(باب الاعتصام بالكتاب والسنة)
الاعتصام: الاستمساك بالشيء، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: أي: تمسكوا القرآن والسنة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ أحدَثَ في أَمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهوَ رَدٌّ".
"من الصحاح":
" عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله - ﷺ - من أحدث
[ ١ / ١٤٥ ]
في أمرنا هذا"؛ أي: في ديننا وطريقتنا.
"ما ليس منه"؛ أي: شيئًا لم يكن له سند ظاهر أو خفي من الكتاب والسنة.
"فهو رد"؛ أي: الذي أحدثه مردود باطل.
* * *
١٠٢ - وعن جابر - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "أمَّا بعدُ، فإنَّ خَيرَ الحديث كتابُ الله، وخَيْرُ الهُدي هَدْي محمدٍ، وشرُّ الأُمورِ مُحدثاتُها، وكلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعةٌ، وكلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ.
"وعن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: أما بعد": هاتان الكلمتان يؤتى بهما لفصل الخطاب كأنه صدَّر هذا الحديث في أثناء خطبته - ﷺ - ووعظه.
"فإن خير الحديث"؛ أي: الكلام "كتاب الله" الفاء جواب لـ (أما)؛ لأن فيه معنى الشرط.
"وخير الهدي هَدْي محمد" (الهدي) بفتح الهاء وسكون الدال: الطريق والسيرة، يطلق على الواحد والتثنية والجمع، فالأول الجمع، والثاني الواحد؛ أي: خير الطريق والسير طريق محمد وسيرته.
"وشر الأمور محدَثاتها" بفتح الدال: جمع محدثة، وهي البدعة من الأفعال والأقوال.
"وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" لأن الضلالة ترك الطريق المستقيم والذهاب إلى غيره، والطريق المستقيم الشريعة، وخُص من هذا الحكم البدعةُ الحسنة.
* * *
[ ١ / ١٤٦ ]
١٠٣ - وقال رسول الله - ﷺ -: "أبغَض النَّاسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سنَّةَ الجاهلية، ومُطلِبٌ دمَ امرئ بغير حق ليُهريقَ دمَه"، رواه ابن عباس - ﵄ -.
"وعن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: أبغض الناس" (أبغض): أفعل التفضيل من المفعول على الشذوذ، واللام في (الناس) للعهد، والمراد منه عصاة المسلمين، وما قاله بعضٌ من أنها للجنس فبعيد، إذ لا معصية أعظم من الكفر، اللهم إلا أن يُحمل على التهديد.
"إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم"؛ أي: مائل عن الحق في حق الحرم، بأن يهتك حرمته ويفعل معصية فيه، فإن المعصية قبيح، وفي الموضع الشريف أقبح، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
"ومبتغ"؛ أي: طالب "في الإسلام سنة الجاهلية"؛ أي: طريق أهل الجاهلية كالميسر والنياحة، وجزاءِ شخص بجنايةِ مَن هو من قبيلته.
"ومطّلب" بتشديد الطاء؛ أي: مجتهد في الطلب.
"دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه" من هَرَاقَ الماء: إذا صبه، والأصل: أراق، فقلبت الهمزة هاءً.
* * *
١٠٤ - وقال: "كلُّ أُمتي يَدخلونَ الجنَّة إلَّا مَنْ أَبى"، قالوا: ومَنْ يأْبى يا رسول الله؟ قال: "مَنْ أَطاعني دخلَ الجنَّةَ، ومَنْ عصاني فقد أَبى"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: كل أمتي يدخلون
[ ١ / ١٤٧ ]
الجنة إلا من أبى" إن أريد من الأمة أمةُ الإجابة فالاستثناء منقطع، وإن أريد أمة الدعوة فالاستثناء متصل.
"قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" المراد من العصيان: عدم تصديقه - ﵊ -، لا الإتيان بمنهيه.
* * *
١٠٥ - وعن جابر - ﵁ - قال: جاءتْ ملائكةٌ إلى النبيِّ - ﷺ - وهو نائمٌ فقالوا: "إن لصاحبكُم هذا مثَلًا فاضرِبُوا له مثَلًا، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إنَّ العيْنَ نائمة والقلبَ يَقْظانُ، فقالوا: مثَلُهُ كمثَلِ رجل بنى دارًا، وجعل فيها مَأْدُبةً، وبعثَ داعيًا، فمَنْ أجابَ الداعي دخلَ الدَّارَ وأكَلَ من المأْدُبة، ومَنْ لمْ يُجبِ الداعي لمْ يدخُلِ الدَّارَ ولمْ يأكْلْ مِنَ المأدُبة، فقالوا: أوِّلُوها لهُ يَفْقَهْها، قال بعضُهمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: أنَّ العينَ نائمةٌ والقلْبَ يَقْظانُ، فقال بعضهم: الدارُ الجنَّةُ، والدَّاعي محمدٌ، فمَنْ أطاعَ محمدًا فقد أطاعَ الله، ومَنْ عصى محمدًا فقدْ عصَى الله، ومحمدٌ فرق بينَ الناس".
"وعن جابر - ﵁ - أنه قال: جاءت ملائكة"؛ أي: جماعة من الملائكة "إلى النبي - ﷺ - ": ليضربوا له مثلًا ليحفظه ويخبر به أمته.
"وهو نائم فقالوا"؛ أي: قال بعض أولئك الملائكة لبعض: "إن لصاحبكم هذا"؛ أي: لمحمد - ﷺ -.
"مثلًا" المثل - بفتح الميم - يستعمل في القصة التي فيها غرابة وحُسن؛ أي: له شأنًا عجيبًا.
"فاضربوا له مثلًا، قال بعضهم: إنه نائم": فلا يسمع، فلا يفيد ضرب المثل شيئًا.
[ ١ / ١٤٨ ]
"وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان" فلا يفوت منه شيء مما تقولون، هذا مناظرة جرت بينهم لبيان [أن] إدراك النفوس القدسية لا يضعف بضعف الحواس واستراحة الأبدان.
"فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها"؛ أي: في الدار "مأدُبة" بضم الدال، هو الطعام الذي يصنع للأضياف.
"وبعث"؛ أي: أرسل باني الدار "داعيًا" يدعو الناس إلى تلك المأدبة.
"فمن أجاب الداعي دخل الدار وكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا"؛ أي: الملائكة بعضهم لبعض: "أوِّلوها له"؛ أي: فسِّروا القصة أو التمثيل لمحمد - ﵊ - "يفقهها" بالجزم جواب الأمر؛ أي: يفهمها.
"قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: الدار الجنة والداعي محمد ﵊" وإنما لم يذكر المأدبة والباني في تأويلهم؛ لاشتمال الجنة عليها؛ لأنها دار المأدبة (١) والمطالب، والباني هو الله تعالى، وهو ظاهر.
"فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله تعالى" لأنه ﵊ لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله تعالى ونهى.
"ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فرق" بالتشديد؛ أي: ميَّز وفصَّل "بين الناس": فتبين به المطيع عن العاصي، ويروى بالسكون مصدر بمعنى الفارق؛ أي: فارِقٌ بين المؤمن والكافر.
قيل: يحتمل أن يكون جابر قد سمع هذا الحديث منه عليه الصلاة
_________________
(١) في "ت": "المآرب".
[ ١ / ١٤٩ ]
والسلام فحكاه كما سمعه، ويحتمل أنه أخبر عما شاهده بنفسه وانكشف له.
* * *
١٠٦ - وعن أنسٍ - ﵁ - قال: جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى أَزْواجِ النبي - ﷺ - يسأَلونَ عن عِبادةِ النبيِّ - ﷺ -، فلمَّا أُخبرُوا كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أينَ نحنُ مِنَ النبيِّ - ﷺ -، وقد غَفَرَ الله لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخَّر؟ فقال أحدُهم: أمَّا أنا فأُصلِّي الليلَ أبدًا، وقال الآخر: أنا أصومُ النهارَ ولا أُفطِر، وقال الآخر: أنا أَعتزلُ النِّساءَ فلا أَتزوَّجُ أبدًا، فجاءَ النبيُّ - ﷺ - إليهم فقال: "أنتمُ الذين قُلْتمْ كذا وكذا؟ أما والله إنِّي لأَخشاكم للهِ وأتقاكُم له، لكنِّي أَصومُ وأُفطِرْ، وأُصلِّي وأَرقُدْ، وأتزوَّجُ النِّساءَ، فمَنْ رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي".
"وعن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: جاء ثلاثة رهط" وهي جماعة من الثلاثة إلى العشرة؛ أي: ثلاثة أنفس، قيل: هم عليٌّ وعثمان بن مظعون وعبد الله بن رواحة، وقيل: المقداد، بدل: عبد الله. - ﵃ -.
يعني: جاؤوا "إلى أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي ﵊"؛ أي: عن قَدْر عبادته ووظائفه في كل يوم وليلة حتى يفعلوا ذلك.
"فلما أخبروا بها كأنهم تقالُّوها"؛ أي: وجدوا تلك العبادة قليلة على أنفسهم، وقد ظنوا أن وظائفه ﵊ من العبادات كثيرة، وإنما قلَّلها ﵊ رحمة وشفقة على أمته؛ لئلا يلحقهم ضرر ومشقة بالاقتداء فيها.
"فقالوا: أين نحن من النبي - ﷺ -؛ أي: بيننا وبينه ﵊ بعدٌ بعيد، وفرقٌ عظيم؛ لأنا مذنبون محتاجون إلى مغفرته تعالى، "وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" فينبغي أن تكون العبادةُ نُصبَ أعيننا، ولا نصرف عنها وجوهنا ليلًا ونهارًا.
[ ١ / ١٥٠ ]
"فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل"؛ أي أحييها بالصلاة "أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم النهار ولا أفطر"؛ أي: بالنهار.
