(باب سجود القرآن)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٣١ - قال ابن عباس - ﵄ -: سَجَدَ النبيُّ - ﷺ - بـ (النجم)، وسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمونَ، والمُشْرِكُونَ، والجِنُّ، والإِنْسُ.
"من الصحاح":
" قال ابن عباس: سَجَدَ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالنَّجم"؛ المراد:
[ ٢ / ٧٤ ]
(سورة النجم).
"وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنس": قيل: إنه شقَّ على النبي - ﵊ - تولي قومه عنه وتباعدتهم عما جاء به، فجلس ذات يوم في نَادٍ من أندية قريش وتمنى في نفسه أن يأتيه بما يقارب به بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم، وأن لا يأتيه مما ينفرون عنه.
فأنزل الله تعالى (سورة النجم) فقرأها عليهم حتى بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، ألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهنَّ لترجى)، ففرحت قريش بذلك ومضى - ﵊ - على قراءته وسجد في آخر السورة، وسجد المسلمون لسجوده، وسجد جميع من كان هناك من المشركين، وتفرقوا مسرورين بما سمعوا منه - ﵊ - وما رأوه من السجدة.
وقالوا: قد ذَكَرَ محمدٌ آلهتنا فأحسَنَ الذِّكر، فنحن نوافقه كما وافقنا في مدح الأصنام، فلمَّا أمسى ﵊ أتاه جبريل فقال: ما صنعت؟! تلوْتَ على الناس ما لم آتك به عن الله تعالى، وقلْتَ ما لم أقل لك.
فحزن - ﵊ - حزنًا شديدًا وخاف منه تعالى خوفًا بليغًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، فقالت قريش: ندم محمد على ما ذَكَر من منزلة آلهتنا عند الله تعالى، فازدادوا شرًا إلى ما كانوا عليه (١).
وأما سجود الجن فلأن منهم مسلمين ومشركين، فوافقوا الرسول - عليه
_________________
(١) قد تكلم في صحة هذه القصة كثير من العلماء، فمنهم من ضعَّفها ومنهم من صحَّح أنَّ لها أصلًا وضعَّف بعض رواياتها. انظر: "تفسير ابن كثير" (٣/ ٢٣٠)، و"لباب النقول" للسيوطي (١/ ١٣٨).
[ ٢ / ٧٥ ]
الصلاة والسلام - كما وافقه الإنس.
٧٣٢ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: سَجَدْنَا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ".
"وقال أبو هريرة: سجدنا مع النبي - ﵊ - في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
٧٣٣ - وقال ابن عُمَرَ - ﵄ -: كانَ النبيُّ يَقْرَأُ السَّجَدَةَ ونحنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ ونسْجُدُ معه، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى ما يَجِدُ أَحَدُنا لِجَبْهَتِهِ مَوْضعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ.
"وقال ابن عمر: كان النبي - ﵊ - يقرأ السجدة ونحن عنده، فيسجد ونسجد معه، فنزدحم"؛ أي: نجتمع بحيث ضاق المكان علينا.
"حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعًا يسجد عليه"، وهذا يدل على تأكيد سجود التلاوة.
٧٣٤ - وقال زَيد بن ثابتٍ: قَرَأْتُ على النبيِّ - ﷺ -: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فيها.
"وقال زيد بن ثابت: قرأت على النبي - ﷺ - ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها": ذهب مالك إلى أنه لا سجدة فيها.
[ ٢ / ٧٦ ]
قلنا: هذا لا يدل على عدم السجدة فيها أصلًا؛ لاحتمال أنه - ﵊ - لم يكن على الوضوء في ذلك الوقت، أو سجد في وقت وترك في آخر؛ إعلامًا بالسنة ودفعًا لتوهم الفرض، وأيضًا فالوجوب ليس على الفور.
٧٣٥ - وقال ابن عباس - ﵄ -: سجدة (ص) لَيْسَتْ مَنْ عَزائِمِ السُّجودِ، وقَدْ رَأَيْتُ النبيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ فيها.
"وقال ابن عباس: سجدة ﴿ص﴾ ليست من عَزَائم السجود": جمع عزيمة، وهي عَقْدُ القلب على إمضاء أمرٍ.
