التسليم.
"رب قني عذابك"؛ أي: احفظني منه.
"يوم تبعث عبادك، أو تجمع عبادك": شكٌّ من الراوي.
[ ٢ / ٣٩ ]
٦٧٣ - قالت أمُّ سَلَمَةَ: إنَّ النِّساءَ في عَهْدِ رسول الله - ﷺ - كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتوبَةِ قُمْنَ، وثَبَتَ رسولُ الله - ﷺ - ومَنْ صلَّى مِنَ الرِجالِ ما شاءَ الله، فإذا قامَ رسولُ الله - ﷺ - قامَ الرِّجالُ.
"قالت أم سلمة: إن النساء في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كُنَّ إذا سَلَّمْنَ من المكتوبة قُمْنَ، وثبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ لينصرف النساء كي لا يختلط الرجال بهنَّ.
"ومَنْ صلَّى" عطف على (رسول الله)؛ أي: وثبَتَ مَنْ صلَّى.
"مِنَ الرجال ما شاء الله"؛ أي: زمانًا شاء الله أن يثبت فيه.
"فإذا قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قام الرِّجال"، يُعْلَم مِنْ هذا استحباب ثبات الإمام لهذا، واستحباب عدم قيام المأمومين قبل أن يقوم الإمام.
٦٧٤ - وقال جابرُ بن سَمُرَةَ: كَانَ - يعني رسولَ الله - ﷺ - لا يقومُ من مُصَلَاّهُ الذي يُصلِّي فيه الصُّبحَ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ، وكانوا يتحدَّثون، فيأخذونَ في أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، لْيَضْحَكونَ، ويتَبَسَّم.
"وقال جابر بن سَمُرة: كان؛ يعني: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" تفسير لضمير (كان).
"لا يقوم من مُصلَاّه الذي يصلِّي فيه الصبح حتى تَطْلُعَ الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية"؛ أي: يتحدثون بما جرى عليهم قبل الإسلام.
[ ٢ / ٤٠ ]
"فيضحكون ويبتسم": - ﵊ -، فيه دليل على جواز استماع الكلام المباح.
مِنَ الحِسَان:
٦٧٥ - عن مُعاذ بن جبَل - ﵁ - أنه قال: أخذ بيدي رسولُ الله - ﷺ - فقالَ: "إِنِّي لأحِبُّكَ يا معاذُ! "، فقلتُ: وأنا أُحِبُّكَ يا رسولَ الله!، قالَ: "فلا تَدعْ أنْ تقولَ في دُبُرِ كُل صلاةٍ: ربِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وشكرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ".
"من الحسان":
" عن معاذ بن جبل أنه قال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إني لأحبك يا معاذا فقلت: وأنا أحبُّك يا رسول الله! "، مخاطبته - ﵊ - بالمحبة أشدُّ تأكيدًا من مخاطبة معاذ له بها.
"قال: فلا تدع"؛ أي: فلا تترك.
"أن تقول في دبر كل صلاة"؛ أي: في عَقِبها.
"اللهم": ربِّ.
"أعنِّي على ذِكْرِك"، المطلوب منه: شرح الصدور وتيسير الأمور وإليه لَمَحَ قول الكليم: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ إلى قوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤].
"وشكرك": المطلوب منه: توالي النِّعم المستجلبة لتوالي الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه لأنه عسير جدًا، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
[ ٢ / ٤١ ]
"وحسن عبادتك": المطلوب منه: التجرد عما يشغله عن الله تعالى؛ ليفرغ إلى المناجاة.
والمذكورات الثلاثة في الحديث غايات، والمطلوب هو البدايات، فذِكْرُ الغايات تنبيهٌ على أنها هي المطالب الأولية وإن كانَتْ نهاياتُ تلك وسائلَ إليها.
وهذا يدل على أنَّ مَنْ يحبُّ أحدًا ينبغي أن يريد له كل خير، ويدله على كل خير.
٦٧٦ - وعن عبد الله بن مَسْعود: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان يُسَلِّمُ عن يَمينهِ: "السلامُ عليكم ورحمةُ الله"، حتَّى يُرى بياضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وعن يَسارِهِ: "السلامُ عَلَيْكُم ورحمةُ الله" حتَّى يُرى بياضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ.
"وعن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى بياضُ خدِّه الأيمن، وعن يساره السلام: عليكم ورحمة الله حتى يُرى بياض خدِّه الأيسر".
٦٧٧ - وعنه قال: كانَ أكثرُ انصِرافِ رسولِ الله - ﷺ - مِنْ صَلاتِهِ على شِقِّهِ الأَيْسَرِ إلى حُجْرَتِهِ.
"وعنه أنه قال: كان أكثرُ انصراف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من صلاته على شِقِّه الأيسر إلى حجرته"؛ لأن بابها كان على يسار محرابه - ﵊ -.
[ ٢ / ٤٢ ]
٦٧٨ - وعن المُغيرة بن شُعبة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يُصلِّي الإمامُ في المَوْضعِ الذي صَلَّى فيه حتَّى يَتَحَوَّلَ".
"عن المغيرة - ﵁ - عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لا يصلِّي الإمام في الموْضعِ الذي صَلَّى فيه"؛ يعني: لا يصلِّي السُّنَّة والنَّافلة في الموضع الذي صَلَّى فيه الفريضة.
"حتى يتحوَّلَ"؛ أي: حتى ينتقل منه إلى آخر؛ ليشهد له موضعان بالطاعة يوم القيامة، ولذلك يستحبُّ تكثير العبادة في مواضع مختلفة، والأولى أن يتحوَّل إلى جانب يمينه.
٦٧٩ - عن أنس - ﵁ -: أنَّ النبي - ﷺ - نهَاهُم أن يَنصَرِفُوا قبلَ انْصِرافِهِ مِنَ الصَّلاة.
"عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﵊ - نهاهُم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة"؛ لتنصرف النساء، ولا يختلط بهنَّ الرجال.