(باب الخلاء)
هو بالمدِّ: الموضع الذي يقضي فيه الإنسان حاجته، سمي به؛ لأنه يخلو فيه بنفسه.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٢٦ - عن أبي أَيُّوب الأنصاري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أتيتُمُ الغائطَ فلا تستقبلُوا القِبلَةَ، ولا تَسْتَدْبرُوهَا، ولكنْ شرِّقُوا أو غرِّبُوا".
قال المصنف: هذا الحديث في الصَّحراء، أما في البنيان فلا بأْس به، لِمَا رُوي.
"من الصحاح":
" عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أتيتم الغائطَ"؛ يعني: موضع قضاء الحاجة.
[ ١ / ٢٤٦ ]
"فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا"؛ أي: توجهوا إلى جهة الشرق أو الغرب، وهذا فيما لا تكون القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب.
"قال المصنف: هذا الحديث في الصحراء": لأن الصحراء لا تخلو عن مصلَّى مَلَك أو إنسي أو جني، فإذا قعد في مستقبل القبلة أو في مستدبرها فربما وقع بصره على عورته.
"فأما البنيان فلا بأس لما روي": * * *
٢٢٧ - عن عبد الله بن عُمر - ﵄ - قال: ارْتَقَيْتُ فوقَ بيتِ حَفْصَةَ بنت عمر لبعضِ حاجَتِي، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقْضي حاجَتَهُ مُسْتَدْبرَ القِبْلَةِ مُستقبلَ الشَّأْمِ.
"عن عبد الله بن عمر أنه قال: ارتقيت"؛ أي: صعدت.
"فوق بيت حفصة": وهي أخت الراوي، زوجة النبي - ﵊ -.
"لبعض حاجتي فرأيت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام"؛ أي: مستقبل بيت المقدس، وكان ذلك في البنيان.
قيل: هذا مبني على مذهب الشيخ، ومدفوع بأن عموم الحديث لا يختصُ بالأثر، وذهب بعض: إلى أن استقبال القبلة واستدبارها يستوي في الصحراء والبنيان في التحريم؛ لاستواء العلة فيهما، وهو احترام القِبْلَة وصيانة جهتها الشريفة عن المواجهة في خروج القذر، وعليه أبو حنيفة.
* * *
[ ١ / ٢٤٧ ]
٢٢٨ - وقال سلمان - ﵁ -: نَهانا - يعني رسولَ الله - ﷺ - أنْ نستقبلَ القِبلَةَ بغائطٍ أو بَوْلٍ، أو أنْ نستنجِيَ باليمينِ، أو أنْ نستنجِيَ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ، أو أنْ نستنجِيَ برَجِيعٍ أو عظمٍ.
"وقال سلمان: نهانا يعني: رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القِبْلَة لغائط أو بول": (أو) فيه وفيما بعده للعطف.
"أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برَجِيْعٍ"؛ المراد به: الرَّوْث والعَذِرَة، سمي رَجِيْعًا لرجوعه من حال إلى أخرى.
"أو عظم"، النهي عن الاستنجاء باليمين: نهي تنزيه وكراهة لا نهي تحريم، وعن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار: دليل على أنه لا يقتصر على أقل منها وإن حصل النقاء به، وبه قال الشافعي، وعن الاستنجاء بالرَّجيع والعظم: لنجاسة الرجيع، وكون العظم زادًا للجن.
* * *
٢٢٩ - وعن أنس - ﵁ - قال: كان رسولُ الله - ﷺ - إذا أرادَ أنْ يَدخلَ الخَلاءَ قال: "اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبائِثِ".
"وقال أنس - ﵁ -: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث" بضم الباء: جمع الخبيث وهو المؤذي من الجن والشياطين.
"والخبائث": جمع الخبيثة، وهي الأنثى المؤذية من الجن، وإنما عاذ - ﵊ - من الجن والشياطين عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء مأواهما غالبًا.