وفي الاصطلاح: الحكم الثابت بالأصالة كوجوب الصلاة وحرمة الزنا، واستعمالها في الفريضة أكثر منه في السنة.
ذهب الشافعي إلى أنه لا سجدة فيها، فمعناه عنده: أنه ليس من سنن سجدات التلاوة، بل هو من سجدة الشكر.
وعند أبي حنيفة: هي من جملة سجدات التلاوة، فيؤول عدم العزيمة هنا بعدم الفريضة، بل هي من الواجبات.
"وقد رأيت النبي - ﵊ - يسجد فيها".
٧٣٦ - وفي روايةٍ: أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وقالَ: كانَ داوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبيُّكُمْ أَنْ يَقْتَديَ بهِ، فَسَجَدَها داودُ، فَسَجَدَها النبيُّ - ﷺ -.
"وفي رواية: أنه" - ﷺ - "قرأ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ "؛ أي: هداهم.
[ ٢ / ٧٧ ]
" ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ "؛ أي: افعل يا محمد ما فعلوا من تبليغ الرسالة وتحمل الأذى في سبيلي.
"وقال"؛ أي: ابن عباس:
"كان داود ممَّن أُمِرَ نبيُّكم أن يَقْتَدِيَ به"؛ يعني: أنه من جملة الأنبياء الذين أُمِرَ النبي - ﵊ - باقتدائهم.
"فسجدها داود" شكرًا لقَبول توبته.
"فسجدها رسول الله" - ﷺ - عند قراءته موافقة له.
مِنَ الحِسَان:
٧٣٧ - عن عَمْرو بن العاصِ - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشرَةَ سَجْدَة: مِنْهَا ثلاثٌ في المُفَصَّلِ، وفي سورَةِ الحَجِّ سجدتان. غريب.
"من الحسان":
" عن عمرو بن العاص: أن النبي - ﵊ - أقرأه"؛ أي: أعلمه.
"خَمْسَ عشرة سَجْدة"، هذا مذهب الشافعي، وعندنا في أربعة عشر موضعًا.
"منها ثلاث في المفصل": وهي في (وَالنَّجْمِ) و﴿انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١].
"وفي سورة الحج سجدتين"، هذا على قوله، وعندنا السجدة في أولى (الحج) فقط.
"غريب".
[ ٢ / ٧٨ ]
٧٣٨ - عن عُقْبَةَ بن عامرٍ - ﵁ - قال: قلت: يا رسولَ الله!، فُضلَتْ سورةُ الحَجِّ بِأَنَّ فيها سَجْدَتَيْنِ؟، قالَ: "نعمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فلا يَقْرَأْهُمَا"، ضعيف.
"عن عقبة بن عامر أنه قال: قلت: يا رسول الله! فُضلت" بتقدير الاستفهام "سورة الحج بأن فيها سجدتين"، وفي غيرها سجدة.
"قال: نعم، ومن لم يَسْجُدْهما فلا يقرَأْهُما"، وإنما نهى عن القراءة عند عدم السجدة فيهما؛ لأن الإتيان بالسجدة من تمام حقِّ التلاوة، فإن تركها عند التلاوة فالأَوْلى ترك أصل التلاوة، قلنا: الثانية سجدة الصلاة بدلالة اقترانها بالركوع.
"ضعيف".
٧٤٠ - عن ابن عمر - ﵄ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - سَجَدَ في صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قامَ فَرَكَعَ، فَرَأَوْا أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة.
"عن ابن عمر: أن النبي - ﵊ - سَجَدَ في صلاة الظُّهر ثم قام"؛ أي: من السجدة "فركع"؛ أي: عقيب القيام من السجدة، ولم يقرأ بعدها شيئًا، وإن كانت القراءة جائزة.
"فرأوا"؛ أي: علموا.
"أنه" - ﷺ -.
"قرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة": بأن سمعوا بعض قراءته؛ لأنه - ﵊ - كان قد يرفع صوته ببعض ما يقرأ به في الصلوات السِّرية ليعلموا سُنِّيَّة قراءة تلك السورة.
