(باب التحريض على قيام اللَّيل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٦٩ - قال رسول الله - ﷺ -: "يعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقَدٍ، يضربُ على كلِّ عُقدةٍ: عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإن استيقظ فذكرَ الله تعالى انحلَّتْ عقدةٌ، فإنْ توضَّأَ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإنْ صلى انحلَّتْ عُقدةٌ، فأصبح نَشيطًا طيبَ النفسِ، وإلا أصبحَ خبيثَ النفسِ كسلانَ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يعقِد الشيطان": بكسر القاف؛ أي: يشدُّ "على قافية رأس أحدكم"؛ أي: مؤخر رأسه، وقيل: أي: وسطه.
[ ٢ / ١٦٠ ]
"إذا هو نام ثلاث عقد": جمع عقدة، والمراد بها: عقد الكسل؛ أي: يحمله الشيطان عليه.
قيل: تخصيص القافية به؛ لأنه محل الواهمة، وهي أطوع القوى للشيطان.
"يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد"؛ يعني: يحبب إليه النوم بقول ذلك.
"فإن استيقظ، فذكر الله، انحلت"؛ أي: انفتحت "عقدة، فإن توضأ، انحلت عقدة، فإن صلى، انحلت عقدة": والتقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأن ما تنحل به عقدته ثلاثة أشياء: الذكر والوضوء والصلاة، فكأن الشيطان منعه عن كل منها بعقدة، فخالفه في جميع ذلك.
"فأصبح نشيطًا"؛ أي: ذا فرح.
"طيب النفس"؛ لأنه خلص عن قيد الشيطان، وحصَّل رضاء الرحمن.
"وإلا"؛ أي: وإن لم يفعل كذلك، بل أطاع الشيطان، ونام حتى تفوته صلاة الصبح (١).
"أصبح خبيث النفس"؛ أي: محزون القلب متحيرًا في أمره.
"كسلان": لا يحصل له مراده فيما يقصده من أموره؛ لأنه مقيدٌ بقيد الشيطان، ومبعد من رضا الرحمن.
* * *
٨٧٠ - وقال المُغيرة: قامَ النبيُّ - ﷺ - من الليلِ حتى تَوَرَّمَت قَدَمَاهُ فقيل له:
_________________
(١) في "غ": "حتى يفوت الصلاة".
[ ٢ / ١٦١ ]
لِمَ تصنَعُ هذا وقد غفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنْبكَ وما تأخَّرَ؟، قال: "أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا".
"قال المغيرة: قام النبي - ﵊ - من الليل حتى تورَّمت"؛ أي: انتفخت.
"قدماه": من الوجع.
"فقيل له: لم تصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا": لنعمة الله علي من غافران ذنوبي، وغير ذلك من أنواع النعم.
* * *
٨٧١ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ذُكِرَ عندَ النبيِّ - ﷺ - رجلٌ فقيل: ما زالَ نائمًا حتى أَصْبَحَ - ما قامَ إلى الصلاة - فقال: "بالَ الشيطانُ في أُذُنِهِ".
"وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ذكر عند النبي - ﵊ - رجلٌ، فقيل: ما زال قائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، قال": ﵊: "بال الشيطانُ في أذنه"؛ أي: جعله خبيثًا لا يقبل الخير، وجعله مسخَّرًا ومطيعًا له، يقبل ما يأمره من ترك الصلاة وغيرها.
وقيل: معناه: أنه ملأ سمعه من الكلام الباطل وأحاديث اللغو، فأحدث ذلك في أذنه وقرًا عن استماع دعوة الحق.
وقيل: على حقيقته؛ لما رُوي عن بعض مَنْ نام عن الصلاة أنه رأى في المنام كأن شخصًا أسود جاء فشغر برجله يبول في أذنه.
وعن الحسن البصري: لو ضرب بيده إلى أذنه، لوجدها رطبة.
