(باب صلاة الليل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٤٥ - عن عُروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُصلي فيما بين أنَّ يَفْرُغَ من صلاةِ العشاءِ إلى الفجرِ إحدى عشرةَ ركعةً، يُسلِّم من
[ ٢ / ١٤١ ]
كل ركعتينِ، ويُوتِر بواحدةٍ، فيسجدُ السجدةَ من ذلك قدرَ ما يقرأُ أحدكم خمسينَ آيةً قبلَ أنْ يرفعَ رأسَه، فإذا سكتَ المؤذِّنُ من صَلاةِ الفجرِ وتبيَّن له الفجرُ؛ قامَ فركعَ ركعتينِ خفيفتينِ، ثم اضطجَع على شِقِّه الأيمنِ حتى يأتيَهُ المؤذِّنُ للإقامةِ، فيخرجُ.
"من الصحاح":
" عن عروة، عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي فيما بين أنَّ يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويُوتِرُ بواحدة": مضمومة إلى الشَّفعِ الذي قبلها.
قيل: بنى الشافعيُّ مذهبه في الوتر على هذا الحديث، وقال: إن أكثره إحدى عشر ركعة، والفصل أفضل من الوصل، وجعل وقته ما بين فرض العشاء وطلوع الفجر.
"فيسجد السجدة من ذلك"؛ أي: من المذكور من صلاة الليل، و(من) تبعيضية؛ أي: قد كان بعض سجوده طويلًا.
"قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أنَّ يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر"؛ أي: فرغ من آذانها.
"وتبيَّن له الفجرُ، قام فركع ركعتين خفيفتين": وهما سنة الصبح.
"ثم اضطجع على شقه الأيمن"؛ للاستراحة عن تعب قيام الليل؛ ليصلي فريضة الصبح على نشاط.
"حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج" للصلاة.
* * *
[ ٢ / ١٤٢ ]
٨٤٦ - وقالت عائشة: كان النبيُّ - ﷺ - إذا صلى ركعتي الفجر فإنْ كُنْتُ مستيقظةً حدَّثني وإلا اضطجعَ.
"وقالت عائشة ﵂: كان النبي - ﵊ - إذا صلى ركعتي الفجر": المراد بهما: سنة الفجر.
"فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا"، أي: وإن لم أكن مستيقظة "اضطجع".
فيه دليل على أنَّ الفصل بين السنة وبين الفريضة جائزٌ، وعلى أنَّ الحديث مع الأهل سنة.
* * *
٨٤٧ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا صلَّى ركعتَي الفجرِ اضطجعَ على شِقِّهِ الأيمنِ.
وقالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع على شقه الأيمن".
* * *
٨٤٨ - وقال القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: كانَ النبيُّ - ﷺ - يصلي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً منها الوِتر، وركعتا الفجرِ.
"وقال القاسم بن محمد": وهو محمد بن أبي بكر الصديق - ﵁ -.
"عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان رسول الله - ﵊ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ منها الوِترُ، وركعتا الفجر": والبقيةُ غيرُ أربع الفرض وركعتي السنة؛ لأن السؤالَ عن صلاة التهجد، وإنما ألحقت الوترَ وركعتي الفجر بالتهجد؛ لأن الظاهر أنَّه - ﵊ -
[ ٢ / ١٤٣ ]
كان يصلي الوتر آخر الليل، ويبقى مستيقظًا إلى الفجر، ويصل ركعتي الفجر بتهجُّده.
* * *
٨٤٩ - وقال مسروق: سألتُ عائشةَ ﵂ عن صلاةِ رسولِ الله - ﷺ - بالليلِ؟، فقالت: سبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرةَ سوى ركعتَي الفجرِ.
"قال مسروق: سألت عائشة - ﵂ - عن صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالليل، فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة ركعة"؛ يعني: كان يصلي في بعض الليالي سبع ركعات مع الوتر، وفي بعضها: تسعًا معه، وفي بعضها: إحدى عشرة معه، وهذا كله "سوى ركعتي الفجر"؛ لأن هذا السؤال أيضًا عن التهجد، والوتر معها، لأنه كان يصلها بالتهجد.
* * *
٨٥٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَ النبيُّ إذا قامَ من الليلِ لِيُصلي افتتحَ صلاتَه بركعتينِ خفيفتينِ.
"وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي، افتتحَ صلاته بركعتين خفيفتين"؛ ليرتفع عنه الثقل، ويحصل به نشاطٌ في الصلاة، ويعتاد بها، ثم يزيدُ عليها بعد ذلك.