* * *
[ ١ / ٢٤٨ ]
٢٣٠ - وقال ابن عباس - ﵄ -: مَرَّ النبيُّ - ﷺ - بقبرَيْنِ فقال: "إنَّهما يُعذَّبان، وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ، أما أحدهما فكانَ لا يستبرِئُ مِنَ البَوْلِ - ويروى: لا يستنْزِهُ مِنَ البَوْلِ - وأما الآخرُ فكانَ يمشي بالنَّمِيمةِ"، ثمَّ أخذَ جَريدةً رطبةً فشقَّها بنصفَين، ثمَّ غرزَ في كُلِّ قبرٍ واحدةً، وقال: "لَعَلَّهُ أنْ يُخفِّفَ عنهُمَا ما لَمْ يَيْبَسَا".
"وقال ابن عباس: مر النبي - ﵊ - بقبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير"؛ أي: في أمرٍ يشق ويكبر عليهما تركه والاحتراز منه.
"أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، ويروى: لا يستْنِزهُ من البول"؛ ومعناهما: لا يحترز من البول ولا يبعد منه.
"وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" إلى: كلِّ واحد من الشخصين اللَّذَين بينهما عداوة، ويلقي بينهما العداوة، بأن ينقل إلى كل واحد منهما ما يقول الآخر من الشَّتم والإيذاء.
"ثم أخذ": رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
"جَرِيْدَةً": وهي الغصن من النخل.
"رطبةً فشقَّها بنصفين، ثم غرز في كلِّ قبرٍ واحدة فقال: لعله"؛ أي: لعل العذاب.
"أن يُخَفَّفَ"؛ أي: يزول عنهما.
"ما لم ييبسا"؛ أي: ما دام لم ييبس النصفان، وسبب تخفيف العذاب عنهما مدة ذلك: أنه - ﵊ - سأل ربه أن يخفف عنهما لوصول بركته إليهما؛ لأنه رحمة لا يمر بموضع إلا أصابه بركته فكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حَدًّا لما وقعت به المسألة من التخفيف عنهما.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وفي الحديث: إثبات عذاب القبر وتخفيفه بزيارة الصالحين ووصول بركتهم إليه.
* * *
٢٣١ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اتَّقُوا اللَاّعِنِينَ"، قالوا: وما اللَاّعِنَانِ يا رسول الله؟ قال: "الذي يتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو في ظِلِّهِمْ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: اتقوا"؛ أي: احذروا واجتنبوا.
"اللَاّعِنَيْنِ"؛ أي: الآمرين الذين هما سببا اللعنة، سُمِّي ذلك لاعنًا لأنه إذا حصل اللعنة بسببه فكأنه هو اللاعن.
"قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي" بحذف المضاف؛ أي: الخلاء الذي.
"يتخلَّى"؛ أي: يقضي الحاجة.
"في طريق الناس، أو في ظلهم"؛ أي: في مُستَظَلِّهم الذي اتَّخذوه محلَّ نزولهم ومَقِيْلهم، والنهي عن هذا النوع من الظلِّ دون سائر الظلال.
* * *
٢٣٢ - وقال - ﷺ -: "إذا شَرِبَ أحدُكُمْ فلا يتنفَّسْ في الإِناءِ، وإذا أَتى الخَلاءَ فلا يَمسَّ ذكرَهُ بيمينِهِ، ولا يتمسَّحْ بيمينِهِ"، رواه أبو قَتادة.
"وعن أبي قتادة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس"؛ أي: فلا يُخْرِجُ نَفَسَهُ.
[ ١ / ٢٥٠ ]
"في الإناء": كراهة أن ينحدر قذر من تنفسه، أو لئلا تقل برودة الماء الكاسر للعطش بحرارة النَّفَسِ، بل إذا أراد التنفس، فليرفع فمه عن الإناء، ويتنفس ثم يشرب.
"وإذا أتى الخلاء فلا يمسَّ ذكرَهُ بيمينه"؛ أي: لا يأخذه بيده اليمنى عند الاستنجاء.