* * *
[ ٢ / ١٦٢ ]
٨٧٢ - وقالت أم سَلَمَةَ: استيقظَ رسولُ الله - ﷺ - ليلةً فَزِعًا يقول: "سبحانَ الله!، ماذا أُنزِل الليلةَ مِن الخزائنِ، وماذا أُنزِل من الفِتَن؟، مَنْ يُوقِظُ صواحِبَ الحُجُراتِ - يريد أزواجَهُ - لكي يُصلِّين؟، رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة".
"قالت أم سلمة: استيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلةً فزعًا يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الليلة": استفهام معناه التعجب والتعظيم.
"من الخزائن؟ ": أراد بها: الرحمة، عبر عنها بالخزائن؛ لكثرتها.
"وماذا أنزل من الفتن؟ ": أراد بها: العذاب، عبَّر عنه بالفتن؛ لأنها مؤدية إليه؛ أي: كم رحمة نزلت؟ وكم عذاب نزل؟
"من يوقظ": استفهام؛ أي: هل أحدٌ يوقظ؟
"صواحبَ الحجرات - يريد أزواجه - لكي يُصلِّين"؛ ليجدن الرحمة، ويفررن من العذاب.
"ربَّ كاسيةٍ في الدنيا"؛ أي: رب نفس كاسية أو امرأة كاسية في الدنيا من ألوان الثياب.
"عاريةٍ في الآخرة": من أنواع الثواب؛ لكونها غير صالحة في الدنيا، فلا ينفع الشخص في الآخرة إلا العمل الصالح، وهذا عامٌ في الرجال والنساء، فذكر أزواجه؛ لزيادة تخويفهن.
* * *
٨٧٣ - وقال: "ينزلُ ربنا ﵎ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حينَ يبقَى ثلثُ الليلِ الآخرُ يقول: مَن يدعوني فأَستجيبَ له، مَن يسألُني فأُعْطِيَهِ، مَن يستغفرني فأَغفِرَ له".
[ ٢ / ١٦٣ ]
وفي روايةٍ: "ثم يبسُطُ يديهِ يقول: من يُقرِضُ غيرَ عَدومٍ ولا ظَلُوم؟ حتى ينفجرَ الفجرُ".
[وفي رواية: "يكون كذلك حتى يُضيء الفجر ثم يعلو ربنا إلى كُرسيه"].
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخرُ": بالرفع صفة (ثلث)، قيل: هذا متشابه معناه: ينتقل كل ليلة من صفات الجلال إلى صفات الرحمة والكمال.
وقيل: المراد نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، أو نزول ملك من خواص ملائكته، فينقل حكاية الرب تعالى في ذلك الوقت بأمر الله تعالى.
"يقول: من يدعوني؟ فأستجيبَ له": بالنصب على تقدير (أن) جوابًا للاستفهام.
"من يسألني؟ فأعطيه، من يستغفرني؟ فأغفر له": والتخصيصُ بالليل وبالثلث الآخر منه؛ لأنه وقت التهجد، فيختصُّ بمزيد الشرف والفضل؛ لأن النية تكون فيه أخلص، والرغبة إلى الله تعالى أوفر.
"وفي رواية" عن أبي هريرة: "ثم يبسط يديه"؛ أي: لطفه ورحمته.
"ويقول: من يقرضُ غير عدوم"؛ أي: غير فقير.
"ولا ظلوم": أراد به ذاته تعالى؛ فإنه غني لا يعجز عن أداء حقه، وعادل لا يظلم المقرض ينقص ما أخذه، بل أخذَ يضاعفُ ذلك أضعافًا كثيرة، وإنما وصف تعالى بهذين الوصفين؛ لأنهما المانعان غالبًا من الإقراض، والأولى أن يراد بالقرض هنا: الطاعة؛ مالية كانت، أو بدنية، فمعناه: من يفعل خيرًا يجد
[ ٢ / ١٦٤ ]
جزاءً" كاملًا عندي.
"حتى ينفجر الفجر": يطلع، وفيه دلالة على امتداد وقت ذلك اللطف.
