(باب صلاة الخسوف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٤٦ - قالت عائشة ﵂: إن الشمسَ خَسَفَتْ على عَهْدِ النبيِّ - ﷺ -، فَبَعث مُناديًا: "الصلاةُ جامعة"، فتَقَدَّمَ فصلَّى أربعَ ركعاتٍ في ركعتينِ، وأربعَ سَجَداتٍ.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
"من الصحاح":
" قالت عائشة - ﵂ -: إن الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: ذهب نورها.
"فبعث مناديًا" لينادي: "الصلاةَ"؛ أي: احضروها، نصب على التخصيص.
"جامعةً" نصب على الحال، ويجوز رفعهما مبتدأً وخبرًا.
فاجتمع الناس "فتقدم" ﵊ "فصلى أربع ركعات"؛ أي: ركوعات.
"في ركعتين وأربع سجدات" في كل ركعة ركوعان وسجودان، إذ يقال: لركوع واحد ركعة، ولسجود واحد سجدة، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: ركعتان في كل ركعة ركوعٌ واحد وسجودان كسائر الصلاة.
* * *
١٠٤٧ - قالت عائشة: ما ركعتُ ركوعًا قطُّ ولا سجدتُ سجودًا قَطُّ كانَ أطولَ منه.
"قالت عائشة - ﵂ -: ما ركعت ركوعًا ولا سجدت سجودًا قط كان، ذلك الركوع أو ذلك السجود "أطول منه"؛ أي: من الركوع أو السجود الذي في هذه الصلاة؛ يعني: صلاة الخسوف.
* * *
١٠٤٨ - وعنها ﵂ أنها قالت: جهَرَ النبيُّ - ﷺ - في صلاةِ الخُسوفِ بقِراءتِه.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
"وعن عائشة - ﵂ - أنها قالت: جهر النبي - ﵊ - في صلاة الخسوف بقراءته، قيل: المراد خسوف القمر؛ لأنه يكون بالليل فيجهر بالقراءة فيها، فالخسوف يستعمل في القمر أيضًا.
* * *
١٠٤٩ - عن عبد الله بن عباس قال: خَسَفتْ الشمسُ على عهدِ رسولِ الله - ﷺ -، فصلَّى رسولُ الله - ﷺ - والناسُ معَه، فقامَ قِيامًا طويلًا نَحوًا من سورةِ البقَرةِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلًا، ثم رفعَ رأْسَه، فقامَ قيامًا طويلًا وهو دُونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأول، ثم رفع ثم سجَدَ، ثم قامَ فقامَ قيامًا طويلًا وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأول، ثم رفعَ فقامَ قيامًا طويلًا وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثم ركعَ ركوعا طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأولِ، ثم رفعَ، ثم سجدَ، ئم انصرفَ وقد تَجَلَّتْ الشَّمسُ فقال: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله، لا يَخْسفان لمَوتِ أحدٍ ولا لحَياتِه، فإذا رأَيتُم ذلكَ فاذكروا الله"، قالوا: يا رسولَ الله، رأَيناكَ تناولتَ شيئًا في مَقامِك هذا، ثم رأيناكَ تَكَعْكَعْتَ؟، قال: " إنِّي رأيتُ الجنةَ، فَتَناولْتُ منها عُنقودًا، ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بقيَتْ الدنيا، ورأيتُ النارَ، فلمْ أرَ كاليومِ مَنظرًا أفظَعَ قَطُّ منها، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ"، فقالوا: لِمَ يا رسولَ الله؟، قال: "بكفرِهنَّ"، قيل: يَكْفُرْنَ بالله؟، قال: "يكفُرْنَ العَشيرَ، ويكفُرنَ الإحسانَ، لو أَحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدهرَ كلَّهُ، ثم رأتْ منكَ شيئًا قالت: ما رأَيتُ منكَ خيرًا قطُّ".
"وعن عبد الله بن عباس - ﵄ - أنه قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فصلى رسول الله - ﷺ - والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقام قيامًا
[ ٢ / ٢٧٤ ]
طويلًا وهو دون القيام الأول"؛ أي: القيام في هذه الركعة أقصر من الأول.
"ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول"؛ أي: أقصر منه.
"ثم سجد ثم قام" إلى الركعة الثانية.
"فقام"؛ أي: وقف.
"قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد" وهذا على مذهب الشافعي.
"ثم انصرف وقد تجلت الشمس"؛ أي: أضاءت، أصله: تَجفَيَتْ.
"فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله"؛ أي: علامتان من علامات الله تعالى.
"لا يخسفان لموت أحد"؛ أي: بسبب موته "ولا لحياته"؛ أي: بسبب حياته، فإنهم كانوا يزعمون أن كسوفهما يوجب حدوث تغير في العالم من موت أحد أو ولادة أحد أو قحطٍ، أو غير ذلك من الحوادث، فأعلمهم - ﵊ - ببطلانه، فخسوفهما علامة كونهما مسخَّرين ومقهورين لأمره كسائر المخلوقات، فكيف يجوز أن يتخذهما بعض الناس معبودينِ؟
"فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله تعالى، قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت"؛ أي: أخذت "شيئًا في مقامك هذا"؛ أي: في الموضع الذي صليت فيه.
