(باب الموقف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٨٩ - قال عبدُ الله بن عَبَّاسٍ - ﵄ -: بِتُّ في بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ﵂، فقامَ رسولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يسارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدي مِنْ وَراءِ ظَهْرِهِ، فَعَدَلَنِي كَذلِكَ مِنْ وَراءِ ظَهْرِهِ إلى الشّقِّ الأَيْمَنِ.
"من الصحاح":
" قال عبد الله بن عباس: بِتُّ في بيت خالتي مَيْمُونَة فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي، فَقُمْتُ عن يساره، فأَخَذَ بِيَدي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَعَدلَني" في بعض النسخ بالتشديد، وفي بعضها بالتخفيف؛ أي: أمالني وصرفني.
"كذلك": الكاف: صفة مصدر محذوف؛ أي: عدلني عدولًا مثل ذلك، والمشار إليه هي الحالة المُشبَهة بها، التي صوَّرها ابن عباس - ﵄ - بيده عند التحدث.
"من وراء ظهره إلى الشق الأيمن": وهذا يدل على أنَّ الرجل الواحد يقف عن يمين الإمام، وعلى جواز العمل اليسير في الصلاة، وامتناع تقدُّم المأموم على الإمام في الموقف لإدارته - ﵊ - من ورائه.
* * *
٧٩٠ - وقال جابرٌ - ﵁ -: قامَ رسولُ الله - ﷺ - لِيُصَلِّي، فجئْتُ، حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأَخَذ بِيَدي، فَأَدَارَنِي خَلْفَهُ حتَّى أقامَني عَنْ يَمينِهِ، ثم جاء جَبَّارُ بن صَخْرٍ، فَقَامَ عن يَسارِ رسولِ الله - ﷺ -، فَأَخَذَ بيَدَيْنا جَميعًا فَدَفَعَنَا
[ ٢ / ١١٠ ]
حَتَّى أقامَنَا خَلْفَهُ.
"وقال جابر - ﵁ -: قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليصلِّي فجئْتُ حتى قُمْتُ عن يساره، فأخذ بيدي فأدَارَنِي خلفه" أي: أخذني بيده اليمنى من وراء ظهره فدوَّرني.
"حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جَبَّار بن صَخْرٍ فقام عن يسار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخذ بيدينا جميعًا فَدَفَعَنَا"؛ أي: أخَّرَنَا.
"حتى أقامنا خَلْفَه": وهذا يدل على أنَّ الرَّجلين يقومان خلف الإمام بالصفِّ كالجماعة.
* * *
٧٩١ - وقال أَنسٌ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ في بَيْتِنا خَلْفَ النَّبيِّ - ﷺ - وأُمُّ سُلَيْمٍ خلفنا.
وقال أنس - ﵁ -: صليت أنا ويتيم"، وهو أخوه، وهذا اسم علم له.
"في بيتنا خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأمُّ سُليم": هي أمُّ أنس.
"خَلْفَنا"، وهذا يدلُّ على تقديم الرجال على النِّساء في الموقف، وأن الصبيَّ يقف مع الرجال.
* * *
٧٩٢ - وعن أَنسٍ - ﵁ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - صَلَّى بِهِ وَبأُمِّهِ - أَوْ خَالَتِهِ - قالَ: فَأَقَامني عَنْ يمينِهِ، وَأَقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنا.
"وعن أنس - ﵁ - أنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلَّى به"؛ أي:
[ ٢ / ١١١ ]
بأنس "وبأمِّه أو خالته": شكٌّ من الراوي.
"قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خَلْفَنَا".
* * *
٧٩٣ - عن أبي بَكْرَةَ: أنَّهُ انتُهَى إلى النَّبيِّ - ﷺ - وَهُوَ راكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشى إلى الصَّفِّ، فَذكِر ذلِكَ لِلنَّبيِّ - ﷺ -، فقالَ: "زادَكَ الله حِرْصًا ولا تَعُدْ".
"عن أبي بكرة - ﵁ - أنَّه انتهى"؛ أي: وصل.
"إلى النبي - ﵊ - وهو راكع فركع"؛ أي: نوى وكبَّر ركع.
"قبل أنَّ يَصِلَ إلى الصَّفِّ"؛ ليدرك النبي - ﵊ - في الركوع، فإن من أدرك الركوع فقد أدرك تلك الركعة.
"ثم مشى إلى الصف، فَذَكَرَ ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: زادك الله حِرْصًا ولا تَعُد": من العَوْدِ؛ أي: لا تَعُدْ إلى الفعل الَّذي فعلْتَ من الاقتداء والركوع قبل أنَّ تصل [إلى] الصف.
وقيل: من الإعادة؛ أي: لا تُعِدْ الصَّلاة التي صليتها، وقيل بضم الدال، من العَدْو؛ أي: لا تسرع في المشي إلى الصلاة بل ليكن عليك السكون والوقار في المشي حتى تصل إلى الصف، فإن مَنْ قصد الصلاة فهو فيها في وجدان الثواب.