"وقال الآخر: أنا أعتزل النساء"؛ أي: أجتنب وأتباعد منهن "فلا أتزوج أبدًا، فجاء النبي - ﵊ - إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا" كناية عما وضعوا على أنفسهم شيئًا من العبادات.
"أما" مخففٌ: حرف تنبيه، وأكثر ما يقع بعده القسم.
"والله إني لأخشاكم"؛ أي: أشدكم خشية "لله وأتقاكم"؛ أي: أشدكم تقوى "له"؛ يعني: إن وضعتم هذه العبادات على أنفسكم من شدة خشيتكم وتقواكم لله، فإن خشيتي وتقواي أشد، ومع هذا ما وضعت على نفسي شيئًا مما وضعتم على أنفسكم.
"لكني أصوم وأفطر، وأصلي"؛ أي: في بعض الليل "وأرقد"؛ أي: أنام في بعضها.
"وأتزوج النساء" لأن الله تعالى خلقهن للرجال وركَّب فيهم وفيهن الشهوة، كما خلق فيهم الاحتياج إلى الطعام، كما أنه لابد من الطعام فكذلك لا بد للرجال منهن، والتزوُّجُ مباح وسببٌ للعبادة؛ لأنه يحصل به دفع الزنا منهما، ويؤجَر بما يُعطي من النفقة والكسوة.
"فمن رغب عن سنتي"؛ أي: تركها وأعرض عنها استهانة بها.
"فليس مني"؛ أي: من المقتدين بي والعاملين بسنَّتي.
* * *
١٠٧ - وعن عائشة ﵂، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما بالُ أقوامٍ يتنزَّهُونَ عنِ الشيءِ أصنَعُه؟ فوالله إنِّي لأَعلَمهُمْ بالله، وأشدُّهُم له خَشْيةً".
[ ١ / ١٥١ ]
"وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن النبي - ﷺ - أنه قال: ما بال أقوام" استفهام للإنكار بمعنى التوبيخ؛ أي ما حالُهم "يتنزهون"؛ أي: يتباعدون ويحترزون "عن الشيء أصنعه" جملة حالية عن (الشيء)، أو اللام في (الشيء) زائدة و(أصنعه) صفته؛ أي: عن شيء أفعله مثل النوم والأكل بالنهار والتزوج.
"فو الله أني لأَعلمهم بالله"؛ أي: بعذابه "وأشدهم له خشية" فلو حصل بهذه المباحات عذاب فأنا أولى أن أحترز عنها، قدَّم العلم على الخشية؛ لأنها نتيجته.
* * *
١٠٨ - وقال رافع بن خَدِيْج: قال رسول الله - ﷺ -: "أنتم أَعلَمُ بأمرِ دُنياكُم، إذا أُمرتُكُم بشيءٍ منْ أَمرِ دينكُمْ فخُذُوا بهِ".
"وقال رافع بن خديج": لما قدم ﵊ المدينة ورأى أهلها يؤبرون النخل قال: "لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرًا لكم" فتركوا التأبير فنقصت ثمارهم، فذكروا له ﵊ "قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: أنتم أعلم بأمر دنياكم" وأنا أعلم بأمر دينكم "إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به"؛ أي: افعلوا به.
* * *
١٠٩ - عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّما مَثَلي ومَثَلُ ما بَعَثني الله بهِ كمثلِ رجُلٍ أتى قومًا فقال: يا قوم! إنِّي رأيتُ الجيشَ بعَينَيَّ، وإنِّي أنا النَّذيرُ العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَهُ طائفةٌ مِنْ قومهِ فأَدلَجوا، فانطلَقُوا على مَهَلِهِمْ، فَنَجَوا، وكذَّبتْ طائفةٌ منهم، فأصبحوا مكانهمْ فصبَّحَهُمُ الجيشُ فأهلكَهُمْ واجتاحَهُمْ، فذلك مثَلُ من أطاعَني فاتَّبعَ ما جئتُ بِهِ
[ ١ / ١٥٢ ]
مِنَ الحقِّ، ومَثَلُ مَنْ عصاني وكذَّب بما جئت بهِ مِنَ الحقِّ".
"وعن أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﵊ - أنه قال: إنما مثلي"؛ أي: صفتي "ومثل"؛ أي: صفة "ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعينيّ" وفيه إشارة إلى أنه - ﵊ - تحقق عنده جميع ما أخبره من المغيبات بالمعاينة، ولا كذلك سائر الأنبياء، إذ لم يكن لهم معراج ظاهر حتى يعاينوا تلك الأحوال.
"وإني أنا النذير": وهو الذي يخوف غيره بالإعلام.
"العريان": هو الذي لقي العدو فسلبوا ما عليه من الثياب، فأتى قومه عريانًا بخبرهم، وهذا مثلٌ يضرب لشدة الأمر ودنوِّ المحذور منه وبراءة المخبر عن التهمة.
"فالنجاء النجاء" بالمد والقصر: نصب على الإغراء؛ أي: اطلبوا النجاء، أو على المصدر؛ أي: انجوا النجاء، وهو الإسراع كرِّر للتأكيد.
"فأطاعه طائفة": من قومه.
"فأدلجوا"؛ أي ساروا من أول الليل.
"فانطلقوا على مَهلهم" بفتح الميم والهاء؛ أي: هِيْنتهم وسكونهم "فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم"؛ أي: دخلوا في وقت الصباح في ذلك المكان.
"فصبحهم الجيش"؛ أي: أتوهم صباحًا ليُغيروا عليهم.
"فأهلكهم واجتاحهم"؛ أي استأصلهم وأهلكهم بالكلية بشؤم التكذيب.
"فذلك"؛ أي: المثل المذكور "مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به" وهذا ليعلم أنه لا ينبغي أن يستريح بظاهر الطاعة من غير اتِّباع ما جاء به.
[ ١ / ١٥٣ ]
"من الحق ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق" فيه إشارة إلى أن مطلق العصيان غير مستأصل، بل العصيان مع التكذيب بالحق.
* * *
١١٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَثَلي كمثَلِ رجلٍ استوقدَ نارًا، فلمَّا أضاءتْ ما حولها جعلَ الفَراشُ وهذهِ الدوابُّ التي تقعُ في النَّارِ يقعنَ فيها، وجعلَ يحجُزُهُنَّ، ويغلِبنهُ فيقتَحمنَ فيها، قال: فذلكَ مَثَلي ومَثَلُكم، أنا آخذ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ: هلُمَّ عنِ النارِ، هلمَّ عنِ النارِ، فتغلِبونني فتقحَّمُون فيها".
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: مثلي كمثل رجل استوقد نارًا" بمعنى أوقد.
"فلما أضاءت" من الإضاءة، وهو فرطُ الإنارة.
"ما حولها"؛ أي: جوانب تلك النار.
"جعل"؛ أي: طفق.
"الفراش"؛ أي: دويبة تطير تتساقط في النار.
"وهذه الدواب": إشارة إلى غير الفراش.
"التي تقع في النار"؛ أي: عادتها إلقاء أنفسها في النار كالبق والبعوض.
"يقعن فيها"؛ أي: الفراش والدواب في النار.
"وجعل"؛ أي: الرجل المستوقد.
"يحجزهنَّ"؛ أي: يمنعهن عن الوقوع ويبعدهن عنها.
"فيغلبنه"؛ أي: الفراشُ وتلك الدوابُّ عليه، فلا يقدر أن يدفعهن عنها.
"فيتقحمن فيها"؛ أي: يلقين أنفسهن في النار بغتةً من غير رويَّةٍ.
[ ١ / ١٥٤ ]
"قال: فذلك"؛ أي: المثل المذكور.
"مثلي ومثلكم أنا آخذ بحُجَزكم" بضم الحاء وفتح الجيم: جمع حُجْزة، وهي مقعد الإزار، وإنما خصها - ﷺ - لأن محلَّ الزنا الذي هو أفحش الفواحش تحتها، أو لأن أخذ الوسط أقوى وأوثق من الأخذ بأحد الطرفين في التبعيد.
يعني: أمنعكم "عن النار": قائلًا لكم: "هلم"؛ أي: أسرعوا إليَّ وأبعدوا أنفسكم "عن النار، هلم عن النار" كرَّر لفرط الاهتمام.
"فتغلبوني" بالنون المشددة، أصله: فتغلبونني، فأدغم نون الجمع في نون الوقاية.
"تقحَّمون فيها" بحذف إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: ترمون أنفسكم في النار بفعل المعاصي، وهو حال من فاعل (تغلبوني).
وفي الحديث: إخبار عن فرط شفقته - ﷺ - على أمته وحفظهم عن العذاب.
* * *
١١١ - وقال - ﷺ -: "مثلُ ما بعثَني الله بهِ منَ الهُدَى والعِلْم كمثلِ الغَيْثِ الكثير، أصابَ أرضًا، فكانتْ منها طائفةٌ طيبةٌ قَبلتِ الماءَ، فأَنبتتِ الكلأَ والعُشْبَ الكثيرَ، وكانتْ منها أَجادِبُ أَمسكتِ الماءَ، فنفعَ الله بها الناسَ، فشرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعوا، وأصابَ منها طائفةً أُخرى إنَّما هيَ قِيعان لا تُمسكُ ماءً ولا تُنبتُ كلأً، فذلكَ مثَلُ مَنْ فَقهَ في دينِ الله ونفعَهُ ما بعثني الله بهِ فعَلِمَ وعَلَّم، ومثَلُ مَنْ لمْ يرفعْ بذلكَ رأْسًا ولم يقبَلْ هُدَى الله الذي أُرسِلْتُ بهِ"، رواه أبو مُوسَى الأَشْعَري - ﵁ -.
"وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم"، (الهدى): الدلالة الموصلة إلى الحق، والمراد
[ ١ / ١٥٥ ]
بـ (العلم) هنا: الوحيان الظاهر والخفي، والهدى وسيلةٌ إلى العلم، فلذا قدمه - ﷺ -، وفي "العوارف": العلم جملةٌ موهوبة من الله تعالى للقلوب، والهدى وجدان القلوب ذلك. ويجوز أن يكون المراد منهما شيئًا واحدًا.
"كمثل الغيث"؛ أي: المطر.
"الكثير": وإنما مثَّل - ﵊ - العِلْمَ بالغيث؛ لأنه يحيي القلب الميت إحياء الغيث البلدَ اليابس، وشبهه بالغيث دون المطر لأن الغيث هو المطر المحتاج إليه، وقد كان الناس محتاجين إلى الهداية والعلم قبل مبعثه، فأفاض الله عليهم سجال العلم والهدى ببعثه ﵊، ووصفه بالكثير لأن الإنبات لا يحصل إلا بالكثير منه.
"أصاب أرضًا": صفة للغيث على تقدير أن تكون اللام فيه للجنس أو زائدةً.
"فكانت منها"؛ أي: من الأرض، صفة (طائفة) قدِّمت عليها فصارت حالًا.
"طائفة"؛ أي: قطعة.
"طيبة"؛ أي: غير خبيثة بسباخٍ ونحوه.
"قبلت الماء"؛ أي: دخل الماء فيها لِلِينها.
"فأنبتت" عقيب قبول الماء.
"الكلأ والعشب الكثير" قيل: (الكلأ) هو العشب يابسًا كان أو رطبًا، و(العشب) الكلأ الرطب، فيكون عَطَفَ الأخصَّ على الأعم للاهتمام بشأنه.
"وكانت منها أجادب" بالجيم والدال المهملة: جمع أجدب، وهي الأرض الصلبة التي لا تنبت.
"أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا" دوابهم.
[ ١ / ١٥٦ ]
"وزرعوا به" فهذان القسمان من الأرض منتفع بهما.
"وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعان": جمع قاع، وهي الأرض المستوية.
"لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً" لكونها سبخةً، وإنما نفًى الكلأ لأن بعض القيعان قد ينبت كلأً وإن لم يمسك ماء.
وفيه تنبيه على أنها غير قابلة أصلًا لا للانفعال ولا للفعل.
"فذلك"؛ أي: المذكور من الأنواع الثلاثة للأرض "مثل من فقُه" بالضم؛ أي: صار فقيهًا "في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم" بتشديد اللام، هذا مثل الطائفة الأولى التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ، فقبول الماء إشارة إلى العلم، وإنبات الكلأ إشارة إلى التعليم.
"ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا" عدم رفع رأسه بالعلم كنايةٌ عن عدم الانتفاع به؛ لعدم العمل به، أو للإعراض عنه إلى حطام الدنيا، هذا مَثَلُ الطائفة الثانية التي لم تقبل الماء، فأمسكته فنفع الله بها الناس.
"و" مثل من "لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به": وهو الدين هذا مثل الطائفة الثالثة التي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً.
* * *
١١٢ - وقالتْ عائشةُ ﵂: تلا رسولُ الله - ﷺ -: " ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ "، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "فإذا رأيتِ الذينَ يتَّبعون ما تشابهَ منه، فأولئكَ الذينَ سمَّى الله، فاحذَروهم".
"وقالت عائشة - ﵂ -: تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ
[ ١ / ١٥٧ ]
﴿الْكِتَابَ"؛ أي: القرآن. ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: بعضه ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قيل: المحكم: ما أمن من احتمال التأويل والنسخ والتبديل كالنصوص الدالة على ذات الله تعالى وصفاته.
﴿هُنَّ﴾؛ أي: تلك الآيات.
﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: أصله.
﴿وَأُخَرُ﴾؛ أي: آيات أُخَر.
﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ المتشابه: ما بلغ في الخفاء نهايته ولا تُرجى معرفته، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾؛ أي: ميلٌ عن اتباع الحق إلى الباطل.
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾؛ أي: يبحثون فيه.
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾؛ أي: لطلب إيقاع الشك والخصومة بين المسلمين.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: استنباط معانيه.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية".
"قالت"؛ أي: عائشة: "قال رسول الله - ﷺ -: فإذا رأيت": خطاب لعائشة، رضي الله تعالى عنها، وغيرها داخل فيه بطريق التبعية، بقرينة (فاحذروهم).
"الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك سمى الله"؛ أي: سماهم أهل الزيغ.
"فاحذروهم"؛ أي: لا تجالسوهم ولا تكالموهم.
* * *
١١٣ - وقال عبد الله بن عمْرو - ﵄ -: هجَّرْتُ إلى رسولِ الله - ﷺ - يومًا، فسمعَ صوتَ رَجلينِ اختلفا في آيةٍ، فخرجَ يُعرفُ في وجههِ الغضَبُ، فقال:
[ ١ / ١٥٨ ]
"إنما هلكَ مَنْ كانَ قبلكُمْ باختلافِهِمْ في الكتابِ".
"وقال عبد الله بن عمرو: هجَّرت" بالتشديد؛ أي: سِرْتُ وقتَ الهاجرة، وهو نصف النهار عند اشتداد الحر.
"إلى رسول الله - ﷺ - يومًا"، وإنما سار في هذا الوقت؛ ليكون حاضرًا في المسجد، أو في بابه قبل خروجه ﵊؛ حتى لا يفوت منه شيء مما صدر عنه - ﵊ - من الأفعال والأقوال.
وفيه: إشارة إلى اهتمام الراوي بأمر الدين واقتباس العلم.
"فسمع رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من حُجرته صوتَ رجلين اختلفا": صفة (رجلين)؛ أي: تنازَعَا وتخاصَمَا.
"في آية"؛ أي: في معنى آية متشابهة، ويحتمل أن يكون اختلافهما في لفظهما حتى ارتفعت أصواتهما.
"فخرج" ﵊ "يُعرف في وجهه الغضب": جملة حالية من فاعل (خرج).
"فقال: إنما هلك مَن كان قبلكم" من اليهود والنصارى "باختلافهم في الكتاب": المنزل على نبيهم من التوراة والإنجيل، بأنْ قال كل واحد منهم ما شاء من تلقاء نفسه.
* * *
١١٤ - وقال رسولُ الله - ﷺ -: "ذَرُوني ما تركتُكُمْ، فإنَّما هلكَ مَنْ كان قبلَكُمْ بكثْرةِ سُؤالهمْ واختلافِهِمْ على أنبيائهِمْ، فإذا أمرتُكُمْ بشيءٍ فأْتُوا منهُ ما استطعتُمْ، وإذا نهَيْتُكُمْ عَنْ شيءٍ فَدَعُوه"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ذروني": اتركوني
[ ١ / ١٥٩ ]
ولا تسألوني من الأمر بشيءٍ والنهي عنه.
"ما تركتكم"؛ أي: مدةَ تركي إياكم.
"فإنما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم": فيه إشارة إلى أن بعض السؤال لا يضرُّ إذا كان بقَدْر الحاجة.
"واختلافهم على أنبيائهم"؛ فإن كثرة السؤال والاختلاف عليهم كان سببًا لهلاكهم؛ لأنها من أمارات التردد في الباعث والمبعوث.
"فإذا أمرتكم بشيء فَأْتُوا منه ما استطعتم"، ولا تتركوا أمري على الجحود.
"وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"؛ أي: اتركوه.
* * *
١١٥ - وقال: "إن أعظمَ المُسلمينَ في المُسلمينَ جُرْمًا مَنْ سألَ عَنْ شيءٍ لمْ يُحرَّمْ، فَحُرِّمَ من أجلِ مسألتِه"، رواه سعد بن أبي وقَّاص - ﵁ -.
"وعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا"؛ أي: ذنبًا كائنًا فيهم.
"مَن سأل نبيَّه عن شيء لم يُحرَّم": هل هو حرام أم لا؟
"فُحرِّم من أجل مسألته": هذا في حق مَن سأل عبثًا وتكلُّفًا فيما لا حاجةَ به إليه، فسكوتُ النبي - ﵊ - في مثل هذا عن جوابه ردعٌ لسائله (١).
وإن أجيب عنه كان تغليظًا له، فيكون بسببه تغليظًا على غيره، وإنما كان
_________________
(١) في "م": "لقائله".
[ ١ / ١٦٠ ]
أعظمَ جرمًا؛ لتعدي جنايته إلى جميع المسلمين بشؤم لَجَاجه.
وأما مَن سألَ لاستبيان حكمٍ واجبٍ أو مندوبٍ أو مباحٍ قد خفيَ عليه فلا يدخل في هذا الوعيد، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
* * *
١١٦ - وقال: "يكونُ في آخرِ الزَّمانِ دجَّالونَ كذَّابونَ، يأْتُونكُمْ مِنَ الأحاديثِ بما لمْ تسمعُوا أنتمْ ولا آباؤُكم، فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ، لا يُضلُّونكمْ، ولا يفتِنُونَكُمْ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: يكون في آخر الزمان دجَّالون" جمع: دجَّال، وهو كثير المكر والتلبيس؛ أي: الخدَّاعون؛ يعني: سيكون جماعة يقولون للناس: نحن علماء ومشايخ ندعوكم إلى الدين وهم "كذَّابون" في ذلك.
"يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم"؛ أي: يتحدثون بالأحاديث الكاذبة، ويبتدعون أحكامًا باطلة، ويعلِّمون الناسَ اعتقاداتٍ فاسدةً، كالروافض والمعتزلة والجَبْرية وغيرهم من أهل البدع.
"فإياكم"؛ أي: بعِّدوا أنفسَكم عنهم.
"وإياهم"؛ أي: باعدوهم عنكم.