* * *
٨٧٤ - وقال: "إنَّ في الليلِ ساعةً لا يوافقُها رجلٌ مسلمٌ يسألُ الله تعالى خيرًا، مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ إلا أَعطاهُ إيَّاهُ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ".
"وعن جابرك - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن في الليل ساعة لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، وذلك كلَّ ليلة": بنصب (كل) بالظرفية، وهو خبر (ذلك)؛ أي: ساعة الإجابة لا تختصُّ ببعض الليل دون بعض، بل هي في جميع الليالي، فليتهجد العبدُ في إحياء كل ليلة أو بعضها، لعله يصادف تلك الساعة.
* * *
٨٧٥ - وقال: "أَحبُّ الصلاةِ إلى الله صلاةُ داوُدَ، وأَحبُّ الصيامِ إلى الله صيامُ داودَ، كانَ ينامُ نصفَ الليلِ، ويقومُ ثُلُثَهُ، وينامُ سُدسَه، ويصومُ يومًا، ويُفْطِرُ يومًا".
"عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: قال رسول الله قال الله تعالى عليه وسلم: أحب الصلاة إلى الله"؛ أي: في النوافل.
"صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل"؛ أي: نصفه الأول.
"ويقوم": بعد ذلك "ثلثه، وينام سدسه": الآخر، ثم يقوم عند الصبح، وإنما صار هذا النوع أحبَّ؛ لأن النفس إذا نامت الثلثين من الليل تكون أخفَّ وأنشط في العبادة.
[ ٢ / ١٦٥ ]
"ويصوم يومًا ويفطر يومًا"؛ فإن ذلك أشق على النفس؛ لأنها تصادف مألوفها في يوم، وتفارقه في آخر.
* * *
٨٧٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ - تعني رسولَ الله - ﷺ - ينامُ أولَ الليلِ ويُحيي آخِرَهُ، ثم إنْ كانت له حاجةٌ إلى أهلهِ قضَى حاجتَه، ثم ينامُ، فإن كانَ عندَ النداءِ الأولِ جُنبًا وثبَ فأفاضَ عليهِ الماءَ، وإن لم يكنْ جنبًا توضأَ للصلاةِ، ثم قال ركعتينِ.
"قالت عائشة ﵂: كان - تعني: رسول الله - ﷺ - ": تفسير لضمير (كان).
"ينام أول الليل، ويحيي آخره، ثم إن كانت له" بعد إحيائه الليلَ "حاجة إلى أهله"؛ أي: أراد مباشرة أزواجه.
"قضى حاجته"؛ أي: فعلها.
"ثم ينام"، وإنما ذكرت لفظة (ثم)؛ ليعلم أن الجدير به - ﵊ - تقديم العبادة على الشهوة والعادة.
"فإن كان عند النداء الأول جُنبًا"؛ أي: عند أذان بلال؛ فإنه كان يؤذن نصف الليل.
"وثب"؛ أي: قام من النوم مستعجلًا.
"فأفاض عليه الماء"؛ أي: اغتسل.
"وإن لم يكن جنبًا، توضأ للصلاة، ثم صلَّى ركعتين"؛ أي: يبتدأ بهما، كما ذكر في صلاة الليل.
* * *
[ ٢ / ١٦٦ ]
مِنَ الحِسَان:
٨٧٧ - عن أبي أُمامة قال، قال رسول الله - ﷺ -: "عليكم بقيامِ الليلِ فإنه دَأبُ الصالحينَ قبلَكم، وهو قُرْبَةٌ لكم إلى رَبكم، وَمَكْفَرةٌ للسيئاتِ ومَنْهَاةٌ عن الإثمِ".
وفي رواية: "وَمَطرَدَة الداءِ عن الجسدِ".
"من الحسان":
" عن أبي أمامة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأبُ الصالحين قبلكم"؛ أي: عادتهم، يجوز أن يراد بهم: الأنبياء الماضون.
