(باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨١٣ - قال البَرَاءُ بن عازِبٍ - ﵁ -: كُنَّا نصلي خلفَ النبي - ﷺ - فإذا قال: "سمعَ الله لمنْ حمده"، لم يَحْنِ منا أحدٌ ظهْرَهُ حتى يضعَ النبيُّ - ﷺ - جبهتَه على الأرضِ.
"من الصحاح":
" قال البراء بن عازب: كنا نصلي خلف النبي - ﵊ -
[ ٢ / ١٢٤ ]
فإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحنِ أحد منا ظهره"؛ أي: لم يثنِهِ من القومة قاصدًا للسجود.
"حتى يضع النبي - ﵊ - جبهته على الأرض": فيه دليل على أنَّ السنة في حق المأموم أنَّ يكون فعله بعد فعل الإمام في أفعال الصلاة، لا مقارنًا له.
* * *
٨١٤ - وقال أنس - ﵁ -: صلى بنا رسولُ الله - ﷺ - ذاتَ يومٍ، فلما قَضى أَقْبَلَ علينا بوجهِهِ فقال: "أَيُّها النَّاس، إني إمامُكم، فلا تَسبقوني بالركوعِ ولا بالسجودِ ولا بالقيامِ ولا بالانصرافِ، فإني أَراكم أَمامي ومِنْ خلْفي".
"قال أنس - ﵁ -: صلى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذات يوم، فلما قضى صلاته، أقبل علينا بوجهه فقال: أيها الناس! إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف" يريد به: التسليم أو الخروج من المسجد؛ أي: لا تفعلوا هذه الأفعال قبلي، بل اصبروا حتى أفعل، ثم اتبعوني في ذلك.
"فإني أراكم أمامي ومن خلفي"؛ أي: كما أراكم من أمامي أراكم من خلفي، لا تحجبكم عني الخلفية، لعل هذه الحالة تكون حاصلة له في بعض الأوقات حين غلب عليه جهة ملكيته.
* * *
٨١٥ - عن أبي هريرة قال: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُعلِّمنا يقولُ: "لا تُبادِرُوا الإمامَ، إذا كَبَّر فكبرُوا، وإذا قال: ولا الضَّالين، فقولوا: آمين، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَهُ، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمدُ".
[ ٢ / ١٢٥ ]
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلمنا يقول: لا تبادروا الإمام"، أي: لا تسبقوه.
"إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد".
* * *
٨١٦ - وقال "إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ بهِ، فلا تختلِفوا عليه، فإذا ركعَ فاركعوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمدُ، وإذا سجدَ فاسجدُوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون".
قال الشيخ الإمام ﵀: وقوله: "فصلُّوا جلوسًا" منسوخٌ بما روي:
"عن أنس أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنما جُعل الإمام ليُؤْتم"؛ أي: ليقتدى به.
"فلا تختلفوا عليه"؛ أي: على الإمام في أعمال الصلاة بالتقدم عليه والتأخر عنه بحيث يوهم قطع القدوة.
"فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى"؛ أي: الإمامُ "جالسًا، فصلوا جلوسًا": جمع جالس، وهو حال بمعنى: جالسين.
"أجمعون": تأكيد للضمير المرفوع في (صلوا).
فيه دليلٌ لمن قال: إذا صلى الإمام قاعدًا لعذر، صلَّى القوم قعودًا، وهو قول أحمد وإسحاق بن راهويه.
"قال الشيخ الإمام ﵀: وقوله: (فصلوا جلوسًا) منسوخٌ لما روي": * * *
[ ٢ / ١٢٦ ]
٨١٧ - عن عائشة ﵂ قالت: لمَّا ثَقُلَ رسولُ الله وجاءَ بلالٌ يُؤدِنُهُ بالصلاةِ، فقال: "مُرُوا أبا بكرٍ أنَّ يصليَ بالناسِ"، فصلَّى أبو بكر تلك الأيامَ، ثم إنَّ النبيَّ - ﷺ - وجدَ في نفسه خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بين رَجُلَيْنِ، ورجلاه تخُطَّان في الأرض حتى دخلَ المسجدَ، فلمَّا سمعَ أبو بكرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ يتأخَّرُ، فَأَوْمَأ إليه رسولُ الله - ﷺ - أَنْ لا يتأخرَ، فجاءَ حتى جلسَ عن يسارِ أبي بكرٍ - ﵁ -، فكانَ أبو بكرٍ يصلي قائمًا، وكانَ رسولُ الله - ﷺ - يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكرٍ بصلاةِ رسولِ الله، والناسُ يقتدونَ بصلاةِ أبي بكرٍ، وفي روايةٍ: وأبو بكرٍ يُسمِعُ الناسَ التكبيرَ.
"عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: لما ثقل رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم": هذه عبارة عن اشتداد مرضه - ﷺ - وتناهي الضعف، وركود الأعضاء عن خفة الحركات.
"جاء بلال يؤْذنه": بسكون الهمزة؛ أي: يعلمه ويخبره.
"بالصلاة"؛ أي: يدعوه إليها.
"فقال: مروا أبا بكر أنَّ يصلي بالناس، فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن النبي - عليه الصلاة السلام - وجد في نفسه خفة" أي: قوة وزوال بعض المرض.
"فقام يُهادَى" بفتح الدال؛ أي: يمشي.
"بين رجلين" معتمدًا عليهما من ضعفه، وهما: عباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، وقيل: علي وأسامة؛ يعني: يمشي - ﵊ - إحدى يديه على عاتق أحدهما، والأخرى على عاتق الآخر.
