(باب المساجد ومواضع الصلاة)
وهي أعم من المساجد.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٧٨ - قال ابن عبَّاسٍ: لمَّا دَخَلَ النَّبيّ - ﷺ - البيتَ دَعا في نواحيهِ كُلِّها، ولم يُصَلِّ حتى خرجَ، فلمَّا خرجَ ركعَ ركعَتَيْنِ في قُبُلِ الكَعْبَةِ، وقال: "هذِهِ القِبْلةُ".
"من الصحاح":
" قال ابن عباس: لمَّا دخل النبي - ﷺ - البيت"؛ أي الكعبة عام فتح مكة.
[ ١ / ٤١٦ ]
"دعا في نواحيه كلها"؛ يعني: وقف في كل جانب من جوانب الكعبة من داخلها ودعا.
"ولم يُصلِّ حتى خرج، فلما خرج ركع"؛ أي: صلى "ركعتين في قُبل الكعبة": بضم القاف؛ أي: مُقدَّمها، والمراد: الجهة التي فيها الباب؛ أي: في مستقبل باب الكعبة.
روي: أنه - ﷺ - قدم المدينة مستقبلًا بيت المقدس، وكان يحب أن يُوجَّه إلى الكعبة، فأنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
"وقال هذه"؛ أي: تلك البقعة "القبلة"؛ أي: أمرها قد استقر على الكعبة، لا تنسخُ بعد اليوم، فصلوا إليها أبدًا، فهي قبلتكم.
* * *
٤٧٩ - وقال عبد الله بن عمر: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - دخلَ الكعبةَ هو وأُسامَةُ بن زيدٍ وعُثْمَانُ بن طَلحةَ الحَجَبيُّ وبلالُ بن رَباح، فأغلقَها عليه، ومكثَ فيها، فسألتُ بلالًا حينَ خرجَ: ماذا صنعَ رسولُ الله - ﷺ - قال: جَعَلَ عَمودًا عن يسارِهِ، وعَمودَيْنِ عن يمينِهِ، وثلاثةَ أعمدةٍ وراءَهُ، ثمَّ صلَّى.
"وقال عبد الله بن عمر: إن رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة الحجبي وبلال بن رباح، فأغلقها"؛ أي: الكعبة؛ يعني: بابها.
"عليه"؛ أي: على النبي - ﷺ -، وفي رواية: (عليهم)، وهو ظاهر.
"ومكث فيها، فسألت بلالًا حين خرج: ماذا صنع رسول الله - ﷺ -؟ قال جعل عمودًا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة": جمع عمود.
[ ١ / ٤١٧ ]
"ورائه"، والوراء يطلق على الخلف والقدام، فللكعبة يومئذٍ ستة أعمدة، وأما الآن فهي ثلاثة أعمدة؛ لأنه غيَّرها حجاج بن يوسف.
"ثم صلى" ركعتين، وهذا يدل على جواز الصلاة داخل الكعبة، وبه قال الأكثرون، ويتوجَّه كيف شاء.
* * *
٤٨٠ - وعن أبي هُريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "صَلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ إلَاّ المسجدَ الحرامِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: صلاة في مسجدي هذا"؛ يعني: مسجد المدينة.
"خير من ألف صلاة فيما سواه إلا في المسجد الحرام"؛ فإن صلاةَ فيه أفضل من ألف صلاة في مسجدي.
* * *
٤٨١ - وقال: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَاّ إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجدِ الحرامِ، والمسجدِ الأقصى، ومَسجدِي هذا"، رواه أبو سعيد الخُدْرِيُّ - ﵁ -.
"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تشد الرحال": جمع الرحل، وهو: رحل البعير على قدر سنامه، هذا خبر بمعنى النهي، والمراد نفي الفضيلة التامة؛ يعني: لا فضيلة في شدِّ الرحال إلى مسجد للصلاة فيه.
"إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى"، وصفه بالأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام.
[ ١ / ٤١٨ ]
"ومسجدي هذا"؛ يريد: مسجد المدينة، ومزية هذه المساجد؛ لكونها أبنية الأنبياء ومساجدهم، ولهذا قالوا: لو نذر أن يصلي في أحد هذه الثلاثة تعيَّن بخلاف سائر المساجد؛ فإن من نذر أن يصلي في أحدها له أن يصلي في آخر.
* * *
٤٨٢ - وقال: "ما بينَ بَيتي ومِنبَري رَوضةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي على حَوْضي"، رواه أبو هريرة.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما بين بيتي ومنبري": المراد بالبيت: بيت سكناه، وقيل: قبره؛ لما جاء في حديث آخر: "ما بين قبري ومنبري"، ولا تنافيَ بينهما؛ لأن قبره في بيته.
قيل: أراد بذلك المحراب؛ لأنه بين المنبر وبين بيته؛ لأن باب حجرته كان مفتوحًا إلى المسجد.
"روضة من رياض الجنة"؛ يعني: أن العبادة في ذلك الموضع تؤدِّي إلى روضة من رياضها، كما قال - ﷺ -: "الجنة تحت ظلال السيوف"؛ يريد: أن الجهاد يؤدي إلى الجنة.
قيل: سماه روضة لأن زوَّار قبره وعُمَّار مسجده من الملائكة والإنس والجن مُكِبُّون على الذكر والعبادة، إذا صدرَ عنها فريقٌ ورد آخر.
وقد سمى - ﷺ - حِلَق الذكر رياضًا في قوله - ﷺ -: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا".
"ومنبري على حوضي"؛ أي: على حافته، وقد رُوي: أنه - ﷺ - قال: "ومنبري على ترعة حوضي"، وهذا يدل على أن يكون له - ﷺ - في الآخرة منبر، ويجوز أن يراد به: منبره في الدنيا.
[ ١ / ٤١٩ ]
وفيه تنبيهٌ على استمداده من الحوض الزاخر النبوي.
وقيل: فيه تنبيهٌ على مناسبة بينهما من حيث إن المنبر مورد القلوب الصادية في بيداء (١) الجهالة، كما أن الحوض مورد الأكباد الظامئة من حرِّ يوم القيامة، وأن كلًا منهما متعلق بالآخر، لا مطمعَ لأحد في الآخر دون الاتعاظ بالأول، فمن شهد المنبر مستمعًا اليوم يشهد الحوض غدًا.
* * *
٤٨٣ - عن ابن عُمر قال: كَانَ رسولُ الله - ﷺ - يأْتي مسجدَ قُباءٍ كُلَّ سَبْتٍ ماشِيًا وراكبًا، فيُصلِّي فيهِ ركعَتْينِ.
"وعن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يأتي مسجد قُباء" بضم القاف ممدودًا: قرية على ثلاثة أميال من المدينة، قيل: أصحاب الصفة كانوا في ذلك المسجد، فيأتيه - ﷺ -.
"كلَّ سبت ماشيًا وراكبًا، فيصلي فيه ركعتين"، وهذا يدل على أن التقرب بالمساجد ومواضع الصلحاء مستحب، وأن الزيارة يوم السبت سنة.