* * *
٨٥١ - وقال أبو هريرة - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إذا قامَ أحدُكم من الليل فليفتتحْ صلاتَه بركعتينِ خفيفتينِ".
"وقال أبو هريرة، عن النبي - ﵊ - أنَّه قال: إذا قام
[ ٢ / ١٤٤ ]
أحدكم من الليل، فليفتتحْ صلاتَهُ بركعتين خفيفتين"، وهذا إشارة إلى أنَّ من يريد أنْ يَشرَعَ في أمرٍ شرعَ قليلًا قليلًا.
* * *
٨٥٢ - عن ابن عباسٍ - ﵄ - أنَّه قال: بِتُّ عندَ خالتي ميمونَة ليلةً والنبيُّ - ﷺ - عندَها، فتحَدَّثَ رسولُ الله - ﷺ - مع أهلِهِ ساعةً ثم رقدَ، فلمَّا كان ثلثُ الليلِ الآخرُ أو بعضُه قعدَ فنظرَ إلى السماء فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ حتى خَتَمَ السورةَ، ثم قامَ إلى القِربةِ، فأَطلقَ شِناقَها، ثم صبَّ في الجَفَنة، ثم توضأَ وضوءًا حسنًا بين الوضوءينِ لم يُكْثِرْ وقد أَبْلَغَ، فقامَ يصلي، فقمتُ فتوضأتُ فقمتُ عن يسارِهِ، فأخذَ بأُذُني عن يمينِهِ، فَتَتَامَّتْ صلاتُه ثلاثَ عشرةَ ركعةً، ثم اضطجعَ فنامَ حتى نفخَ، وكان إذا نامَ نفخَ، فآذَنَهُ بلالٌ بالصلاةِ فصلَّى ولم يتوضأ، وكانَ في دعائه: "اللهمَّ اجعلْ في قلْبي نُوْرًا، وفي بصري نورًا، وفي سَمْعي نُورًا، وعن يَميني نُورًا، وعن يَساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأَمامي نُورًا، وخلْفي نُورًا، واجعل لي نُورًا - وزاد بعضهم - وفي لِساني نورًا - وذكر - وعصَبي، ولَحمي، ودمي، وشَعْري، وبشَري".
وفي روايةٍ: "واجعل في نفسي نورًا، وأَعظِم لي نورًا".
وفي روايةٍ: "اللهمَّ أَعطني نوُرًا".
وفي روايةٍ: عن ابن عباس أنَّه رقدَ عندَ النبيِّ - ﷺ -، فاستيقظَ فتسوَّكَ وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ حتى ختمَ السورةَ، ثم قامَ فصلى ركعتينِ أطالَ فيهما القيامَ والركوعَ والسجودَ، ثم انصرفَ فنامَ حتى نفخَ، ثم فعلَ ذلك ثلاثَ مراتٍ ستَّ ركعاتٍ، كلُّ ذلكَ يَسْتَاكُ ويتوضأُ ويقرأُ هؤلاء الآياتِ، ثم أوترَ بثلاثٍ.
[ ٢ / ١٤٥ ]
"عن ابن عباس - ﵄ - أنَّه قال: بتُّ عند خالتي ميمونة" وهي أم المؤمنين "ليلةً والنبيُّ - ﵊ - عثدها، فتحدث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد"؛ أي: نام.
"فلما كان ثلث الليل الآخر": صفة (ثلث)؛ أي: بقي ثلثها.
"أو بعضه"؛ أي: بعض الثلث؛ أي: أقل منه.
"قعد فنظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى ختم السورة، ثم قام إلى القِربةِ"؛ أي: قاصدًا إليها.
"فأطلق"؛ أي: حلَّ "شِناقها": بكسر الشين؛ أي: حبل القربة الَّذي يشدُّ به رأسها.
"ثم صب"؛ أي: أراق الماء منها.
"في الجفنة، ثم توضأ وضوءً حسنًا بين الوُضوءين"؛ أي: من غير إسراف ولا تقتير، يدل هذا على أنَّ ما كان بين طرفي الإفراط والتفريط فهو حسن.
"لم يكثر" إراقة الماء: بيان للوضوء الحسن، وهو إرشاد إلى عدم الإفراط.
"وقد أبلغَ" الماءَ إلى محالِّه المفروضة: إرشاد إلى عدم التفريط.
"فقام وصلى فقمت وتوضأت، فقمت عن يساره، فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه": (عن) هنا بمعنى: الجانب؛ أي: أدارني عن جانب يساره إلى جانب يمينه.
"فتتامَّت صلاته": بتشديد الميم من (تم)؛ أي: صارت صلاته تامة.
