(باب غسل الميت وتكفينه)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١١٥٧ - قالت أُم عَطيَّة ﵂: دخلَ علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نغسلُ ابنتَه فقال: "اغْسِلْنَها وِترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، بماءٍ وسِدْرٍ، واجعلن في الآخرة كافورًا فإذا فرغتُنَّ فآذِننَّي"، فلما فرَغْنَا آذَنَّاهُ، فألقى إلينا حِقوَهُ،
[ ٢ / ٣٤١ ]
وقال: "أَشْعِرْنهَا إياه".
وفي روايةٍ: "ابدأنَ بميامِنِها ومواضعِ الوُضوءِ منها"، وقالت: فضفَرنا شعرَها ثلاثةَ قرونٍ فألقَيناها خلْفها.
"من الصحاح":
" قالت أم عطية: دخل علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نغسل ابنته"؛ يعني: زينب زوجةَ أبي العاص بن الربيع أكبر أولاده - ﷺ -، توفيت سنة ثمان من الهجرة، وقيل: أم كلثوم زوجة عثمان - ﵁ -، توفيت سنة تسع من الهجرة.
"فقال: اغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا" أو أكثر من ذلك إن رأيتن، (أو) فيه للترتيب لا للتخيير، إذ لو حصل الإنقاء بالغسلة الأولى استُحب التثليث، وكُره التجاوز عنه كما في الوضوء وسائر الاغتسال، وإن حصل بالثانية أو الثالثة استُحب التخميس وإلا فالتسبيع.
"بماء وسدر" استعماله في الغسل لنظافة البدن، ولأنه بارد يصلِّب الجلد.
"واجعلن في الآخرة كافورًا، فإذا فرغتن فآذنَّني، بتشديد النون الأولى؛ أي: أعلمنني.
"فلما فرغنا آذنَّاه "؛ أي: أعلمناه.
"فألقى إلينا حقوه"؛ أي: إزاره، وأصله مَعْقِدُ الإزار سمي به الإزار للمجاورة.
"فقال: أَشْعِرْنها إياه"؛ أي: اجعلنه شعارًا لها، وهو ما يلي الجسد من الثوب، والمراد به: وصول بركته ﵊ إليها.
"وفي رواية: ابدأن بميامنها"؛ أي: اغسلن أولًا يمينها" ومواضع الوضوء منها".
[ ٢ / ٣٤٢ ]
"وقالت فضفرنا"؛ أي: فتلنا "شعرها ثلاثة قرون"؛ أي: ثلاثة أقسام "فألقيناها خلفها" ولعل المراد بفتل شعرها ثلاثة قرون: مراعاةُ عادة النساء في ذلك الوقت، أو مراعاة سنة عدد الوتر كسائر الأفعال.
* * *
١١٥٨ - وقالت عائشة ﵂: إن رسولَ الله - ﷺ - كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ يمانيةٍ، بيضٍ، سَحُوليةٍ، من كُرْسُفٍ، ليس فيها قَميصٌ ولا عِمامةٌ.
"وقالت عائشة - ﵂ -: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كُفِّنَ في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية" بضم السين وفتحها، منسوب إلى سحول قرية باليمن، وقيل: بالضم جمع سُحل، وهو الثوب الأبيض النقي.
"من كرسف" وهو القطن.
"ليس فيها قميص ولا عمامة"؛ يعني: السنة في الكفن ثلاثة لفائف: جمع لفافة، وهي مثل الملحفة يلف الميت فيها.
* * *
١١٥٩ - وعن جابر قال: قال النبيُّ - ﷺ -: "إذا كفَّن أحدكم أخاهُ فليُحْسِن كفنَه".
"عن جابر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا كفَّن أحدكم أخاه فليحسّن كفنه" بتشديد السين، أي: ليختر من الثياب أنظفَها على وفق السنَّة، دون فعل المبذِّرين رياءً.
* * *
١١٦٠ - وقال خبَّاب بن الأرَتِّ - ﵁ -: قُتِلَ مُصْعَب بن عُمَير يومَ أُحُدٍ،
[ ٢ / ٣٤٣ ]
فلم نجدْ شيئًا نُكَفِّنُه فيه إلا نَمِرَةً، كنا إذا غطَّينا بها رأسَه خرَجَتْ رجلاهُ، وإذا غطَّينا رجليهِ خرجَ رأسُهُ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "ضَعُوها مما يلي رأْسَه، واجعلوا على رجليهِ من الإذْخِر".
"وقال خباب بن الأرت: قتل مصعب بن عمير يوم أحد فلم نجد شيئًا نكفنه فيه إلا نَمِرة" بفتح النون وكسر الميم: شملة مخطَّطة بخطوطٍ بيضٍ في سودٍ.
"كنا إذا غطينا"؛ أي: سترنا "بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ضعوها مما يلي"، أي: يقرب "رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر" نبت عريض الورق طيِّبُ الرائحة، وهذا يدل على أن ستر جميع الميت واجبٌ.