* * *
٤٨٤ - وقال: "أحبُّ البلادِ إلى الله مسَاجِدُها، وأبغضُ البلادِ إلى الله تعالى أسواقُها"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: أحب البلاد": جمع بلد، والمراد منه: مأوى الإنسان.
"إلى الله مساجدها"؛ لأن المسجد موضع الصلاة والذكر.
_________________
(١) في "ت": "ميدان".
[ ١ / ٤٢٠ ]
"وأبغض البلاد إلى الله أسواقها"؛ لأن السوق موضع الغفلة عن الله والحرص والطمع والخيانة، والمراد بحب الله المسجد: إرادة الخير لأهله، وببغضه السوق: خلافها لأهله.
* * *
٤٨٥ - وقال: "مَنْ بنى لله مسجدًا بنى الله لهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ"، رواه عثمان - ﵁ -.
"وعن عثمان - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: من بنى لله مسجدًا"؛ أي: مَعْبَدًا، فيتناول معبدَ الكفرة فيكون لله؛ لإخراج ما بنى معبدًا لغير الله.
"بنى الله له بيتًا في الجنة".
* * *
٤٨٦ - وقال: "مَنْ غَدا إلى المسجدِ أو رَاحَ، أعدَّ الله لهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّما غَدا أو راحَ".
"وعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: من غدا إلى المسجد"؛ أي: ذهب إليه في الغفلة.
"وراح"؛ أي: ذهب إليه بعد الزوال.
"أعد الله"؛ أي: هيَّأ له "نزله" بضم الزاي وسكونها: ما يهيأ للضيف.
"من الجنة، كلما غدا أو راح": ظرف، وجوابه ما دلَّ عليه ما قبله، وهو العامل فيه، المعنى: كلما استمر غدوه أو رواحه يستمر إعداد نزله في الجنة.
[ ١ / ٤٢١ ]
٤٨٧ - وقال: "أعظمُ النَّاسِ أجْرًا في الصَّلاةِ أبعَدُهُمْ فأبعَدُهُمْ مَمْشًى، والذي يَنتظِرُ الصَّلاةَ حتَّى يُصَلِّيها مع الإمام أعظمُ أجرًا مِنَ الذي يُصَلِّي ثمَّ ينامُ"، رواه أبو موسى - ﵁ -.
"وعن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم مَمشى": مصدر ميمي أو اسم مكان؛ يعني: من كان بيته إلى المسجد أبعد مسافة، فأجره أكثر؛ لأن الأجر بقدر التعب.
"والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي"؛ أي: منفردًا، "ثم ينام"، ولا ينتظر الإمام.
* * *
٤٨٨ - وقال جابر: أرادَ بنو سَلِمَةَ أَنْ يَنتقِلُوا إلى قُرْب المسجدِ، فقال النَّبيّ - ﷺ -: "يا بني سَلِمَةَ! دِيارَكُمْ، تُكْتَبْ آثارُكُمْ، دِيارَكُمْ، تُكْتَبْ آثارُكم".
"وقال جابر: أراد بنو سَلِمة" بكسر اللام: قبيلة من الأنصار.
"أن ينتقلوا إلى قرب المسجد": وكان ديارهم على بعد من المسجد، وكان يلحقهم مشقة من المشي في سواد الليل إلى المسجد؛ خصوصًا عند وقوع المطر، فكره النبي - ﷺ - انتقالهم إلى قرب المسجد؛ لئلا تعرى جوانب المدينة، فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخطأ.
"فقال النبي - ﷺ -: يا بني سلمة! ديارَكم" بالنصب على الإغراء؛ أي: الزموا دياركم، ولا تنقلوا عنها.
"تكتب" بالجزم جواب الأمر المقدر؛ أي: حتى تكتب.
"آثاركم": أجر خطاكم؛ فإن لكل خطوة درجة، فما كان الخطأ أكثر يكون الأجر أيضًا أكثر، وبالرفع حال أو استئناف.
[ ١ / ٤٢٢ ]
"وتكتب آثاركم": كرره للتأكيد.
* * *
٤٨٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "سبعة يُظلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلاّ ظِلَّهُ: إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشأَ في عِبادَةِ الله تعالى، ورجُلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمَسجدِ إذا خَرَجَ مِنْهُ حتَّى يَعودَ إليه، ورجُلَانِ تحابَّا في الله اجتَمَعَا عليهِ، وتَفرَّقا عليه، ورجُلٌ ذكرَ الله خالِيًا ففاضَتْ عَيْنَاهُ، ورجُلٌ دَعَتْهُ امرأَةٌ ذاتُ حَسَبٍ وجَمالٍ فقال: إنِّي أَخافُ الله، ورجُلٌ تَصَدَّقَ بصدَقَةٍ فأَخْفاهَا حتَّى لا تعلمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: سبعة يظلهم الله في ظله"؛ أي: يدخلهم في رحمته ورعايته.
"يوم لا ظلَّ إلا ظله"؛ أي: لا قدرة ولا رحمة في يوم القيامة إلا لله، وقيل: المراد ظل العرش.
"إمام عادل": المراد هنا: من يلي أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم.
"وشاب نشأ"؛ أي: نما "في عبادة الله"؛ أي: يكون في العبادة من أول بلوغه من التمييز إلى أن كبر.
"ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله"؛ أي: جرى المحبة بينهما لله، لا لغرض دنيوي.
"إن اجتمعا اجتمعا عليه"؛ أي: على التحابِّ في الله.
"وإن تفرقا"، تفرقا "عليه"؛ أي: على ذلك التحابِّ؛ أي: يكون تحابهما في الله غيبةً وحضورًا.
[ ١ / ٤٢٣ ]
"ورجل ذكر الله خاليًا"؛ أي: خاف الله في خلوته من ذنوبه السالفة وتقصيره السابق.
"ففاضت عيناه"؛ أي: جرت دموعه من عينيه خوفًا من عذاب الله؛ لتقصيره في الطاعات، وانهماكه في الشهوات.
"ورجل دعته امرأة" إلى الزنا بها.
"ذات حسب": وهو ما يعده الإنسان [من] مفاخر آبائه، وقيل: الخصال الحميدة له ولآبائه.
"وجمال"؛ أي: لها جمال كامل، والمرأة إذا كانت شريفة ذات خصال حميدة تكون النفس أميل إليها ممن لم تكن بهذه الصفة.
"فقال: إني أخاف الله"، وهذا القول أعم من أن يكون بلسانه أو في قلبه.
"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها": هذا محمولٌ على التطوع؛ لأن الزكاة إعلانها أفضل.