"ولا يتمسح"؛ أي: لا يستنجِ.
"بيمينه": لكرامتها، وطريقه: أن يأخذ الذَّكَرَ بشماله ويمسحه على جدار أو حجر كبير بحيث لا يستعمل يمينه لا في أخذ الذَّكَرِ ولا في أخذ الحجر.
* * *
٢٣٣ - وقال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: من توضأ فليستنثر" أي: ليخرِجْ نَفَسَهُ من أنفه بعد الاستنشاق؛ ليخرج ما فيه من الأذى.
"ومن استجمر"؛ أي: استنجى بالجَمْرَة، وهي الحجر.
"فليوتر"؛ أي: فليستنجِ وترًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا.
* * *
٢٣٤ - وقال أنس - ﵁ -: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يدخلُ الخَلاءَ، فأَحمِلُ أنا وغُلامٌ إداوَةً مِنْ ماءٍ وَعَنَزَةً، يستنجي بالماءِ.
"وقال أنس: كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: يدخل الخلاء، فأحمِلُ أنا وغُلامٌ إداوَةً": وهي ظرفٌ من جلد يُتوضأ منه.
[ ١ / ٢٥١ ]
"من ماء وعَنَزَةٍ": وهي - بفتحتين -: رمح قصير يُحمل لحفر الأرض، ويُلين التُّراب كيلا يصيبه رشاش البول؛ أي: أحدنا يحمل الإداوة والآخر العنزة.
"يستنجي بالماء".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٥ - عن أنس - ﵁ - قال: كان النبيُّ - ﷺ - إذا دخلَ الخلاءَ نزَعَ خاتَمَهُ. غريب.
"من الحسان":
" عن أنس - ﵁ - أنه قال: كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا دخل الخلاء نزع"؛ أي: أخرج "خاتمه": من إصبعه قبل دخول الخلاء؛ لأن اسم الله مكتوب عليه، وهو محمد: رسول الله.
وفيه دليل على وجوب تَنْحِيَةِ اسمِهِ تعالى واسمِ رسوله والقرآن عند الخلاء.
"غريب".
* * *
٢٣٦ - وقال جابر - ﵁ -: كان النبيُّ - ﷺ - إذا أرادَ البَرَازَ انطلقَ حتَّى لا يراهُ أَحَدٌ.
"قال جابر - ﵁ -: كان النبي - ﵊ - إذا أراد البَرَاز" فتح الباء؛ أي: قضاء الحاجة.
[ ١ / ٢٥٢ ]
"انطلق"؛ أي: ذهب في الصحراء.
"حتى": وصل إلى موضعٍ.
"لا يراه أحد"، ثم يجلس.
* * *
٢٣٧ - وقال أبو موسى: كنتُ معَ النبيِّ - ﷺ - ذاتَ يومٍ، فأرادَ أنْ يبولَ، فأتى دَمْثًا في أصلِ جِدارٍ فبالَ، ثم قال: "إذا أرادَ أحدُكُمْ أنْ يبولَ فليرتَدْ لبَولِهِ".
"قال أبو موسى: كنت مع النبي - ﵊ - ذات يوم"؛ أي: يومًا، و(الذَّات) زائدة.
"فأراد أن يبول فأتى دَمِثًا"؛ أي: أرضًا لينة.
"في أصل جدار فبال، ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فَلْيَرْتَدْ"؛ أي: فليطلب مكانًا مثل هذا.
"لبوله": لئلا يرجع إليه رشاش البول، وإنما الجدار الذي قعد النبي - ﵊ - إليه كان غير مملوك لأحد، فإنه - ﵊ - لا يفعل ذلك في ملك أحد بغير إذنه؛ لأن البولَ يضرُّ الجدار؛ لأنه مالح يجعل التراب سَبَخًا ويجعله خربًا، أو كان قعوده متراخيًا عن أصل البناء فلا يصيبه البلل.
* * *
٢٣٨ - وقال أنس - ﵁ -: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا أرادَ الحاجةَ لمْ يَرْفعْ ثوبَهُ حتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرضِ.