"ورجلاه تخطان في الأرض"؛ أي: تمدان فيها، ولا يقدر أنَّ يرفعهما عنها من الضعف.
[ ٢ / ١٢٧ ]
"حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه"؛ أي: حركته ﵊، أو صوته.
"ذهب"؛ أي: طفق وقصد.
"بتأخر": عن موضعه؛ ليقوم - ﵊ - مقامه.
"فأومأ"؛ أي: أشار "إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّ لا يتأخر، فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي قاعدًا؛ يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - ﷺ - "؛ أي: يصنع صنيعه.
"والناس يقتدون بصلاة أبي بكر"؛ أي: يصنعون صنيع أبي بكر في أفعال الصلاة، معناه: أنَّ النبي - ﵊ - صار إمامًا لأبي بكر، وأبو بكر كان إمامًا في أولها، لكن اقتدى به - ﵊ - بعد مجيئه.
"وفي رواية: يُسمِع أبو بكر الناسَ التكبيرَ"؛ أي: تكبير النبي عليه الصلاة: والسلام.
* * *
٨١٨ - وقال رسول الله - ﷺ -: "أَمَا يخشى الَّذي يرفعُ رأْسَهُ قبلَ الإِمام أنْ يُحوِّلَ الله رأسَه رأسَ حِمارٍ".
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أنَّ يحوِّل الله"؛ أي: يقلب الله "رأسَهُ رأسَ حمار": يجوز حمله على الحقيقة، فيكون ذلك مسخًا، ويجوز أنَّ يراد: أنَّ يجعله بليدًا كرأس الحمار الذي هو أبلد الحيوانات.
* * *
[ ٢ / ١٢٨ ]
مِنَ الحِسَان:
٨١٩ - عن عليٍّ ومُعاذ بن جبَل - ﵄ - قالا: سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا أتى أحدكم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ، فليصْنَعْ كما يصنعُ الإمامُ"، غريب.
"من الحسان":
" عن علي ومعاذ بن جبل قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أتى أحدكم الصلاة"؛ أي: نوى وكبر للإحرام.
"والإمام على حال: فليصنع كما يصنع الإمام"؛ أي: فليوافق الإمام فيما هو فيه من القيام أو الركوع أو غير ذلك.
"غريب".
* * *
٨٢٠ - وقال: "إِذا جئتم إلى الصلاةِ ونحنُ سُجودٌ فاسجدوا، ولا تَعُدُّوه شيئًا، ومن أدرك الركعةَ فقد أَدرَكَ الصَّلاةَ".
"عن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود": جمع ساجد.
"فاسجدوا، ولا تعدوه "؛ أي: لا تحسبوه "شيئًا"، يعني: لا تحسبوا ذلك السجود من الركعة التي أدركتم.
"من أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة": في: المراد: صلاة الجمعة، وإلا فغيرها يحصل ثواب الجماعة فيه بإدراك جزء من الصلاة.
وقيل: معنى الركعة هنا: الركوع، ومعنى الصلاة: الركعة " أي: من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة.
* * *
[ ٢ / ١٢٩ ]
٨٢١ - عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ صلَّى لِلهِ أربعين يومًا في جماعةٍ يُدركُ التكبيرةَ الأُولى؛ كُتِبَتْ له براءتانِ: براءةٌ من النارِ وبراءةٌ من النِّفاقِ".
"عن أنس عن النبي ﵊: أنَّه قال: من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كُتِب له براءتان؛ براءةٌ من النار"؛ أي: خلاص ونجاة منها.
"وبراءةٌ من النفاق"؛ أي: طهارة منه؛ لأن السعي لإدراك تكبيرة الإحرام دليل على كمال إيمانه وطهارته عن النفاق.
* * *
٨٢٢ - وقال: "مَنْ توضَّأَ فأحسَنَ وُضوءَه، ثم راحَ فوجدَ الناسَ قد صَلَّوا؛ أَعطاهُ الله تعالى مثلَ أجرِ مَنْ صلاها وحَضَرها، لا ينقُصُ ذلك من أُجورهم شيئًا".
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح"؛ أي: ذهب.
"فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله تعالى مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقصُ ذلك من أجرهم شيئًا": هذا إذا لم يكن منه تقصيرٌ في تأخير الصلاة من غير عذر، أما لو أخر حضور الجماعة بغير عذر حتى تفوته الجماعة، لم يكن له هذا الثواب.
* * *
٨٢٣ - عن أبي سَعيد الخُدريِّ - ﵁ - قال: جاءَ رجلٌ وقد صلَّى رسولُ الله - ﷺ - فقال: "ألا رجلٌ يتصَدَّقُ على هذا، فيُصلِّيَ معه؟ "، فقامَ رجلٌ فصَلَّى معه.
[ ٢ / ١٣٠ ]
"عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: جاء رجل وقد صلَّى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ألا رجل": الهمزة للاستفهام، و(لا) بمعنى: ليس؛ أي: هل كان رجل "يتصدَّق على هذا" الرجل، "فيصلي معه"؟ ليحصل له ثواب الجماعة، فيكون كأنه قد أعطاه صدقة؛ لأنه جعل ثواب صلاته من واحد إلى سبعة وعشرين.
"فقام رجل، فصلى معه": فيه دليل على أنَّ دلالةَ أحدٍ على الخير وتحريضه عليه صدقة، وعلى أنَّ من صلى بالجماعة يجوز له أنَّ يصلي مرة أخرى بالجماعة، فيكون إمامً أو مأمومًا.
* * *