(باب قام شهر رمضان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٩١٨ - قال زَيد بن ثابت - ﵁ -: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - اتَّخذَ حُجْرةً في المسجدِ من حَصيرٍ، فصلَّى فيها لياليَ حتى اجتمعَ إليه ناسٌ، ثم فَقَدوا صوتَه ليلةً، وظنُّوا أنه قد نامَ، فجعلَ بعضُهم يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إليهم، فقال: "ما زالَ بكم الذي رأَيتُ من صَنيعِكم حتى خشيتُ أن يُكتَبَ عليكم، ولو كُتِبَ عليكم ما قُمْتُمْ بهِ، فَصَلُّوا أيُّها الناسُ في بيوتكم، فإنَّ أفضلَ صلاةَ المَرْءِ في بيتِه إلا الصلاةَ المكتوبةَ".
"من الصحاح":
" قال زيد بن ثابت: إن النبي - عليه الصلاة ولسلام - اتخذ حجرة في
[ ٢ / ١٩٢ ]
المسجد من حَصير"؛ لصلاته تطوعًا.
"فصلى فيها"؛ أي: في تلك الحجرة.
"ليالي"، فكان يخرج - ﵊ - منها، ويصلي بالجماعة في الفرائض والتراويح.
"حتى اجتمع إليه ناسٌ": وكثر.
"ثم فقدوا صوتَهُ ليلةً": بأن دخل الحجرة بعدما صلَّى بهم الفريضة، ولم يخرج إليهم بعد ساعة للتراويح على عادته.
"وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنحُ؛ ليخرج، فخرج إليهم، فقال: ما زال بكم الذي رأيتُ من صنيعكم"؛ لشدة حرصكم في إقامتها بالجماعة.
"حتى خشيتُ أن يُكتب عليكم": لو واطبتُ على إقامتها.
"ولو كتب عليكم ما قمتم به"؛ أي: لم تقوموا به، وفيه بيان رأفته - ﵊ - لأمته.
"فصلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته": وهذا عامٌّ لجميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي من شعائر الإسلام كالعيد والكسوف والاستسقاء.
"إلا الصلاة المكتوبة"؛ أي: المفروضة؛ فإنها في المسجد أفضل، وهذا يدلُّ على سُنيَّةِ الجماعة بصلاة التراويح، وعلى سُنيةِ الانفراد بها، والأصح: أن الجماعة فيها في عصرنا أفضل؛ لغلبة الكسل على الناس.
* * *
٩١٩ - قال أبو هريرة - ﵁ -: كانَ رسول الله - ﷺ - يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ من
[ ٢ / ١٩٣ ]
غيرِ أن يأمُرَهم فيه بعَزيمةٍ، فيقول: "مَن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبهِ"، فتُوفيَ رسولُ الله - ﷺ - والأمرُ على ذلك، ثم كانَ الأمرُ على ذلكَ في خلافةِ أبي بكرٍ - ﵁ -، وصدرًا من خلافةِ عُمر - ﵁ -.
"وقال أبو هريرة - ﵁ -: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يرغِّبُ"؛ أي: يظهر رغبتهم "في قيام رمضان"؛ أي: في التراويح.
"من غير أن يأمرَهم فيه بعزيمة"؛ أي: بعزم وبت.
"فيقول: مَن قام رمضانَ"؛ أي: أحيا لياليه بالعبادة، أو معناه: أَدَّى التراويح فيها.
"إيمانًا"؛ أي: تصديقًا لثوابه.
"واحتسابًا"؛ أي: إخلاصًا، ونصبُهما إما على حال، أو على مفعول له.
"غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، فتوفِّي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والأمرُ على ذلك"؛ أي: على قيام تراويح رمضان مُنفرِدِين.
"ثم كان الأمرُ على ذلك في خلافة أبي بكر وصَدْرًا من خلافة عمر"؛ أي: في أول خلافته. وصَدْرُ الشيء: أوله، ثم خرج عمر ليلةً من خلافته في رمضان، فرأى الناسَ يصلُّون في المسجد فُرَادى صلاةً غيرَ صلاة الفريضة، فأمر أبيَّ بن كعب وتميمًا الدَّارِيَّ ليصلِّيا بالناس الإمامةَ صلاة التراويح.
* * *
٩٢٠ - وقال رسول الله - ﷺ -: "إذا قضَى أَحدُكم الصَّلاةَ في مَسجده فليجعَل لبيته نصَيبًا من صلاته، فإنَّ الله جاعلٌ في بيته من صلاته خَيْرًا".
"وعن جابر - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قضى أحدُكم الصلاةَ في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته"؛ أي: يصلي
[ ٢ / ١٩٤ ]
النوافلَ والسُّنَنَ فيه.