[ ٢ / ٧٩ ]
٧٣٩ - عن ابن عُمَر - ﵄ -: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يَقْرَأُ القرآنَ، فإذا مَرَّ بالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وسَجَدَ، وسَجَدْنَا مَعَهُ.
"وعن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه"، وهذا يدل على أنه لا يكبر إلا للسجود، وبه أخذ أبو حنيفة.
وعند الشافعي: يرفع يديه ويكبر للإحرام ثم يكبر للسجود.
٧٤١ - وعنه: قال: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - قرأَ عامَ الفَتْحِ سجدةً، فَسَجَدَ الناسُ كلُّهُم، منهم الراكبُ والساجدُ على الأرضِ حتى إنَّ الراكبَ يسجد على يَدِهِ.
"وعنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ عام الفَتْحِ سجدةً، فسجد الناس كلهم، منهم الراكب والسَّاجد على الأرض، حتى إنَّ الراكب" بكسر إنَّ "لَيَسْجُدُ على يده": وهذا يدل على أنَّ الراكب لو قرأ آية السجدة يسن له السجود، إلا أنه يشير برأسه، ولا يحتاج إلى وضع جبهته على السَّرج وغيره، فلو سجد على يده يصحُّ إذا انحنى عنقه عند أبي حنيفة، ويبطل عند الشافعي.
٧٤٢ - وعن ابن عباس - ﵄ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لَمْ يَسْجُدْ في شَيْءٍ من المُفَصَّل مُنْذُ تَحَوَّلَ إلى المَدينةِ.
"وعن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﵊ - لم يسجد في شيء من المفصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة"، وبه أخذ مالك، قلنا: لا يلزم من هذا عدم
[ ٢ / ٨٠ ]
سجود التلاوة في المفصَّل؛ لأن كثيرًا من الصحابة يرونها فيه، فإذا تعارضا فالإثبات أولى بالقَبول.
ولأن أبن عباس يروي في الصحاح: أنه - ﵊ - سجد بالنِّجم، ولا شك؛ لأن الحديث المروي في الصحاح أقوى من المروي في الحسان.
٧٤٣ - وقالت عائشةُ ﵂: كانَ رسول الله - ﷺ - يقولُ في سجودِ القُرأَنِ بالليلِ: "سَجَدَ وَجْهِي للذي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ"، صحيح، "وقالت عائشة - ﵂ -: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خَلَقَهُ وشقَّ سَمْعَه وبصره بحَوْلِه وقُوَّته".
"صحيح".
٧٤٤ - وقال ابن عباس: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: يا رسولَ الله!، رَأَيْتُني اللَّيلةَ وأنا نائِمٌ كأنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدَتُ، فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجودِي، فَسَمِعْتُها تَقولُ: اللهمَّ اكتبْ لي بها عِنْدَكَ أَجْرًا، وضَعْ عَنِّي بها وِزْرًا، واجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخرًا، وتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلْتَها مِنْ عَبْدِكَ داودَ وقال ابن عبَّاس - ﵄ -: فَقَرَأَ النبيُّ - ﷺ - سجدَة ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُه وهُوَ يقولُ مِثلَ ما أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عن قَوْلِ الشَّجَرَةِ.
غريب.
"وقال ابن عباس: جاء رجل"، قيل: هو أبو سعيد الخدري.
[ ٢ / ٨١ ]
"إلى النبي - ﵊ - فقال: يا رسول الله! رأيتُني الليلة وأنا نائم كأنِّي أصلِّي خَلْفَ شجرة، فسجدْتُ فسجَدَتِ الشَّجرة لسجودي، فسمعتها"؛ أي: الشجرة "تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أَجْرًا، وضَعْ عنِّي بها وِزْرًا، واجعلها لي عندك ذُخْرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود"، ويجوز كون القائل مَلَكًا، أو أنَّ الله تعالى خلق فيها نطقًا كما في شجرة موسى - ﵇ -.
"قال ابن عباس: فقرأ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مِثْلَ ما أخبره الرجل عن قول الشجرة"، وهذا الدعاء مسنون في سجود التلاوة؛ لقراءته - ﵊ -.
"غريب".