"لا يُضلُّونكم": استئناف جواب لقائلٍ: لِمَ نتَّقيهم؟ أي: لئلا يُضلُّونكم.
"ولا يفتنونكم"؛ أي: يوقعونكم في الفتنة، وهي الشرك، قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١]، أو يراد بها عذاب الآخرة، قال تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤].
[ ١ / ١٦١ ]
١١٧ - وقال: "لا تُصدِّقُوا أهلَ الكتابِ ولا تُكذبوهم، و﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعنه أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تصدِّقوا أهلَ الكتاب" فيما لا يتبيَّن لكم صدقه؛ لاحتمال أن يكون كذبًا؛ لأنهم حرَّفوا كتابهم.
"ولا تكذِّبوهم"؛ لاحتمال أن يكون صدقًا.
"وقولوا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ "؛ يعني: القرآن.
"الآية".
وفيه: إشارة إلى التوقُّف فيما أَشكل من الأمور والعلوم، وعليه كان السَّلَف.
* * *
١١٨ - وقال: "كفَى بالمَرءَ كَذِبًا أَنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمعَ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعنه أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: كفى بالمرء"، والباء زائدة.
"كذبًا": نصب على التمييز.
"أن يُحدِّث": فاعل (كفى)؛ يعني: لو لم يكن للمرء كذبٌ إلا تحدُّثُه "بكل ما سمع" من غير تيقُّن أنه صدق أو كذب لكفاه من الكذب؛ إذ لا يكون بريئا منه، وهذا زجر عن التحدُّث بشيءٍ لم يُعلَم صدقُه.
* * *
١١٩ - وقال: "ما مِنْ نبي بعثَهُ الله في أُمَّتهِ قبلي إلَّا كان لهُ مِن أُمّتهِ حواريُّونَ وأصحابٌ يأخذونَ بسنَّتهِ ويقتدُونَ بأمرهِ، ثمَّ إنَّها تخلُفُ منْ بعدِهم
[ ١ / ١٦٢ ]
خُلوفٌ يقولونَ ما لا يفعلون، ويفعلونَ ما لا يُؤمَرُون، فمنْ جاهدَهُمْ بيدِه فهوَ مؤمنٌ، ومَنْ جاهدَهُمْ بلسانهِ فهوَ مُؤمنٌ، ومَنْ جاهدَهُمْ بقلبهِ فهوَ مُؤمنٌ، ليسَ وراءَ ذلكَ منَ الإيمانِ حبَّةِ خَردلٍ" رواه ابن مَسْعود - ﵁ -.
"وعن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي"، وروي: "في أمة"، قيل: هو الصواب.
"إلا كان له من أمته حَوارُّيون" جمع: حَواري، وهو الناصر وصاحب السِّر.
"وأصحابٌ يأخذون بسُنَّته ويقتدون"؛ أي: يتبعون "بأمره": يُحمل هذا على الغالب؛ لأنه قد جاء في حديث آخر: "أن نبيًّا يجيء يومَ القيامة ولم يتبعه من أُمته إلا واحد".
"ثمَّ إنها" - الضمير للقصة - "يخلف من بعدهم"؛ أي: يَحدُثون بعدَهم "خُلوف" بضم الخاء: جمع خَلْف بفتح الخاء مع السكون، وهو الخليفة السيئ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم:٥٩].
"يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمَرُون، فمَن جاهَدَهم"؛ أي: حارَبَهم وآذاهم "بيده فهو مؤمن، ومَن جاهَدَهم بلسانه"؛ أي: يؤذيهم به بالأمر المعروف والنهي عن المنكر "فهو مؤمن، وليس وراء ذلك"؛ أي: وراء الجهاد بالإنكار "من الإيمان حَبَّةُ خَردل"؛ يعني: مجرد الإنكار أدنى المراتب، فمَن لم يجده في قلبه فَلْيعلَمْ أنه لم يبق فيه من نور الإيمان مقدار هذه الحَبة، فَلْيعالِجْ باطنَه.
* * *
١٢٠ - وقال: "لا يَزالُ من أُمَّتي أُمةٌ قائمةٌ بأمرِ الله لا يضرُّهم مَنْ خذلَهُمْ
[ ١ / ١٦٣ ]
ولا مَنْ خالَفَهُمْ حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك"، رواه مُعاوية - ﵁ -.
"وعن معاوية أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يزال من أُمتي" يريد: أمة الإجابة.
"أُمةٌ"؛ أي: طائفةٌ قائمةٌ "بأمر الله"؛ أي: بشريعته ودينه، وقيل: الجهاد؛ يعني: لا يزال منهم مواظبون ومحافظون عليه.
"لا يضرُّهم مَن خَذَلَهم"؛ أي: ترك عَونَهم ونصرتَهم.
"ولا مَن خالَفَهم، حتى يأتي أمرُ الله"؛ أي: القيامةُ "وهم على ذلك" وهذا إشارة إلى أن وجه الأرض لا يخلو من الصُّلَحاء الثابتين على أوامر الله؛ متباعدين عن المناهي، حافظين أمورَ الشريعة، يستوي عندهم معاونة الناس ومخالفتهم، أو المجاهدين في سبيل الله.
* * *
١٢١ - وقال: "لا تزالُ طائفة مِنْ أُمّتي يُقاتِلُونَ على الحقِّ ظاهرينَ إلى يومِ القيامةِ"، رواه جابر - ﵁ -.
"وعن جابر - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق": متعلق بـ (يقاتلون)، أو بقوله: "ظاهرين"؛ أي: حالَ كونهم غالبين، ويجوز أن يكون الجار والمجرور خبر (لا يزال)، فيكون (يقاتلون): صفة (طائفة).
قيل: هم جيوش الإِسلام، وقيل: هم العلماء والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فتكون مقاتلتُهم معنويةً.
"إلى يوم القيامة"؛ أي: إلى قربه، وهو حين تأتي الريح، فتأخذ رُوحَ كل مؤمن ومؤمنة.
* * *
[ ١ / ١٦٤ ]
١٢٢ - وقال: "مَنْ دعا إلى هُدًى كان لهُ مِنَ الأجرِ مثلُ أُجورِ منْ تَبعَهُ، لا ينقُصُ ذلكَ مِنْ أُجورِهِمْ شيئًا، ومَنْ دعا إلى ضلالةٍ كان عليهِ مِنَ الإثْم مثلُ آثامِ مَنْ تبعهُ، ولا ينقصُ ذلكَ مِنْ آثامهِمْ شيئًا".
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: مَن دعا إلى هدى"؛ أي: ما يُهتدَى به من الأعمال الصالحة.
"كان له"؛ أي: لذلك الداعي
"مِن الأجر مثلُ أجور مَن تبعَه"؛ وذلك لأنَّ الدعاءَ إلى الهُدى خصلةٌ من خِصال الأنبياء.
"لا ينقص ذلك": إشارة إلى مصدر (كان).
"من أجورهم شيئًا": مفعول به أو تمييز، بناءً على أن (نقص) يأتي لازمًا ومتعديًا، وهذا دفعٌ لِما يُتوهَّم أن أجرَ الداعي إنما يكون مِثْلًا بالتنقيص من أجر التابع وضمِّه إلى أجر الداعي.
"ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مِثلُ آثام مَن تبعَه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا".
* * *
١٢٣ - وقال: "بدَأَ الإِسلامُ غريبًا، وسَيعودُ غَريبًا كما بدأَ، فطُوبَى للغُرباءَ".
"وعنه أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: بدأ الإِسلام غريبًا"؛ يعني: الإِسلام حين بدأ كان غريبًا لقلته وعزة وجوده وقلة أعوانه.
"وسيعود" في آخر الزمان غريبًا "كما بدأ؛ فطُوَبى": مصدر من: طاب، كـ (بُشْرَى)، أو هو اسم شجرة من الجنة.
[ ١ / ١٦٥ ]
"للغرباء"؛ أي: للمسلمين الذين في أوله وآخره؛ لصبرهم على الأذى، وقيل: المراد بالغرباء: المهاجرون الذين هاجروا إلى الله - ﷿ -.
* * *
١٢٤ - وقال: "إنَّ الإِيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المدينةِ كما تأرِزُ الحيَّةُ إلى جُحرِها".
روى هذه الأحاديث الثلاثة أبو هُريرة - ﵁ -.
"وعنه أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الإيمان لَيَأرِزُ"؛ أي: ينضمُّ "إلى المدينة"، ويجتمع بعضه إلى بعض فيها؛ لأنها وطنُه الذي ظهرَ وقويَ فيها.
"كما تَأْرِزْ الحيةُ إلى جُحرِها"؛ أي: ثقبها، أو المراد: أن أهل الإيمان يفرُّون بإيمانهم إليها وقاية بها عليه، هذا إخبار عن آخر الزمان حينَ يقلُّ أهلُ الإِسلام.
وقيل: هذا في زمان النبي - ﷺ -؛ لاجتماع الصحابة في ذلك الزمان فيها، والمراد بـ (المدينة): جميع الشام؛ فإنها من الشام وخُصَّت بالذّكر لشرفها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٢٥ - عن رَبيعةَ الجُرَشيِّ - ﵁ - قال: أُتيَ نبي الله - ﷺ - فقيل له: لِتنَمْ عينُك، ولْتسمَعْ أذُنُك، ولْيَعقِلْ قلْبُك، قال: "فنامتْ عَيْني، وسمعَتْ أُذُني، وَعقَلَ قلْبي، قال: فقيل لي: سيدٌ بني دارًا، فصنعَ فيها مَأدُبةً، وأرسلَ داعيًا، فمنْ أجابَ الدّاعيَ دخلَ الدارَ، وكلَ من المَأدُبة، ورضيَ عنهُ السيدُ، ومَنْ لمْ يُجب الدّاعيَ لمْ يدخلِ الدّارَ، ولمْ يأكْل من المأدُبة، وسخِطَ عليه السيد، قال: فالله السيدُ، ومحمدٌ الداعي، والدارُ الإِسلامُ، والمَأدبةُ الجنَّة".