"فإنَّ الله جاعلٌ في بيته مِن صلاته خيرًا"؛ أي: جاعل خيرًا من صلاته في بيته؛ أي: يجعلُ البركة والرحمة فيه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩٢١ - قال أبو ذَرٍّ - ﵁ -: صُمْنا مَعَ رسولِ الله - ﷺ -، فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهرِ حتى بقيَ سبعٌ، فقامَ بنا حتى ذهبَ ثلثُ الليلِ، فلمَّا كانت السادسةُ لم يَقُمْ بنا، فلمَّا كانت الخامسةُ قام بنا حتى ذهبَ شَطْرُ الليلِ، فقلتُ: يا رسولَ الله لو نفَّلْتَنا قيامَ هذهِ الليلةِ، فقال: "إن الرجلَ إذا صلى معَ الإِمام حتى ينصرفَ؛ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ"، فلمَّا كانت الرابعةُ لم يَقُمْ حتى بقيَ ثلاثٌ، فلمَّا كانت الثالثةُ جمعَ أهلَهُ ونساءَهُ والناسَ، فقامَ بنا حتى خَشِينا أن يفوتَنا الفلاحُ - يعني السُّحور - ثم لم يقمْ بنا بقيةَ الشهرِ.
"من الحسان":
" قال أبو ذَر: صُمْنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهر"؛ أي: لم يصلِّ بنا غير الفريضة، وكان إذا صلى الفريضة دخلَ حُجْرتَه.
"حتى بقي سبعٌ"؛ أي: سبعُ ليال من رمضان.
"فقام بنا"؛ أي: كان معنا.
"حتى ذهب ثلثُ الليل"، فيصلي ويذكرُ الله ويقرأُ القرآن.
"فلمَّا كانت السادسةُ"؛ أي: الليلة السادسة.
"لم يقم بنا، فلمَّا كانت الخامسةُ قام بنا حتى ذهب شطر الليل"؛ أي: نصفه.
[ ٢ / ١٩٥ ]
"فقلت: يا رسول الله! لو نفَّلْتنَا قيامَ هذه الليلة"، "لو": للتمني، والنفل الزيادة؛ أي: إنا نتمنى أن تجعل قيامَ بقية الليل زيادةً لنا على قيام الشطر أو للشرط؛ أي: لو زدت على نصف الليل لكان خيرًا لنا.
"فقال: إن الرجلَ إذا صلى مع الإمام"؛ يعني الفريضة.
"حتى ينصرفَ": الإمام من المسجد.
"حُسِبَ له قيامُ ليلة"؛ أي: يحصل له ثوابُ قيام ليلة تامة.
"فلمَّا كانت الرابعة لم يَقُمْ بنا حتى بقيَ ثلث الليل، فلمَّا كانت الثالثة جمع أهلَه ونساءه والناسَ، فقام بنا حتى خَشِينا أن يفوتَنا الفلاحُ"؛ أي: البقاء؛ يعني: السَّحُور، قيل: هو مِن قول أبي ذر، وقيل مِن متن الحديث سُمي ما يؤكَل فيه فلاحًا لكونه سببًا لبقاء قوة الصائم.
"ثم لم يقُمْ بنا بقيةَ الشهر"، وهذه الصلاة التي صلاها النبي - ﵊ - في أوتار العشر الأخير بالجماعة لم نعلم: أهي صلاةُ التراويح، أم التهجُّد الواجب عليه، أم الوتر أم صلاة القَدْر؟
* * *
٩٢٢ - وعن عائشة ﵂، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ الله تعالى ينزلُ ليلةَ النصفِ من شعبانَ إلى السماءَ الدُّنيا، فيغفرُ لأكثرِ من عددِ شعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ"، ضعيف.
"وعن عائشة - ﵂ - عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى ينزل ليلةَ النصف من شعبان"، وهي ليلة البراءة.
"إلى السماء الدنيا، فيغفِرُ لأكثر من عدد شعرِ غَنَمِ كلب"، خص قبيلة
[ ٢ / ١٩٦ ]
كَلْب لأنهم أكثرُ نَفَرًا وأكثرُ غَنَمًا من سائر القبائل.
"ضعيف".
* * *
٩٢٣ - عن زيد بن ثابت - ﵁ -: أن النبيَّ - ﷺ - قال: "صلاةُ المرءِ في بيتِهِ أفضلُ من صلاتِهِ في مسجدي هذا إلا المَكتوبة".
"عن زيد بن ثابت: أن النبي - ﵊ - قال: صلاةُ المرء في بيته"؛ أي: صلاة النافلة فيه.
"أفضلُ من صلاته في مسجدي هذا"؛ يعني مسجد المدينة، مع أن صلاةً في مسجد المدينة أفضلُ من ألف صلاة في سائر المساجد غيرِ المسجد الحرام.
"إلا المكتوبةَ"؛ أي: الفريضة.