[ ١ / ٢٥٣ ]
"وقال أنس - رضي الله تعالى عنه -: كان النبيُّ - ﵊ - إذا أراد الحاجة"؛ أي: قضاء الحاجة.
"لم يرفع ثوبَهُ حتى يدْنُو"؛ أي: يقرب.
"من الأرض"؛ احترازًا عن كشف العورة بغير ضرورة، وهذا من آداب قضاء الحاجة.
* * *
٢٣٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله: "إنَّما أنا لَكُمْ مِثْلُ الوالِدِ، فإذا ذَهَبَ أحدُكُم إلى الغائِطِ فلا يستقبلَ القِبْلَةَ، ولا يَسْتَدْبرْها لغائطٍ ولا لِبَوْلٍ، ولْيستنْج بِثلاثةِ أحجارٍ"، ونهى عَنِ الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، وأنْ يستنجِيَ الرَّجُلَ بيمينِهِ.
"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إنما أنا لكم مثل الوالد"؛ أي: في الشفقة والرحمة وتعليم الخير وصلاح دينكم ودنياكم، وهذا كلام بسط وتأنيس للمخاطبين؛ لئلا يحتشموا ويستحيوا عن مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم.
"فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط"؛ يعني: الخلاء.
"فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط ولا بول": وفيه دليل على أن البول لا يسمى غائطًا للعطف عليه.
"وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الرَّوْثِ": وهو السرقين، والمراد به: كل نجس.
"والرِّمَّة" بكسر الراء وتشديد الميم: العظم البالي، والمراد بها: مطلق العظم، يعني: نهى عن الاستنجاء بشيء نجس وبالعظم، ونهيه - عليه الصلاة
[ ١ / ٢٥٤ ]
والسلام - عن الاستنجاء بهما دليل على أنه لا يختصُّ بالحجر، بل يجوز بكل ما يقوم مَقَامه في الإنقاء كالمدر والخشب والخزف ونحوها.
"وأن يستنجي الرجل بيمينه".
* * *
٢٤٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَتْ يدُ رسولِ الله - ﷺ - اليُمنى لطُهورِهِ وطَعامِهِ، وكانتْ يدُهُ اليُسْرى لخلائِهِ وما كانَ مِنْ أذَى.
"وقالت عائشة: كانت يد رسول الله - ﷺ - اليمنى لِطُهوره"؛ أي: يستعمل يده اليمنى لوضوئه.
"وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه"؛ أي: يستعملها للاستنجاء.
"وما كان من أذى"، ويندرج تحته الخارج من السبيلين، والمخاط والرعاف ونحوه مما فيه خِسَّة.
* * *
٢٤١ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا ذهبَ أحدُكُمْ إلى الغائطِ فليذْهَبْ معَهُ بثلاثةِ أحجارٍ يَسْتَطِيب بهنَّ، فإنَّها تُجْزِئُ عنْهُ".
"وقالت عائشة - ﵂ -: قال رسول الله: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار": الباء للتعدية؛ أي: فليأخذ بثلاثة أحجار.
"يستطيب"؛ أي: يستنجي "بهنَّ": سُمي الاستنجاء استطابة لإزالته النجاسة وتطهير موضعها من البدن، والجملة استئناف أو حال بمعنى: عازمًا على الاستطابة بهنَّ.
"فإنها"؛ أي: الأحجار الثلاثة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
"تجزئ"؛ أي: تكفي.
"عنه"؛ أي: الاستنجاء، فلا حاجة إلى الماء إذا حصل النَّقاء بها.
* * *
٢٤٢ - وقال - ﷺ -: "لا تَسْتَنْجُوا بالرَّوْثِ ولا بالعِظامِ، فإنَّها زادُ إخوانِكُمْ مِنَ الجِنِّ"، رواه ابن مسعود - ﵁ -.