"ثم رأيناك تكعكعت؟ "؛ أي: تأخرت.
"فقال: إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا" ثم غرضت على النار فتأخرتُ خشية أن يصيبني لفحها.
"ولو أخذته"؛ أي: العنقود.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
"لأكلتم منه" يا أهل الدنيا "ما بقيت الدنيا"؛ أي: مدة بقائها؛ لأن ما كان من الجنة لا يفنى؛ لخلقه تعالى مكان كل حبة حبةً أخرى كما هو المروي في خواص ثمار الجنة، وإنما لم يأخذه ﵊ لئلا يفوتهم الإيمان بالغيب المأمورون هم به.
"ورأيت النار فلم أر كاليوم" صفةُ "منظرًا" قدم عليه فانتصب حالًا؛ أي: لم أر منظرًا "قط" أخوف مثل المنظر الذي رأيته اليوم شدة وهيبة للنار.
"ورأيت أكثر أهلها النساء، فقالوا: لم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: يكفرن بالله؛ قال: يكفرن العشير"؛ أي: الزوج، سمي به لأنه يعاشرها، والمراد بالكفر هنا ضد الشكر؛ أي: يتركن شكر أزواجهن، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله.
"ويكفرن الإحسان، ولو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا"؛ أي: شيئًا كرهه ولا يناسب خاطرها.
"قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
* * *
١٠٥٠ - وعن عائشة ﵂ نحوَ حديث ابن عباس، وقالت: "ثم سجَدَ فأطالَ السجودَ، ثم انصرفَ وقد انجلتِ الشمسُ، فخطَبَ الناسَ فحمِدَ الله وأثنى عليهِ، ثم قال: "إن الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ الله لا يَخْسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلكَ فادعُوا الله وكَبروا وصلُّوا وتَصدقوا"، ثم قال: "يا أمَة محمدٍ!، والله ما من أحد أَغْيَرُ من الله أن يَزنيَ عبدُه أو تَزنيَ أَمَتُهُ، يا أمةَ محمدٍ!، والله لو تعلمون ما أعلم لضحِكتُم قليلَا ولبكَيْتُم كثيرًا".
"وعن عائشة نحو حديث ابن عباس، وقالت: ثم سجد فأطال السجود،
[ ٢ / ٢٧٦ ]
ثم انصرف وقد انجلت الشمس"؛ أي: انكشفت.
"فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله" وإنما أمر - ﷺ - بالدعاء؛ لأن النفوس عند مشاهدة ما هو خارق العادة تكون مُعْرِضة عن الدنيا ومتوجهة إلى الحضرة العليا فيكون أقرب للإجابة.
"وكبروا وصلوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير"؛ أي: أشد غيرةً "من الله تعالى" الغيرة في الأصل: كراهة شركة الغير في حقه، وغيرة الله: كراهيته الفواحش وعدمُ رضاه بها.
"أن يزني عبده" متعلق بـ (أغير).
"أو تزني أمته"؛ أي: على زنا عبده أو أمته فإن غيرته تعالى وكراهيتَه لذلك أشد من غيرتكم وكراهيتكم على زنا عبدكم وأمتكم.
ووجه اتصال هذا بما قبله: هو أنه ﵊ لمَّا خوَّف أمته من الخسوفين، وحرَضهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتكبير والدعاء، أراد أن يروِّعهم عن المعاصي كلها، فخص منها الزنا وفخَّم شأنه في الفظاعة.
"يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم" من أهوال الآخرة "لضحكتم قليلًا" قيل: القلة هنا بمعنى العدم "ولبكيتم كثيرًا".
* * *
١٠٥١ - وعن أبي موسى أنه قال: خَسَفتِ الشمسُ، فقامَ النبيُّ - ﷺ - فَزِعًا يَخْشَى أن تكونَ الساعةُ، فأتَى المسجدَ، فصلَّى بأطولِ قيامٍ ورُكوعٍ وسجود ما رأيته قطُّ يَفْعَله، وقال: "هذه الآياتُ التي يرسلُ الله لا تكونُ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ، ولكنْ يُخَوِّفُ الله بها عبادَهُ، فإذا رأيتُم شيئًا من ذلكَ، فافزَعُوا إلى ذكرِه ودعائه واستغفارِه".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
"وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ -: أنه قال: خسفت الشمس فقام النبي ﵊ فزعًا"؛ أي: خائفا من ظهور الخسوف والزلازل والرياح والصواعق، شَفِقًا على أهل الأرض أن يأتيهم عذابٌ كما أتى مَن قبلهم.
وأما قول أبي موسى: "يخشى أن تكون الساعة" ظنٌّ منه وليس بصواب؛ لأنه ﵊ كان متيقنًا بأنها لا تقوم حتى ينجز الله ما وعد أمته من فتح بلاد العجم وغير ذلك من المواعيد، فإنه ﵊ أَخبر بذلك قبل فتح خيبر حيث قال يوم الخندق: "ستظهرون على فارس الروم" وإسلام أبي موسى كان بعد فتح خيبر.
"فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته قط يفعله"؛ أي: ما رأيت النبي ﵊ يفعل مثل هذا.
"وقال: هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوِّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا"؛ أي: التجئوا من عذابه "إلى ذكره ودعائه واستغفاره".
* * *
١٠٥٢ - وعن جابر - ﵁ قال: انكسَفَتِ الشمسُ في عهدِ رسولِ الله - ﷺ - يومَ ماتَ إبراهيمُ ابن النبيِّ - ﷺ -، فصلَّى بالناسِ ستَّ ركعاتٍ بأربعِ سَجَداتٍ.
"وعن جابر أنه قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم مات إبراهيم ابن النبي ﵊" كان له ثمانية عشر شهرًا أو أكثر، وأهل التواريخ على أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة.
"فصلى بالناس ست ركعات"؛ أي: ركوعات، إطلاقًا للكل على الجزء.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
"بأربع سجدات"؛ يعني: صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات مع سجدتين.
* * *
١٠٥٣ - ورُوي عن علي - ﵁ -، عن رسولِ الله - ﷺ - أنه صلَّى ثماني ركعاتٍ في أربعِ سَجَداتٍ.
"وروي عن علي - ﵁ - عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: صلاة الكسوف ثماني ركعات"؛ أي: ركوعات.
"في أربع سجدات، بأن صلى ركعتين، في كل ركعة أربع ركوعات مع سجدتين.
* * *
١٠٥٤ - وقال جابر بن سَمُرَة: كسَفتِ الشمسُ في حياةِ رسولِ الله - ﷺ -، فأتيتُه وهو قائم في الصلاةِ رافع يديهِ، فجعلَ يُسبح ويهلِّلُ ويكبرُ ويحمدُ ويدعو حتى حُسِرَ عنها، فلما حُسِرَ عنها قرأَ سورتينِ وصلَّى ركعتينِ.
"وقال عبد الرحمن (١) بن سمرة - ﵁ -: كسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأتيته وهو قائم في الصلاة رافعًا يديه فجعل يسبح ويهلل ويكبر ويحمد ويدعو حتى حُسِوَ عنها"؛ أي: كشف وأُزيل عن الشمس كسوفُها.
"فلما حُسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين".
* * *
_________________
(١) في جميع النسخ: "جابر"، والصواب المثبت.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
١٠٥٥ - وقالت أسماء بنتُ أبي بكر - ﵂ -: أمرَ النبيُّ - ﷺ - بالعَتاقَةِ في كُسوف الشَّمسِ.
"قالت أسماء بنت أبي بكر: أمر النبي - ﵊ - بالعَتاقة" بفتح العين: العتق.
"في كسوت الشمس" لأن الإعتاق وسائر الخيرات يدفع العذاب.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٠٥٦ - عن سَمُرَة بن جُندُب - ﵁ - قال: صلَّى بنا رسول الله - ﷺ - في كسوفٍ لا نسمعُ له صوتًا.
"من الحسان":
" عن سمرة بن جندب قال: صلى بنا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في كسوف"؛ أي: في كسوف الشمس.
"لا نسمع له صوتًا" وهذا يدل على أن الإمام لا يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وبه قال أبو حنيفة.
* * *
١٠٥٧ - وقال عِكْرِمة: قيل لابن عباس: ماتَتْ فلانةُ - بعضُ أزواجِ النبيِّ - ﷺ - فَخَرَّ ساجدًا، فقيلَ له: أَتسجدُ في هذه الساعةِ؟، فقال، قال رسول الله - ﷺ -: "إذا رأيتم آيةً فاسجُدُوا"، وأيُّ آيةٍ أَعظمُ مِن ذهابِ أزواجِ النبيِّ - ﷺ -؟!.
"قال عكرمة: قيل لابن عباس: ماتت فلانةُ بعضُ أزواج النبي عليه
[ ٢ / ٢٨٠ ]
الصلاة والسلام" بالرفع عطفُ بيانِ لـ (فلانة)، أو خبر مبتدأ محذوف، قيل: هي صفية، وقيل: حفصة - ﵂ -.
"فخر ساجدًا، فقيل له: تسجد في هذه الساعة؟ ": بحذف الاستفهام
"فقال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا رأيتم آية"؛ أي: علامة مخوفة "فاسجدوا"؛ أي: فصلوا ما قدَّر الله، وقيل: أراد به السجود فحسب.
"وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ﵊" فالسجود عند ذلك لدفع العذاب المتوقعِ الحصولِ بذهابهن.
قال - ﷺ -: "أنا أَمَنةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأهل الأرض" الحديث، فكأنه رأى بقاء الأمنة على الأصحاب ببقاء الأزواج، لأن أهل الرجل يعدُّ من جملته لشدة الاتصال بينهما.
* * *