"ثلاث عشرة ركعة"، وبه استدل من قال: الوتر ثلاث عشرة ركعة.
[ ٢ / ١٤٦ ]
"ثم اضطجع، فنام حتى نفخ"؛ أي: تنفس بصوتٍ حتى يسمع منه صوت النفخ، كما يسمع من النائم.
"وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال"؛ أي: أعلمه بالصلاة، فصلى ولم يتوضأ، وهذا من خصائصه؛ لأنه نامت عيناه، ولم ينمْ قلبه، ولا يبطل وضوءه بمثل هذا.
"وكان في دعائه: اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا": اعلم أنَّ القلب ممرٌّ للفكر في آلاء الله، والبصر محل النظر في آيات الله تعالى، والسمع محل السماع الحق، والشيطان يأتي الناس في هذه الأعضاء، فيوسوسهم بوسوسة شبيهة بظُلمةٍ، فدعا - ﵊ - أن يدفعها الله بإثبات النور فيها، أراد بالنور ضياء الحق؛ يعني: استعمِلْ هذه الأعضاء مني في الحق، واجعلْ تصرفي وتقلبي فيها على سبيل الصواب.
"وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا": وإنما أورد في هذين الجانبين؛ لأن الأنوار تتجاوز عن قلبه وبصره وسمعه إلى من عن يمينه وشماله من الخلق.
"وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا": وفي عدم إيراد حرف الجر في هذه الجوانب إشارة إلى تمام الإنارة وإحاطته؛ إذ الإنسان تحيط به ظلمات البشرية والشهوات النفسانية لم يتخلص منها إلا بالأنوار الإلهية.
"واجعل لي نورًا": هذا إجمال بعد التفصيل، أراد به نورًا عظيمًا جامعًا للأنوار كلها.
"وزاد بعضهم: وفي لساني نورًا، وذكر"؛ أي: الرواي: "وعصبي ولحمي، ودسي، وشعري، وبشري، وفي رواية: واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا، وفي رواية: اللهم أعطني نورًا.
وفى رواية ابن عباس: أنَّه رقد عند النبي - ﵊ -
[ ٢ / ١٤٧ ]
فاستيقظ"؛ أي: النبي - ﵊ - من نومه.
"فتسوك وتوضأ": تجديدًا للوضوء؛ لعدم بطلانه بنومه ﵊.
"وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك": إشارة إلى ما ذكر من قوله: (فتسوك). . . إلى قوله: (حتى نفخ).
"ثلاثَ مرات ستَّ ركعات": قيل: منصوب بإضمار (أعني)، أو بيان لـ (ثلاث)، وكذا "كل ذلك" بيانٌ له أيضًا؛ أي: كل مرة، ويجوز أن يكون مفعولًا.
"يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث": ركعات.
وهذا الحديث يدل على أن الركعات الست كانت تهجده، وأن الوتر ثلاث ركعات، وإليه ذهب أبو حنيفة.
* * *
٨٥٣ - وعن زيد بن خالدٍ الجُهَني - ﵁ - أنه قال: لأَرْمُقَنَّ صلاةَ رسولِ الله - ﷺ - الليلةَ، فصلَّى ركعتَينِ خفيفتَينِ، ثم صلَّى ركعتينِ طويلتينِ طويلتينِ طويلتينِ، ثم صلى ركعتينِ وهما دونَ اللتينِ قبلَهما، ثم صلَّى ركعتينِ وهما دونَ اللَّتينِ قبلهما، ثم صلى ركعتينِ وهما دونَ اللتينِ قبلهما، ثم صلى ركعتينِ وهما دون اللتينِ قبلَهما، ثم أَوْتَرَ فذلك ثلاثَ عشرةَ ركعةً.
"وعن زيد بن خالد الجهني: أنه قال: لأرمقنَّ"، أي: لأنظرن وأحفظن "صلاةَ رسول الله" - صلى الله تعالى عليه وسلم - بلحاظ عينيَّ "الليلة"؛ أي: في
[ ٢ / ١٤٨ ]
هذه الليلة حتى أرى كم يصلي.
"فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين": وإنما كرر تأكيدًا لطول الركعتين الموصوفتين.
"ثم صلى ركعتين وهما دون"؛ أي: أقل من الركعتين "اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين فبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة": وهذا يدل على أنه - ﷺ - أوتر بثلاث؛ لأنه صلى عشرًا في خمس دفعات.
* * *
٨٥٤ - قالت عائشةُ ﵂: لمَّا بَدَّنَ رسولُ الله - ﷺ - وَثَقُلَ؛ كانَ أكثرُ صلاتِهِ جالسًا.