"وهو قربة لكم إلى ربكم ومَكفرة": بفتح الميم مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ساترة "للسيئات"، وكذا "منهاة"؛ أي: ناهٍ "عن الإثم"؛ يعني: خصلة تكفر سيئاتكم، وتنهاكم عن المحرمات، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
* * *
٨٧٨ - وقال: "ثلاثةٌ يضحكُ الله إليهم: الرجلُ إذا قامَ باللَّيلِ يُصلِّي، والقومُ إذا صفُّوا في الصلاةِ، والقومُ إذا صفُّوا في قتالِ العدوِّ".
"وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ثلاثة يضحك الله إليهم"؛ أي: ينظر إليهم نظرَ الرضاء البالغ والرحمة السابغة.
"الرجلُ إذا قام بالليل يصلي، والقومُ إذا صفوا في الصلاة، والقومُ إذا صفوا في قتال العدو".
* * *
[ ٢ / ١٦٧ ]
٨٧٩ - وقال: "أقربُ ما يكونُ الربُّ مِن العَبْدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ، فإن استطعتَ أنْ تكونَ ممن يذكرُ الله في تلكَ الساعةِ فَكُنْ"، صحيح.
"وعن عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر": صفة لـ (جوف)؛ أي: في النصف الآخر من الليل.
"فإن استطعتَ أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكنْ"، وإنما كان هذا الوقت شريفًا؛ لأنه الوقت الذي ينادي الله تعالى فيه عباده فيقول: من يدعوني فأستجيب له.
"صحيح".
* * *
٨٨٠ - وقال: "رحمَ الله رجلًا قامَ من الليلِ فصلَّى، وأَيقظَ امرأتَه فَصَلَّتْ، فإن أَبَتْ نضحَ في وجهِهَا الماءَ، رحمَ الله امرأةً قامَتْ من الليلِ فصلَّتْ، وأيقظَتْ زوجَها فإن أبَى نضحَت في وجهِه الماءَ".
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ أهله"؛ يعني: امرأته.
"فصلت، فإن أبت نضح"؛ أي: رشَّ "في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أَبى نضحت في وجهه الماء"، وهذا يدل على أن إكراهَ أحدِ على خير يجوزُ، بل يستحب.
* * *
٨٨١ - وعن أبي أُمَامة أنه قال: قيل: يا رسولَ الله!، أيُّ الدعاءَ أَسْمَعُ؟
[ ٢ / ١٦٨ ]
قال: "جوفَ الليلِ الآخرَ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ".
"وعن أبي أمامة - ﵁ - أنه قال: قيل: يا رسول الله! أيُّ الدعاء أسمع؟ "؛ أي: أقرت إلى أن يسمعه الله؛ أي: يتقبله.
"قال: جوفَ الليل": بنصب (جوف) على الظرفية؛ أي: الدعاء في جوف الليل.
"الآخر": ويروى: برفعه بتقدير حذف المضاف؛ أي: دعاء جوف الليل.
قال الخطابي: المراد: ثلث الآخر، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل.
"ودبر الصلوات المكتوبات"؛ أي: عقيبها، عطف على (جوف).
* * *
٨٨٢ - وقال: "إن في الجنةِ غُرَفًا يُرَى ظاهِرُها من باطِنها، وباطنُها من ظاهِرها أَعَدَّها الله لمن أَلانَ الكلامَ، وأَطْعَمَ الطعامَ، وتابعَ الصيامِ، وصلى بالليلِ والناسُ نيامٌ".
وفي روايةٍ: "لِمَنْ أَطَابَ الكلامَ".
"وعن أبي مالك الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن في الجنة غرفًا": جمع غرفة، وهو: البناء على علو.
"يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله"؛ أي: هيأها "لمن ألان الكلام"؛ أي: لمن له خلقٌ حسن مع الناس.
"وأطعم الطعام، وتابع الصيام"؛ أي: أكثر منه بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضًا، ولا يقطعها رأسًا.
"وصلى بالليل والناس نيام": جمع نائم.
[ ٢ / ١٦٩ ]
"وفي رواية: لمن أطاب الكلام".
* * *