"وقال ابن مسعود: قال رسول الله - ﷺ -: لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنها زاد إخوانكم من الجن"، روي: أنهم طلبوا الزَّاد منه - ﵊ - ليلة الجن، فجعل - ﵊ - العظم زادًا لهم، فإذا وجدوا عظمًا يجعله الله تعالى كأن لم يُؤْكَل منه لحم، والرَّوْث زادًا لدوابهم ويكون شعيرًا إن كانت تلك الدابة أكلت الشعير، وتبنًا إن كانت أكلت التبن وغير ذلك من العلوفة فيعلفون دوابهم وذلك معجزة له - ﵊ -.
وفي قوله: (إخوانكم) إشارة إلى إسلام بعضهم؛ لأن الإخوانية إنما هي في الإسلام.
* * *
٢٤٣ - وقال رُوَيْفِع بن ثابت - ﵁ -: قال لي رسولُ الله - ﷺ -: "يا رُوَيْفِعُ! لعلَّ الحياةَ ستطولُ بكَ بعدي، فأخبر النَّاسَ أنَّ مَنْ عَقدَ لحيتَهُ، أو تَقَلَّدَ وَتَرًا، أو استنجى برجيعِ دابَّةٍ أو عظمٍ فإنَّ محمدًا منه بَرِيءٌ".
"وقال رويفع بن ثابت: قال لي رسول الله - ﷺ -: يا رويفع لعل الحياة ستطول"؛ أي: ستمتد الحياة.
"بك بعدي"، وفيه دلالة على أنَّ من الغيب ما يعلمه النبي - ﵊ - بتعليمه تعالى إياه، وبشارة له بطول عمره.
[ ١ / ٢٥٦ ]
"فأخبر الناس أن من عَقَدَ لحيته": قيل: عقدها هو معالجتها حتى تنعقد وتتجعد، وهو مخالف لسُنَّةِ أهل المِلَّة؛ إذ السُّنَّة تسريح اللحية، وذلك أن العرب كانوا يعقدونها في الحرب في زمن الجاهلية، وكان ذلك من زي العجم أيضًا، فنهوا عنه؛ لأنه تغيير خلق الله تعالى.
"أو تقلد وَتَرًا"؛ أي: خيطًا، وقيل: وَتَر القوس، كان عادة أهل الجاهلية أنهم يجعلون في رقاب دوابهم الوَتَر ويزعمون أنه يدفع العين، ويحفظ من الآفات فنهى - ﵊ - عنه؛ احترازًا عن اختناقها لا سيما عند شدة الركض.
وقيل: المراد به: خرزات تعلق على رقاب الولدان للعين، وهو أيضًا من شِعَار الجاهلية.
"أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا منه بريء": وهذا من باب الوعيد والمبالغة في الزجر.
* * *
٢٤٤ - وعن أبي هُريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنِ اكْتَحَلَ فليُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فقدْ أَحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فليُوتِرْ، مَنْ فعلَ فقدْ أحسنَ ومَنْ لا فلا حرجَ، ومَنْ أكلَ فما تخلَّلَ فليلفِظْ، وما لاكَ بلسانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَن فعلَ فقدْ أحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَجَ، ومَنْ أتَى الغائِطَ فليستَتِرْ، فإنْ لم يَجِدْ إلَاّ أنْ يجمَعَ كَثيبًا مِنْ رَمْلٍ فليستدْبرْهُ، فإنَّ الشَّيطانَ يلعبُ بمَقاعِدِ بني آدمَ، مَنْ فَعَلَ فقدْ أحسَنَ، ومَنْ لا فَلَا حرجَ".
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: من اكتحل"؛ أي: جعل الكحل في عينيه.
"فليوتر"؛ أي: فليكن عدد الأميال في كل عين وترًا ثلاثة أميال أو
[ ١ / ٢٥٧ ]
خمسة، وهذا يدل على استحباب الإيتار في كل الأمور.
"من فعل" ذلك "فقد أحسن"؛ لأنه أطاعني وأتى سنتي.
"ومن لا"؛ أي: لم يفعل وترًا، بل فعل شفعًا في كل عين.