"وقالت عائشة: لما بدَّن رسولُ الله" صلى الله تعالى عليه وسلم: بالتشديد من (التبدين)، وهو: الكبر والضعف؛ أي: أسنَّ وكبر، ويروى بالتخفيف؛ أي: كثر لحمه، قيل: المختار هو الأول؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يُوصَف بكثرة اللحم.
"وثقل"؛ أي: ضعف.
"كان كثير صلاته": في التطوع "جالسًا".
* * *
٨٥٥ - وقال عبد الله بن مَسْعود - ﵁ -: لقد عرفتُ النَّظائرَ التي كانَ النبيُّ - ﷺ - يقرِنُ بينهن - فذكر عشرينَ سورةً من أولِ المُفَصَّل على تأليفِ ابن مسعودٍ - ﵁ - سورتينِ في كل ركعةٍ، آخرُهنَّ حم الدُّخان، وعمَّ يتساءلون.
[ ٢ / ١٤٩ ]
"وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: لقد عرفت النظائر": جمع النظيرة وهي المثل والشبه؛ أي: السور المماثلة بعضها ببعض في الطول والقصر.
"التي كان النبي - ﵊ - يقرن"؛ أي: يجمع.
"بينهن": في ركعة.
"فذكر"؛ أي: ابن مسعود.
"عشرين سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود"؛ أي: على جمعه؛ فإنه جمع القرآن على نسقٍ غير النسق الذي جمع زيد بن ثابت بإذن أبي بكر على خلافته، ورضي به الخلفاء الثلاثة وسائر الصحابة، وهو المتلوُّ الآن المكتوب في المصاحف.
وتأليف ابن مسعود - ﵁ - غير ملتفت إليه؛ لأنه شاذٌّ جمعه بعد زيد، ولم يتبعه فيه أحد؛ أي: ذكر أنه - ﵊ - كان يقرأ عشرين سورة في عشر ركعات يقرن بين "سورتين في آخرهن"؛ أي: آخر تلك العشرين سورة: " ﴿حم﴾ الدخان، و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ": ذكر أبو داود في "صحيحه" السور التي يقرن بينهن - ﵊ - في صلاته ﴿الرَّحْمَنُ﴾ و﴿النَّجْمُ﴾ في ركعة، و﴿اقْتَرَبَتِ﴾ و﴿الْحَاقَّةُ﴾ في ركعة، ﴿وَالطُّورِ﴾ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ في ركعة، و﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ و﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ في ركعة، و﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ في ركعة، و﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ و﴿عَبَسَ﴾ في ركعة، و﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ و﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ في ركعة، و﴿هَلْ أَتَى﴾ و﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ في ركعة، و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ في ركعة، و(الدخان) و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ في ركعة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٨٥٦ - عن حُذيفة - ﵁ -: أنه رَأى رسولَ الله - ﷺ - يُصلي من الليلِ فكانَ
[ ٢ / ١٥٠ ]
يقولُ: "الله أكبر - ثلاثًا - ذا الملكوتِ والجَبَرُوتِ والكبرياءِ والعظَمةِ"، ثم استفتحَ فقرأ البقرةَ، ثم ركعَ فكانَ ركوعه نحوًا من قيامه يقول: "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم"، ثم رفع رأسه فكان قِيامُه نحوًا من ركوعِه يقولُ: "لِرَبي الحمدُ"، ثم سجدَ فكان سُجودهُ نحوًا من قيامِهِ يقول: "سبحانَ ربي الأعلى"، ثم رفعَ رأسَه، وكان يقعدُ فيما بينَ السجدتينِ نحوًا من سجودِه يقولُ: "ربِّ اغفرْ لي ربِّ اغفرْ لي"، فصلَّى أربعَ ركعاتٍ قرأَ فيهنَّ البقرةَ وآلَ عمرانَ والنساءَ والمائدةَ.
"من الحسان":
" عن حذيفة: أنه رأى رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي من الليل، فكان يقول: الله أكبر ثلاثًا، ذو الملكوت"؛ أي: الملك.
"والجبروت"؛ أي: العظمة.
"والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوًا"؛ أي: مثلًا، "من قيامه"، ثم "يقول: سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه فكان قيامه نحوًا من ركوعه يقول: لربي الحمد، ثم سجد فكان سجوده نحوًا من قيامه يقول: سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده يقول: ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، فصلى أربع ركعات، قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة".
* * *
٨٥٧ - عن عبد الله بن عَمرو بن العاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ قامَ بعشْرِ آياتٍ لم يُكتبْ من الغافلينَ، ومَن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ من القانتينَ، ومن قامَ بألف آيةِ كُتب من المُقَنْطِرين".