* * *
١١٦١ - وقال عبد الله بن عباس - ﵄ -: إنَّ رجلًا كان مع النبي - ﷺ -، فَوَقَصَتْهُ ناقتُهُ وهو محرمٌ فماتَ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "اغسِلُوه بماءِ وسِدْرِ، وكفِّنُوه في ثوبَيهِ، ولا تُمِسُّوهُ بطِيْبٍ، ولا تُخَمِّروا رأسَه، فإنه يُبعث يومَ القيامَة مُلَبيًا".
"وقال عبد الله بن عباس: إن رجلًا كان مع النبي ﵊ فوقصته ناقته"؛ أي: أسقطته فدقت عنقه، وأصل الوقص: كسر العنق بالدق.
"وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه"؛ أي: في إزاره وردائه الذين لبسهما للإحرام.
"ولا تمسوه بطيب" ليبقى عليه أثر الإحرام.
"ولا تخمروا رأسه"؛ أي: لا تغطوه.
"فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"؛ أي: قائلًا": لبيك اللهم لبيك، ليَعْلَم الناسُ
[ ٢ / ٣٤٤ ]
أنه مات في حال الإحرام، ذهب الشافعي وأحمد إلى أن المحرم يكفن بلباس إحرامه ولا يُستر رأسه ولا يقرب إليه طيب، وعند أبي حنيفة ومالك يُفعل به كما يُفعل بسائر الموتى.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١١٦٢ - قال رسولَ الله - ﷺ -: "البَسُوا من ثيابكم البَياضَ، فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم، مِنْ خَيْر أكحالِكم الإثْمِد، فإنه يُنْبتُ الشَّعرَ ويَجلُو البصَرَ"، صحيح.
"من الحسان":
" عبد الله بن عباس أنه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: البسوا من ثيابكم البيضَ"؛ أي: ذا البياض.
"فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، ومِن خير أكحالكم الإِثمد" بكسر الهمزة: حجر يُكتحل به.
"فإنه ينبت الشعر"؛ أي: شعر الهدب، وكثرته زينة ومنفعة.
"ويجلو البصر"؛ أي: يزيد في نوره.
"صحيح".
* * *
١١٦٣ - وعن علي - ﵁ -: أن النبيَّ - ﷺ -، قال: "لا تَغَالَوْا في الكَفَنِ فإنه يُسلَبُ سلْبًا سَريعًا".
"وعن علي - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
[ ٢ / ٣٤٥ ]
لا تغالوا في الكفن"؛ أي: لا تبالغوا فيه.
"فإنه يُسلب"؛ أي: يَبْلَى "سلبًا سريعًا".
* * *
١١٦٤ - عن أبي سعيد الخُدري - ﵁ -: أنه لما حَضَرَهُ الموتُ دعا بثيابٍ جُدُدٍ فَلَبسَهَا، ثم قال: قال رسولُ الله - ﷺ - يقول: "الميتُ يُبعثُ في ثِيابهِ التي يَمُوتُ فيها".
"عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد": جمع جديد.
"فلبسها ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها، قالوا: ليس المراد كما فهمه أبو سعيد، بل المراد: أنه يبعث على ما مات عليه من عمله، والعرب قد تستعمل الثوب للعمل، للملابسة بينك وبين عملك كهي بينك وبين ثوبك.
* * *
١١٦٥ - وعن عُبادة بن الصَّامِت، عن رسولِ الله - ﷺ - قالَ: "خيرُ الكَفَنِ الحُلَّة، وخيرُ الأُضحيةِ الكبشُ الأقرنُ".
"وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال: خير الكَفنِ الحُلَّة": واحدة الحلل، وهي: برود اليمن، ولا تكون حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد، واختلفوا في اختيار الحلة للتكفين؛ الأكثرون على اختيار البيض؛ لأنه - ﵊ - كُفِّن في السحولية، وقال ﵊: "البسوا من ثيابكم البيض" الحديث.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
ويجوز أنه - ﷺ - إنما قال ذلك في الحلة؛ لأنها كانت يومئذٍ أيسرَ عليهم.
"وخير الأضحية الكبش الأقرن"، لأنه أعظم جثة وسمنًا في الغالب.
* * *
١١٦٦ - عن ابن عباس قال: أمرَ رسولُ الله - ﷺ - بِقَتْلَى أُحُد أن يُنزعَ عنهم الحديدُ والجُلودُ، وأن يُدفَنُوا بدمائهم وثيابهم.
"وعن ابن عباس أنه قال: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلى أحد": جمع القتيل.
"أن يُنزَعَ عنهم الحديد": المراد به: السلاح والدرع.
"والجلود": المراد منها ما كان معهم من الغِراءِ والكِساء الغير المتلطِّخة بالدم.
"وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم": المتلطخة بالدم.
* * *