(باب الاستسقاءَ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٦١ - عن عبد الله بن زيد قال: خرجَ رسولُ الله - ﷺ - بالناسِ إلى المصلَّى يستسقي، فصلَّى بهم ركعتين جهرَ فيهما بالقراءةِ، واستقبلَ القِبلةَ يدعُو، ويرفعُ يديهِ، وَحَوَّلَ رداءَهُ حينَ استقبلَ القبلة.
"من الصحاح":
" عن عبد الله بن زيد أنه قال: خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالناس إلى المصلى يستسقي، فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة" فالسنة أن يصلَّى للاستسقاء بالجماعة كصلاة العيد، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
"واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة" والغرض من تحويل الرداء هو التفاؤل بتحويل الحال من العسر إلى اليسر، ومن الجدب إلى الخصب، وكيفيته إن كان مربعًا يجعل أعلاه أسفله، وإن كان مدورًا كالجبة يجعل جانب الأيمن على الأيسر.
* * *
١٠٦٢ - وقال أنس - ﵁ -: كانَ النبيُّ - ﷺ - لا يرفعُ يديهِ في شيء من دعائِه إلا في الاستسقاء وإنه ليرفعُ يديهِ حتى يُرَى بياضُ إبطيْهِ.
"وقال أنس - ﵁ -: كان النبي ﵊ لا يرفع يديه في شيء من دعائه"؛ أي: لا يرفعهما كل الرفع حتى يجاوِزَ بهما رأسه.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
"إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه".
* * *
١٠٦٣ - وعن أنس - ﵁ -: أن النبيَّ - ﷺ - اسْتَسقى، فأشارَ بظهرِ كفَّيهِ إلى السماءَ.
"وعن أنس - ﵁ - أنه قال: كان النبي ﵊ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء"؛ يعني: يجعل بطن كفيه إلى الأرض وظهرهما إلى السماء، يشير بذلك إلى قلب الحال سائلًا من الله أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض.
وقيل: من أراد دفع بلاء من قحط ونحوه فليجعل ظهر كفيه إلى السماء، ومن سأل نعمة من الله فليجعل بطن كفيه إلى السماء.
* * *
١٠٦٤ - وقالت عائشة ﵂: إن النبي - ﷺ - كان إذا رَأَى المطرَ قال: "صَيِّبًا نافِعًا".
"وقالت عائشة: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا رأى المطر قال: صَيِّبًا" نصب بمقدر؛ أي: اسقنا صيبًا، أو على الحال؛ أي: أنزله علينا صيبًا؛ أي: مطرًا.
"نافعًا": لا مُغْرِقًا كطوفان نوح ﵇، وأصله: صَيْوِب، قلبت الواو ياءً وأُدغمت.
* * *
١٠٦٥ - وقال أنس: أصابنا ونحنُ معَ رسولِ الله - ﷺ - مطرٌ، قال: فحسَرَ رسولُ الله - ﷺ - ثوبَه حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: يا رسولَ الله، لِمَ صنعتَ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
هذا؛، قال: "لأنه حديثُ عهدٍ بربه".
"وقال أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مطر فحسر رسول الله - ﷺ - "؛ أي: كشف عن بدنه "ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لمَ صنعتَ هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه"؛ أي: قريب العهد بالفطرة لم يخالطه ما يفسده من الأيدي الخاطئة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٠٦٦ - عن عبد الله بن زَيدٍ - ﵁ - قال: خرجَ رسولُ الله - ﷺ - إلى المُصلَّى فاستَسقَى، وحوَّلَ رداءَه حين استقبلَ القبلَةَ، فجعل عِطافَه الأيمنَ على عاتِقِهِ الأيسرِ، وجعلَ عِطافه الأيسرَ على عاتِقِهِ الأيمنِ، ثم دَعا الله".
"من الحسان":
" عن عبد الله بن زيد أنه قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى المصلى فاستسقى وحوّل رداءه حين استقبل القبلة، فجعل عِطافَه"؛ أي: رداءه، سمّي به لوقوعه على العِطْفين؛ أي: الجانبين، والضمير فيه للرداء؛ أي أراد أحد شقيه، أو للنبي ﵊؛ أي: جانب ردائه "الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله".