[ ٢ / ١٥١ ]
"عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من قام بعشر آيات"؛ أي: قرأ في صلاته بالليل عشر آيات على التدبر والتأني.
"لم يكتب من الغافلين"؛ لأن من فعل هذا لم يكن غافلًا بل حاضرًا، أو مواظبًا على الطاعة.
"ومن قام بمئة آية، كتب من القانتين"؛ أي: المطيعين على الطاعة، أو المطوِّلين في القيام.
"ومن قام بألف آية، كتب من المُقَنْطِرِينَ"؛ أي: المكثرين الثواب، والمراد بهم: العمال لله تعالى في أرضه؛ لأنهم بلغوا في حيازة الثواب مبلغ المقنطر فحب حيازة الأموال، والمقنطر: صاحب القناطير، كأنه جمع المال فقنطره، من (القنطار)، وهو: سبعون ألف دينار، وقيل: أربعة آلاف دينار، وقيل: مِلْءُ جلد ثور ذهبًا، وقيل: ثمانون ألفًا، وقيل: جملة كثيرة مجهولة المقدار.
* * *
٨٥٨ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: كانت قراءَةُ النبيِّ - ﷺ - بالليلِ يرفعُ طَوْرًا ويخفضُ طَوْرًا.
"وقال أبو هريرة - ﵁ -: كانت قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالليل يرفع طورًا"؛ أي: يرفع صوته مرة، "ويخفض طورًا".
* * *
٨٥٩ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: كانت قراءةُ النبيِّ - ﷺ - على قَدْرِ ما يَسمعُهُ مَن في الحُجرةِ وهو في البيت.
[ ٢ / ١٥٢ ]
"وعن ابن عباس أنه قال: كانت قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قدر ما يسمعه"؛ أي: قدر قراءةٍ يسمعه "مَنْ في الحجرة"؛ يعني: لا يرفع صوته كثيرًا، ولا يُسِرُّ بحيث لا يسمعه أحد، وهذا إذا كان يصلي ليلًا، "وهو في البيت"؛ أي: في بيته، وأما في المسجد فكان يرفع صوته فيها أكثر من ذلك.
* * *
٨٦٠ - عن أبي قَتادة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يا أبا بكرٍ، مررتُ بكَ وأنتَ تصلي تخفِضُ صوتَك"، قال: قد أَسْمَعْت مَن ناجَيتُ يا رسولَ الله، وقال لعُمر: "مررتُ بكَ وأنتَ رافعٌ صوتَك"، فقال: أُوقِظُ الوَسْنَان وأَطردُ الشيطانَ، فقال النبيُّ - ﷺ -: "يا أبا بكرٍ، ارفعْ مِن صوتِكَ شيئًا"، وقال لعمر: "اخفِضْ من صوتِكَ شيئًا".
"وعن أبي قتادة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أبا بكر! مررت بك وأنت تصلي تخفضُ صوتك، قال أبو بكر: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله"؛ يعني: أناجي ربي، وهو يسمع لا يحتاج إلى رفع الصوت.
"فقال لعمر: مررت بك وأنت رافعًا صوتك، قال: أوقِظُ الوَسْنان"؛ أي: أنبه النائمَ.
"وأطرد الشيطان"؛ أي: أبعده.
"فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أبا بكر! ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا"، وهذا يدل على أن الإفراط والتفريط غير محمود، بل خير الأمور أوسطها.
* * *
[ ٢ / ١٥٣ ]
٨٦١ - عن أبي ذر قال: قامَ رسولُ الله - ﷺ - حتى أَصْبَحَ بآية، والآيةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
"وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: أحيا الليلَ كله في الصلاة.
"حتى أصبح بآية"؛ أي: كررها متفكرًا في معناها إلى الصبح؛ لما حصل له من الذوق من هذه الآية الشريفة.
"والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] "، ومعنى الآية: أن عيسى - ﵇ - ناجى ربه قائلًا: إن تعذب أمتي فإنهم عبادك، والرب إذا عاقب عبده فلا اعتراضَ لأحد عليه، و﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: إن توفقهم للإيمان والطاعة، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾: القوي القادر على ما تشاء، ﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب.
* * *
٨٦٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا صلَّى أحدُكم ركعتي الفجرِ فليضطجعْ على يمينِهِ".
"عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجعْ على يمينه": هذا في حقِّ من تهجد في الليل وأصابه تعب، فإنه يستحب له أن يضطجع بعد سنة الفجر لحظة؛ ليستريح، ثم يصلي الفريضة على نشاط، ومَنْ لا فلا.
* * *
[ ٢ / ١٥٤ ]