[ ١ / ١٦٦ ]
"من الحسان":
" عن ربيعة الجُرَشي" بضم الجيم وفتح الراء المهملة: ناحية من اليمن.
"أنَّه قال: أُتي نبي الله - ﷺ - " على صيغة المجهول؛ أي: أتاه آت.
"فقيل له"؛ أي: للنبي - ﷺ -: "لِتَنَمْ عينُك وَلْتَسمَعْ أذنُك وَلْيعقِلْ قلبُك"، قيل: هذا أمر في معنى الخبر، والظاهر أنَّه أمر به - ﵊ - استجماعًا لحواسِّه؛ يعني: لتكنْ عينُك وأذنُك وقلبُك حاضرةً؛ لتَفهمَ هذا المَثَلَ.
"قال: فنامت عيناي، وسمعت أذناي، وعقل قلبي، قال ﵊: فقيل لي: سيدٌ": - خبر مبتدأ محذوف، (بني): صفته؛ أي: الممثَّل به سيدٌ "بني دارًا"، ويجوز أن يكون (سيد) مبتدأ، و(بني): خبره
"فصنع فيها مأدُبةً وأرسل داعيًا، فمَن أجاب الداعيَ دخل الدارَ، وأكلَ مِن المأدُبة ورضي عنه السيدُ" اللام: للعهد.
"ومَن لم يُجبِ الداعيَ لم يدخل الدارَ، ولم يأكل مِن المأدُبة، وسخط عليه السيدُ، قال - ﷺ -: فالله السيد"، فيه: دلالة على جواز إطلاق (السيد) عليه.
"ومحمدٌ الداعي، والدارُ الإِسلامُ" بطريق الاستعارة.
"والمَأدُبة الجنةُ"، وهذا يُؤذِن بأن الإِسلامَ أوسعُ من الجنة؛ لأنه - ﷺ - مثَّل الإِسلامَ بالدار، والجنةَ بالمأدُبة المصنوعة في الدار، والمحيطُ أوسعُ من المُحاط.
* * *
١٢٦ - وعن أبي رافِعِ - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "لا أُلفِيَنَّ أحدكُمْ متَّكِئًا على أَريكتِه، يأتيه الأمرُ مِنْ أمري مما أَمَرتُ بهِ أو نهيتُ عنه، فيقول:
[ ١ / ١٦٧ ]
لا أَدري، ما وجدنا في كتابِ الله اتَّبعناه".
"وعن أبي رافع: أن رسول الله - ﷺ - قال: لا أُلفِيَنَّ" بالنون المؤكدة؛ أي: لا أجدَنَّ.
"أحدكم متكئًا": مفعول ثانٍ.
"على أريكته": وهي سرير مزيَّن في قُبة أو بيت، والمراد بهذه الصفة: أصحاب الترفُّه والدَّعَة، كما هو عادة المتكبرين المتجبرين القليلي الاهتمام بأمر الدِّين.
"يأتيه الأمرُ"؛ أي: الشأنُ من شؤون الدِّين.
"من أمري": بيان للأمر.
"أمرتُ به": بيان لـ (أمري)، أو بدل منه.
"أو نهيتُ عنه، فيقول": عطف على (يأتيه)؛ أي: يقول ذلك الأحد: "لا أدري"؛ أي: غيرَ القرآن.
"ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه"؛ أي: يقول: هذا الأمر الذي أَمَرَ به - ﷺ - أو نهَى عنه لم نجده في كتاب الله تعالى، فلا نتبعه؛ يعني: لا يجوز الإعراض عن حديثه - ﵊ -؛ لأنَّ المُعرِضَ عنه مُعرِضٌ عن القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
* * *
١٢٧ - عن المِقْدام بن مَعْدِيْ كَرِب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أَلا إنِّي أُوتيتُ القرآنَ ومثْلَهُ معهُ، لا يُوشكُ رجلٌ شَبْعانُ على أريكتِه يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتُم فيه مِنْ حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجدتُمْ فيهِ مِنْ حرامٍ فحرّمُوه، وإن ما حرَّم رسول الله - ﷺ - كما حرَّم الله، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ
[ ١ / ١٦٨ ]
الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا لُقَطَةُ مُعاهِدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومَنْ نزلَ بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوه، فإنْ لم يَقْرُوه فله أنْ يُعقِبَهُمْ بمثْلِ قِراه".
"عن المقداد بن معدي كرب أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ألا أني أُوتيت"؛ أي: آتاني الله "القرآن ومِثْلَه"؛ أي: مِثْلَ القرآنِ "معه" في وجوب القَبول والعمل به، وهو الوحي الغير المتلوِّ والسُّنَن التي لم يَنطق القرآن بها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
(ألا): حرف تنبيه؛ أي: أنبئكم بأن.
"يُوشِك"؛ أي: يَقرُب.
"رجلٌ شبعانُ على أريكته يقول" لأصحابه: "عليكم"؛ أي: الزَمُوا "بهذا القرآن" واعملوا به، ولا تلتفتوا إلى غيره، وصفه بالشِّبَع كنايةً إما عن التنعُّم والغرور بالمال والجاه الحامل على هذا القول بَطَرًا وحماقةً، أو عن البَلادة وسوء الفهم الذي من أسبابه الشِّبَع، كما فعلت الخوارج والظواهر؛ فإنهم تعلَّقوا بظاهر القرآن، وتركوا السُّنة المبينة للكتاب، فتحيَّروا وضلُّوا.
"فما وجدتم فيه"؛ أي: في القرآن "من حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه؛ وإن ما حرَّم"؛ أي: الذي حرَّمه "رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - " في غير القرآن "كما حرَّم الله" في القرآن، وهذا ابتداء كلام من النبي - ﷺ -.
ثمَّ أكَّد ذلك بقوله: "ألا لا يَحِلُّ لكم الحِمارُ الأهليُّ": هذا وما بعده بيانٌ للقِسم الثابت بالسُّنة، ولم يوجد له في كتاب الله ذِكرٌ، والتخصيص بالصفة لنفي عموم الحكم؛ فإن البَرِّيَّ حلالٌ.
"ولا كل ذي ناب من السِّباع": كالأسد والذئب وغير ذلك.
[ ١ / ١٦٩ ]
"ولا لُقَطَةُ مُعاهِدٍ": وهو الكافر الذي جرى بين المسلمين وبينه عهدٌ بأمانٍ في تجارة أو رسالة؛ يعني: لا يحل لكم ما سقط من المُعاهِد.
"إلا أن يستغني عنها صاحبُها"؛ أي: يتركها لمن أخذها استغناء عنها، بأن كانت شيئًا حقيرًا يُعلَم أن صاحبَه لا يطلبه، كالنَّواة وقشور الرمَّان ونحوهما، فيجوز الانتفاع به، وهذا تخصيص بالإضافة، ويثبت الحكم في لُقَطة المسلم بطريق الأَولى.
"ومَن نزل بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوه" - بفتح الياء - من (قَرَيتُ الضيفَ قِرى): إذا أحسنتُ إليه وضفْتُه، وهذا سُنةٌ لا فرض، لقول الأعرابي المتقدم: هل عليَّ غيرهن؟ فقال - ﵊ -: "لا، إلا أن تطوَّع".
وقيل: واجب؛ لأنَّ كلمة (على) للوجوب، وهذا كان في بدء الإِسلام؛ فإنَّه - ﵊ - كان يبعث الجيوش إلى الغزو، وكانوا يمرُّون في طريقهم بأحياء العرب، وليس هناك سوق يشترون الطعام، ولا معهم زاد، فأوجب عليهم ضيافتهم؛ لئلا ينقطعوا عن الغزو.
"وإن لم يَقْرُوه فله"؛ أي: للنازل بهم "أن يُعَقِّبَهم"؛ أي: يُتبعهم ويجازيهم بصنيعهم.
"بمِثْلِ قِراه"؛ أي: بأن يأخذ من مالهم مِثلَ قِراه قهرًا، ثمَّ نسُخ هذا الحكم.
وقيل: هذا في حق المضطرين الذين لا يجدون طعامًا ويخافون على أنفسهم التلفَ، فلا يكون منسوخًا.
* * *
١٢٨ - عن العِرباض بن ساريَة - ﵁ - قال: قام رسولُ الله - ﷺ - فقال: "أيحسِبُ أحدُكُمْ مُتكئًا على أريكتِه يظنُّ أنَّ الله لمْ يُحرَّمْ شيئًا إلَّا ما في هذا
[ ١ / ١٧٠ ]
القرآن، ألا وإنِّي والله قد أَمَرتُ، ووعَظتُ، ونَهيتُ عن أشياءَ، إنَّها لمثْلُ القرآن أو أكثر، وإنَّ الله لم يُحِلَّ لكم أنْ تدخلُوا بُيوتَ أهلِ الكتابِ إلا بإذنٍ، ولا ضَربَ نسائهمْ، ولا أكلَ ثمارهمْ إذا أعطَوكُمُ الذي عليهم".
"وعن العِرباض بن سارية أنه قال: قام رسول الله - ﷺ - "؛ أي: خطب فقال: "أيَحسِب"؛ أي: أيظنُّ.
"أحدُكم متكأ على أريكته يظنُّ": بدل من قوله: (أيحسب).
"أن الله تعالى لم يحرِّم شيئًا إلا ما في هذا القرآن، ألا وإني والله" - بثلاثة تأكيدات - "قد أَمرتُ ووَعظتُ بأشياءَ، ونهَيتُ عن أشياء، إنها كمثلِ القرآن"، قيل: إنه - ﷺ - كان يزيد علمه وإلهامه مِن قِبَل الله تعالى ومكاشفاته لحظةً فلحظةً، فلما رأى زيادة علمه بعد قوله: (إنها لمثل القرآن) قال متصلًا به: "أو أكثر"؛ أي: بل أكثر.