* * *
٧٩٤ - عن سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ - ﵁ -، قالَ: أَمَرَنَا رسولُ الله - ﷺ - إذا كُنَّا ثَلَاثةً
[ ٢ / ١١٢ ]
أنْ يَتَقَدَّمنَا أَحَدُنا.
"من الحسان":
" عن سَمُرَة بن جندب أنَّه قال: أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أنَّ يتقدَّمنا أحدنا"؛ أي: يكون أحدنا إماما، وكذا لو كان اثنين فيؤمُّ أحدهما الآخر.
* * *
٧٩٥ - ورُوِيَ عن عَمَّار: أَنَّهُ قامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصلِّي والنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فتقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ على يَدَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ عَمَّار حَتَّى أَنْزَلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّار مِنْ صَلاتِهِ قالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسولَ الله - ﷺ - يقول: إذَا أَمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فلا يَقِفُ في مقامٍ أَرْفَعَ مِنْ مقامِهِم" - أو نحو ذلك -؟ قالَ عمَّار: لِذلِكَ اتَّبَعْتُكَ.
"وروي عن عَمَّار: أنَّه قام على دُكَّانٍ يصلي، والنَّاسُ أسفل منه، فتقدَّم حذيفةُ فأخَذَ على يديه"؛ أي: جَرَّ عمارًا من خلفه.
"فاتَّبَعَهُ عمَّارُ حتى أنزَلَهُ"؛ أي: من الدُّكَّان.
"فلما فَرَغَ"؛ أي: عمار.
"من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: إذا أمَّ الرجلُ القومَ فلا يقف في مَقَامٍ أرفَعَ من مقامهم، أو نحو ذلك، قال عمَّار: لذلك"؛ أي: لأجل سماع هذا النهي. "اتَّبَعْتُكَ" في النزول.
وهذا يدل على كراهة كون موضع الإمام أعلى من موضع المأمومين، لكنَّ هذه الكراهة إنما تكون لو كان موضعه أعلى من أهل الصفِّ الَّذي خلفه، لا من موضع أهل جميع الصفوف.
* * *
[ ٢ / ١١٣ ]
٧٩٦ - وقد صَحَّ عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أنَّه سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ المِنْبَرَ؟، قالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الغابَةِ، عَمِلَهُ فلانٌ مَوْلَى فُلانةَ، وقامَ عليهِ رَسولُ الله - ﷺ - فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَكَبَّرَ، وقامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعْ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرضِ، ثُمَّ عادَ إلى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثم ركع ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرى حتَّى سَجَدَ بالأَرْضِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ على النَّاسِ فقال: "إنَّما صَنَعْتُ هذا لِتَأْتَمُّوا بي، وَلِتَعْلَمُوا صَلاتي".
"وقد صَحَّ عن سهل بن سَعْدِ السَّاعدي أنَّه سُئِل: من أيِّ شيء المنبر؟ "، اللام فيه للعهد، إذ السؤال عن منبره - ﵊ -.
"فقال: هو من أَثْل الغابة": (الأَثْل) بفتح الهمزة وسكون الثاء: شجر يشبه الطَّرْفاء إلا أنَّه أعظم منها، و(الغابة): اسم موضع على تسعة أميال من المدينة.
"عمله فلان": قيل: اسمه باقوم الرومي.
"مولى فلانة": قيل: اسمها عائشة امرأة من الأنصار، وقيل: امرأة من المدينة لم يعرِفْ نسبَهَا أصحابُ الحديث، روي: أنَّ هذا المنبر كان له ثلاث درجات متقاربة؛ يتيسَّر النزول منه بخطوة أو خطوتين.
"وقام عليه رسول الله - ﵊ - فاستقبل القبلة وكبَّر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رجع القهقرى"؛ أي: مشى إلى خلف ظهره من غير أنَّ يعيد وجهه إلى جهة مشيه.
"فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقري حتى سجد بالأرض"، إنما فعل - ﵊ - ذلك ليبرز للناس فيأخذ منه القريب والبعيد.
"فلمَّا فرغ أقبل على الناس فقال: إنما صنعت هذا لتأتمُّوا"؛ أي: لتقتدوا
[ ٢ / ١١٤ ]
"بي ولتعلموا صلاتي".
وهذا يدل على أنَّ الإمام إذا أراد تعليم القوم الصلاة جَاز أن يكون موضعه أعلى من موضع المأمومين.
* * *
٧٩٧ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: صلَّى رسول الله - ﷺ - في حُجْرَتِهِ والنَّاسُ يَأتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الحُجْرَةِ.
"عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: صلَّى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حجرته": والمراد من الحجرة: المكان الَّذي اتخذه في المسجد من حصير؛ ليعتكف فيه، والمراد بالصلاة: قيامه في ليالي رمضان.
"والناس يأتمون به من وراء الحجرة": فإذا كان الإمام والمأموم في المسجد، فلا بأسَ باختلاف مواضعهم.
* * *