"فلا حرج"؛ أي: فلا إثم عليه؛ لأن الإيتار ليس بواجب.
"ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلَّلَ"؛ أي: فما أخرج بالخِلَال مِنْ بين أسنانه من الطعام.
"فليلفظ"؛ أي: فليسقطه؛ لأنه ربما يخرج معه دم.
"وما لاك"؛ أي: ما أخرجه من بين أسنانه.
"بلسانه فليبتلع"؛ أي: فليأكله؛ لأنه لا يخرج معه دم.
"من فعل" ذلك "فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد" سترة.
"إلا أن يجمع كثيبًا"؛ أي: تلًا (١).
"من رمل فليستدبره"؛ أي: فليجعل ذلك الرَّمل المجتمع خلفه، ويقعد كي لا يراه أحد.
"فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم"؛ أي: إنه يحضر أمكنة الاستنجاء ويرصدها بالأذى والفساد؛ لهجران ذكر الله تعالى وكشف العورات، وحينئذٍ يأمره بالبول في موضع صلب، أو في مستقبل الريح؛ ليصل إلى ثيابه الرشاش، وكل هذا لعب الشيطان ببني آدم.
"من فعل ذلك فقد أحسن" بإتيان السنة.
_________________
(١) في "غ": "قدرًا كثيرًا" بدل "تلًا".
[ ١ / ٢٥٨ ]
"ومن لا فلا حرج": لأن ذلك الاستتار وجمع الكثيب غير واجب إذا لم يره أحد.
* * *
٢٤٥ - وقال: "لا يبُولَنَّ أحدُكُمْ في مُسْتَحَمِّهِ، ثمَّ يغتسلُ فيهِ أو يتوضأُ فيه؛ فإنَّ عامَّةَ الوسْواسِ مِنْهُ"، رواه عبد الله بن مغفل - ﵁ -.
"وعن عبد الله بن مغفل أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يبولَنَّ أحدُكُمْ في مُسْتَحَمِّه"؛ أي: في موضع استحمامه، وهو الاغتسال بالحميم؛ أي: الماء الحار، ويقال لكل موضع يُغتسل به: مُستَحَم، وإن لم يكن الماء حارًا.
"ثم يغتسل فيه أو يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس"؛ أي: أكثره يحصل "منه"؛ أي: من البول في المستَحَم؛ لأنه يصير ذلك الموضع نجسًا فيصيبه منه رشاش، فيقع في قلبه وسوسة، بأنه هل أصابه منه رشاش أم لا؟
* * *
٢٤٦ - وقال: "لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ في جُحْرٍ"، رواه عبد الله بن سَرْجِس - ﵁ -.
"وعن عبد الله بن سَرْجِس أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يبولَنَّ أحدُكُمْ في جُحْرٍ"؛ أي: ثقبة في الأرض؛ لأنها مأوى الهوام وذوات السُّموم، وربما يصيبه مضرة منها، نقل أن سعد بن عبادة الخزرجي بال في جُحْرِ بأرض حَوْرَان فقتله الجنُّ.
* * *
٢٤٧ - وقال: "اتَّقُوا المَلَاعِنِ الثلاثة: البَرَازَ في المَوارِدِ، وقارِعَةِ الطريقِ، والظِّلِّ"، رواه مُعاذ - ﵁ -.
[ ١ / ٢٥٩ ]
"وعن معاذ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: اتقوا"؛ أي: احذروا.
"الملاعن الثلاثة": جمع مَلْعَنَة، وهي الموضع الذي يكثر فيها اللَّعن.
"البَرَاز"؛ أي: التَّغوط.
"في المَوَارد": جمع مَوْرِد، وهو الموضع الذي يأتيه الناس، مِنْ رأسِ عَيْنٍ أو نهر لشرب الماء والتوضؤ، وقيل: هو موضع ورودهم للتَّحدث.