"حتى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينه"، وهذا تأكيد ومبالغة في كتم الصدقة وإخفائها؛ فإن نسبة العلم إلى الشمال استعارة، أو معناه: لا يعلم من شماله ما تنفق يمينه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
* * *
٤٩٠ - وقال: "صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تُضَعَّفُ على صلاتِهِ في بيتِهِ وفي سُوقِهِ خَمْسًا وعشرينَ ضعفًا، وذلكَ أنَّهُ إذا تَوَضَّأَ فأحسَنَ الوُضوءَ، ثمَّ خرجَ إلى المسجد لا يُخرجُهُ إلاّ الصَّلاةُ، لم يَخْطُ خُطوةً إلَاّ رُفِعَتْ له بها درجةٌ، وحُطَّ عنهُ بها خَطيئةٌ، فإذا صَلَّى لمْ تَزَلِ الملائكةُ تُصَلِّي عليهِ ما دامَ في
[ ١ / ٤٢٤ ]
مُصَلَاّهُ: اللهم! صلِّ عليه، اللهم! ارحمْهُ".
وقال: "لا يزالُ أحدُكُمْ في صَلاةٍ ما دامَ ينتظِرها، ولا تزالُ الملائكَةُ تُصلِّي على أحدِكُمْ ما دامَ في المسجدِ تقول: اللهمَّ! اغفِرْ لهُ، اللهمَّ! ارحَمْهُ ما لم يُحدِثْ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: صلاة الرجل في الجماعة تضعف"؛ أي: تزداد الأجر.
"على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا"؛ أي: مثلًا، والمراد: الكثرة لا الحصر.
"وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه"؛ أي: من بيته إلى المسجد، "إلا الصلاة"، لا شغلَ آخر، جملة حالية.
"لم يخط خطوةً إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه"؛ أي: تدعو له وتستغفر له.
"ما دام في مصلاه"؛ أي: في الموضع الذي صلى فيه.
"ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة"؛ أي: مادام ينتظرها.
"وعنه، عن النبي - ﷺ - أنه قال: لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي عليه ما دام في المسجد، تقول"؛ أي: الملائكة: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث" بالتخفيف من (الحدث)؛ أي: ما لم يبطل وضوءه؛ لما روي أن أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له رجل من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط، ومن شدَّد الدال فقد غلط.
[ ١ / ٤٢٥ ]
٤٩١ - وقال: "إذا دَخَلَ أحدُكُمُ المسجدَ فليَقُلْ: اللهمَّ! افتَحْ لي أبوابَ رَحمَتِكَ، وإذا خرجَ فليَقُل: اللهمَّ! إني أسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
"وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك": لعل السر في تخصيص ذكر الرحمة بالدخول والفضل بالخروج: أن من دخل اشتغل بما يؤلفه إلى الله تعالى وإلى ثوابه وجنته، فناسب أن يذكر الرحمة، فإذا انتشر في الأرض اشتغل بابتغاء الرزق، فناسب أن يذكر الفضل، كما قال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
* * *
٤٩٢ - وقال: "إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قبلَ أنْ يَجْلِسَ".
"وعن أبي قتادة السلمي أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع"؛ أي: فليصل "ركعتين"؛ يعني: تحية المسجد "قبل أن يجلس".
* * *
٤٩٣ - وقال كعب بن مالك - ﵁ -: كانَ رسولُ الله - ﷺ - لا يَقْدُمُ مِنْ سفَرٍ إلَاّ نهارًا في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بدأَ بالمسجدِ، فصلَّى فيهِ ركعَتَيْنِ، ثمَّ جلسَ فيه.
"وقال كعب بن مالك: كان رسول الله - ﷺ - لا يقدم من سفر إلا نهارًا في الضُّحى": وهو وقت تشرق الشمس، فالسنة إذا رجع من السفر أن يدخل في أول نهاره.
[ ١ / ٤٢٦ ]
"فإذا قدم بدأ بالمسجد"؛ أي: بدخوله.
"فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه" لحظة؛ ليزوره المسلمون ويزورهم، ثم يدخل بيته.
* * *
٤٩٤ - وقال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ سَمعَ رجُلًا ينشُدُ ضالَّةً في المسجدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها الله عليكَ، فإنَّ المساجِدَ لمْ تُبن لهذا".
"عن أبي هريرة - ﷺ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من سمع رجلًا ينشد ضالة"؛ أي: يطلبها برفع الصوت.
"في المسجد فليقل: لا ردها الله تعالى عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا"؛ أي: لنشدان الضالة، بل لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والوعظ، يعرف منه كراهة كلِّ أمر لم يُبن المسجد لأجله، حتى كره مالك البحث العلمي فيه، وجوَّزه أبو حنيفة وغيره؛ لأنه مما يحتاج إليه الناس؛ لأن المسجد مجمعهم.
* * *
٤٩٥ - وقال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجرةِ المُنْتَنِةَ فلا يَقْرَبن مَسجدَنَا، فإنَّ الملائكَةَ تتأذَّى ممَّا يَتَأَذَّى منهُ الإِنسُ".
"وعن جابر - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من أكل من هذه الشجرة المنتنة": كالثوم والبصل والكراث.
"فلا يقربن مسجدنا": قيل: النهي يتعلق بكل المساجد، فالإضافة للملابسة، أو التقدير: مسجد أهل ملتنا؛ لأن العلةَ وهي "فإن الملائكة": أريد بهم: الحاضرون مواضع العبادات "تتأذى مما يتأذى منه الإنس" = عامةٌ؛ أي:
[ ١ / ٤٢٧ ]
توجد في سائر المساجد، فيعم الحكم، ويدل هذا التعليل على أنه لا يدخل المسجد وإن كان خاليًا عن الإنسان؛ لأنه محل الملائكة.
* * *
٤٩٦ - وقال: "البُزاقُ في المَسجدِ خَطيئةٌ، وكفَّارتُها دَفْنُها".
"وعن أنسٍ أن النبي - ﵊ - قال: البزاق في المسجد خطيئة"؛ أي: إلقاء البزاق في أرض المسجد وجدرانه إثمٌ.
"وكفارتها دفنها"؛ يعني: إذا أزال ذلك البراق أو ستره بشيء طاهرٍ عقيبَ الإلقاء، أزال عنه تلك الخطيئة.
* * *
٤٩٧ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ أَعمالُ أُمَّتِي حَسَنُها وسيئُها، فوجدتُ في مَحاسِنِ أعمالِها الأَذَى يُماطُ عنِ الطَّريقِ، ووجدتُ في مَساوئ أعمالِها النُّخَاعةَ في المسجدِ لا تُدْفَنُ".
"وعن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عرضت علي أعمال أمتي؛ حسنها وسيئها": بالرفع بدل من (أعمال).
"فوجدت في محاسن أعمالها": جمع (حُسن) - بضم الحاء - على غير قياس.
"الأذى"؛ أي: إزالة الأذى، وهو: ما يتأذى به الناس من حجر أو غيره، واللام فيه للعهد الذهني.
"يماط"؛ أي: يبعد.
"عن الطريق": وهذه الجملة صفته.
[ ١ / ٤٢٨ ]
"ووجدت في مساوئ أعمالها": جمع السُّوء على غير قياس أيضًا، والباء فيها مقلوبة عن الهمزة.
"النُّخاعة" - بضم النون: البزقة التي تخرج من أصل الفم، والمراد بها: إلقاءُها.