* * *
١٠٦٧ - وعنه أنه قال: استسقَى النبيُّ - ﷺ - وعليهِ خَمِيصَةٌ له سوداءُ، فأرادَ أن يأخذَ أسفَلَها فيجعلَهُ أعلاها، فلمَّا ثَقُلَتْ عليه قلَبَها على عاتِقَيهِ.
"وعنه أنه قال: استسقى النبي ﵊ وعليه خميصة له سوداء" وهي كساء مربع له عَلَمان.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
"فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت"؛ أي: عسر "عليه" جَعْلُ أسفلها أعلاها "قلبها على عاتقيه" أي: جعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر.
* * *
١٠٦٨ - عن عُمَير مولى آبي اللحم: أنه رأَى النبيَّ - ﷺ - يستسقي عندَ أحجارِ الزيتِ، قائمًا يدعُو رافعًا يديهِ قِبَلَ وجهِهِ لا يجاوز بهما رأسَه.
"وعن عمير مولى آبي اللحم" بمد الهمزة: اسم رجل من قدماء الصحابة وكبارهم، اسمه عبد الله بن عبد الملك، استشهد يوم حنين، وكان لا يأكل اللحم فلقَّب به لذلك.
"أنه رأى النبي ﵊ يستسقي عند أحجار الزيت": موضع بالمدينة من الحرة، سمي بها لسواد أحجارها كأنها طليت بالزيت.
"قائمًا يدعو رافعًا يديه قِبَلَ وجهه لا يجاوز بهما رأسه"؛ أي: يرفع يديه بمحاذاة وجهه ورأسِه لا أكثر من هذا، وهذا خلاف حديث أنس، ولعل هذا كان في مرة أخرى.
* * *
١٠٦٩ - وقال ابن عباس: خرجَ النبيُّ - ﷺ - يعني في الاستسقاءِ - مُبتذلًا مُتَواضعًا مُتخشَعا مُتضرِّعا.
"وقال ابن عباس: خرج النبي ﵊"؛ يعني: في الاستسقاء.
"متبذلًا"؛ أي: لابسًا ثياب البذلة، وهي ما يُلبس كلَّ الأيام غيرَ لباس الزينة.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
" متواضعًا متخشِّعًا متضرعًا".
* * *
١٠٧٠ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسولَ الله - ﷺ - كانَ يقولُ إذا استسقى: "اللهم اسْقِ عبادَكَ وبَهيمَتَكَ، وانشُرْ رحمَتَكَ، وأَحْيِ بلدَكَ الميِّتَ".
"وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول إذا استسقى: اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر"؛ أي: ابسط "رحمتك وأحيي بلدك الميت"؛ أي: بإنزال المطر حتى تصير الأرض اليابسةُ رطبةً خضراء بالنبات والماء.
* * *
١٠٧١ - وعن جابر بن عبد الله قال: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يُواكئ برفع يديه فقال: "اللهم اسقِنا غَيثًا مُغيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نافعًا غيرَ ضارٍّ عاجلًا غيرَ آجلٍ"، فأطبقَتْ عليهم السماءُ.
"وعن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يواكئ"؛ أي: يتحامل على يديه إذا رفعهما في الدعاء كأنه متكئ عليهما حتى يجد ثقلًا بيديه (١) كالمتكئ على عصًا.
"فقال: اللهم اسقنا غيثًا"؛ أي: مطرًا.
"مُغيثًا"؛ أي: مُعينًا.
"مَريئًا"؛ أي: هنيئًا صالحًا لا ضرر فيه.
_________________
(١) في "ت" و"م": "ببدنه".
[ ٢ / ٢٨٨ ]
"مَرِيعًا"؛ أي: ذا مَراعةٍ وخصبٍ، يقال: أَمرعت الأرضُ أي: أخصبت.
ويروى: (مُرْبعًا) بضم الميم والباء الموحدة من الإرباع؛ أي: مُنبتًا للربيع، وهو النبات الذي ترعاه الشاة في الربيع.
"نافعًا غير ضارٍ" بالإغراق والإهدام.
"عاجلًا غير آجل، فأطبقت عليهم السماء"؛ أي: جُعلت عليهم طَبقًا، و(السماء): السحاب، يقال: أطبق: إذا جَعَل طبقًا على رأس شيء وغطاه به؛ يعني: ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم بحيث صار كطبق فوقهم، حتى لم يروا السماء من تراكمه وعمومه الجوانب.
وقيل: أطبقت بالمطر الدائم، يقال: أطبق عليه الحمى: إذا دامت.
* * *