"وقارعة الطريق"؛ أي: الطريق الواسع الذي يقرعه الناس بأرجلهم؛ أي: يدقونه ويمررون عليه.
"والظل"؛ أي: ظل الشجر وغيره، وإنما جعل هذه المواضع ملاعن؛ لأن أصحابها يلعنهم المارة لفعلهم القبيح، ولأنه عَسَّرَ على الناس وأفسد عليهم منفعتهم فكان ظالمًا، وكل ظالم ملعون.
* * *
٢٤٨ - وقال: "لا يَخْرُجِ الرجُلانِ يضرِبان الغائطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يتحدَّثَانِ، فإنَّ الله يمقُتُ على ذلك"، رواه أبو سعيد - ﵁ -.
"وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يخرج (١) الرجلان يضربان الغائط"؛ أي: يمشيان إلى قضاء الحاجة حال كونهما.
"كاشفين عن عورتهما": ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه.
"يتحدثان": حال ثانية.
"فإن الله" تعالى "يمقت"؛ أي: يغضب ويبغض.
_________________
(١) زاد في "غ": "قيل: نفيٌ بمعنى النهي فيكون مرفوعًا، وقيل: بل نهيٌ صريحٌ فيكون مكسورًا لالتقاء الساكنين".
[ ١ / ٢٦٠ ]
"على ذلك": الفعل.
* * *
٢٤٩ - وقال: "إنَّ الحُشُوشَ مُحتَضَرَةٌ، فإذا دخل أحدكم الخلاءَ فَلْيقُلْ: أعوذُ بالله مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ"، رواه زيد بن أرقَم - ﵁ -.
"وعن زيد بن أرقم - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الحشوش": جمع الحش - بالفتح والضم -: بستان النخيل، ثم استعمل في موضع قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا يقضون الحاجة فيها.
"مُحْتَضَرَة"؛ أي: أمكنة يحضرها الشياطين، وتَرْصُدُ فيها بني آدم بالأذى.
"فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث".
* * *
٢٥٠ - وقال: "سِتْرُ ما بينَ أَعيُنِ الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدمَ إذا دَخَلَ أحدُهُمْ الخلاءَ أن يقولَ: بِسْم الله"، رواه علي - ﵁ -. غريب.
"وعن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول: بسم الله": فإنه إذا ذكر اسم الله عند دخول الخلاء كان حجابًا بينه وبينهم حتى لم يروه ببركة اسم الله تعالى.
* * *
٢٥١ - وقالت عائشة: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا خرجَ مِنَ الخَلاءَ قال: "غُفْرَانَكَ".
"وقالت عائشة: كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا خرج من
[ ١ / ٢٦١ ]
الخلاء قال: غفرانك": مصدرٌ انتصابه بفعل مقدَّر؛ أي: أسألُ غفرانَكَ، وإنما كان يقول ذلك؛ لأنه استغفر عن خلوِّه من ذكر الله (١) تعالى في الوقت الذي كان في الخلاء، فكان تقصيرًا منه فتداركه بالاستغفار، أو الاستغفار هنا: كناية عن الاعتراف بالقصور عن بلوغ حقِّ شكر نعمة الإطعام، وتربية الغداء من حين التناول إلى أوان الانهضام وتسهيل خروج الأذى لسلامة البدن من الآلام.
* * *
٢٥٢ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: كانَ النبي - ﷺ - إذا أتى الخَلاءَ أتيتُهُ بماءٍ في تَوْرٍ أو رَكوَة فاستَنْجَى، ثمَّ مسحَ يدَهُ على الأرضِ، ثمَّ أتيْتُهُ بإناءٍ آخرَ فتوضَّأ.
"وقال أبو هريرة: كان النبي - ﵊ - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تَوْرٍ": وهو إناء من صُفْرٍ أو حجر كالإِجَّانة يُتَوضأ منه.
"أو ركوَة": وهي إناء صغير من جلد يُتَوَضَّأ منه، ولفظ (أو) إما للشك ممن يروي عن أبي هريرة، أو لأن أبا هريرة كان يأتيه تارة بالتَّور، وأخرى بالرِّكوة.
"فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض": وفيه إشارة إلى أن مسح اليد على الأرض بعد الاستنجاء سنة؛ لإزالة الرائحة.
"ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ": إتيانه بإناء آخر للتوضؤ، لا لعدم جواز التوضؤ بالماء الباقي من الاستنجاء، بل لفناء الماء الكافي للتوضؤ.
* * *
_________________
(١) في "غ": "لأنه استفرغ عن ذكر الله تعالى".
[ ١ / ٢٦٢ ]
٢٥٣ - وعن الحكَم بن سُفيان الثَّقَفي: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا بالَ توضَّأ، ونضحَ فَرْجَهُ.
"وعن الحكم بن سفيان الثقفي أنه قال: كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إذا بال توضأ ونضح"؛ أي: رشَّ "فرجه": بكفٍ من الماء بعد الاستنجاء؛ إما لدفع نزول البول وقطعه، وإما لدفع الوسوسة؛ فإن الرجل إذا لم ينضح به ووجد بعد ذلك بللًا ربما يظن أنه خرج منه بول؛ بخلاف ما إذا نضح فإنه إذ ذاك يعلم أن البلل منه فلا يقع في الوسوسة.
* * *
٢٥٤ - عن أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة قالت: كان لرسول الله - ﷺ - قَدَحٌ مِنْ عَيْدان تحتَ سريرِه يَبُولُ فيهِ باللَّيْلِ.
"وعن [حُكَيْمَة بنت] أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة عن أمها" عمة النبي - ﵊ - (١) "أنها قالت: كان للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قَدَحٌ من عِيدَان": جمع عود، وهو الخشب.
"تحت سريره يبول فيه بالليل": وفيه إشارة إلى أنه لو صلَّى على سريره أو سجادة تحته نجس يجوز؛ لأن قَدَح بول النبي - ﵊ - تحت سريره، والغالب أنه - ﵊ - كان لا يخلو في الليل من الصلاة.
* * *
٢٥٥ - وقال عمر - ﵁ -: رآني النبيُّ - ﷺ - أبولُ قائمًا، فقالَ: "يا عُمَرُ لا تَبُلْ قائمًا".
_________________
(١) في "غ" و"م": "أميمة بنت رقيقة عمة النبي ﵇ عن أمها".
[ ١ / ٢٦٣ ]
"وقال عمر - ﵁ -: رآني النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبول قائمًا فقال: يا عمر! لا تبل قائمًا": وإنما نهى عنه لأنه تبدو عورته بحيث يراه الناس من بعيد، وأيضًا لا يأمن من رُجوع البول إليه، وهذا نهي تنزيه لا تحريم.
* * *
قال الشيخ الإمام - ﵁ -: قد صحَّ:
٢٥٦ - عن حُذَيفَة: أنَّ النبي - ﷺ - أتى سُباطَةَ قومٍ، فبالَ قائمًا.
قيل: كان ذلك لعُذرٍ به، والله أعلم.
"قال الشيخ الإمام - ﵀ -: قد صح عن حذيفة أنه قال: أتى النبي - ﵊ - سُبَاطة قوم": وهي موضع يلقى فيه التراب والأوساخ وما يكنس الناس من المنازل.
"فبال قائمًا"، فيكون بين فعله - ﵊ - وبين نهيه عمرَ - ﵁ - تناقضًا.
"قيل": في التوفيق بينهما: "كان ذلك"؛ أي: فعله - ﵊ - "لعذر" لأنه لا يجد مكانًا للقعود؛ لامتلاء الموضع بالنجاسة.
وقيل: لأنه إن استدبر السُّبَاطة تبدو العورة للمارَّة، وإن استقبلها خِيْفَ عليه أن يقع على ظهره مع احتمال ارتداد البول.
وقيل: لأنه كان برجله جرح، بخلاف بول عمر - ﵁ -.
* * *
[ ١ / ٢٦٤ ]