"وإن الله لم يحلُّ لكم من الإحلال أن تدخلوا بيوتَ أهل الكتاب"؛ يعني: أهل الذمَّة الذين قَبلوا الجِزية.
"إلا بإذن"؛ أي: إلا أن يأذَنوا لكم بالطَّوع والرغبة، كما لا يحلُّ لكم أن تدخلوا بيوتَ المسلمين بغير إذنهم.
"ولا ضربَ نسائهما يريد به: الضرب المعروف بالخشب، يعني: لا يجوز أن تضربوا نساءَهم، وتأخذوا منهن طعامًا أو غيره بالقهر أو المجامعة؛ يعني: لا تظنُّوا أن نساءَهم محلَّلاتٍ لكم كنساء أهل الحرب.
"ولا أكلَ ثمارهم" بالقهر.
"إذا أعطَوكم الذي عليهم" من الجزية، وإذا أبَوا عنها بطلتْ ذمَّتُهم، وحلَّ دمُهم ومالُهم، وصاروا كأهل الحرب في قول صحيح.
[ ١ / ١٧١ ]
١٢٩ - وعن العِرباض بن سارِيَة قال: وعظَنا رسولُ الله - ﷺ - موعظةً بليغةً ذرفتْ منها العُيونُ، ووجِلَتْ منها القُلُوبُ، فقالَ قائلٌ: يا رسول الله!؛ كأنَّ هذه مَوعظةُ مُودِّعٍ فأوصِنا، فقال: "أُوصيكُم بتقوَى الله والسَّمْعِ والطاعةِ وإنْ كان عبدًا حبَشيًا، فإنهُ مَنْ يعِشْ منكُمْ بعدي فسَيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنةِ الخلفاءَ الراشدينَ المهديينَ، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُمْ ومُحدَثاتِ الأُمورِ، فإنَّ كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ".
"وعن العِرباض بن سارية أنه قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظةً بليغةً"؛ أي: بالغةً تامةً في الإنذار والتخويف.
"ذرفتْ منها"؛ أي: سالت من موعظته "العيونُ"، أي: دموعُها.
"ووَجِلتْ"، أي: خافتْ "منها القلوبُ"؛ لتأثيرها في النفوس، واستيلاء الخشية على القلوب.
"فقال قائل: يا رسولَ الله! كأنها موعظة مودعِّ" بالإضافة، كأنك تودِّعنا بها، لِما رأى من مبالغته - ﷺ - في الموعظة.
"فأَوصِنا"؛ أي: فمُرنا بما فيه إرشادنا وصلاحُنا بعد وفاتك.
"فقال: أوصيكم بتقوى الله"، أي: بمخافته والحذر من عصيانه، هذا فيما بينهم وبين الله تعالى.
"والسمع والطاعة" لمن يَلِي أمرَكم من الأمراء؛ ما لم يَأمر بالمعصية.
"وإن كان المُطاع عبدًا حبشيًا"؛ أي: لو استَولى عليكم عبدٌ حبشيٌ فأطيعوه؛ مخافةَ إثارةِ الفتن.
"فعليكم بالصبر" والمداراة "حتى يأتي أمرُ الله"، وقيل: هذا وارد على سبيل الحث والمبالغة على طاعة الحكام، وقيل: ذُكر على طريق المَثَل؛ إذ
[ ١ / ١٧٢ ]
لا يصحُّ خلافته لقوله - ﷺ -: "الأئمة من قريش".
"فإنه [مَن] يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا" مِن مِلَلٍ شتى؛ كلٌّ يدَّعي اعتقادًا غير اعتقاد أهل السُّنة، ويُظهر البدَعَ والأهواءَ.
"فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين"؛ أي: الذين هداهم الله إلى الحق، وقيل: هم خلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - ﵃ -؛ لأنه - ﷺ - قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة"، وقد انتهت بخلافة عليٍّ.
وقيل: هم ومَن سار بسيرتهم من أئمة الإِسلام المجتهدين في الأحكام؛ فإنهم خلفاء الرسول - ﷺ - في إحياء الحق وإعلاء الدِّين وإرشاد الخلق إلى الحق.
"تمسَّكوا بها"؛ أي: بالسُّنَّة.
"وعَضُّوا عليها بالنواجذ" جمع: ناجذ، قيل: هو النابُ، والعَضُّ بها: كناية عن المبالغة في التمسك بهذه الوصية، كالذي يتمسك بالشيء مستعينًا عليه بأسنانه زيادةً للمحافظة.
"وإياكم ومُحدَثاتِ الأمور"؛ أي: التي حَدَثَتْ على خلاف أصل من أصول الدِّين؛ أي: احذروا عنها؛ "فإن كلَّ مُحدَثٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ".
* * *
١٣٠ - عن عبد الله بن مَسْعود - ﵁ - قال: خَطَّ لنا رسولُ الله - ﷺ - خَطًّا، ثمَّ قال: "هذا سبيلُ الله"، ثمَّ خطَّ خُطوطًا عن يمينهِ وعن شمالهِ، وقال: "هذه سُبُل، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يَدعو إليه"، ثمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية.
"وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: خطَّ لنا رسول الله - ﷺ - خطًّا، ثمَّ قال: هذا سبيل الله": وهو الرأي القويم والصراط المستقيم، وهما الاعتقاد الحق
[ ١ / ١٧٣ ]
والعمل الصالح، وهذا الخط للمكان لمَّا كان مثالًا سماه (سبيل الله).
" [ثمَّ] خَطَّ خطوطًا عن يمينه"؛ أي: يمين الخطأ وعن شماله، وقال: هذه سُبُلٌ، [على كل سبيل] منها شيطانٌ يدعو إليه"؛ أي: إلى السبيل.
وفيه: إشارة إلى أن سبيلَ الله وسطٌ، ليس فيها تفريط ولا إفراط، وسبيلَ أهل البدع ما يلي إلى جانبٍ فيه تقصيرٌ أو غلوٌّ.
"وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ ": نُصب على الحال، عامله معنى التنبيه أو الإشارة.
﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: السُّبل التي هي غير صراطي.
﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾؛ أي: تُفرقكم وتُبعِدُكم ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أي: عن سبيل الله. "الآية".
* * *
١٣١ - عن عبد الله بن عَمْرو - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - قال: "لا يؤمنُ أحدُكُمْ حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لِما جئتُ بهِ".
"وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا يؤمن أحدكم"؛ أي: لا يَبلغُ كمالَ الإيمان، ولا يستكمل درجاته.
"حتى يكون هواه"؛ أي: ميلُ نفسه واشتهاؤها "تبعًا"؛ أي: منقادًا بالرغبة "لِما جئت به" من الهدى والأحكام الشرعية.
وقيل: المراد: نفي أصل الإيمان؛ أي: لا يؤمن حتى يخالفَ هواه، ويجعلَه تَبَعًا لِما جئت به من الحق عن اعتقادِ، لا عن إكراهِ وخوفِ سيفٍ.
[ ١ / ١٧٤ ]
١٣٢ - وقال: "مَنْ أَحيا سُنَّةً مِنْ سُنَّتي قدْ أُميتَتْ بعدي؛ فإنَّ لهُ منَ الأَجْرِ مثْلُ أُجور مَنْ عملَ بها مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أُجورهِمْ شيئًا، ومنِ ابتدع بِدعةَ ضلالةٍ لا يَرضاها الله ورسولُه كان عليهِ من الإثْم مثلُ آثامِ مَنْ عَمِلَ بها لا ينقُصُ ذلكَ منْ أَوزارِهمْ شيئًا"، رواه بلال بن الحارث المُزَنيُّ.
"وعن بلال بن الحارث المُزَني أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: مَن أحيا سُنَّة من سُنَّتي قد أُميتَتْ"؛ أي: تُركت تلك السُّنة عن العمل بها؛ يعني: مَن أحياها "بعدي" بالعمل بها، أو حثِّ الغير على العمل بها.
"فإن له من الأجر مِثلُ أجور مَن عملَ بها": يشمل بإطلاقه العمّالَ قبل الإحياء وبعده.
"من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومَن ابتدع بدعةً ضلالةً": وهي ما أنكرها أئمة المسلمين، كالبناء على القبور وتحصينها.
"لا يرضاها الله ورسوله": صفة كاشفة لها.
"كان عليه من الإثم مثلُ آثام مَن عملَ بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا"، قيَّد البدعة بالضلالة لإخراج البدعة الحسنة كالمنارة، فلا يستحق مبتدعُها الذنبَ.
* * *
١٣٣ - وقال: "إنَّ الدِّينَ ليَأرِزُ إلى الحِجازِ كما تأرِزُ الحية إلى جُحرِها، ولَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ منَ الحجازِ مَعْقِلَ الأروَّيةِ من رأْسِ الجبَلِ، إنَّ الدينَ بدأَ غَريبًا ويرجعُ غَريبًا، فطُوبى للغُرباءَ الذينَ يُصلحونَ ما أفسدَ الناسُ منْ بعدي منْ سُنَّتي"، رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عَوْف بن زيد بن مِلْحَةَ عن أبيه، عن جدِّه.
"وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَة، عن أبيه، عن
[ ١ / ١٧٥ ]
جدِّه، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: إن الدِّينَ لَيَأرِزُ"؛ أي: ينضمّ عند ظهور الفتن واستيلاء الكفر "إلى الحجاز": اسم مكة والمدينة وحواليهما من البلاد، سُميت حجازًا؛ لأنها حَجَزَتْ؛ أي: مَنعتْ وفَصلتْ بين بلاد نجد والغَور؛ أي: المنخفَض.