"تكون في المسجد لا تدفن"؛ أي: لا تستر، الجملتان صفة (النخاعة)، أو حال؛ يعني: إماطة الأذى عن الطريق من جملة الحسنات وإلقاء البزاق في المسجد من جملة السيئات.
* * *
٤٩٨ - وقال: "إذا قامَ أحدُكُمْ إلى الصَّلاةِ فلا يَبصُقْ أَمامهُ، فإنما يناجي الله ما دام في مُصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملَكًا، وليبصُق عن يَسارِهِ أو تحتَ قدَمِهِ فَيَدْفِنُها"، وفي رواية: "أو تحتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى".
"عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقْ أمامه"؛ أي: لا يرمي البزاق تلقاءَ وجهه نحو القبلة.
"فإنما يناجي الله تعالى"؛ أي: يخاطبه.
"ما دام في مصلاه"، ومن يناجي أحدٌ لا يبصق نحوه، وتخصيص القبلة مع استواء جميع الجهات بالنسبة إليه تعالى؛ لتعظيمها.
"ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا"، وتخصيص يمين المصلي بالملك، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]؛ للإيذان بمزية ملك اليمين على الشمال بالشرف؛ لأنه كاتب الحسنات التي هي علامة الرحمة، فالتنكير للتعظيم؛ أي: ملكًا عظيم الشأن، فكان حقه الإكرام، ولذا قال - عليه
[ ١ / ٤٢٩ ]
الصلاة والسلام -: "كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات".
قيل: هذا النهي عام في المسجد وغيره.
"وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها".
"وفي رواية": أبي سعيد "أو تحت قدمه اليسرى".
* * *
٤٩٩ - وقال: "لَعنةُ الله على اليَهودِ والنَّصارَى، اتَّخَذُوا قُبورَ أَنبيائهم مَساجِدَ".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": وذلك إما لسجودهم لقبور أنبيائهم تعظيمًا لها، وهذا شرك جلي؛ لأن السجود لا يجوز إلا لله، وإما لاعتقادهم أن الصلاة إلى قبورهم أفضل وأعظم موقعًا عند الله؛ لاشتماله عبادةَ الله تعالى وتعظيمَ أنبيائهم، وهذا شرك خفيٌّ من حيث إنه أتى في عبادته بما يرجع إلى تعظيم مخلوق، ولذا قال - ﵊ -: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبَدُ".
* * *
٥٠٠ - وقال - ﷺ -: "ألا فلا تتَّخِذُوا القُبُورَ مساجَدَ، إنِّي أنهاكمْ عَنْ ذلك".
"ألا فلا تتخذوا القبور مساجد": نهى - ﵊ - أمته عن الصلاة في المقابر؛ احترازًا عن المشابهة لليهود والنصارى.
"إني أنهاكم عن ذلك": تأكيد للنهي قبله، أما من صلَّى في مقبرة، وقصدَ به وصول أثرٍ من آثار عبادته إليه، لا التعظيم والتوجُّه نحوه؛ فجائز.
[ ١ / ٤٣٠ ]
٥٠١ - وقال: "اجْعَلُوا في بُيوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، ولا تتَّخِذُوهَا قُبورًا".
"عن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم": مفعول (اجعلوا)؛ أي: اجعلوا بعضَ صلاتكم في بيوتكم.
"ولا تتخذوها قبورًا" بإخلائها عن الصلوات وقراءة القرآن، وهو من باب الاستعارة، أو المراد: لا تجعلوا بيوتكم أوطانًا للنوم الذي هو أخٌ للموت، لا تصلون فيها.
وقيل: إن مثل الذاكر لله ومثل غير الذاكر لله كمثل الحي والميت؛ الساكن في البيوت والساكن في القبور، فالذي لا يصلي في بيته جعله بمنزلة القبر، كما جعل نفسه بمنزلة الميت.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٠٣ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - قال: "ما بينَ المَشرقِ والمَغربِ قِبْلةٌ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما بين المشرق والمغرب قبلة": المراد به: قبلة أهل المدينة؛ لوقوعها بينهما، وهي إلى طرف الغرب أميلُ.
قال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة.
[ ١ / ٤٣١ ]
٥٠٤ - وقال طَلْق بن علي: خرجْنَا وَفْدًا إلى النَّبيِّ - ﷺ - فبايعناهُ، وصَلَّيْنَا معهُ، وأخبَرْنَاهُ أنَّ بأرضنَا بِيْعةٌ لنا، فقال: "إذا أَتيتُمْ أرضَكُمْ فاكسِروا بِيعَتَكُمْ، وانضَحُوا مَكانهَا بهذا الماءِ، واتَّخِذُوهَا مسجدًا".
"وقال طَلْق بن علي: خرجنا وفدًا": نصب على الحال؛ أي: حال كوننا وافدين "إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: قاصدين لتعلم الدين منه.
"فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا": وهي الموضع الذي تعبد فيه النصارى.
"فقال: إذا أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم"؛ أي: غيروا محرابها، وحولوه إلى الكعبة، وقيل: خرِّبوها.
"وانضحوا"؛ أي: رشوا وأريقوا.
"مكانها بهذا الماء": قيل: الإشارة إلى فضل وَضوئه ﵊؛ لما روي: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا بماء فتوضأ منه، فتمضمض، ثم صبَّه في إداوة، وقال: "اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم، فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها بهذا الماء".
"واتخذوها مسجدًا فقلنا: يا نبي الله! إن البلد بعيد، والماء ينشف، فقال: أمدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيبًا".
* * *
٥٠٥ - قالت عائشة ﵂: أمرَ رسولُ الله - ﷺ - ببناءِ المَساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ.
"قالت عائشة: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: أذِن
[ ١ / ٤٣٢ ]
"ببناء المسجد في الدُّور": جمع الدار، والمراد هنا: المحلات؛ فإنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلةٌ دارًا، أو محمولٌ على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهلُ البيت.
"وأن ينظف"؛ أي: يُطهَّر بإزالة التبن والتراب والقاذورات.
"ويطيب"، أي: يُجعَل فيه الطيب.
* * *
٥٠٦ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما أُمِرْتُ بتشييدِ المَساجِدِ"، قال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليهودُ والنَّصارى.
"وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أمرت بتشييد المساجد": (ما) نافية، و(تشييدها): رفع بنائها وتطويلها، وقيل: تجصيصها.
"قال ابن عباس: لتزخرفنها": بفتح اللام توطئة للقسم؛ أي: والله لنزينن المساجد.
"كما زخرفت اليهود والنصارى"؛ أي: مساجدهم عندما حرَّفوا وبدَّلوا أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم من المراءاة والمباهاة بالمساجد بتشييدها وتزيينها.
* * *
٥٠٧ - عن أنس - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّ مِنْ أشراطِ السَّاعةِ أنْ يتَبَاهَى النَّاسُ في المساجِدِ".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إن
[ ١ / ٤٣٣ ]
من أشراط الساعة": جمع شرط، وهو: العلامة؛ أي: من علامات القيامة.
"أن يتباهى الناس"؛ أي: يتفاخر.