"كما تأرِز الحية إلى جُحرها، ولَيَعقِلَنَّ": جواب قسم محذوف؛ أي: لَيمتنعنَّ.
"الدِّين": إلى مكانٍ "من الحجاز"، ويتخذَنَّ منه حِصنًا ومَلجأً.
"مَعقِلَ الأُروِيَّةِ": وهي الأنثى من المَعز الجبلي؛ أي: كاتخاذها حصنًا.
"من رأس الجبل. إن الدِّينَ بدأ" - بالهمزة - "غريبًا، ويرجع غريبًا"؛ يعني: إن أهلَ الدّين في الأول كانوا غرباء ينكرهم الناسُ ولا يخالطونهم، فسيكون كذا في الآخر.
"فطُوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسدَ الناسُ من بعدي من سُنَّتي"؛ يعني: يعملون بها، ويُظهرون الدِّينَ بقَدر طاقتهم.
* * *
١٣٤ - وقال: "لَيَأتِيَنَّ على أُمَّتي كما أَتى على بني إسرائيلَ حَذْوَ النَّعْل بالنَّعْلِ حتَّى إنْ كان منهمْ مَنْ أتَى أُمَّهُ علانيةً لكانَ في أُمَّتي منْ يصنَعُ ذلك، وإنَّ بني إسرائيلَ تفرَّقتْ على ثِنتيْنِ وسَبعينَ مِلَّةً، وتفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسَبعينَ مِلَّةً، كلُّهمْ في النَّارِ إلَّا مِلَّةً واحدةً"، قالوا: مَنْ هيَ يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليهِ وأصحابي"، رواه عبد الله بن عمرو - ﵄ -.
"وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لَيأتينَّ على أُمتي كما"؛ أي: مِثلُ ما "أتى على بني إسرائيل حَذوَ النعل": نُصب على المصدر؛
[ ١ / ١٧٦ ]
أي: يَحذُونهم حَذوًا مثلَ حَذْوِ النعل "بالنعل"، والحَذْو: القطع والتقدير، يقال: حَذَوتُ النعلَ بالنعلِ: إذا قدَّرت كلَّ واحدة على صاحبتها؛ ليكونا على السواء.
"حتى إنْ كان منهم"؛ أي: من بني إسرائيل، (حتى) هذه: ابتدائية، والواقع بعدها جملة شرطية.
"مَن أتى أُمَّه علانيةً"، إتيانها: كناية عن الزِّنا بها، ويحتمل أن يكون المراد بها: زوجة الأب أو موطوءته، وسائر مَن حُرِّمْن عليه برضاعٍ أو مصاهرةِ.
"لكان في أمتي مَن يصنعُ"؛ أي: يفعل (ذلك): الإتيان.
"وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين مِلَّةً"، سَمَّى - ﵊ - طريقةَ كل واحدة منهم مِلَّةً اتساعًا؛ لكثرتها، وهي في الأصل: ما شَرعَ الله تعالى لعباده على ألسنة أنبيائه ﵈؛ ليتواصلوا به إلى القُرب من حضرته تعالى.
"وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين مِلَّةً"، قيل: يحتمل أن يكون المراد بالأمة: أمة الدعوة؛ فيندرج سائر أرباب المِلَل الذين ليسوا على قِبلتنا في عدد الثلاث والسبعين، أو أمة الإجابة؛ فتكون المِلَل الثلاث والسبعون منحصرةَ في أهل قِبلتنا.
"كلُّهم في النار"؛ لأنهم يتعرضون لِما يُدخلهم النارَ.
"إلا مِلَّة واحدة، قالوا: مَن هي يا رسولَ الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" من الاعتقاد والقول والفعل، فإن ذلك يُعرف بالإجماع، فما أَجمعَ عليه علماءُ الإِسلام فهو حقٌّ، وما عداه باطل.
[ ١ / ١٧٧ ]
١٣٥ - وفي رواية أخرى: "واحدةٌ في الجنَّة، وهي الجماعة، وإنه سيَخرجُ في أُمَّتي قومٌ تَتَجارى بهم تلك الأَهواءُ كما يَتَجارَى الكَلَبُ بصاحبهِ، لا يبقى منهم عِرقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخَله".
"وفي رواية معاوية: واحدةٌ في الجنة، وهي الجماعة"، والجماعة عند أهل اللغة: هم أهل العلم والفقه، وعن سفيان: لو أن فقيهًا على رأس جبل لكان هو الجماعةَ، وزاد في روايته: "وإنه سيخرج في أمتي قوم تتجارى بهم"؛ أي: تدخل فيهم وتجري "تلك الأهواء" والبدَع في مفاصلهم.
"كما يتجارى الكَلَب" بفتحتين: داء يَعرِض للإنسان من عضِّ الكَلْب المجنون، ويتفرَّق أثره.
"بصاحبه"؛ أي: مع صاحبه إلى جميع أعضائه، فكذلك تدخل البدَعُ فيهم وتؤثر في جميع أعضائهم.
"بحيث لا يبقى منهم عرقٌ ولا مِفصلٌ إلا دخلَه"، وذكر (الأهواء) بصيغة الجمع؛ تنبيهًا على اختلاف أنواع الهوى.
* * *
١٣٦ - وقال: "لا تجتمعُ هذه الأُمةُ - أو قال: أُمة محمدٍ - على ضَلالةٍ، ويدُ الله على الجَماعةِ، ومَنْ شَذَّ شذَّ في النّارِ".
"وعن ابن عمر وأنس - ﵃ - أنهما قالا: قال رسول الله - ﷺ -: لا تجتمع هذه الأمة، أو قال: أمة محمَّد"، والمراد: أمة الإجابة؛ أي: لا يجتمعون "على ضلالة" غير الكفر، ولذا ذهب بعضهم إلى أن اجتماعَ الأمة على الكفر جائز؛ لأنها لا تبقى بعد الكفر أمةً له، والمَنفيُّ اجتماعُ أُمة محمَّد على الضلالة.
والحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق، والمراد: اجتماع العلماء؛
[ ١ / ١٧٨ ]
إذ لا عِبرةَ لاجتماع العوام؛ لأنه لا يكون عن عِلم.
"ويدُ الله"؛ أي: حفظُه ونصرتُه "على الجماعة" المجتمعين على الدّين، يحفظهم الله، من الضلالة والخطأ.
"ومَن شذَّ"؛ أي: انفرد عن الجماعة باعتقاد أو قول أو فعل لم يكن هم عليه "شذَّ في النار"؛ أي: انفرد فيها، معناها: انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة، وأُلقي في النار.
* * *
١٣٧ - ويُروى عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "اتَّبعوا السَّوادَ الأعظمَ، فإنَّه مَنْ شذَّ شذَّ في النّارِ".
"وعن ابن عمر - ﵁ -، عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: اتَّبعوا السوادَ الأعظمَ": وهو ما عليه أكثر علماء المسلمين، وقيل: جميع المسلمين الذين هم في طاعة الإمام.
"فإنَّه مَن شذ شذَّ في النار".
* * *
١٣٨ - وعن أنس - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا بنيَّ! إنْ قدرتَ أن تُصبحَ وتمسيَ ليسَ في قلْبكَ غِشٌّ لأِحدٍ فافعلْ"، ثمَّ قال: "يا بني وذلكَ مِنْ سنَّتي، ومَنْ أحبَّ سُنَّتي فقد أحبني، ومَنْ أحبني كانَ معي في الجنَّة".
"وعن أنس - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: يا بني! " بضم الباء: تصغير (ابن).
"إنْ قَدرتَ أن تُصبحَ"؛ أي: تدخل في وقت الصباح.
[ ١ / ١٧٩ ]
"وتُمسيَ"؛ أي: تدخل في وقت المساء، والمراد: جميع الليل والنهار.
"ليس في قلبك غِشٌّ": الجملة حال من فاعل (تصبح)؛ أي: غيرُ كائنٍ في قلبك غشّ "لأحدٍ فافعلْ"، والغش: نقيض النصح، الذي هو إرادة الخير.
"ثم قال: يا بني! وذلك"؛ أي: خلوُّ القلب من الغش "من سُنَّتي، ومَن أَحبَّ سُنَّتي فقد أحبني" فيه: تنبيه على أن محبةَ سُنةٍ واحدةٍ من سُنَنه محبتُه - ﷺ -.
"ومَن أحبني كان معي في الجنة".
* * *
١٣٩ - وقال: "مَنْ تمسَّكَ بسُنَّتي عندَ فَسادِ أمُّتي فلهُ أجرُ مئة شَهيدٍ"، رواه أبو هريرة.
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: مَن تمسَّك بسُنَّتي"؛ أي: عَمِلَ بها.
"عند فساد أمتي"؛ أي: عند غلبة الفسق والجهل بهم.
"فله أجرُ مئة شهيد"؛ لِما يلحقه من المشقة بالعمل بها وإحيائها، وإنْ تركَهم لها فهو كالشهيد المقاتل مع الكفار لإحياء الدِّين.
* * *
١٤٠ - وعن جابر - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - حين أَتاهُ عمرُ - ﵁ - فقال: إنّا نسمَعُ أحاديثَ منْ يهود تُعجبنا، أفترى أنْ نكتبَ بعضَها؟ فقال: "أَمُتَهَوِّكونَ أنتم كما تهوَّكَتِ اليهودُ والنَّصارى؟ لقد جئتُكُمْ بها بيضاءَ نقيّةً، ولوْ كان موسى حيًّا لَما وَسِعَهُ إلَّا اتِّباعي".
"وعن جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - حين أتاه عمر - ﵁ - قال: إنّا لَنَسمعُ
[ ١ / ١٨٠ ]
أحاديث"؛ أي: حكايات ومواعظ "من يهود تُعجبنا"؛ أي: تَحسُنُ عندنا وتَميل قلوبنا إليها.
"أفتَرى": أفتَأذَنُ لنا "أنْ نكتبَ بعضَها؟ فقال ﵊؛ زجرًا لعمر - ﵁ -: "أمُتهوِّكون أنتم"؛ أي: أتصيرون متحيرين متردِّدين في دِينكم.
"كما تَهوَّكتِ اليهود والنصارى"؛ أي: مثلَ تحيُّرهم.
"لقد جئتكم": جواب قسم محذوف.
"بها"؛ أي: بالمِلَّة الحنفية، بقرينة الكلام.
"بيضاءَ": حال عن ضمير (بها).
"نقيةً": صفة (بيضاء)، كلاهما عبارة عن الظهور والصفاء والخلوص عن الشك والشُّبهة، أو المراد بهما: أنها مَصُونةٌ عن التبديل والتحريف والإصر والأغلال، خالية عن التكاليف الشاقة؛ لأنَّ في دين اليهود إخراجَ رُبعِ مالهم زكاةً، وقطعَ موضع النجاسة من الثوب بدلًا من الغسل وغير ذلك.
"ولو كان موسى حيًا ما وسعه"؛ أي: لا يجوز له "إلا اتباعي" في الأفعال والأقوال؛ يعني: لا يفعل فعلًا ولا يقول قولًا إلا بأمري، فأنتم تطلبون فائدةً من موسى مع وجودي؟! * * *
١٤١ - عن أبي سعيد الخُدريِّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "منْ أكلَ طيبًا، وعملَ في سُنَّةٍ، وأمِنَ النّاسُ بوائقَهُ دخلَ الجنّةَ"، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ هذا اليومَ في الناسِ لكثيرٌ، قال: "وسيكونُ في قُرونٍ بَعْدي".
[ ١ / ١٨١ ]
"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: مَن أكلَ طيبًا"؛ أي: كان قُوتُه حلالًا.
"وعملَ في سُنَّةٍ"؛ أي: في موافقتها؛ يعني: كان قولُه وفعلُه على وفق الشرع، وتنكيرها لإشعار أن العمل في موافقة واحدة منها مع أختَيها مما يوجب دخولَ الجنة.
"وأَمِنَ الناسُ بَوائقَه" جمع: بائقة، وهي الداهية والمشقة، والمراد به هنا: الشُّرور.
"دخلَ الجنةَ، فقال رجل: يا رسولَ الله! إن هذا"؛ أي: الذي تصفه وتذكره "اليومَ لَكثيرٌ" في الناس بحمد الله، فما حالُ المستقبل؟
"قال: وسيكون" مَن لم يكن موصوفًا بهذه الصفة "في قرون بعدي" جمع: قَرن، وهو أهل عصر؛ فإن كلَّ عصر هو أبعدُ من زمان الرسول - ﷺ - يكون الصُّلَحاءُ فيهم أقلَّ ممن قبلَهم.
* * *
١٤٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنكمْ في زمانٍ مَنْ تركَ منكمْ عُشْرَ ما أُمِرَ بهِ هلكَ، ثمَّ يأتي زمانٌ مَنْ عملَ منهمْ بعُشْرِ ما أُمِرَ بهِ نَجا"، غريب.
"وعن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: إنكم" أيها الصحابةُ.
"في زمانٍ"؛ أي: زمانِ نزولِ الوحي وسماعِ كلام صاحب الرسالة.
"مَن تركَ منكم عُشرَ ما أُمر به" من الأمر المعروف والنهي عن المنكر "هلكَ"؛ لأنَّ الدِّينَ عزيزٌ، والحقَّ ظاهرٌ، وفي أنصاره كثرة.
[ ١ / ١٨٢ ]
"ثمَّ يأتي زمان مَن عملَ منهم بعُشر ما أُمر به نجا"؛ لانتفاء، تلك المعاني المذكورة.
"غريب".
* * *
١٤٣ - عن أبي أُمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلا أُوتُوا الجَدَلَ"، ثمَّ قرأَ - ﷺ - هذه الآيةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
"وعن أبي أمامة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما ضلَّ قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه"؛ أي: على الهدى.
"إلا أُوتُوا"؛ أي: أُعطُوا "الجَدَلَ"؛ أي: ما كان ضلالُهم ووقوعُهم في الكفر إلا بسبب الجدل، وهو الخصومةُ مع نبيهم وطلبُ المعجزة منه عنادًا وجحودًا.
وقيل: مقابلة الحُجة بالحُجة، وقيل: المراد به هنا: العناد والمِراء في القرآن وضرب بعضه ببعض، والتعصُّب لترويج مذاهبهم وآراء مشايخهم، من غير أن يكون لهم بصيرة على ما هو الحق.
"ثم قرأ رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾ ": ما ضربوا هذا المَثَلَ " ﴿لَكَ﴾ ": يا محمدُ، وهو قولهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، أرادوا بالآلهة هنا: الملائكة؛ يعني: الملائكة خير أم عيسى؟ يريدون أن الملائكةَ خيرٌ من عيسى، فإذا عَبدتِ النصارى عيسى فنحن نَعبد الملائكةَ؛ يعني: ما قالوا هذا القولَ " ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾ ": إلا لمخاصمتك وإيذائك بالباطل.
[ ١ / ١٨٣ ]
" ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ "؛ أي: كثيرو الخصومة.
* * *
١٤٦ - عن أنس - ﵁ -: أنَّ النبي - ﷺ - كان يقول: "لا تُشدِّدوا على أنفُسِكُم، فيُشدِّدَ الله عليْكُمْ، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفُسِهم فشدَّدَ عليهم، فتلْكَ بقاياهُمْ في الصَّوامعِ والدِّيار ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] ".
"وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: لا تشدِّدوا على أنفسكم"؛ أي: بالأعمال الشاقة، كصوم الدهر وإحياء الليل كله واعتزال النساء؛ لئلا تَضعُفُوا عن العبادة وأداء الحقوق والفرائض.
"فيُشدِّدَ" بالنصب: جواب النهي؛ أي: يُشدِّدَ "الله عليكم؛ فإن قومًا" من بني إسرائيل "شدَّدُوا على أنفسهم" حين أُمروا بذبح بقرة، فسألوه عن لونها وسنِّها وعن غير ذلك من صفاتها، "فشدَّد الله عليهم"، بأن أمرهم بذبح بقرة على صفة لم توجد بتلك الصفة إلا بقرة واحدة، لم يبعْها صاحبها إلا بملء جِلدها ذهبًا.
"فتلك" الجماعة.
"بقاياهم في الصوامع" جمع: صَومَعة، وهي موضع عبادة الرُّهبان.
"والديار" جمع: الدَّير.
"رهبانية": نُصب بفعل يفسِّره ما بعده، وهو "ابتدعوها"، يقال: ابتَدَعَ: إذا أتى بشيء بديع؛ أي: جديد، لم يفعله قبلَه أحدٌ، و(الرَّهبانية) بفتح الراء المهملة: الخَصلة المنسوبة إلى الرَّهبان، وهو الخائف، فَعْلَان من: رَهِبَ رَهبةً؛ أي: خافَ، وبالضم: نسبة إلى الرُّهبان، جمع: الراهب.
"ما كتبناها"؛ أي: ما فَرَضْنا تلك الرهبانيةَ "عليهم": من تركهم التلذُّذ
[ ١ / ١٨٤ ]
بالأطعمة، وترك التزوُّج ومخالطة الناس، والتوطُّن في رؤوس الجبال والمواضع البعيدة عن العمرانات.
* * *
١٤٤ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "نزلَ القرآنُ على خمسةِ وجوهٍ: حلال، وحَرام، ومُحكَمٍ، ومُتشابهٍ، وأَمْثالٍ، فأَحِلُّوا الحَلالَ، وحرِّموا الحَرامَ، واعمَلُوا بالمُحكَم، وآمِنوا بالمُتشابه، واعتبروا بالأَمثال".
"عن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: نزل القرآن على خمسة أوجه: حلال": كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، الآية.
"وحرام": كقوله تعالى: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: ١١٥] الآية.
"ومُحكَم": كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وغير ذلك من الأمر والنهي والموعظة.
"ومُتشابه": كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، وما أشبه ذلك.
"وأمثال"؛ يعني: قصص الأمم الماضية، كقوم نوح وصالح وغير ذلك.
"فأحِلُّوا الحلالَ، وحرِّموا الحرامَ، واعملوا بالمُحكَم، وآمنوا بالمُتشابه" من غير اشتغال بكيفيته، "واعتبروا بالأمثال".
* * *
١٤٥ - وعن ابن عبّاس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الأَمْرُ ثلاثةٌ: أمر بَينٌ رُشدُه فاتَّبعْهُ، وأَمرٌ بَينٌ غَيُّهُ فاجتنِبْهُ، وأمرٌ اختُلِفَ فيه فكِلْه إلى الله - ﷿ -.
[ ١ / ١٨٥ ]
"وعن ابن عباس - ﵁ - أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: الأمر ثلاثة: أمرٌ بينٌ رُشدُه"؛ أي: ظاهرٌ صوابُه، كأصول العبادات، مثل وجوب الصلاة والزكاة وغير ذلك.
"فاتبعْه، وأمرٌ بينٌ غيُّه"؛ أي: ظلالته، كموافقة أهل الكتاب في أعيادهم ونحوها.
"فاجتنبْه"؛ أي: احترِزْ عنه.
"وأمرٌ اختُلِفَ فيه"؛ أي: اختَلف فيه الناس من تلقاء أنفسهم، من غير أن يبين الله ورسولُه حكمَه، كتعيين وقت القيامة، وحكم أطفال الكفار.
"فكِلْه"؛ أي: فوِّضْه "إلى الله - ﷿ - "، فلا تقل فيه شيئًا من نفي أو إثبات.
[ ١ / ١٨٦ ]