"في المساجد"؛ أي: في شأنها، فيقول كل واحد: مسجدي أرفع بناء وأكثر زينة من مسجد فلان.
* * *
٥٠٨ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ أُجُورُ أُمَّتي حتَّى القَذَاةَ يُخرِجُها الرجُلُ مِنَ المسجدِ، وعُرِضَتْ عليَّ ذُنُوبُ أُمَّتي، فلمْ أَر ذنبًا أعظمَ مِنْ سورَةٍ مِنَ القُرآنِ أو آيةٍ أُوتيَها رجلٌ، ثمَّ نسَيَها".
"وقال ﵊: عرضت علي أجور أمتي"؛ أي: أجور أعمال أمتي.
"حتى القَذاة" بفتح القاف: التبن والتراب وغير ذلك مما يُطهَّر منه المسجد.
"يخرجها الرجل من المسجد"؛ يعني: تطهير المسجد حسنة، ويجوز في (القذاة) الرفع والجر.
"وعرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل"؛ أي: تعلمها.
"ثم نسيها"؛ يعني: يكون ذنبه أعظم من سائر الذنوب الصغائر؛ لأن نسيان القرآن من الحفظ ليس بذنب كبير إن لم يكن عن استخفاف وقلة تعظيم، وإنما قال - ﵊ - بهذا للتشديد والتحريض على مراعاة حفظ القرآن.
[ ١ / ٤٣٤ ]
٥٠٩ - وقال: "بَشِّر المشَّائينَ في الظُّلَم إلى المساجِدِ بالنُّور التَّامِّ يومَ القِيامَةِ".
"وعن بريدة الأسلمي أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بشِّر المشائين": جمع المشَّاء، وهو: كثير المشي.
"في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة": قيل: لو مشى في الظلام بضوء وأرأد به دفع آفات الظلام، فالجزاءُ بحاله، وإلا فلا.
* * *
٥١٠ - وقال: "إذا رأَيتُم الرجل يتعاهد المَسجدَ فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ".
"وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد"؛ أي: يخدمه ويعمره.
وقيل: المراد التردد إليه في أوقات الصلاة وإقامة جماعته، وهذا هو التعهد الحقيقي؛ إذ ذلك عمارته صورة ومعنى.
"فاشهدوا له بالإيمان"؛ أي: بأنه مؤمن.
"فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: قال صاحب "الكشاف": عمارتها: كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر، وصيانتها عما لم تُبن له المساجد من أحاديث الدنيا فضلًا عن فضول الحديث.
* * *
٥١١ - قال عُثمان بن مَظْعُون - ﵁ -: قلت: يا رسولَ الله! ائذَنْ لنا في الاخْتِصَاءِ، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "ليسَ مِنَّا مَنْ خَصَى، ولا مَنِ اخْتَصى، إنَّ
[ ١ / ٤٣٥ ]
خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ"، فقال: ائذَنْ لنا في السِّياحَةِ، فقال: "إنَّ سياحَةَ أُمَّتِي الجهادُ في سَبيلِ الله"، فقال: ائذَنْ لنا في التَّرَهُّبِ، فقالَ: "إنَّ تَرَهَّبَ أُمَّتِي الجُلُوسُ في المَساجِدِ انتِظارَ الصَّلاةِ".
"وقال عثمان بن مظعون": حين أرسله جماعة من أهل الصُّفة؛ ليستأذن لهم في الاختصاء؛ لأنهم يشتهون النساء، ولا طَول لهم بذلك: "يا رسول الله! ائذن لنا في الاختصاء، فقال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ نهيًا عن ذلك: "ليس منا"؛ أي: ممن يتمسك بسنتنا ويقتدي بهدينا.
"من خصى"؛ أي: أخرج خصية أحد.
"ولا اختصى": بحذف (من)؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: أخرج وسلَّ خصية نفسه.
"إن خِصاءَ أمتي الصيام"؛ فإنه يكسر الشهوة، وجعل الصيام خصاءً مجاز؛ لأنه يكاد يلحق الصوام بالخصيان في اشتهاء النكاح.
"فقال"؛ أي: عثمان: "ائذن لنا في السياحة": وهو التردد والسفر في البلاد والذهاب في الأراضي، كفعل عُبَّاد بني إسرائيل.
"فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، فقال: ائذن لنا في الترهُّب": وهو التزهد والتعبد، والمراد به هنا: العزلة عن الناس، والفرار من بينهم إلى رؤوس الجبال والمواضع الخالية، كما فعلت زهاد النصارى، حتى إن منهم من خصى نفسه، ووضع السلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب، فنهى - ﵊ - المسلمين عنها.
"قال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظار الصلاة": نصب بأنه مفعول له للجلوس؛ أي: لانتظار الصلاة.
[ ١ / ٤٣٦ ]
٥١٢ - عن عبد الرحمن بن عائش - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "رأَيتُ رَبي ﵎ في أَحْسَنِ صُورَةٍ، فقال: فيمَ يَخْتَصِمُ المَلأَ الأَعْلَى يا مُحَمَّد؟ قلتُ: أنتَ أَعْلَمُ أَي رَبِّ - مَرَّتَيْنِ - قال: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ ما في السَّماءِ والأَرْضِ، ثُمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، ثم قال: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأَ الأَعْلَى يا مُحَمَّد؛ قلتُ: في الكَفَّاراتِ، قالَ: وما هُنَّ؟ قُلْتُ: المَشْيُ على الأقْدَامِ إلى الجماعَاتِ، والجُلُوسُ في المَساجِدِ خَلْفَ الصَّلواتِ، وإبلاغُ الوُضوءِ أماكِنَهُ في المَكَارِهِ، مَنْ يَفْعَلْ ذلكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ وَيَمُتْ بِخَيْرٍ، ويكونَ مِنَ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، ومِنَ الدَّرَجَاتِ إطْعَامُ الطَّعامِ، وبَذْلِ السَّلامِ، وأنْ يَقُومَ بالليلِ والنَّاسُ نِيامٌ، قال: قُلِ: اللهمَّ! إنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيبَاتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المساكين، وأَنْ تَغْفِرَ لي خَطِيئتِي وتَرْحَمَني وتَتُوبَ عَلَيَّ، وإذا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ فَتَوَفَّني غَيْرَ مَفْتُونٍ".
"وعن عبد الرحمن بن عائش أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رأيت ربي ﵎ في أحسنِ صورة": حال من النبي ﵊؛ أي: رأيته وأنا في تلك الحالة في أحسن صورة وصفة من غاية لطفه تعالى بي وإنعامه علي.
ويحتمل أن يكون حالًا من المرئي؛ فالسلفُ على الإيمانِ بظاهر مثله، وتفويضِ أمر باطنه إليه تعالى.
ثم هذا الحديث مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن عائش يرويه عن مالك بن عامر، عن معاذ بن جبل: قال معاذ - ﵁ -: لم يخرج علينا رسول الله - ﷺ - يومًا لصلاة الغداة حتى كادت الشمس تطلع، فخرج، فصلى بنا صلاة الغداة على العجلة، ثم قال: "قمت الليلة، وصليت ما قدر الله لي أن أصلي، ثم غلبني
[ ١ / ٤٣٧ ]
النعاس، فوضعت جنبي في المسجد، فرأيت ربي في المنام في أحسن صورة".
"فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ ": المراد بهم: الملائكة المقربون، وصفوا به لعلوِّ مكانهم، وهو السماوات، أو لعلو منزلتهم عند الله.
واختصامهم: عبارة عن تبادرهم إلى تثبيت تلك الأعمال المكفرة للذنوب والصعود بها إلى السماء، أو عن تقاولهم فيما بينهم في فضل تلك الأعمال وشرفها.
"قلت: أنت أعلم أي رب": وإنما نادى بـ (أي) دون (يا) أدبًا؛ لأن (يا) ينادى به البعيد، والله تعالى أقرب من حبل الوريد.
وأما ما روي من النداء بـ (يا) في الدعوات، فلهضم النفس واستبعادها عن مظانِّ الإجابة، وهو اللائق بحال الدعاء.
"مرتين": متعلق بقوله: (فيم يختصم)؛ أي: جرى السؤال من ربي مرتين، والجواب مني مرتين.
"قال: فوضع كفه بين كتفي": وهذا مجاز عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه وتكريمه؛ فإن من شأن الملوك إذا أراد أحدهم أن يقرب من نفسه بعضَ خدمه، ويذكر معه بعض أحوال مملكته: أن يضع يده على ظهره؛ تعظيمًا لشأنه وتكريمًا له.
"فوجدت بردها"؛ أي: برد الكفِّ؛ يعني: راحة لطفه تعالى.
"بين ثديي": أراد به: قلبه، وذلك عبارة عن نزول الرحمة على فؤاده، وانصباب العلوم الوجدانية إلى صدره.
"فعلمت ما في السماوات والأرض": كناية عن سعة علمه الذي فتحه الله تعالى.
"ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ "؛ أي: كما نريك يا محمد أحكام الدين
[ ١ / ٤٣٨ ]
وعجائب ما في السماوات والأرض.
﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾: مضارع في اللفظ، ومعناه الماضي؛ أي: أرينا إبراهيم.
﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: الربوبية والإلهية، ووفقناه بمعرفتها وأرشدناه بما شرحنا صدره.
﴿وَلِيَكُونَ﴾: عطف على مقدر؛ أي: نريه الملك العظيم، وهو عالم المعقولات؛ ليستدلَّ به علينا، وليكون ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: في أن لا إله غيري.
"ثم قال تعالى" سائلًا مرة أخرى: "فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات"؛ أي: الأشياء التي تكفر الذنوب؛ أي: تمحها، وفي رواية ابن عباس: (في الدرجات والكفارات).
"قال: وما هن؟ ": استفهام عن تلك الكفارات، والغرضُ منه إظهار علمه التفصيلي الذي علَّمه تعالى إياه، وأن يخبرها أمته؛ ليفعلوها.
"قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات، وإبلاغ الوَضوء": بفتح الواو؛ أي: إيصال ماء الوضوء بطريق المبالغة.
"أماكنه"؛ يعني: مواضع الفروض والسنن.
"في المكاره"؛ أي: في شدة البرد، وإنما خصَّ هذه الأشياء بالذكر حثًا على فعلها؛ لأنها دائمة، فكانت مظنة أن تُملَّ.
"ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه": (يوم) مبني على الفتح؛ لإضافته إلى الماضي؛ يعني: يخرج من ذنوبه الصغائر طاهرًا، أما الكبائر ففي مشيئة الله تعالى.
"ومن الدرجات"؛ أي: ومما يرفعها، أو يوصل إليها، فـ (من) هذه للتبعيض.
[ ١ / ٤٣٩ ]
"إطعام الطعام، وبذل السلام"؛ أي: إفشاؤه على من عرف ومن لم يعرف.
"وأن تقوم بالليل والناسُ نيام"، وإنما عُدَّت هذه الأشياء منها؛ لأنها فضل منه على ما وجب عليه، فلا جرمَ استحقَّ بها فضلًا، وهو علوُّ الدرجات.
قال الله تعالى لمحمد - ﷺ -: "قل: اللهم إني أسألك الطيبات"؛ أي: الأقوال والأفعال الصالحة.
"وفعل الخيرات، ترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني وتتوب علي، وإذا أردت فتنة"؛ أي: ضلالةً.
"في قوم، فتوفني إليك": فقدِّرْ موتي "غير مفتون"؛ أي: غير ضالٍّ.
* * *
٥١٣ - عن أبي أُمامة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: "ثلاثةٌ كُلُّهُمْ ضامِنٌ على الله: رَجُلٌ خرجَ غازِيًا في سبيل الله، فهو ضامِنٌ على الله حتَّى يَتوفَّاهُ فيُدْخِلَهُ الجنَّةَ أو يَرُدَّهُ بما نالَ مِنْ أَجرٍ أو غنيمةٍ، ورجُلٌ راحَ إلى المسجدِ فهو ضامِنٌ على الله، ورجُلٌ دخلَ بيتَهُ بسلامٍ فهو ضامِنٌ على الله".
"عن أبي أمامة: عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ثلاثة كلهم"؛ أي: كلُّ واحد منهم.
"ضامن"؛ أي: ذو ضمان، وقيل: بمعنى: مضمون.
"على الله"؛ يعني: وعد الله وعدًا لا خُلفَ فيه أن يعطيهم مرادهم.
"رجل خرج غازيًا في سبيل الله، فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه"؛ أي: يقبض روحه؛ إما بالموت، أو بالقتل في سبيل الله.
"فيدخله الجنة، أو يرده بما نال"؛ أي: بما وجده "من أجر أو غنيمة،
[ ١ / ٤٤٠ ]
ورجل راح"؛ أي: مشى "إلى المسجد، فهو ضامن على الله": أن يعطيه الأجر؛ لئلا يضيعَ سعيه.
"ورجل دخل بيته بسلام"؛ أي: مسلِّمًا على أهله.
"فهو ضامن على الله": أن يعطيه البركة والثواب الكثير؛ لما رُوي أنه - ﵊ - قال لأنس: "إذا دخلت على أهلك فسلِّم، يكون بركةً عليك وعلى أهل بيتك".
وقيل: معناه سالمًا من الفتن؛ أي: طلبًا للسلامة منها؛ فإنه يأمن، كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾؛ أي: سالمين من العذاب.
وإنما لم يذكر المضمون به في الأُخريين اكتفاءً.
* * *
٥١٤ - وقال: "مَنْ خرجَ مِنْ بيتِهِ مُتطهرًا إلى صَلاةٍ مكتوبةٍ فأجرُهُ كأجرِ الحاجِّ المُحرِمِ، ومَنْ خرجَ إلى تَسبيحِ الضُّحى لا يُنصِبُهُ إلَاّ إيَّاهُ فأجرُهُ كأجرِ المُعْتَمِرِ، وصلاةٌ على إثر صلاةٍ لا لَغْوَ بينَهُما كِتابٌ في عِلِّيِّين".
"عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة"؛ أي: مفروضة.
"فأجره كأجر الحاج المحرم" في استكمال المثوبات، واستيفاء الأجر من جهة التضعيف، لا بيان المماثلة من سائر الوجوه.
وخُصَّ بأجر الحاج المحرم؛ لأن الإحرامَ شرطُ الحج كالطهارة للصلاة، فكما أن الحاج إذا كان في حالة الإحرام كان عمله أتم وأفضل، كذلك الخارج إلى الصلاة متطهرًا، يكون ثوابه أوفر، وسعيه أفضل.
"ومن خرج إلى تسبيح الضحى"؛ أي: إلى صلاة الضحى، وكلُّ صلاة
[ ١ / ٤٤١ ]
نافلة فهي تسبيحٌ وسُبحة، كأنها شُبهت بالأذكار في كونها غير واجبة.
"لا ينصبه": من (الإنصاب): الإتعاب.
"إلا إياه": ضمير منفصل منصوب وقع موقع المنفصل المرفوع؛ لأنه استثناء مفرغ؛ يعني: لا يعتبه إلا الخروج إلى تسبيح الضحى.
"فأجره كأجر المعتمر": إشارة إلى أن فضلَ ما بين المكتوبة والنافلة، والخروج إلى كل واحد منهما، كفضل ما بين الحج والعمرة، والخروج إلى كل واحد منهما.
"وصلاة على إِثْر صلاة" بكسر الهمزة ثم السكون، أو بفتحتين؛ أي: عقيبها.
"لا لغو بينهما كتاب"؛ أي: عمل مكتوب في عليين، أو مرفوع فيه، أو سببٌ لكتب اسم عامله.
"في عليين": وهو موضع تكتب فيه أعمال الصالحين، وقيل: هو علم لديوان الخير الذي دُوِّنَ فيه أعمال الأبرار.
* * *
٥١٥ - وقال: "إذا مَرَرْتُمْ برياضِ الجنَّةِ فارتَعوا"، قيلَ: يا رسولَ الله! وما رياضُ الجنَّة؟ قال: "المساجِدُ"، قيل: وما الرَّتْعُ يا رسولَ الله؟ قال: "سُبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَاّ الله والله أكبر".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا مررتم برياض الجنة فارتَعوا"؛ أي: انعموا والهوا.
"قيل: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قيل: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"؛ فإن هذه
[ ١ / ٤٤٢ ]
الكلمات لما كانت سببًا للرتع سُمِّيت به.
* * *
٥١٦ - وقال: "مَنْ أتى المسجدَ لشيءٍ فهو حظُّه".
"وعنه عن النبي - ﵊ - قال: من أتى المسجد لشيء فهو حظه"؛ يعني: من أتى المسجد لعبادة، حصل له الثواب، ومن أتاه لشُغل دنيوي، لا يحصل له إلا ذلك الشُّغل.
* * *
٥١٧ - عن فاطمة الكبرى ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا دخلَ المسجدَ صَلَّى على مُحمَّدٍ وسَلَّمَ ﵇، وقال: "رَبِّ اغفِرْ لي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ رحمتِكَ"، وإذا خرجَ صلَّى على مُحمَّدٍ وسَلَّمَ، وقال: "رَبِّ اغفِرْ لي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ فضلِكَ"، ليس بمتصل.
"وعن فاطمة الكبرى ﵂": وهي بنت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وُصِفت بالكبرى؛ لكبر شأنها وفضلها.
"أنها قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دخل المسجد صلَّى على محمد وسلم"؛ يعني قال: اللهم صلى على محمد وسلم.
"وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلَّى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك".
"ليس بمتصل"؛ أي: هذا الحديث ليس بمسند؛ لأن فاطمة الصغرى بنت حسين بن علي تروي هذا الحديث عن جدتها، وهي لم تُدركها.
[ ١ / ٤٤٣ ]
٥١٨ - وعن عَمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسول الله - ﷺ -: أنَّهُ نهى عن تَناشُدِ الأشعارِ في المسجدِ، وعن البيعِ والاشتِراءَ فيه، وأنْ يَتحلَّقَ النَّاسُ يومَ الجمعةِ قبلَ الصَّلاةِ في المسجدِ".
"وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد": التناشد: أن ينشد كل من المتناشدين شعرًا لنفسه أو لغيره، والنهي عن ذلك خاصٌّ بغير الشعر الحسن؛ لأن حسَّان أنشده بحضرة النبي - ﵊ - في المسجد مستحسنًا لما أنشده.
"وعن البيع والاشتراء فيه"؛ أي: في المسجد.
"وأن يتحلق الناس"؛ أي: أن يجلسوا على هيئة الحلقة.
"يوم الجمعة قبل الصلاة في المسجد"، وإنما نهاهم عن ذلك؛ لأنهم إذا تحلقوا فالغالب عليهم التكلم ورفع الصوت، فلا يستمعون الخطبة.
* * *
٥١٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "إذا رأَيْتُمْ من يبيعُ أو يَبتاعُ في المسجدِ فقولوا: لا أربَحَ الله تجارتَكَ، وإذا رأيتُمْ مَنْ ينشُدُ فيهِ ضالَّة فقولوا: لا ردَّ الله علَيْكَ".
"وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع"؛ أي: يشتري "في المسجد فقولوا: لا أربحَ الله تعالى تجارتك"؛ أي: لا يزيد المال في تجارتك عن أصل مالك.
"وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا ردَّها الله تعالى عليك": دعاء
[ ١ / ٤٤٤ ]
عليه؛ زجرًا له عن ترك تعظيم المسجد.
* * *
٥٢٠ - وعن جابر - ﵁ - قال: نهى رسولُ الله - ﷺ - أنْ يُسْتَقادَ في المسجدِ، وأنْ يُنْشَدَ فيهِ الأشعارُ، وأنْ تُقامَ فيه الحُدودُ.
"وعن جابر - ﵁ - أنه قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يُستقاد"؛ أي: يُقتصَّ.
"في المسجد"؛ لئلا يقطر الدم فيه.
"وأن ينشد"؛ أي: يقرأ "فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود"؛ لئلا يتلوث المسجد.
* * *
٥٢١ - عن مُعاوية بن قُرَّة، عن أبيه - ﵄ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - نَهى عنْ هاتَيْنِ الشَّجرتَيْنِ - يعني البصلَ والثُّومَ - وقال: "مَنْ أكلهُما فلا يَقْرَبن مَسجدَنا"، وقال: "إنْ كنتُمْ لا بُدَّ آكليهِما فأَمِيتُوهُما طَبْخًا".
"وعن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن هاتين الشجرتين - يعني: البصل والثوم - وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا"؛ أي: مسجد أهل مِلَّتنا.
"وقال: إن كنتم لابد آكليهما، فأميتوهما طبخًا"؛ أي: أنضجوهما حتى تذهبَ رائحتهما الكريهة بالطبخ.
* * *
٥٢٢ - وقال: "الأرضُ كُلُّها مسجدٌ إلَاّ المقبرةَ والحمَّامَ"، رواه أبو سعيد الخُدريُّ.
[ ١ / ٤٤٥ ]
"وعن أبي سعيد - ﵁ -، عن النبي - ﵊ - أنه قال: الأرض كلها مسجد"؛ يعني: تجوز الصلاةُ في جميع الأرض من غير كراهة.
"إلا المقبرة والحمام"؛ فإنها تكره فيهما.
* * *
٥٢٣ - عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - نهَى أنْ يُصلَّى في سبعةِ مَواطِنَ: في المَزبلةِ، والمَجزرَةِ، والمَقبَرةِ، وقارِعَةِ الطريقِ، وفي الحمَّامِ، وفي مَعاطِنِ الإِبلِ، وفوقَ ظهرِ بيتِ الله تعالى.
"وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى أن يُصلَّى في سبعة مواطنَ": جمع الموطن، وهو: الموضع.
"في المزبلة": وهو الموضع الذي يكون فيه الزبل، وهو السرجين.
"والمجزرة": وهو الموضع الذي تُجزَر فيه الإبل؛ أي: تذبح؛ لأن هذا المواضع محل النجاسة، فإن صلى فيهما بغير سجادة بطلت، ومع السجادة تكره؛ للرائحة الكريهة.
"والمقبرة"؛ لأنه تشبُّه باليهود.
"وقارعة الطريق": أراد به الطريق الذي يقرعه الناس والدواب بأرجلهم.
"وفي الحمام"؛ لأنه محل النجاسة.
"وفي معاطن الإبل": جمع معطِن بكسر الطاء، وهو الموضع الذي تبرك فيه الإبل عند الرجوع عن الماء، ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه بالليل أيضًا.
وهذا ظاهر؛ لأن الرجلَ لا يأمن من ضرر الإبل هناك؛ لأنها شديدةُ النِّفارِ قويةُ الشرادِ، فيها أخلاق خبيثة وخصال شيطانية، إذا نَدَّت لا يقاومها شيء،
[ ١ / ٤٤٦ ]
فربما تقطع الصلاة وتشوش قلبه، فتمنعه عن الحضور.
"وفوق ظهر بيت الله": فالصلاة فوق ظهره لا تصحُّ عند الشافعي إن لم يكن بين يديه سترة يستقبلها، وعند أبي حنيفة: تصح.
وإنما ذكر الظهر مع الفوق؛ إذ لا تكره الصلاة على موضع هو فوق البيت كجبل أبي قُبيس، وذكر (فوق)؛ لأن الحيطان كلها ظهر البيت.
* * *
٥٢٤ - وقال: "صَلُّوا في مَرابضَ الغنمِ، ولا تُصَلُّوا في أَعطانِ الإِبلِ".
"وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلوا في مرابض الغنم": جمع المربض بكسر الباء، وهو الموضع الذي تكون فيه الغنم بالليل.
"ولا تصلوا في أعطان الإبل": جمع عطن، وهو مثل المعطن.
قيل: في الفرق بين المرابض الغنم ومعاطن الإبل: إن أصحاب الإبل كانوا يتغوطون ويبولون في المعاطن، فنُهي عن الصلاة فيها لذلك، فلو صلى والمكان طاهر يصح عند الأكثر، وأصحاب الغنم كانوا ينظفون المرابض، فأبيحت فيها لذلك، وإليه ذهب أبو حنيفة.
* * *
٥٢٥ - وعن ابن عباس قال: لعنَ رسولُ الله - ﷺ - زائراتِ القُبورِ، والمتَّخِذينَ عليها المساجِدَ والسُّرُجَ.
"وعن ابن عباس - ﵄ - قال: لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زائرات القبور": إنما نهى - ﵊ - النساء من زيارة القبور؛ لقلة
[ ١ / ٤٤٧ ]
صبرهن، وكثرة جزعهن.
ذهب بعض العلماء إلى أن هذا قبل ترخيص النبي - ﵊ - في زيارة القبور، فلمَّا رخَّص دخل في الرخصة الرجال والنساء.
وفي بعض النسخ: (زوارات القبور): جمع: زوَّاة، وهي للمبالغة، يدل على أن من زار منهنَّ على النُّدرة فهي غير داخلة في الملعونات.
"والمتخذين عليها المساجد": إنما حرم اتخاذ المساجد عليها؛ لأن في الصلاة فيها استنانًا بسنة اليهود.
"والسرج": جمع سراج، وهو المصباح، وإنما حرم اتخاذ السرج عليها؛ لأنها من آثار جهنم، وفيه تضييع المال بلا نفع، وللاحتراز عن تعظيم القبور، كالنهي عن اتخاذها مساجد.
* * *
٥٢٥/ -م - عن أبي أُمامة الباهلي: أنَّ حَبْرًا من اليهود سأل النبيَّ - ﷺ -: أيُّ البقاع خيرٌ؟ فسكت عنه، وقال: "اسكت حتى يجيء جبريلُ"، فسكت، فجاء جبريل ﵇، فسأله، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن أَسالُ ربي تعالى، ثم قال جبريل: يا محمد! إني دنوتُ من الله دُنوًّا ما دنَوتُ منه قطُّ، قال: "كيف كان يا جبريلُ؟ "، قال: كان بينه وبيني سبعون ألف حجابٍ من النور، فقال: "شرُّ البقاع أَسواقها، وخير البقاع مَساجدها"، في نسخةٍ: "بيني وبينه".
"وعن أبي أمامة الباهلي: أن حَبرًا": بفتح الحاء على الأشهر؛ أي: عالمًا.
"من اليهود سأل النبي ﵊: أي البقاع خير؟ " بكسر
[ ١ / ٤٤٨ ]
الباء: جمع البقعة، وهي الموضع الذي يجتمع الناس فيه مطلقًا.
"فسكت عنه، وقال ﵊: أسكتُ": على صيغة المتكلم.
"حتى يجيء جبرائيل ﵇، فسكت، وجاء جبرائيل - ﵊ - فسأله، فقال: ما المسؤول منها بأعلم من السائل، ولكن أسأل ربي ﵎"؛ أي: لكن أرجعُ إلى حضرة ربي، وأسأله عن هذه المسألة.
"ثم قال جبرائيل" بعد رجوعه إلى الحضرة: "يا محمد! إني دنوت"؛ أي: قربت.
"من الله تعالى دنوًا ما دنوت مثله قط"؛ يعني: أذن لي بأن أقرب منه تعالى أكثر مما قربت في سائر الأوقات، لعل زيادة تقريبه منه تعالى في هذه المرة؛ لتعظيمه النبي ﵊؛ لأنه أتى من عنده ﵇، وقد يزيد المحب في احترام رسول الحبيب؛ لتعظيمه.
"قال: كيف كان يا جبرائيل؟ قال: كان بيني وبينه"؛ أي: بيني وبين العرش "سبعون ألف حجاب من نور، فقال: شر البقاع أسواقها، وخير البقاع مساجدها".
* * *